الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أيُّها الإخوة الكرام: قبل أن أبدأ الموضوع الذي اخترته لكم، هناك مُقدِّمةٌ لهذا الموضوع موقظةٌ مُحرِقة.
من روائع مستشفى الملك المنصور:
في المستشفى المنصور الكبير، الذي أنشأه في مصر المَلِك المنصور سيف الدين قلاوون، عام ألفٍ ومئتين وأربعة وثمانين ميلادية، وكان آيةً من آيات الدنيا، في التنظيم والترتيب، جُعِلَ الدخول إليه والانتفاع منه، مُباحاً لجميع الناس من ذكرٍ وأنثى، وحُرٍ وعبد، ومَلِكٍ ورعية، وجُعِلَ لمَن يخرُج منه من المرضى عند بُرئه كسوةٌ كاملة، ومَن مات جُهِّز وكُفِّن ودُفِن.
وعُيِّن في هذا المستشفى، الأطباء من مختلف فروع الطب، كما وظِّفَ له الفرَّاشون والخَدَمَة لخدمة المرضى، وإصلاح أمكنتهم، وتنظيفها، وغسل ملابسهم - أنا أنقُل من التاريخ نصَّاً تاريخياً - وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمَّام، حيث كان لكل مريضٍ شخصان يقومان بخدمته، وجُعِلَ لكل مريضٍ سريراً وفِراشاً كاملاً، وأُفِرَد لكل طائفةٍ من المرضى، أماكن تختص بهم، أقساماً أقساماً، أمراض جهاز الهضم، أمراض جهاز التنفس، ورُتِّبَ فيه مكانٌ يجلس فيه رئيس الأطباء، لإلقاء دروس الطب على الطلبة، مستشفى علاجي وتعليمي، ومن أروع ما فيه، أنَّ الاستفادة من هذا المستشفى ليست مقصورةً على مَن يُقيم فيه من المرضى، بل هناك عياداتٌ خارجية، بل رُتِّب لمن يطلب وهو في منزله، ما يحتاج من الأدوية والأغذية والأشربة ما يُلبّي حاجته.
وأدّى هذا المستشفى عمله الإنساني الجليل، حتى أَخبر بعض أطباء العيون الذين عملوا فيه، أنه كان يُعالج فيه كل يومٍ من المرضى، الداخلين إليه والناقهين الخارجين أعدادٌ كبيرةٌ جداً كل يومٍ، ولا يخرُج منه كل مَن يبرأ من مرضٍ، حتى يُعطى كسوةً كاملة، ودراهم لنفقاته في أيام نقاهته، حتى لا يُضطر للالتجاء للعمل الشاق فور خروجه.
ومن أروع ما فيه أيضاً، النَص على وقفيَّته، خدماتٌ مستمرة، على أن يُقدَّم طعام كل مريضٍ، بطبقٍ خاصٍ له، خوفاً من العدوى، كل مريضٍ له طبقٌ خاص يُستخدَم مرةً واحدة، ووجوب تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشكل.
ومن أروع ما فيه أنَّ المؤرَقين الذين لا ينامون الليل، كانوا يُعانون من العُزلة، ويوضعون في قاعةٍ مُنفردة، يُشنِّفون أسماعهم بأصوات الابتهالات والأناشيد، أو يتسلَّون باستماع القصص يُلقيها عليهم بعض الوعاظ، وكان الناقهون يُرَّفهون، وكان المؤذِّنون في المسجد المُلاصق، يؤذِّنون في السَّحَر قبل ميعاد الفجر، ويُنشدون الأناشيد بأصواتٍ ندية، تخفيفاً لآلامهم التي كانت تُضجرهم.
هذه مُستشفى أنشأها الناصر قلاوون في عام ألفٍ ومئتين وأربعة وثمانين ميلادية، هكذا كان الإسلام، هذا المستشفى بالذات، ثم اندثرت هذه المُستشفى، وتحوَّل هذا الصرح العظيم بسبب الجهل المُرعِب إلى حالٍ لا تُصدَّق، فقد زار هذا المستشفى أحد الباحثين في أواسط القرن التاسع عشر فقال عنه:
<< ولقد تخرَّب، ولم يبقَ منه سوى قبر مؤسِّسه، وبعض حاجاته، يأتي إليها المرضى يزورون قبر السلطان بقصد الشفاء، فيمسّون عمامته لشفاء أوجاع الرأس، وقفطانه للشفاء من الحُميَّات المُتقطعة، وتجتمع الشابات من النساء والأُمهات، ومعهُنّ أولادهُنّ، فتطلُب الواحدة منهُنّ من الله أن يرزقها ولداً ذكراً، فتأتي النساء فينزعنَّ اللباس عن أنفسهنّ، ويكررن القفز مِراراً حتى يتعبنّ، وكان كثيرٌ من النسوة يأتون بالأطفال الصغار، حتى قبل أن تقوى على المشي أجسامهم، ويُطلَب فك عقدة لسانهم، ماذا يفعلون؟ يأتون بحامض الليمون ويصبونه على بعض الأعمدة التي فيها حجرٌ حديدي، فيصبح لونُ السائل أحمر، فيلحسه هذا الطفل، فيتألم فيصيح، إذاً نطق! هكذا آلَت إليه حال هذه المُستشفى>> .
لذلك أيُّها الإخوة: هذه النقلة المُخيفة، من مستشفى حضاري إنساني قام على العِلم، إلى مستشفى قام على الخُزعبلات والترُّهات، والأساطير والشعوذة والسحر.
الإسلام أيُّها الإخوة دين الله، الإسلام وحي السماء، الإسلام خُلُق، الإسلام التزام، الإسلام أمانة، الإسلام صدق، الإسلام بناء، الإسلام إيجابي،

ليس هناك إسلامٌ سكوني، ولا إسلامٌ فيه إعجابٌ سلبي، ولا إسلامٌ مُتقوقع، ولا إسلامٌ ينسحب من الحياة، هكذا كان الإسلام، مثَّلته بهذا المستشفى، وهكذا صار الإسلام، مثّلته بالبِدَع والخُرافات، والسحر والشعوذة والأوهام، طبعاً لا أُعمِّم، التعميم من العمى، لكن أنا أقصد الخط العريض في المجتمع عوام الناس.
فلذلك أيُّها الإخوة: الكلمة الدقيقة الآن: نحن ندين بدين وحي السماء، هذا الدين فيه القرآن الكريم، وفيه تفاسير هذا القرآن الكريم، وفيه الحديث الشريف الصحيح، وفيه شرحٌ لهذه الأحاديث، وفيه أحكام الفقه، وأحكام المُعاملات، والسيرة، والعقيدة، وما إلى ذلك.
العالَم الذي شنَّ علينا حرباً عالميةً ثالثة، لا يمكن أن يقرأ كُتبنا، ولا يعبأ بها إطلاقاً، هو يرى مجتمعاً متخلفاً، يرى مجتمعاً فيه بِطالةٌ قد تصل إلى ستين بالمئة، يرى مجتمعاً فيه عنوسةٌ قد تصل إلى خمسين بالمئة، يرى مجتمعاً فيه جهلٌ، يرى مجتمعاً فيه أُميةٌ عاليةٌ جداً، فما لم نبحث عن حلولٍ لمشكلاتنا، فلا يمكن أن يلتفِت إلينا أحد، هذه حقيقة، أن تقول: أنا معي منهجٌ إلهي، على العين والرأس، لكن هل هو مُطبَّق؟ ما قيمة منهجٍ لا يُطبَّق؟ لا تقُل: أنا من أمة سيدنا محمد، الذين قالوا:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)﴾
بماذا ردَّ الله عليهم؟ (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) الإسلام حضاري، الإسلام أعمالٌ جليلة، الإسلام بطولات.
سيدنا عبد الله بن رواحة أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى يهود خيبر ليُقيِّم تمرهم، فأغروه بحليّ نسائهم:
(( أفاءَ اللهُ خيبرَ عَلَى رسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعَلَها بينَها وبينَهُم فبعَثَ عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ فَخرَصَها عليهم ثم قال: يا معشرَ اليهودِ أنتم أبغُض الناسِ إلي قتَلْتُمْ أنبياءَ اللهِ وكذَبْتُم على اللهِ عزَّ وجلَّ وليس يَحْمِلُنِي بُغْضِي إيَّاكُمْ على أنْ أَحِيفَ عليكم قَدْ خَرَصْتُ عشرينَ أَلْفَ وسقٍ من تمرٍ فإنْ شِئْتُمْ فلَكُمْ وإنْ أَبَيْتُمْ فَلِي فقالوا بِهَذَا قامَتِ السماواتُ والأرضُ ))

لن نغلِب أعداءنا إلا بالتمسُّك بديننا، أمّا أن نتباهى به، أمّا أن نتغنَّى بالآباء والأجداد، والله هذا لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر.
ذكرت لكم كثيراً، أنَّ رسالةً إلكترونيةً وردتني مرةً، تأثرت لها تأثُّراً كبيراً لأنها مُعبِّرة، عن إمام مسجدٍ في لندن، نُقِلَ إلى بلدةٍ في ظاهر لندن إلى مانشستر، فاضُطر أن يركب مركبةً كل يوم، وفي إحدى المرات، أعطى السائق قطعةً نقديةً كبيرة وردَّ له السائق البقية، عدَّها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عمَّا يستحق، لأنه إمام مسجدٍ قال في نفسه: لا بُدَّ أن أُعيد المبلغ الزائد إلى السائق، فلمّا جلس على مقعده جاءه خاطر، أنَّ هذه شركةٌ عملاقة، ودخلها فلكي، وأنَّ هذا المبلغ يسير لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، وأنا في أمسّ الحاجة إليه، فلا عليَّ أن آخذه، هكذا استقر رأيه، فلمّا أراد أن يُغادر المركبة، دون أن يشعُر مدَّ يده إلى جيبه، وأعطى السائق العشرين بنساً، فابتسم السائق وقال له: ألست أنت إمام هذا المسجد؟ قال له: بلى، قال: حدَّثت نفسي قبل يومين أن آتيك في المسجد لأتعبَّد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، هذا الإمام وقع مغشياً عليه، لأنه تصور عِظَم الجريمة التي كاد يرتكبها لو أبقى المبلغ في جيبه، فلمّا صحا من غفوته قال: يا ربّ كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
لا تعتبوا على الأعداء، إنهم أعداء، قال الله عنهم:
﴿ هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)﴾
لا تعتبوا على خِطَطِهم، ولا على احتلال بلادٍ أُخرى، ولا على نهب ثرواتها، ولا على قتل أبنائها، هذا شأن الأعداء، ولكن المسلمين اليوم يعدّون المليار والخمسمئة مليون، وهُم يحتلون أخطر مواقعٍ في الأرض، ومتربعون على ثرواتٍ لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك هُم فقراء، وأمرهم ليس بيدهم، وليست كلمتهم هي العُليا، لأنهم تركوا منهج الله عزَّ وجل، وجعلوه وراءهم ظهرياً.
﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾
لا بُدَّ من المُسلم العملي:
إخوتنا الكرام: لا يُجدي أن نَحضُر وأن نستمع، لا يُجدي أن نُشيد بهذا الدين العظيم، لا يُجدي أن نتحدَّث عن وحي السماء، الآن يُجدي أن نحمِل همَّ الأُمة،

أن ننهض لحل مشكلاتها، أليس عاراً وشناراً أنَّ نِصْف سكان هذا البلد من النساء ليس لهنَّ أزواج، ألا ترون أنها نسبةٌ مُرعبة، أن تكون العنوسة خمسين بالمئة؟ أليس هذا وصمة عارٍ بحق الأُمة، أن تكون نِسَب العنوسة خمسين بالمئة؟ ما الذي يُقوينا؟ العمل، هناك بِطالةٌ، ما الذي يُقوينا؟ ضياع الشباب، الشباب بحاجة إلى عنايةٍ بالغة، بحاجة إلى فُرص عمل، بحاجة إلى تزويج، بحاجة إلى مساكن.
يا أيُّها الإخوة الكرام: مرةً ثانية: كنت في أستراليا، وفي أثناء مُغادرتي هذا البلد، ألقيت كلمةً في الإذاعة قلت فيها، أُخاطب سبعمئة ألف مسلمٍ، قلت لواحدٍ منهم: هذا الأسترالي لا يمكن أن يفتح القرآن الكريم، ولا أن يطَّلِع على تفسير آيةٍ، ولا أن يفتح فتح الباري في شرح صحيح البخاري، هذا الأسترالي لا يعرف الإسلام إلا منك أيُّها المُسلم، فإن غششت، أو أدَّيت تصريحاً كاذباً، أو أهملت عملك، أو فعلت شيئاً لا يليق بمُسلمٍ، سقط الإسلام من أعينهم عن طريقك، وأنت أيُّها المُسلم:
(( أنتَ على ثَغْرَةٍ من ثُغَرِ الإسلامِ، فلا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكَ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]

أٌقسِم لكم بالله ولا أحنَث إن شاء الله، أنَّ الجاليات الإسلامية في أنحاء الأرض، لو أنَّها طبَّقت الإسلام، لكان موقف الغربيين من الإسلام غير هذا الموقف، حتى هذا الذي رسم نبينا عليه الصلاة والسلام بصورةٍ مشينة، لمّا عوتب وحُدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنت أظنه هكذا، كنت أظنه كأتباعه، نحن مُقصِّرون تقصيراً شديداً، نحن لا نتعاون وأعداؤنا يتعاونون، أعداؤنا ألعاب أطفالهم وهُم في السنتين أو الثلاثة أساسها التعاون.
نحن نتنافس لا نتعاون، نحن لا نؤمن بفريق العمل، نؤمن بأنَّ كل واحدٍ يُحطِّم مَن حوله حتى يصبح العشرة واحداً، نحن انتماؤنا فردي لا إلى المجموع، كل إنسانٍ يبحث عن حلول مُشكلاته فقط، ولا تعنيه مُشكلات الأُمة، لذلك بيت الشعر الذي يُعَد أهجى بيتٍ قالته العرب، هو الآن شعار كل إنسان:
دع المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعُد فإنك أنت الطاعم الكاسي
إخوتنا الكرام: أوقفوا المديح أرجوكم، أوقفوا مديح المسلمين، ابحثوا في أخطائهم، في سلبياتهم، في انتماءاتهم الفردية، في نزاعاتهم، أعداؤنا يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسمٌ مشتركة، ونحن الذين حولنا يتقاتلون - البارحة خمسمئة قتيل - يتقاتلون وبينهم خمسة وتسعون بالمئة قواسمٌ مشتركة، أليس هذا وصمة عارٍ بحقِّ الأمة؟
أيُّها الإخوة: آن لنا أن نصحو من غفلتنا، آن لنا أن ندَع المديح لأُمتنا.
أَلْهَى بَنِي تَغْلِبَ عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ قَصِيدَةٌ قَالَها عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ
التغنّي بالآباء والأجداد مفيدٌ إذا كان الحاضر امتداداً للماضي، أمّا إذا كان هناك انقطاعٌ كبيرٌ بين الماضي والحاضر فلا ينفع شيء.
أيُّها الإخوة الكرام: مفهوم التعاون، مفهوم التآخي، مفهوم الحُب، مفهوم:
(( لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفسِه ))

مفهوم الحفاظ على الوقت، مفهوم إتقان العمل، مفهوم العمل ضمن المُتاح، مفهوم ترشيد الطاقة، ترشيد الاستهلاك، هذا مفهومٌ حضاري، وهذا من أصل الدين، النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من قعبٍ ففضلَت فضلةً، قال:
"ردّوها في الساقية ينفَع الله بها قوماً آخرين" .
هذا الترشيد، وهذا الوعي، والانتماء للمجموع، وإدارة الوقت، وإتقان العمل، والعمل على حمل همّ المسلمين والتخفيف عنهم، هذا واجب المسلمين اليوم، وإلا.. - أنا لا أُبالغ وأعلَم إن شاء الله - أنَّ هناك خِططاً لأعدائنا يصعُب أن تتصوروها، آخر قرار بإبادتنا، وقبل الإبادة الإفقار، وبعد الإفقار الإضلال، وبعد الإضلال الإفساد، وبعد الإفساد الإذلال، هذه حقائقٌ لا ينبغي أن نكون كالنعامة، نغمِس رأسنا في الرمال ولا نعبأ بها، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾
قال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾
وقد لقيَ المسلمون ذلك الغي، إيّاكم أن تيأسوا، الله معنا ولكن بشرط أن نكون معه، إيّاكم أن تقنطوا، الله عزَّ وجل لا يتخلَّى عنّا، ولكن بشرط أن نصطلح معه، والكُرة في ملعبنا، وخلاصنا بيدنا، والله الذي لا إله إلا هو، هذه القوى الكبيرة هي قوى كبيرةٌ عند الجُهلاء، أمّا عند الله فلا شيء، كُن فيكون زُل فيزول، لذلك:
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)﴾
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
الواقع نحن لسنا مُستخلفين، ولسنا مُمكَّنين، ولسنا آمنين، لأنه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) .
أيُّها الإخوة: قد يقول أحدكم: ما الخلاص؟ الخلاص:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
(مَا كَانَ) من أشدّ صيَغ النفي، أي مستحيل وألف ألف مستحيل، هذا نفي الشأن لا نفي الحدَث، لو قال لك أحدهم: هل أنت جائعٌ؟ تقول له: لا، فقط، أمّا لو قال لك ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ وأنت مؤمنٌ: هل أنت سارق؟ لا تقول: لا، بل تقول: ما كان لي أن أسرِق، يعني مستحيلٌ أن أرضى، أو أن أُشجِّع، أو أن أُبارك، أو أن أوافق، أو أن أسكُت، أو أن أعمَل، نفي الشأن يصل إلى عشرة أفعالٍ، الله عزَّ وجل يقول: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) أي مستحيلٌ وألف ألف مستحيل، أن يُعذَب المسلمون وفيهم منهج رسول الله، مُطبَّقٌ في حياتهم، بل إنَّ الله سبحانه وتعالى لم يقبَل دعوى محبَّته إلا بالدليل:
﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)﴾
والدليل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنَّ الله سبحانه وتعالى عدَّ عدم الاستجابة للنبي رفضاً لمنهج الله:
﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)﴾
لا بُدَّ من تغييرٍ جذري لأنماط حياتنا:
أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ من تغييرٍ جذري لأنماط حياتنا، لا بُدَّ من رفض الشخصية السلبية، لا تعمل، ولا تُقدِّم، ولا تهتَم، انتماؤها فردي، تنتقِد، وتُنصِّب نفسها وصيةً على الآخرين،

هذا النموذج مرفوض، بإمكان كل واحدٍ منّا أن يُساهِم في تخفيف هموم المسلمين، بإتقان عمله، بإعطاء سعرٍ مُعتدل، الموظف بإمكانه أن يُخفِّف متاعب المسلمين، إذا استقبل المُراجع بوجهٍ باش، وسهَّل له مُهمته، لا يضَع العصيّ في العجلات كي يبتز ماله، ما مِن إنسانٍ بأي حرفةٍ، إلا ويقدِر أن يُخفِّف متاعِب المسلمين، والله يوفِّقه، إن كنت موظفاً، إن كنت طبيباً، إن كنت محامياً، إن كنت بائعاً، إن كنت تاجراً، إن كنت مزارعاً، فأنا لا أكلِّفكم ما لا تُطيقون، لست مُكلَّفاً بأن ترُدَّ عدوان الغرب، هذا فوق طاقة الدول الإسلامية كلها، أنت مُكلَّفٌ أن تكون مؤمناً مستقيماً، إن كنت مستقيماً كانت هناك شريحةٌ من المؤمنين قويةٌ مُتماسكة، البطولة ألّا ينفرِد الباطل بالساحة.
فيا أيُّها الإخوة الكرام: أردت من قصة المستشفى، كيف كانت حضارةً، وعطاءً، وعِلماً، وإنسانيةً، وعدالةً، ثم كيف أصبحت هذه المستشفى الآن، مكاناً للشعوذة، والدَجَل، والسحر، والخُرافات، والأشياء التي لا تُرضي إنساناً ولا ترضي المجموع.
هذا ما يمكن أن تفعله لخدمة المسلمين:
أيُّها الإخوة الكرام: هناك مُشكلاتٌ تُسهِم أنت في حَلِّها، يكفي أن تسعى لتزويج شابٍ بفتاة، اسعَ لهذا العمل.
(( من أفضلِ الشَّفاعةِ أن يُشفعَ بين الاثنين في النِّكاحِ ))
[ أخرجه ابن ماجه والطبراني وابن أبي عاصم ]

يكفي أن تسعى لتزويج أبنائك، لا تقُل: أنا عصامي، أُريد منهم أن يكونوا عصاميين، الآن الأمور صعبةٌ جداً، عندما تحمِل همّ تزويج الشباب، عندما تعمل عملاً وتُهيِّئ فُرَص عملٍ للشباب، فقد قدَّمت خيراً كبيراً.
أيُّها الإخوة: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكل واحدٍ منّا يقدِر أن يعمل عملاً عظيماً، والله بإمكان كل واحدٍ منّا أن يعمل عملاً مُذهلاً، والعالَم كله ضد الإسلام، والعالَم كله يُحارِب الإسلام.
لذلك أيُّها الإخوة: أسأل الله أن تكون هذه القصة، قصة المُستشفى أن تكون لنا درسٌ بليغ، كيف كُنّا وكيف أصبحنا، كيف كانت مجتمعاتنا مجتمعاتٍ حضارية، مجتمعاتٍ مُتقدِّمة، مجتمعاتٍ خيِّرة، مجتمعاتٍ إنسانية، يسودها العدل، يسودها الرحمة، وكيف أصبحت مجتمعاتنا بؤرةً للبِدَع والضلالات والخُرافات، والله السحر والشعوذة منتشرة انتشاراً يفوق حدَّ الخيال، فضائياتٌ تعرِض الشعوذة والسحر، إذاعاتٌ تعرِض التنجيم، وحظك هذا الأسبوع، وبأي بُرجٍ أنت، خُرافات لا يعلمها إلا الله، جهاتٌ تعتني بهذه البرامج، وذات نفقاتٍ عاليةٍ جداً، وهناك مَن يُصدِّق.
يا أيُّها الإخوة الكرام: نحتاج إلى صحوةٍ، ونحتاج إلى ترشيد هذه الصحوة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.
خلايا العقل والقلب لا تتغيَّر:
أيُّها الإخوة الكرام: زارنا قبل يومين، داعيةٌ من الدُعاة إلى الله عزَّ وجل، وهو مُتخصِّصٌ بالإعجاز العلمي، كان بيني وبينه لقاءٌ طويل، أو لقاءان، لكن أنقُل لكم بعض ما سمعت منه، الذي أعرفه قديماً، وذكرته كثيراً، أنَّ كل شيءٍ في جسم الإنسان، يتغيَّر كل خمس سنواتٍ، أقصر عُمر خليةٍ، زُغابات الأمعاء الداخلية، تتغيَّر كل ثمانٍ وأربعين ساعةً بالضبط، وأطول عُمرٍ، عُمر الخلية العظمية كل خمس سنواتٍ، فأنت كل خمس سنواتٍ إنسانٌ آخَر، بهيكلك العظمي، بعضلاتك، بأوعيتك، بأجهزتك، بحواسك، إنسانٌ آخَر، ليس شيءٌ من خلاياك في أي نسيجٍ وفي أي جهازٍ كما هو، أصبح جديداً، عدا عضوين، لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، هُما الدماغ والقلب، أمّا الدماغ فواضحٌ جداً الحكمة البالغة من عدم تغيّره، لأنه إذا تغيَّر فقدت كل اختصاصك، ومعلوماتك، وذكرياتك، ومهاراتك، وكل شيءٍ تملكه في الدماغ، اختصاصك، معلوماتك، لغتك، مهاراتك العمليَّة، فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة الدماغ لا يتغيَّر، أمّا أنَّ القلب لا يتغيَّر، أنا كنت أظن أنه مضخةٌ فقط، أمّا قوله تعالى:
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾
هذا قلب النفس مركز النفس، أمّا أن يتَّحِد مركز النفس مع القلب، فهذا شيءٌ جديد، فقد اكتُشِف الآن مؤخَّراً، أنَّ هناك خلايا عصبية تُحيط بالقلب، هي التي تأمُر الدماغ، هي المُسيطرة على الدماغ نفسه، ولها قوةٌ تزيد مئتي ضِعفٍ عن خلايا الدماغ بقوة تأثيرها.

على كلٍّ إذا كان الدماغ مركز المعلومات، فالقلب مركز الأحاسيس والمشاعر، هناك ثماني حالاتٍ في العالَم، شابٌّ مات بحادثٍ، قبل أن يموت أخذوا قلبه، وزرعوه بعد قليلٍ لإنسانٍ في الثمانين من عمره، كل مشاعر هذا الشاب انتقلت لهذا الإنسان الثاني، ذَكرَ ثماني حالاتٍ لا تدَع مجالاً للشك أبداً، أنَّ القلب مكان المشاعر والأحاسيس.
فلذلك حفاظاً على أفكارك، واختصاصك، ولغتك، ومهاراتك، وقُدراتك، وخبراتك المُتراكمة، يبقى الدماغ ثابتاً، وحفاظاً على ميولك، ومشاعرك، وقيَمِكَ، وما تُحب، وما تكره، يبقى القلب ثابتاً، هذه حكمةٌ بالغةٌ بالغة، ولم يعُد القلب المضخة الصنوبرية التي تضخ الدم ليس غير، بل أصبح كما قال الله عزَّ وجل: (لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) .
كما قال الله عز وجل: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) كلما تقدَّم العِلم، كشف عن جانبٍ من جوانب هذا الخَلق المُدهِش المُعجِز.
قصةٌ وعبرة:
النقطة الثانية: أستاذٌ في الجامعة في بلدٍ إسلامي، جاءته قواتٌ أجنبية، وحدَّثني ما رأى بأُمِّ عينه، القوات الأجنبية استفزَّت المُسلمين استفزازاً لا يُصدَّق، أن تدخُل فتاةٌ بثيابٍ مُتبذِّلةٍ جداً إلى مسجدٍ، إلى البيوت، مركباتٌ بلا أرقامٍ تدهس طفلاً ولا أحد يُحاسبها، استفزّوا المُسلمين استفزازاً يُخرِج من جلد المؤمن، فلمّا همَّ طلابه بعملٍ كردٍّ على هذا العمل، هدَّأهم وقال لهم: عرّفوهم بالإسلام، واتصل بالقائد العسكري لهذه القوة، في منطقةٍ في بلدٍ إسلامي، وقال له: أنتم ضيوفنا، هل تسمحون لنا أن نُعرِّفكم بهذا الدين؟ ألقى محاضراتٍ لستة أشهرٍ، عدد الذين أسلموا عشرون ألفاً، وأخذهم بنفسه إلى بلادهم الأصلية بعد عامين من انتهاء خدمتهم، ووزَّعهم على مراكزٍ إسلامية.
يا إخوان: مرةً جاء إنسانٌ أمريكي إلى الحج، وفي مِنى ألقى هذه المحاضرة، أنا أحفظ منها جملةً رائعةً جداً، قال: "نحن أقوى قوةٍ في العالَم، إن أقنعتمونا بإسلامكم كانت قوتنا لكم"، نحن مُقصِّرون، أقسَم لي بالله وهو عندي صادق، أنه أسلَم على يده عشرون ألف إنسانٍ، من هذه القوات التي تستفز المُسلمين، يا أخي علِّموا الناس، بيِّنوا لهم هذا الإسلام العظيم.
يا أيُّها الإخوة: نحن مُقصِّرون، أؤكِّد لكم أنَّ الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل مسلمٍ، فرض عينٍ، لا تقُل: فرضٌ كفائي، التبحُّر والتعمُّق والتفرُّغ فرضٌ كفائي، أمّا أن تستمع إلى تفسير آيةٍ، إلى تفسير حديث، انقُل هذا التفسير إلى إخوانك، إلى أصدقائك، إلى جيرانك، إلى أهل بيتك، إلى أولادك، إلى من يلوذ بك.
(( بلِّغوا عنِّي ولو آيةً وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَهُ من النَّارِ ))
هذا كلام حبيب الخَلق وسيد الخَلق.
لذلك أيُّها الإخوة: لا تكن مُسلماً سكونياً، لا تكن مُسلماً متقوقعاً، لا تُنصِّب نفسك وصيَّاً وتنتقِد كل المُسلمين، ولم تفعل شيئاً.

أنا أقول كلمةً دائماً: كلكم جميعاً تموتون محبَّةً في إنسانٍ لا يُخطئ، فمَن هو؟ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول لكم: ينبغي أن نموت احتقاراً لإنسانٍ آخر لا يُخطئ، مَن هو؟ الذي لا يعمل، الذي لا يعمل لا يُخطئ، لا يُقدِّم شيئًا، لا يحمِل همَّاً، لا يسعى لهداية إنسانٍ، لا يُقدِّم مبلغاً من المال، لا يزور مريضاً، هذا الذي لا يعمل لا يُخطئ، يجب أن نحتقره، والذي يعمل يُخطئ، يجب أن نُنبِّهه بلطفٍ، نقول له: جزاك الله خيراً على هذا العمل، وهناك إنسانٌ قنَّاص ما عنده إيجابيات أبداً، فقد يكون إنسانٌ مُقدِّماً جبالاً من الأعمال، ولخطأٍ طفيفٍ جداً، يُقيم عليه الدنيا ولا يُقعدها، هذا النموذج يجب أن يُحتقَر، القنَّاص الذي لا يرى إلا السلبيات.
أيُّها الإخوة: نحن أحياء، والقلب ينبِض، ونستمِع للحقّ، لا نُعفى من المسؤولية، الله سيُحاسبنا جميعاً، فكِّر ماذا قدَّمت للمُسلمين، والله بإمكانك أن تُقدِّم كل شيءٍ، إتقان عملك وحده هديةٌ للمُسلمين، سعرٌ مُعتدِلٌ يكفي، أمّا للمُحتاج فالسعر عشرة أضعافٍ، استغلال، إنسانٌ يبيع مُضطراً فنأخُذ بضاعته نهباً.
انتشار الظلم حجابٌ عن النصر:
يا أيُّها الإخوة: الخطأ في بُنيتنا التحتية والله، دعونا من الكبار، ارتاحوا منهم، والله خطؤنا في أنفسنا، والله في بيوتات المُسلمين ظلمٌ لا يعلمه إلا الله، والله أقول لكم هذه الكلمة سامحوني بها: والله لا نشُم رائحة النصر إذا كان ظلمٌ داخليٌ بيننا، إذا كانت بيوتنا فيها ظلمٌ، فتاةٌ تُظلَم ظُلماً شديداً، تُسحَق، طلِّقها، لماذا؟ ما جاءت على مِزاج أُمّه، والزوجة مؤمنةٌ طاهرةٌ مُحجَّبة، تقول له أُمّه: طلِّقها وإلّا أغضب عليك، والله عندنا ظلمٌ في البيوت لا يعلمه إلا الله، وظلمٌ في البيع والشراء بالاستغلال، فما دام هناك ظلمٌ، فلن نشُم رائحة النصر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ الله ينصُر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المُسلمة الظالمة" .

مُجتمعٌ فيه ظلمٌ في العمل، تسمَع قصصاً تخرُج من جلدك منها، مُسلمٌ يُصلّي يتفنَّن في إذلال زوجته، في ضربها أمام أولادها، وهو في المسجد في الصف الأول، كيف يتوازن؟ أين الإسلام؟ أين قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي، وإذا ماتَ صاحبُكُم فدَعوهُ ))
[ أخرجه الترمذي والدارمي وابن أبي الدنيا ]
دعوكم من الكبار، أتكلم عن البُنية التحتية، عن عامة المُسلمين، فما لم يعدلوا، أنا قلت كلمةً مرة: الرجُل الذي يرى أنَّ له ما ليس لزوجته، هو يتفنَّن في إذلال أهلها، وإن تكلمت كلمةً بحقِّ أُمّه طلَّقها، هذا عُنصري، هذا ليس مُسلماً، الذي يرضى أن تُعامَل زوجة ابنه في البيت، مُعاملةً لا يرضاها لابنته في بيت أهل زوجها، هذا عُنصري.
قال لي أحدهم: عندي شابٌّ ذكيٌ جداً، طلب منّي ساعةً قبل الدوام ليُغادِر، حتى يدرس ليلاً ليأخُذ الكفاءة، قال لي: هو يتيم، ما سمحت له كي لا يتركني في المُستقبل، وبعد دقيقتين قال لي: وضعت لابني مليوني ليرة لدروسٍ خاصة، حتى يجعله طبيباً، تُريد ابنُكَ طبيباً وتضع له مليوني ليرة، وهذا اليتيم طلب منك ساعةً قبل الدوام ليُغادِر فلا تسمح له!! والله لا نشُم رائحة النصر، فإذا كنت لا تُعامِل هذا الإنسان كما تُعامِل ابنكَ فلست مُسلماً، إذا ما كنت تُعامِل زوجة ابنِكَ كما تتمنّى أن تُعامَل ابنتُك فلستَ مُسلماً.
نحن عندنا ظلمٌ كبير، لا تعتبوا على الله يا إخوان، نحن خرجنا عن منهج الله، نحن إسلامنا إطارٌ فقط، مساجد، تكبير صوت، خُطب رنَّانة، مؤلَّفات، مؤتمرات، لكن ادخُل إلى البيوت لا إسلام فيها أبداً، أنا لا أُعمِّم، التعميم من العمى، فهناك بيوتٌ ملء السمع والبصر، ولكن أتكلم بشكلٍ عام، الخط العريض، لأنَّ الله لا ينصرنا أبداً، كل يومٍ هناك خبرٌ سيِّئ، إلى متى؟ لا بُدَّ من صُلحٍ مع الله.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت ولا يعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطِنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
اقسِم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا وانصُرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلَغ عِلمنا، ولا تُسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المُسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق