- ندوات تلفزيونية
- /
- ٠28برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
إضاءات قرآنية :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .
أعزائي المؤمنين ؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إن محور هذا اللقاء الطيب ـ إن شاء الله ـ إضاءة قرآنية لما حدث ، فالعبرة أيها الإخوة لا أن نأخذ علم بما حدث ، ولكن العبرة أن نفهم الذي حدث فهماً علمياً ، ولعل من أبسط تعريفات العلم الوصف المطابق للواقع مع الدليل ، فما أكثر التحليلات والتفسيرات للأحداث الكبرى التي نشهدها اليوم ، لكن البطولة أن نملك التفسير الصحيح ، والتفسير العلمي المطابق للواقع .
أيها الإخوة الكرام ؛ لو أن إنساناً يركب مركبةً ، وفي لوحة البيانات تألق ضوء أحمر ، تألق أو لم يتألق ليست هي المشكلة ، إنه تألق ، ولقد رأى راكب المركبة تألُّقَه رأي العين ، ولكن لماذا تألق هذا الضوء ؟ إن فهمه أنه ضوء تزييني فقد أحرق المحرك ، وسوف يدفع مبالغ طائلة ، وسوف تتعطل الرحلة ، وسوف يضيع الهدف ، أما إن فهمه أنه ضوء تحذيري أوقف المركبة ، وأضاف الزيت ، وتابع الرحلة ، وحقق الهدف .
هل العبرة أن آخذ علماً بالذي حدث ؟ أم أن أفهم لماذا حدث الذي حدث ، وما التفسير الصحيح العلمي لما حدث ؟
أيها الإخوة الكرام ؛ الأحداث تترى ، وتتابع ، ولكن البطولة أن نفهمها فهماً علمياً صحيحاً .
التفسير الصحيح للأحداث الجارية من خلال القرآن :
السؤال الآن : مَن هي الجهة التي تملك التفسير الصحيح ؟ إنها الجهة الصانعة ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
قد تستمع إلى آلاف التفسيرات ، وإلى عشرات التحليلات ، ولكن ينبغي أن تعتمد التفسير الذي جاء به الوحيان الكتاب والسنة ، أنت حينما تعالج آلةً ، وتبحث عن خصائصها قد تصيب ، وقد تخطئ ، وفي أغلب الأحيان تخطئ ، أما حينما تسأل مخترعها ، عن دقائقها ، وعن تفاصيلها ، ففي الأعم الأغلب أنك لا تخطئ ، لأن الوحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
أولاً : الإله الذي خلقنا هل يتوهم المتوهمون أنه خلاق ، وليس فعالاً ، أم أنه إله عظيم خلاّق وفعّال ، قال تعالى :
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
حينما تؤمن كما يؤمن بعض الشاردين عن الله أن الله خلاق ، وليس فعالاً تقع في متاهة كبيرة ، أما حينما تؤمن أن الله خلاّق ، وفعّال ، يفعل ما يريد بيده ، كل شيء هو الذي يعطي ، وهو الذي يمنع ، هو الذي يرفع ، وهو الذي يخفض هو الذي يعز هو الذي يذل ، حينما تؤمن أن الله فعال عندئذ ينعقد الأمل على الله عز وجل ، عندئذ تستجيب لأمر الله ، عندئذ تصطلح معه ، عندئذ تتوكل عليه .
أيها الإخوة الكرام ؛ يمكن أن نستنبط من هذه المقدمة أن كل شيء وقع أراده الله ، لأنه لا يعقل ، ولا يقبل أن يقع في ملك الله ما لا يريد ، لا يمكن أن يقع في ملك الله إلا الذي يريد ، نستنبط من هذه الحقيقة التي تتناسب مع أسماء الله الحسنى ، ومع صفاته العليا أن كل شيء وقع أراده الله ، أراده ليس معنى هذا أنه أمر به ، وليس معنى هذا أنه رضيه ، ولكن أراده أي سمح به ، لأن الإنسان في الأصل مخير ، ولا يعقل أن يغير الله سبحانه وتعالى هوية الإنسان فينقله من الاختيار إلى الاضطرار .
جيء برجل إلى سيدنا عمر رضي الله عنه ، هذا الرجل شارب خمر ، فقال الخليفة سيدنا : عمر أقيموا عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين ، إن الله قدّر عليّ ذلك ، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين ، مرةً لأنه شرب الخمر ، ومرةً لأنه افترى على الله ، قال : ويحك يا هذا ، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
إذاً كل شيء وقع أراده الله لا يليق بإلوهية الله عز وجل ، أن يقع في ملكه ما يريد ، وكل شيء وقع أراده الله ، وإذا أراد الله شيئاً وقع ، لكن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق كيف ؟
الإنسان أحياناً بسب ضغط شديد قد يتصرف تصرفاً غير حكيم ، أو بسبب إغراء شديد ، قد لا يكون حكيماً في أفعاله ، أو حينما يجهل حقيقةً يتصرف بخلافها ، هل يليق بذات الله العلية أن يتصف بهذه الصفات ؟ مستحيل ، إذا أراد الله شيئاً وقع ، وإذا وقع الشيء فقد أراده الله ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، قال تعالى :
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
لم يقل : بيدك الخير والشر ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ))
الشر طبيعته سلبية ، أن مخلوقاً كالإنسان أودعت فيه الشهوات ، والشهوات يمكن أن يرقى بها إلى الله مرتين ، يرقى بها إلى الله صابراً ، ويرقى بها إلى الله شاكراً ، أودعت فيه الشهوات ، وأعطي عقلاً يدرك ، أعطي فطرةً ، ثم أعطي منهجاً ، فما هو الشر ؟ الشر إنسان ينطلق بدافع من شهواته من دون منهج ، ومن دون تعقل فيقع الشر .
الشر مختص بالإنسان المخير ، الذي أودعت فيه الشهوات ، ليرقى بها في الأصل إلى رب الأرض والسماوات ، فتحرك بدافع منها تحركاً عشوائياً من دون تعقل ، ومن دون منهج يسير عليه ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ حقيقة لابد من توضيحها ، لو أن إنساناً ـ لا سمح الله ـ تلقى ضربةً بعصا ، إذا كان عاقلاً هل يحقد على العصا ؟ إنها أداة ، لكنه ينبغي أن يحقد على الضارب ، فإذا كان الضارب هو الله ، والله عز وجل أسماؤه حسنى ، وصفاته فضلى ، وأن الطغاة في الأرض هم عصيّ بيد الله ، ألم يقل الله عز وجل في معرض الحديث عن بعض أنبيائه :
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
إنهم وحوش كاسرة مخيفة مفترسة ، لكنها مربوطة بأزِمَّة محكَمة ، فعلاقة هذا الإنسان الضعيف مع الوحوش أم مع من يملكها ؟ الحقيقة أن علاقته مع من يملكها ، فإذا تلقى الإنسان ضربةً قاسيةً من جهة أرضية فينبغي إن كانت عقيدته صحيحة أن يعتقد يقيناً أن الله سمح بهذا المصاب أن يحل به لحكمة بالغة ، فبدل أن يحكم على الضارب يراجع نفسه ، الكرة في ملعبه ، هناك خلل في علاقته مع ربه .
فالإنسان حينما تحف به المشكلات ـ لا سمح الله ولا قدر ـ حينما يصاب بمصائب كثيرة ، ينبغي أن يأخذ هذا الموقف ، الحقيقة أن أهل الدنيا الشاردين عن الله يفهمون المصائب فهماً قهرياً ، يفهمونها فهماً قهرياً ، أرضياً شركياً ، وهذا القهر ينتهي بهم إلى اليأس ، وهذا القهر ينتهي بهم إلى الاستسلام ، وهذا القهر ينتهي بهم إلى الخنوع ، إلى الذل ، إلى الانبطاح ، أما إذا كان المؤمن موحداً ، وكان توحيده قوياً فلا يفهم هذه المصائب فهماً قهرياً شركياً أرضياً ، بل يفهم هذه المصائب فهماً توحيدياً سماوياً ، فيه حكمة بالغة.
إذاً لمجرد أنك توحد ، لمجرد أنك تعلم علم اليقين أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعقل ، ولا يقبل أن يسوق مصيبةً بلا سبب ، ومن دون حكمة ، قال تعالى :
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر .
إذاً أنا حينما أفهم الأحداث الجسام ، حينما أفهم المصائب الكبيرة فهماً قهرياً شركياً أرضياً يجب أن يقودني هذا الفهم إلى اليأس ، والضعف ، والتطامن ، والاستسلام ، والخنوع ، والانبطاح ، والذل ، أما حينما أفهم الحوادث الكبيرة والمصائب الجليلة ، حينما أفهمها فهماً توحيدياً ، فهماً إلهياً ، فهماً قرآنياً لا أحقد على أحد ، بل أراجع نفسي ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾
لأن الله غني عن تعذيبنا ، قال تعالى :
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
خلقهم ليرحمهم ، خلقهم ليسعدهم ، لكنهم خالفوا منهج الله عز وجل ، فدفعوا الثمن ، ذلك أنه ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان .
آية كريمة أيها الإخوة تحير العقول ، يقول الله عز وجل :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
في حياة النبي e معنى الآية ظاهر ، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني أمته فهم في مأمن من عذاب الله ، لكن بعد أن انتقل النبي الكريم e إلى الرفيق الأعلى كيف نفهم الآية ؟ قال علماء التفسير : مادامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ، مطبقة في بيوتهم ، مطبقةً في أعمالهم ، مطبقة في كسب أموالهم ، مطبقة في إنفاق أموالهم ، مطبقةً في اختيار زوجاتهم ، مطبقةً في تربية أولادهم ، فهذه السنة المطبقة هي أمان من عذاب الله ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يسوق عذاباً من دون سبب .
أيها الإخوة الأحباب ؛ إذاً نستنبط من هذا أن الأحداث الجسام إما أن نفهمها فهماً تسليطياً ، وهذه كلمة قرآنية .
﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾
وإما أن نفهمها فهماً تسليطياً لسبب فينا ، لعلة فينا ، لانحراف في سلوكنا ، لتفلت من منهج ربنا ، لتقصير في أداء واجباتنا ، وإما أن نفهمها فهماً قهرياً شركياً أرضياً ، هذا الفهم القهري الشركي الأرضي يقودنا إلى اليأس والخنوع والذل ، لذلك قال تعالى :
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
يعني أن أحد أكبر أسباب عذاب الإنسان أن يشرك ، أن يرى أن هذه المصيبة جاءته من فلان ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
قد أتي المصاب بقضاء من الله وقدر ، فينبغي أن تصبر ، وهذا الصبر يحتاج إلى عزيمة إيمانية قوية ، ولكن الله يقول في آية دقيقة :
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أحياناً يأتي القضاء والقدر على يد جهة أرضية ، أنت ينبغي أن تعالج الأمر ، أن تدافع عن نفسك ، أن تنتصر ، أن تقضي على البغي والعدوان ، لكن ينبغي ألاّ تشعر أنك مقهور .
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره ، ولم يحقد على من كان هذا القضاء بسببه .
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾
واللام لام التوكيد .
أيها الإخوة الأحباب ؛ أعظم ما في الإيمان أن الإنسان إذا ساق الله له مصيبةً يحاسب نفسه أشد الحساب ، يرجع إلى سلوكه ، يرجع إلى منهج ربه ، يرجع إلى تقصيره ، توضع الكرة في ملعبه ، إن هذا الفهم الدقيق للمصائب يرقى بنا إلى الله عز وجل ، يدفعنا إلى التوبة ، يدفعنا إلى الطاعة ، يدفعنا إلى الإنابة إلى الله عز وجل ، لذلك قالوا : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر .
عندئذ حينما لا تحدث المصيبةُ المصيبةَ في نفسه موعظة فذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
بالمنطق السليم ، بالفهم الصحيح ، بالإيمان اليقيني الله عز وجل غني عن تعذيبنا ، أما إذا ساق لنا من الشدائد ما لا قِبل لنا بتحمله معنى ذلك أن هناك خللا خطيرا في علاقتنا بالله عز وجل ، وفي علاقتنا بمن حولنا ، إذاً نرجع إلى الله ، ونتوب إليه حتى يرفع عنا العذاب .
لكل عصر فرعون :
لكل عصر فرعون ، وقد قال الله عز وجل :
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
إذاً حتى المصائب التي نراها مؤلمة أشد الألم هي في حقيقتها نعمة باطنة ، هي في حقيقتها تربية إلهية ، هي في حقيقتها سوق للعباد إلى دار الله عز وجل ، هي في حقيقتها معالجة ربانية ، فالإنسان عندما تأتيه المصيبة ينبغي أن يتوب إلى الله ، الأصل أن تهتدي إليه بالبيان الإلهي ، بالشرح ، بالقرآن ، بالسنة ، بكلمة يلقيها عالم جليل ، بكتاب إسلامي تقرأه ، بشريط تسمعه ، بندوة تشاهدها ، بحديث تطالعه ، هذا هو الأصل ، أن تكون الدعوة بيانية ، وحينما تكون الدعوة بيانية ينبغي أن تستجيب لها ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
يدعوكم للحياة الحقيقية ، يدعوكم للحياة التي تليق بكم ، يدعوكم للحياة التي خلقتم من أجلها ، حياة القيم ، حياة القلب ، حياة الروح ، حياة الطاعة ، حياة السمو ، حياة العمل الصالح ، حياة العمل للآخرة :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
أيها الإخوة ؛ أقول لكم دائماً : الحقيقة المُرَّة أفضل ألف مَرّةٍ من الوهم المريح ، نحن نعتقد كما في القرآن الكريم في قوله تعالى :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
الحقيقة أن هذه الآية لها علة ، علتها يقول الله عز وجل :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾
فعلَّةُ الخيرية الإيمان بالله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فإن ضعف إيماننا ، إن ضعف توحيدنا ، إن ضعف أمرنا بالمعروف ، إن ضعف أمرنا بالمنكر ، إن أمرنا بالمنكر ، ونهينا عن المعروف ، إذا كان المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ، عندئذ لابد من دفع الثمن ، إذاً الله عز وجل ينتظر منا أن نستجيب له بدعوته البيانية ، فإن لم نستجب له بدعوته البيانية فلابد من أن يخضعنا للتأديب التربوي :
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
هذا التأديب التربوي الموقف الكامل منه أن تستجيب لله عز وجل ، أن تعود إليه تائباً ،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجب والعقيم الوالد والظمآن الوارد :
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
أيها الإخوة ؛ إن ساق الله لنا دعوة بيانية فينبغي أن نستجيب إليها ، وإن ساق الله لنا شدة تأديبية فينبغي أن نتوب من ذنوبنا ، وقد يخضع الإنسان لمعالجة ثالثة ظاهرها مريح ، لكن باطنها مخيف ، هو الإكرام الاستدراجي ،
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
هذا الإكرام الاستدراجي خطير جداً ، لأن احتمال التوبة في التأديب التربوي أكبر منه في الإكرام الاستدراجي ، أما حينما يدعونا الله دعوة بيانية فلا نستجيب ، وحينما يسوق لنا من الشدائد كي نعود إليه فلا نتوب ، وحينما يكرمنا إكراماً كي نشكره فلا نشكره ، عندئذ لابد من القصم ، عندئذ يسوق الله لنا شدة قاصمة تنهي الإنسان الضال التائه .
أيها الإخوة الكرام ؛ ينبغي أن نؤمن بالله وحده ، والشيء الدقيق أن الإنسان إذا آمن بالطاغوت فلا يمكن أن يؤمن بالله ، لا يجتمع إيمان بطاغوت في الأرض ، براق ، حياته ناعمة ، يدعي القيم السامية ، يتحدث عن الحرية ، يتحدث عن الديمقراطية ، يتحدث عن حقوق الإنسان ، وهو ليس كذلك ، والأحداث الأخيرة كشفت الحقائق ، إن الله عز وجل يقول :
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
لم تأت الآية : فمن يؤمن بالله فقد استمسك ، لا يمكن أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت ، حينما تكون جهة طاغوتية تخطف أبصار العالم ، تدّعي ما ليس عندها ، تدعي من الكمال ما ليس عندها ، حينما تشجع الناس على أن يأتوا إلى بلادها ، حينما تغدق الأموال الطائلة ، حينما تتحدث عن كمال مزيف لابد من كشف حقيقتها ، لابد من أن يسقط القناع ، لابد من أن تظهر الأكاذيب ، لذلك هذا الذي حدث كشف الأقنعة ، وأزال الأكاذيب ، وجعل هذه الجهة القوية الطاغية الباغية يبدو طغيانها ، وتبدو وحشيتها لكل الناس .
إذاً هذه الآية دقيقة جداً :
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
ولعل الإضاءة القرآنية لما حدث أن الإنسان لا يستطيع أن يخدع كل الناس كل الوقت ، قد يخدع بعض الناس كل الوقت ، وقد يخدع كل الناس بعض الوقت ، أما أن يخدع كل الناس كل الوقت فهذا ما لا يكون ، ولا يمكن أن يكون ، لذلك الله عز وجل متكفل أن يضع كل جهة في حجمها الحقيقي ، قل ما شئت ، تحدث ما شئت ، تبجح بما شئت ، الله عز وجل متكفل أن يرجعك إلى حجمك الحقيقي ، فهذه الجهات التي تتحدث عن حقوق الإنسان ، وعن حرية الشعوب ، وعن الديمقراطية ، وعن كرامة الإنسان ، وعن الرفق بالحيوان ، إنها تفعل الأعاجيب :
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
و قتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
فمن إيجابيات الذي حدث أن الأقنعة قد سقطت ، وأن الأكاذيب قد كشفت ، وأن التزوير قد انكشف ، من إيجابيات الذي حدث أننا لا يمكن أن نعود إلى ربنا ، وإلى ديننا ، وإلى منهجنا ، وإلى وحي السماء إلا إذا كفرنا بالطواغيت :
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ الحقيقة أنهم بوحشيتهم أعانونا أن نكفر بهم ، أنهم بوحشيتهم جعلوا الطريق إلى الله سالكاً ، أنهم بوحشيتهم وكبرهم وغطرستهم ورغبتهم في إلغاء ثقافات الشعوب ، ورغبتهم في محو حرية الشعوب ، ورغبتهم في نهب ثروات الشعوب أعانونا أن نكفر بهم ، ومهّدوا الطريق إلى ربنا ، مهّدوا الطريق إلى ديننا ، مهّدوا الطريق إلى توبتنا ، مهّدوا الطريق إلى أن نعتز بهذا الدين العظيم ، إذاً هذا من إيجابيات الذي حدث .
نبي كريم كان يمشي مع أصحابه في الطريق ، رأوا شاة ميتة تفوح منها رائحة لا تحتمل فقالوا : ما أنتن ريحها ! فقال هذا النبي الكريم : بل ما أشد بياض أسنانها ، هذه إشارة إلى أن الذي حدث مهما كان قاسياً ، مهما كان مؤلماً ، مهما كان مزعجاً ففيه إيجابيات ، لعل من أكبر إيجابيات الذي حدث أن هذا الذي يدّعي الكمال البشري ، يدّعي الحضارة ، يدّعي الرقي كشفت أوراقه ، وسقطت أقنعته ، وانكشفت أكاذيبه ، وأصبح الطريق إلى الله سالكاً ، وتحقق قوله تعالى :
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾
أيها الإخوة الأحباب ؛ الله عز وجل يقول :
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾
أيها الإخوة ؛ قبل أن أتابع الآية ، هل جهة في الأرض مهما كانت قوية بإمكانها أن تنقل جبل قاسيون الذي يطل على دمشق إلى درعا ؟ هل بإمكان دول الأرض مجتمعة ؟ هل بإمكان جيوش الأرض مجتمعة ؟ هل بإمكان القوى التي مهما بدت عظيمة أن تنقل جبلاً من مكان إلى آخر ؟ قال تعالى :
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .