- ندوات إذاعية / ٠22برنامج ربيع القلوب - إذاعة القرآن الكريم الدوحة
- /
- ٠2 ربيع القلوب 2 - أحاديث عام 2020
مقدمة :
الدكتور محمد راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أعزائنا المستمعين عبر إذاعة القرآن الكريم من الدوحة ، أرحب بكم في هذا اللقاء الجديد من " ربيع القلوب " .
لكم بداية التحية من فريق العمل ، من إعداد هذه المادة محمود الدمنهوري ، ومني في التقديم مصابر الشهال ، ومعنا من خلال الهندسة الإذاعية معتصم السلامة .
مستمعينا الكرام نتابع معكم في برنامج ربيع القلوب تدبر آيات من كتاب الله تعالى ، وفي هذه الحلقة نتوقف عند آيات من سورة عمران ، يقول الله سبحانه وتعالى :
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
قال المراغي رحمه الله : مداولة الأيام سنة من سنن المجتمع البشري ، فمرة تكون الدولة للمبتلي وأخرى للمحق ، ولكن العاقبة دائماً لمن اتبع الحق ، وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها ، كالاتفاق ، وعدم التنازع ، والثبات ، وصحة النظر ، وقوة العزيمة ، وأخذ الأهبة ، والإعداد إلى ما يستطاع من القوة ، فالمداولة إذاً سنة ربانية لا تتخلف ، وحركة تاريخية لا تتوقف ، فاليوم ترح ، وغداً فرح ، واليوم عبرة ، وغداً حبرة ، وهي سنة جارية على الأفراد والجماعات والدول .إذاً مستمعينا الكرام نعيش هذه الحلقة مع آية من آيات سورة آل عمران مع ضيفنا الفاضل الداعية الإسلامي فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، حياكم الله شيخنا ، وأهلاً سهلاً بكم من جديد في ربيع القلوب .
الدكتور محمد راتب :
بارك الله بكم ، ونفع بكم .
المذيع :
شيخنا الآيات استمعنا إليها في البداية :
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
لو نأخذ معناها الإجمالي بشكل سريع فضيلة الدكتور ؟الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :
الدكتور محمد راتب :
الله عز وجل رب العالمين ، يربي عباده المؤمنين ، تقتضي المصلحة ، ويقتضي الابتلاء الذي هو علة وجود الإنسان في الأرض أن يمتحن .
﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
والبطولة ليست ألا تبتلى ، بل أن تنجح في الابتلاء ، النبي الكريم سيد الخلق ، وحبيب الحق ، قال :(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))
فالابتلاء قدرنا .تماماً طالب في الجامعة ، الامتحان قدره ، لابد من امتحان ، هذا الابتلاء علة وجودنا، هو :
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
﴿ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
والبطولة ليست ألا تبتلى بل أن تنجح في الابتلاء ، النبي الكريم ابتلي ، قال :(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))
فلا يمكن أن أتصور جنة بلا ابتلاء ، الإمام الشافعي سُئل : أدعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فابتسم وقال : لن تمكن قبل أن تبتلى .الابتلاء قدرنا ، أنت إنسان ، كيف أن طالب الجامعة الامتحان قدره ، لا يوجد جامعة بلا امتحانات ، لا يوجد شهادة لا لسانس ، ولا بكالوريوس ، ولا دكتوراه بلا امتحان ، ونحن قدرنا في الدنيا الابتلاء ، والبطولة أن ننجح به .
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾
الابتلاء والفتنة لا تعني المعنى السلبي أبداً ، معنى حيادي ، قد يفتن بشيء ولا يفعله، ويمكن قد يرتكب معصية كبيرة في الدين الإسلامي ولا أحد يعلم ، لكن هو يراقب الله عز وجل .المذيع :
شيخنا ؛ تقيدها بقول :
﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
هنا دلالة على أن الخطاب موجه للمؤمنين حصراً ؟الدكتور محمد راتب :
طبعاً ، دائماً وأبداً الكفار يخاطبون بمعنى آخر ، يدعون إلى الإيمان فقط ، أما المؤمنون فيدعون إلى تفاصيل الدين ، يا أيها الذي آمنوا جاءت في القرآن مئتين وخمسين مرة ، المؤمن يطالب بالتفاصيل ، بالأشياء الدقيقة ، أما الآخر فيطالب بالإيمان فقط .
المذيع :
في تفسير البغوي شيخنا لهذه الآية يقول : هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد ، زيادة على ما أصابهم من القتل والجراح يوم أُحد .
أنواع الجهاد :
الدكتور محمد راتب :
ما دام ذكرت كلمة جهاد لي تعليق عليها : الحقيقة هناك أربعة أنواع للجهاد ، وهي دقيقة جداً ، أول جهاد وأقوى جهاد ؛ جهاد النفس والهوى ، أن تجاهد نفسك وهواك ، أنت مخير ، عندك شهوات ، وعندك فرص ، قد تفعل شيئاً لا يرضي الله ، ولا أحد يعلم ، فأول جهاد ، وأقوى جهاد جهاد النفس والهوى ، ولي كلمة دقيقة : المهزوم أمام نفسه لا يقدر أن يفعل شيئاً ، انتهى ، فالبطولة أن تكون أمام نفسك إنساناً كبيراً ، مستقيماً ، ورعاً ، معطياً ، تؤدي العبادات ، تنفع الناس، تختار حرفة تنفع الأمة بها .
فلذلك أول جهاد جهاد النفس والهوى .
(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))
ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ، هذا الجهاد ، جهاد النفس والهوى .عندنا جهاد آخر : الجهاد البنائي ، نبني أمة ، نؤمن فرص عمل ، نوظف من يحمل الشهادات العليا ، هناك أعمال يقوم بها القوي بنصرة الأمة كبيرة جداً ، هذا اسمه جهاد بنائي ، قد لا يوجد عندنا اختصاص نادر ، لا يوجد واحد من بلدنا يتقنه ، لذلك يوجد اختصاصات نادرة يأخذون أجر عشرة أضعاف ، أعداؤنا .
لذلك عندنا شريعة ، نريد طباً نفسياً ، نريد جراحة ، نريد فروعاً دقيقة جداً تسهم في بناء الأمة ، هذا الجهاد البنائي ، نريد فرص عمل للعاطلين ، فرص عمل لأصحاب الشهادات العليا ، نريد أن نعمل تكافؤ فرص ، عندنا باب واسع جداً للجهاد البنائي ، تبني أمة متماسكة ، تبني أمة فيها فرص عمل كبيرة ، تبني أمة منتجة لا مستهلكة ، ماذا يفعل الغرب ؟ يبقينا على الاستهلاك فقط وهو يتحكم بالأسعار ، فكل جهودنا تذهب فرق أسعار أحياناً .
فلابد من جهاد بنائي ، جهاد أول شيء النفس والهوى ، والمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يهاجم نملة ، ثم جهاد بنائي ، ثم جهاد دعوي .
﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾
القرآن :﴿ جِهَاداً كَبِيراً ﴾
فسر القرآن ، اشرح القرآن ، بيّن الحق ، بيّن الباطل ، هذا جهاد كبير ، دخلنا في جهاد النفس والهوى ، ثم الجهاد البنائي ، ثم الجهاد الدعوي ، فإذا نجحنا في الجهادات الثلاث السابقة أغلب الظن أن ننجح في الجهاد القتالي ، يأتي تاجاً بأنواع ثلاث من الجهاد .المذيع :
فضيلة الدكتور ؛ في حال كان الخطاب هنا موجهاً للصحابة هل المسلمون من بعدهم معنيون بهذا الخطاب ؟
أي خطاب للنبي ولو كان خصوصياً له لكل مؤمن منه نصيب بقدر إيمانه :
الدكتور محمد راتب :
أولاً ؛ أي خطاب للنبي ولو كان خصوصياً له لكل مؤمن منه نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه ، أي :
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
بالتعبير الدارج غال علينا ، وكل مؤمن غال على الله ، أصيب بمرض عضال النبي الكريم ؟ ليس عضالاً ، أصيب بمرض ، توهم الصحابة أنه مرض عضال ، أعطي دواء ذات الجنب فغضب ، قال : ذاك مرض ما كان الله ليصيبني به ، كما أن النبي يستبعد أن يصاب بهذا المرض لأنه يعلم محبة الله له ، وكل مؤمن كذلك ، المؤمن قد يصاب بأشياء طفيفة ، فقط هو لثقته بمحبة الله له يستبعد أن يصاب بأشياء وبيلة ، هذه تعطي راحة ، والدليل :﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾
لو أن الآية أولئك الأمن لهم ما عاد قرآناً ، لهم ولغيرهم ، أما الأمن لهم ففيها قصر وحصر ، أي إذا أنت قلت بالصلاة : نعبد إياك ، الصلاة باطلة ، ذكرت الكلمتين لكن بترتيب معاكس .﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
فيها حصر وقصر.﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾
لهم وحدهم ، أي لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن ، ولو كان أقوى إنسان بالأرض ، أي أقوى إنسان حاكم في أكبر دولة بالعالم لا يوجد عنده أمن ، أما :﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾
ما قال : أولئك الأمن لهم ، فلذلك نعمة الأمن نعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن .﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
المذيع :فضيلة الدكتور ؛ في قوله تعالى :
﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾
هل الهزيمة ، أو الهزائم ، والتأخر الذي نعيشه الآن في عصرنا الحالي ، ويعيشه المؤمنون خاصة ما نشاهده من انكسار ، هل هذا ينافي العلو :﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾
من أخلّ بما كلف به من عبادة لله فالله في حلّ من وعوده :
الدكتور محمد راتب :تحب الحقيقة المرة أم الوهم المريح ؟ أنا أسألك ؟
المذيع :
الحقيقة ، نتمنى أن تصبح حقيقة جميلة .
