- الخطب
- /
- ٠1خطب الجمعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التقوى :
أيها الإخوة الكرام، نحن على أبواب شهر رمضان، وعلّة وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، أي: سبب وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، عبادة الله، لقول الله عز وجل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
الحكمة من العبادات :
في الإسلام معتقدات، ينبغي للمسلم أن يعتقد بها.
وفي الإسلام عبادات شعائرية، ينبغي للمسلم أن يؤديَها.
وفي الإسلام أحكام ومعاملات، يجب على المسلم أن ينضبطَ بها.
وفي الإسلام أخلاقيات، على المسلم أن يتحلى بها.
وفيه جماليات، هي مقصد كل مسلم، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
فمن معتقدات، إلى عبادات، إلى أحكام ومعاملات، إلى أخلاقيات، إلى جماليات.
أين يقع رمضان من هذه المنظومة؟
يقع رمضان في العبادات الشعائرية.
والإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، يؤكد أن العبادات مرتبطة بمصالح الخلق.
ما الفرق بين العبادات والطقوس في بقية الأديان غير السماوية؟
الطقوس حركات وسكنات وتمتمات وإيماءات لا معنى لها إطلاقاً، لكن العبادات في الإسلام مرتبطة بمصالح الخَلق، وإليكم الدليل من كتاب الله:
في الصلاة، قال تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
في الصيام:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
في الزكاة:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾
في الحج:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
الحج من أجل أن تعلم أن الله يعلم، والزكاة من أجل أن تتطهر نفسك، وأن تزكو، والصيام من أجل التقوى، والصلاة من أجل أن تنهاك عن الفحشاء والمنكر.
التعريف بالتقوى :
أيها الإخوة الكرام: يقول الله عز وجل في آية الصيام:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
بنص هذه الآية: بلوغ التقوى هو الهدف من الصيام، فما التقوى أيها الإخوة؟
التقوى لها شأن كبير في القرآن الكريم، فقد وردت في أكثر من ثلاثمئة موضع في القرآن، والتقوى لغةً: مِنْ وَقَى يقي، وهل تكون الوقاية إلا من الخطر، لعلكم تتقون، أي: تتّقون أخطاراً لا تعد ولا تحصى في الحياة الدنيا.
الأخطار التي تهدد الدين :
أيها الإخوة الكرام: الدنيا خضرة نضرة، سمُّها في دسمها، فيها منزلقات ومتاهات:
مالُها يغري، ويردي، ويشقي.
نساؤها حبائل الشيطان.
الأهل والولد مشغلة، مجبنة، مبخلة.
الشهوات فيها مستعرة في أبهى حللها.
الفتن فيها يقظة في أجمل أثوابها.
هذه كلها أخطار، كيف يتقي الإنسان الضياع في تلك الضلالات والمتاهات؟
كيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه الفتن المهلكات؟
كيف يتقي الإنسان خطر الانغماس في تلك الشهوات؟
كيف يتقي الإنسان حمأة المزاحمة في جمع الدراهم والثروات؟
هذه المخاطر التي تهلك البشر، كيف يتقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة؟
أيها الإخوة الكرام، الآن سوف يكون موضوع هذه الخطبة: التقوى، وكيف وردت في القرآن الكريم؟ وما أبوابها الكبرى؟ وما تفصيلاتها الكثيرة؟
التقوى صحة العقيدة والسلوك :
حينما يبني الإنسان تصوراته عن الكون والحياة والإنسان وَفق ما جاء في البيان الإلهي، وحينما ينطلق في حركته اليومية وَفق التشريع الرباني، يكون قد أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان.
أما إذا ضلّ عقله، وساء عمله، فقد أسس بنيانه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم.
إذاً: عبادة الله الحقيقية بشقَّيها: التصور الصحيح، والسلوك القويم، تقي شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، ورمضان يسهم في تعزيز هذه العبادة، وفي إضاءة الطريق أمام المؤمن:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
حينما تصِحُّ عقيدتك، ويستقيم عملك، تكون قد حققت الهدف من وجودك، عندئذ تتقي هذه الأخطار المهلكة:
1) تصحيح العقيدة :
أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل واجب الوجود، الله عز وجل ذات كاملة، حي قيوم، أسماؤه حسنى، صفاته فضلى، واحد أحد، فرد صمد، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده ملكوت السماوات والأرض، إليه يرجع الأمر كله، مالك الملك، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً.
أيها الإخوة:
هل غير الله تعالى يُتَّقَى سخطه؟
هل غير الله تعالى يُرجَى رضوانه ؟
هل غير الله تعالى يُتَّقى عذابه؟
هل غير الله تعالى تُرجَى رحمته؟
هل غير الله تعالى تُتَّقَى ناره، وتُرجى جنته؟
ماذا يقول الله عز وجل؟
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾
أيعقل أن تخاف من غير الله؟ أيعقل أن ترجو غير الله؟ أيعقل أن تسعى لمرضاة غير الله؟ وتعقد الأمل على غير الله؟
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾
هذا البند الأول.
الإنسان أحياناً، يتقي القوي، ويتقي الشرير، ويتقي الطاغية، ويتقي البطّاش..
لكن الله سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، ذو الطول والإنعام، رحمن رحيم، منعم كريم، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، لست تتقيه مضطراً، لست تتقيه خوفاً، هو أهل التقوى، وأهل المغفرة، هو أهل لأنْ تفنيَ شبابك من أجله، هو أهل لأن تنفقَ كل شيء من أجله:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
هو أهل التقوى وأهل المغفرة، هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تقدم من أجلها كل شيء:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾
هذا بند آخر.
لكن الإنسان في الحقيقة والواقع لا يتقي سخط جهة، ولا يسعى إلى مرضاة جهة، إلا إذا أيقن بوجودها أولاً، وأيقن بما يناله منها من مغنم كبير إذا هو أطاعها، وما يصيبه منها من خسارة فادحة إذا هو عصاها، هذا شأن الإنسان.
أنت لا تتقي طفلاً أعطاك أمراً، لكنك تتقي قوياً أعطاك أمراً.
كيف تتقي الله، وأنت لا تعرفه؟ لذلك يقول الله عز وجل:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
إن لم تؤمن بالله فلا يمكن أن تتقي الله، بل إنه من الثابت أن الإنسان حينما يعصي الله، ولا يرجو ما عند الله، ولا يتقي عذابه، فهو قطعاً لا يعرفه:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
طريق التقوى أن تعرف الله، أن تعرف ماذا ينتظرك من سعادة أبدية إذا أرضيته، وأن تعلم علم اليقين ماذا ينتظر العاصي إذا هو عصاه:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
الإيمان أساس التقوى:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض تعرف الله، تؤمن به، وعندئذ تتقي أن تغضبه:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴾
أيها الإخوة الكرام، تؤمن فتتقي، وما لم تؤمن فلن تتقي.
إن عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر كشأن المسلمين اليوم، فحينها يتفنن الإنسان في معصية الله، وفي تغطية انحرافه بفتاوى ضعيفة، واجتهادات سخيفة، وآراء ليس لها أصل في الدين.
أيها الإخوة الكرام، تؤمن فتتّقي، كيف تؤمن؟
بالنظر في خلق السماوات والأرض.
وكيف تؤمن؟ بتدبر آيات القرآن الكريم:
﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
إذا قرأت القرآن قراءة تدبر، وقراءة تمعّن، وقراءة فهم، وقراءة تطبيق، عندئذ تتقي الله عز وجل.
وإن تعجب فعجب من هؤلاء الذين لا يتقون.
من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب الأشياء أن تحبه ثم لا تطيعه.
إن تعجب فعجب من هؤلاء الذين لا يتقون، إذا قلت لأحدهم: اتق الله، أخذته العزة بالإثم.
يا أيها الإنسان لمَ لا تتقي الله، والله عز وجل يعلّمك: يعلّمك من خلال الكون، يعلّمك من خلال القرآن، يعلّمك من خلال الأحداث، يعلّمك من خلال التربية النفسية، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾
ما دام الله يعلِّمكم بكل شيء، في خلقه، وفي أفعاله، وفي كلامه، ومن خلال الأنبياء والرسل، ومن خلال العلماء والدعاة، ومن خلال كل شيء، فلمَ لا تتقون الله عز وجل؟
2) تقويم السلوك
أيها الإخوة الكرام، ما الذي يسرِّع الخطى إلى التقوى؟ والله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
من الوسائل الفعالة التي تسرِّع الخطى إلى التقوى، أن تكون صادقاً مع نفسك، وصادقاً مع ربك، وصادقاً مع الآخرين، فلا يستقيم إيمان عبد، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ﴾
تؤمن فيستقيم قلبك، ومن لوازم استقامة قلبك أن يستقيم لسانك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (*)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
بماذا جاء الأنبياء؟ هل جاؤوا بالصواريخ؟ هل جاؤوا بحاملات الطائرات؟ هل جاؤوا بالكومبيوتر؟ جاؤوا بالكلمة الصادقة، الكلمة الصادقة المخلصة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (*)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾
إحدى الوسائل الفعالة في تسريع الإنسان في طريق التقوى أن يستقيم لسانه:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذ رضي الله عنهٍ:
(( أَلا أُخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: كُفَّ عليك هذا، وأشار إلى لسانه قلتُ: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذونَ بما نتكلم به؟ قال: ثَكِلتْك أمُّك معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم، أو قال: على مَناخِرهم، إلا حصائدُ ألسنتهم؟ ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة، مِنْ رضوان الله، لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة، من سَخَط الله، لا يُلْقِي لها بالاً ، يهوي بها في جهنم ))
جاء في الأثر: من قذف محصنة هدم عمل ثمانين سنة.
أيها الإخوة الكرام، من الوسائل المسرِّعة في طريق التقوى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
كن مع المؤمنين.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))
لا تُقِمْ علاقات حميمة مع غير المؤمنين، إنهم يجرونك إلى معصية الله، إنهم يزهدونك بالآخرة، إنهم يحبِّبون إليك الدنيا:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
مما يسرع أن يستقيم لسانك، مما يسرع أن تكون مع المؤمنين:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
أي: إن الأعمال الصالحة التي بين أيدي الناس، التي يصلون بها إلى الله، لا تعد ولا تحصى، وأنت في البيت يمكن أن تصل إلى الله:
إذا كنت أباً كاملاً، ربيت أولادك على طاعة الله، ربيت بناتك على الحشمة.
إن كنتِ في البيت، وربّيتِ أولادكِ، أيتها الأم، فهناك طريق إلى الله من البيت.
إن كنت في عملك، ونصحت به المسلمين، تصل إلى الله من خلال عملك.
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
الوسيلة: هي العمل الصالح، الوسيلة: هي ضبط النفس، الوسيلة: هي صحبة الصالحين.
طريق التقوى محفوفة بالمكاره :
أيها الإخوة الكرام، ليست طريق التقوى مفروشة بالرياحين، بل هي محفوفة بالمكاره، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( حُفّت الجنَّةُ بالمكارِهِ، وحفَّتِ النار بالشهوات ))
لذلك:
﴿ إنه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
أيها الإخوة الكرام، هل تصدقون أن مشكلة العالم الإسلامي بأكمله، المليار وثلاثمئة مليون، حلها في كلمتين في القرآن الكريم:
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
هذه القُوى الجبارة، هذه الأسلحة الفتاكة، هذه المؤامرات التي تزول منها الجبال، تتعطل، تلغى، إن اتقيت وصبرت، أما إذا عصيت وصبرت، فليس بعد المعصية والصبر إلا القبر، لكن ليس بعد الصبر والتقوى إلا النصر:
﴿ إنه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
درجات التقوى :
أيها الإخوة الكرام، التقوى درجات، لكن الله ينتظر منا أن نكون في أعلى درجاتها: أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره، أن تذكره فلا تنساه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
كن في المقدمة:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
ليس وارداً أن ترسب، فالامتحان من أجل ترتيب الناجحين فقط:
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
لذلك قال تعالى:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
هناك من يقرؤها قراءة، يفهم منها أن يبذل بعض الجهد:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
وهناك من يقرأ هذه الآية قراءة، يفهم منها أن يبذل كل الجهد:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
ثمرات التقوى :
أيها الإخوة الكرام، من عظيم إكرام الله عز وجل لهذا إنسان الذي يتقي ربه، أن يكفِّرَ عنه سيئاته:
1) تكفير السيئات :
قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾
2) تيسير الأمور :
إذا رجع العبد إلى الله، نادى منادٍ في السماوات والأرض: أن هنئوا فلاناً، فقد اصطلح مع الله.
والله أيها الإخوة، لا تليق كلمة التهنئة إلا إذا اصطلحت مع الله، لأن الدنيا زائلة:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾
من إكرام الله عز وجل أنك إذا اتقيت الله، يجعل لك من أمرك يسراً، فإذا بالأمور تسير بانسجام، بسلاسة، بتوفيق، بنجاح، نجاح يتلوه نجاح، توفيق يتلوه توفيق:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾
مَن منا يحب التعسير؟ من منا يحب الإحباط؟ من منا يحب الإخفاق؟
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾
3) تفريج الكرب :
وإذا ضاقت واستحكمت حلقاتها واتقيت الله، فُرِجَتْ:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
من يتقِ الله في اختيار زوجته، يجعل الله له مخرجاً من تطليقها.
من يتق الله في تربية أبنائه، يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم.
من يتق الله في كسب ماله، يجعل الله له مخرجاً من إتلاف ماله.
هذه آية يكتب عنها مجلدات:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
لها معنى سياقي، ومعنى مستقل:
المعنى السياقي: من يتقِ الله في تطليق زوجته، فيطلِّقها طلاقاً سنياً وفق تعليمات النبي عليه الصلاة والسلام، يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، أما مَن يطلقها طلاقاً بدعياً، عندئذ لا سبيل إلى إرجاعها، إذاً:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
والمعنى المستقل: لو نزعت هذه الآية من سياقها لفهمتها على ألف معنى ومعنى.
4) تنوير البصيرة :
يا أيها الإخوة الكرام:
أنت إذا اتقيت الله اتصلت به، وإذا اتصلت به قذف في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، هذا يؤكده القرآن:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
لأن هناك من يرى الحق باطلاً والباطل حقاً.
لذلك من أخطر الأشياء في آخر الزمان أن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً.
إن أردت نور الله أن يقذف في قلبك فترى فيه الحق حقاً والباطل باطلاً، إن أردت أن تمتلك نظراً ثاقباً، ورؤية صحيحة، وموقفاً حكيماً، وقراراً سليماً، فاتقِ الله.
5) الرفعة والكرامة :
أيها الإخوة الكرام، ألا يتمنى أحدنا أن يكون أكرم الناس، الإنسان حينما يرتقي منصبه إلى منصب وزير، يكاد البيت يختل وزنه من الفرح: مركبات ومكاتب ومهمات وسفريات وشأن ورفعة، ألا يفرح الإنسان إذا كان عند الله مكرماً؟
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب، لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))
ورد في الأثر: أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم إنسان لا يؤبه له، فكرَّمه تكريماً كبيراً، قال: أو مثلي تكرمه يا رسول الله؟ قال أنت خامل في الدنيا علم في الآخرة.
ابتغوا الرفعة عند الله:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
6) محبة الله تعالى ومعيته :
إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدِ الله أوثق منك بما في يديك:
فليتك تحلو والحيــاة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحَّ منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
***
﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
7) الفلاح والفوز والنجاح :
إن الله يحب المتقين، ألا تحب أن يكون الله وليك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ من يجرؤ أن ينال منك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ألا تحب أن يكون خالق السماوات والأرض وليك؟
﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
ألا تحب أن يكون الله معك؟ هذه المعية الخاصة قال عنها العلماء: إنها معية التأييد، معية التوفيق، معية الحفظ، معية النصر:
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾
الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والرشاد كل الرشاد، والتفوق كل التفوق، والغنى كل الغنى، والتوفيق كل التوفيق، والسعادة كل السعادة، بتقوى الله عز وجل:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
لعلكم تَصِلون إلى أعلى درجات السعادة:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
8) بلوغ مقام الشكر :
هل تستطيع أن تشكر الله شكراً حقيقياً؟ لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾
لأن الشكر نعمة من نعم الله أيضاً، لكن حينما تتقي الله فأنت عند الله من الشاكرين، يقول الله عز وجل:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
طريق الشكر أن تتقي الله.
أيها الإخوة الكرام، التقوى: أن تتقي الكفر بالإيمان، أن تتقي الشرك بالتوحيد، أن تتقي الرياء بالإخلاص، أن تتقي الكذب بالصدق، أن تتقي الغش بالنصيحة، أن تتقي المعصية بالطاعة، أن تتقي الابتداع بالاتباع، أن تتقي الشبهة بالورع، أن تتقي الدنيا بالزهد فيها، أن تتقي الغفلة بالذكر، أن تتقي الشيطان بالعداوة.
تزود من التقوى فإنك لا تـــدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر؟
فكم من فتى أمسى وأصبح ضـاحكاً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكـم من عروس زينوها لزوجـها وقــد قبضت أرواحهم ليلة القدر
***
سيدنا عمر بن عبد العزيز، كان له مستشار خاصٌّ اسمه عمر بن مهاجر، قال له: يا عمر، إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثيابي، يعني: أمسكني أمام الناس، وهزَّني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت.
أيها الإخوة الكرام:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
ثلاثمئة آية في كتاب الله تتحدث عن التقوى، وكل آية تتحدث من زاوية، فالفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والسعادة كل السعادة، في طاعة الله، مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل، أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألفُ ألفِ مستحيل، أن تعصيه وتربح.
أطــع أمرنا نـرفع لأجلك حُجْبَنا فإنـــا منحناه الرضا من أحبنا
ولـذ بحمــانا واحـتمِ بجـنابنا لنحميـك مـما فيه أشرار خلقنا
وعـن ذكرنا لا يشــغلن شاغل أخـلص لنا تلقى المسرة والهنا
وسلم إلينا الأمر في كل مـا يـكن فمــا القرب والإبعاد إلا بأمرنا
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــا وليت عنا لغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسنَ خطابنـا خلعـت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـو ذقت من طعـم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحـى قتيلاً بحبنا
ولـو نسمت من قربنـا لك نسمة لمتَّ غريباً واشتياقـــاً لقـربنا
فما حبنا سهل وكـل مـن ادعـى سهولته قـلنا له: قد جهلتنـــا
***
رمضان فاتحة عهد جديد :
أيها الإخوة الكرام، هل تصدقون أن في هذا الشهر متاح لك أن تفتح مع الله صفحة جديدة؟
هذا كلام سيد الخلق الذي لا ينطق عن الهوى:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ ))
ماذا تريد فوق ذلك في عمر مديد؟ كل الأخطاء التي بينك وبين الله يعفو الله عنها في هذا الشهر.
وأخيراً :
أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
* * *
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
التفرغ لاستقبال رمضان :
أيها الإخوة الكرام، الموضوعات الكبيرة في رمضان عن صلة الأرحام، وعن قراءة القرآن، وعن إنفاق المال، وعن ليلة القدر.
فالخطب في شهر رمضان حول هذه الموضوعات، صلة الأرحام، وإنفاق الأموال الزكاة، أو الصدقة، وقراءة القرآن تدبراً وفهماً و تطبيقاً، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
أردت من هذه الخطبة، أيها الإخوة، أن أحث إخواني الكرام على التقوى، لأن الصيام من أعظم العبادات، وفيها نجاة من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
ينبغي أن نهيئ أنفسنا لهذه العبادة العظيمة قبل أن تأتي، لابد من أن تخفف علاقاتك في هذا الشهر، لابد من أن تؤجل معالجة المشكلات التي تشغلك عن الله عز وجل، لابد من أن تعتكف ولو جزئياً لعبادة الله عز وجل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ ))
فلو أن الإنسان شمّر ونفّذ قوله تعالى:
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
لو أن الإنسان جعل هذا الشهر شهر عبادة لا شهر ولائم، لا شهر متابعة لما في الفضائيات، لا شهر لقاءات اجتماعية وسهرات إلى أنصاف الليالي فيما لا يرضي الله، سبحانك يا رب:
كيف انقلب أقدس شهر في العام إلى أكثر الشهور تفلتاً من طاعة الله.
لا أدري، كيف انقلب شهر ترك الطعام والشراب إلى شهر الولائم والتخمة.
هكذا، العادات شيء، والعبادة شيء آخر، ألا تستطيع أن تبتعد عن العلاقات في هذا الشهر؟
ألا تستطيع أن تقيم الصلاة في بيتك، لا مانع، مع أهلك، أن تقرأ القرآن، أن تغضَّ البصر، أن تضبط اللسان، أن تفعل الأعمال الصالحة، أن تكون جواداً في رمضان؟
ألا تستطيع أن تجعل هذه الثلاثين يوماً شحنة روحية تكفيك حتى نهاية العام؟
الصلاة شحنة روحية تكفيك إلى الصلاة الثانية، وخطبة الجمعة شحنة أطول منها تكفيك إلى الجمعة القادمة، لكن شهر الصيام شحنة سنوية تكفيك من عام إلى عام.
أيها الإخوة الكرام، يمكن أن تفتح مع الله صفحة جديدة، يمكن أن تكون في أعلى درجات القرب في هذا الشهر، أن تحافظ على الصلوات، أن تخفف من العلاقات، أن تعتكف في بيتك أو في مسجدك، لأن هذا الشهر شهر القرب من الله عز وجل.
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اهدنا لصالح الأعمال، لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمةَ الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، أذل أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، شتت شملهم، فرق جمعهم، خالف فيما بينهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين.
اللهم أرنا قدرتك بتدميرهم، كما أريتنا قدرتهم في تدميرنا، يا رب العالمين، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.