الدكتور محمد راتب :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
وزوال الأرض أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
جانب عقدي ، جانب سلوكي .﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
كقانون :﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
دقق ، وعدنا بالاستخلاف ، والتمكين ، والتطمين ، والواقع المر لا استخلاف ، ولا تمكين ، ولا تطمين ، أين الجواب ؟ بكلمة واحدة هي بآخر الآية :﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾
فإذا أخلّ المسلمون بما كلفوا به من عبادة لله فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاث، قضية دقيقة جداً ، أي زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين .الإسلام فردي وجماعي :
لكن يوجد نقطة دقيقة أحب أن أطمئن فيها الأخوة الكرام : نحن يوجد عنا إسلامان ، إسلام فردي وإسلام جماعي ، فالفردي ؛ أقول لك كلمة دقيقة : الآن يوجد مليارا مسلم بالأرض ، هذا أحدث إحصاء ، لو شاب واحد من المليارين أقام أمر الله بثلاث حلقات ، نفسه حلقة ، وبيته حلقة ، وعمله حلقة ، أقام الإسلام في حلقات ثلاثة يملكها ، نفسه يملكها ، صلى ، غض بصره ، صام ، زكى ، أتقن عمله ، نصح الناس ، واختار زوجة صالحة ، وربى أولاده تربية صالحة ، واختار عملاً فيه عطاء ، مصلحة مشروعة ، هو في ثلاث دوائر نفذ أمر الله يضمن الله له حالة خاصة ، لو واحد من ملياري مسلم طبق أمر الله في دوائر ثلاثة يملكها ، نفسه دائرة ، عمله دائرة ، بيته دائرة ، حقق أمر الله في خصوصياته ، له معاملة خاصة أبداً ، هذا إسلام فردي ، ما دليله ؟
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾
آمن بالله ، وشكره على نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، أطمئن الشباب إذا أنت وجدت من حولك ليسوا على شاكلتك لا تقلق ، يوجد إسلام فردي ، مادمت أيها الشاب ، أيها الرجل ، أيها الزوج ، أيها الموظف ، أيها التاجر ، تطبق منهج الله تماماً في ثلاث دوائر ؛ نفسك دائرة ، بيتك دائرة ، عملك دائرة ، حققت الهدف من وجودك ، واستحققت التأييد والنصر ، أما كأمة فالآية تقول :﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله ، عندنا إسلامان؛ إسلام فردي ، وإسلام جماعي ، الفردي ؛ أنت تحاسب على دوائر ثلاثة ، نفسك دائرة ، وعملك ، وبيتك ، فقط ، أنا أتمنى من الشاب ألا يقصر بالدين لأن الناس لم يطبقوا ، هذا كلام باطل ، لك محاسبة خاصة ، واضحة تماماً ؟المذيع :
فضيلة الدكتور ؛ في الآية التي تليها :
﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ ﴾
استخدام المس بدل عن الإصابة كما في باقي المصائب ، ما دلالته ؟بطولة الإنسان أن ينجح بالابتلاء :
الدكتور محمد راتب :
دلالة كبيرة جداً ، أحياناً يكون هناك أعراض لمرض ، وقد تكون الأعراض كاذبة ، هذا مس .
﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾
لأن الله لطيف ما جاء المصاب كبيراً ، جاءت بوادر له قليلة .﴿ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾
أنا أقول لك كلمة : مستحيل وألف وألف ألف مستحيل أن ينجو مؤمن من الابتلاء ، إذا كان النبي الكريم قال :(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))
الابتلاء قدرنا يا أخي ، قدرنا ، والبطولة أن ننجح بالابتلاء ، الإنسان أحياناً يترك بيته يترك سيارته ، يترك كل شيء ، لئلا يقول كلمتين فيهما غلط بالإعلام ، هناك إنسان يقولهم ، عندما قالهم عمل إحباطاً بالأمة ، العلماء مظنة صلاح ، مظنة ورع ، وجرأة .المذيع :
القرح شيخنا ؛ البعض فسرها القتل والجراح .
القرح هو القتل والجراح :
الدكتور محمد راتب :
والله هي مطلقة ، أي جراح ، وقد تنتهي بالقتل ، القرح ؛ القرحة ، قرحة بالمعدة .
المذيع :
القوم ؛ مقصود بهم قريش شيخنا هنا ؟
﴿ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾
الدكتور محمد راتب :ما دام هذا تعريفاً عمومياً وليس تعريفاً خاصاً .
المذيع :
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
هنا شيخنا الحكمة من مداولة الأيام بين الناس .الحكمة من مداولة الأيام بين الناس :
الدكتور محمد راتب :
أنت امتحنت بالغنى نجحت ، أديت زكاة مالك ، عندما امتحن بالفقر ترك الصلاة ، فأنت بالغنى نجحت ، بالفقر ما نجحت ، فلابد من تداول الأحوال بين القوة والضعف ، والغنى والفقر ، والقرب والبعد ، والصحة والمرض .
مريض معه ورم خبيث بالمستشفى ، قصته مؤثرة جداً كلما زاره عائد يقول له : اشهد أنني راضٍ عن الله ، يا ربي لك الحمد ، لفت نظر المستشفى ، الأطباء يأتون إليه ليستأنسوا به ، معه سرطان ، معه مرض خبيث ، كلما دخل عليه إنسان يقول : اشهد أيها الأخ الكريم أنني راضٍ عن الله ، أصبحت غرفته مثل موطن جمع للأطباء ، والممرضين ، ما هذا المؤمن ؟ عاش خمسة أيام أو ستة أو سبعة ، وتوفاه الله ، لحكمة بالغة بالغة بالغة جيء بمريض آخر معه المرض نفسه، ما من نبي إلا و سبه أثناء المرض ، الله أراهم مرضاً واحداً ، آلاماً واحدة ، مصيراً واحداً ، الفرق الكبير بين المؤمن وغير المؤمن .
فأنت تمتحن بالقوة والضعف ، والغنى والفقر ، والصحة والمرض ، والقرب والبعد ، هذه تداول الأيام .
المذيع :
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾
العاقبة في النهاية للمتقين :
الدكتور محمد راتب :
في النهاية ، في المصير .
المذيع :
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
كيف يمكن أن نستخدم هذه الآيات وهذه القواعد سبيلاً لتطورنا ، ولنجاحنا في هذه المرحلة ؟تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :
الدكتور محمد راتب :
لا يليق بألوهيته أن يحدث شيء ليس بموافقته ، دقق ، كل شيء وقع أراده الله ، ما هذا الكلام ؟ أي شيء وقع بالقارات الخمس من آدم ليوم القيامة أراده الله ، لا تعني أنه أمر به ، أبداً ، ولا تعني أنه رضيه ، لكن تعني أنه سمح به .
مثلاً : طبيب متفوق جداً ، تزوج ، ولم ينجب عشر سنوات ، ثم أنجب طفلاً آية بالجمال ، ثم تعلق به تعلقاً مذهلاً ، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بقرحة في معدته ، يسمح بإجراء عمل جراحي ، وتخديره ، لمَاذا سمح بهذا ؟ لأنه أب ورحيم .
لذلك كل شيء وقع أراده الله ، لا تعني أنه أمر به ، ولا تعني أنه رضيه ، ولكن سمح به ، وكل شيء أراده الله وقع معكوسة ، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، كلام دقيق دقيق لا يوجد بالكون شر مطلق ، ما معنى شر مطلق ؟ الشر من أجل الشر ، هذا الشر المطلق يتناقض مع وجود الله .
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
لا تفهم المصائب إلا هكذا ، شر مؤقت لعله يدفع شراً أكبر ، هذا الفهم للمصائب دقيق جداً ، وما سميت المصيبة مصيبة إلا لأنها تصيب الهدف ، أي يوجد كبر ، وضع بموقف حُجم ، يوجد إسراف زائد وقع بموقف اقتصادي صعب ، فما من ذنب إلا ويعالج ، والأصح من ذلك ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة ، والآية الدقيقة قال تعالى :﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
فلذلك هذا موضوع المصائب .المذيع :
﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
بهذا الاختبار يعلم الله أم يعلم الناس ؟علم الله علم كشف لا علم جبر :
الدكتور محمد راتب :
دقيقة ، علم الله سابقاً علم كشف ، أما العلم الثاني فعلم حصولي ، يوجد فرق .
أنت معلم ، للتقريب ؛ عندك طالب لا يدرس إطلاقاً ، ولا يحضر ، أنت تقول : هذا لن ينجح ، لست أنت من لم تنجحه ، هذا علم قوانين ، علم سنن ، معلم عادي يتنبأ لأب أن ابنك لن ينجح، ما كتب أية وظيفة ، ولا حفظ أي درس .
فعلم الله علم كشف وليس علماً حصولياً ، فرق كبير جداً ، أنت قاعد ببناء من عشرة طوابق ، وأنت بالطابق العاشر ، تحت يوجد طريق فيه ساحة ، ثم طريق إلى ملهى ، وطريق إلى جامع ، الملهى حتماً بهذا الطريق ، رأيت إنساناً مشى بطريق الملهى ، أنت علمت مصير هذا الإنسان ، أنت ما أجبرته أن يذهب إلى هناك علم كشف لا علم جبر ، لا يليق بالذات الإلهية أن يحصل ما لا يعلم ، فقط للإنسان أعطاه الاختيار .
المذيع :
﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾
هل يمكننا أن نفهم شيخنا أن الشهادة هي أعلى مراتب الابتلاءات والاختبارات ؟الشهادة هي أعلى مراتب الابتلاءات والاختبارات :
الدكتور محمد راتب :
نعم والله ، الشهادة أن تدفع حياتك ثمناً لمبدئك ، هذه ليست سهلة ، هناك امتحانات صعبة .
المذيع :
كيف نفهم في سياق هذه الآيات شيخنا ؟
الدكتور محمد راتب :
الشهادة الحقيقة أن تموت على مبدأ ، تمشي بطريق - وكلامي دقيق جداً - ليس المهم أن تصل لنهايته ، أن تموت في هذا الطريق ، أنا بطريق الدعوة ، بطريق إحقاق الحق وإبطال الباطل، بطريق الإحسان ، فلا يهم النهاية ، يهم أنت في الطريق إلى الله ، هذا أكبر عطاء إلهي .
المذيع :
﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾
ختمت بعدم محبة الله للظالمين .الابتعاد عن كل شيء لا يحبه الله :
الدكتور محمد راتب :
أنا أتمنى على أخواننا المستمعين ، أتمنى ، أن يبحثوا بالحج غوغل ، إن الله لا يحب ، يظهر معهم ثلاث عشرة آية ، إن الله يحب ، شيء بسيط جداً ، اجمع إن الله لا يحب وابتعد عن هذا ، ثم إن الله يحب المحسنين ، الصادقين ، الرحماء ، اجمع الذي لا يحب وابتعد عنه ، واجمع الذي يحبه وخذ به تكون بأعلى درجة من الحب .
المذيع :
من المقصود بالظالمين هنا شيخنا ؟
الظلم هو تجاوز الحد :
الدكتور محمد راتب :
الظلم هو تجاوز الحد ، مخالفة تحتاج إلى تنبيه ، فحذف له معاش أسبوع ، هذا ظلم ، أن تعطي العقاب بقدر الذنب ، وليس بحقد ، ليس أعلى من الذنب ، والمكافأة بقدر الاستحقاق ، ليس أكتر ، فالظلم أنواع ، والظلم ظلمات يوم القيامة ، والله ينتصر للمظلوم ولو كان كافراً .
المذيع :
شيخنا ، فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ؛ ما الدروس التربوية التي يمكن أن نستفيدها من هذه الآيات في ختام هذه الحلقة ؟
الدروس التربوية التي يمكن أن نستفيدها من الآيات السابقة :
الدكتور محمد راتب :
سيدي ؛ الصحابة الكرام نخبة البشر ، وقمم البشر ، وفيهم سيد البشر ، بأُحد عصوا رسول الله ، بأمر تنظيمي فقط ، لما عصوا لم ينجحوا ، لو نجحوا لسقطت طاعة رسول الله ، وهم هم ، وفيهم سيد البشر ، وهم نخبة البشر ، في حنين ما انتصروا ، بأُحد لأنهم عصوا ، بحنين ضعف توحيدهم ، قال :
(( لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))
فلو انتصر الصحابة في أُحد لسقطت طاعة رسول الله ، ولو انتصروا في حنين لسقط التوحيد ، وكل مؤمن يعالج من الله نعمة كبيرة .أرجو الله أن يرحمنا ، وأن نفهم على الله ، فالعبرة : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، صار هو المصيبة .
خاتمة وتوديع :
المذيع :
فالله المستعان .
شكراً جزيلاً لكم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي على هذا اللقاء وحضوركم معنا في الأستوديو .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته