الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
المُلتقى الدولي الثاني للتقريب بين المذاهب:
1 ـ عنوان المُلتقى: الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم رمز التضامن الإسلامي:
أيُّها الإخوة الكرام: أُقيم في دمشق قبل أيامٍ، المُلتقى الدولي الثاني للتقريب بين المذاهب، بعنوان: "الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم رمز التضامن الإسلامي" ، وقد شارَكَتْ في هذا المُلتقى ستُّ دولٍ إسلامية، وعددٍ من المُنظمات والأحزاب الإسلامية، وقد وقع الاختيار عليّ والفضل لله عزَّ وجل أن أُمثِّل الجمهورية العربية السورية في هذا المُلتقى.
ونظراً لأنَّ الفِتَن الدينية، والطائفية، والمذهبية، والعرقية، أودَت بحياة الملايين من البشر في العصر الحديث، ولا ذنب لهم إلا أنهم قالوا: ربُّنا الله، ونظراً لأنَّ الاقتتال الداخلي انتشر في عددٍ من الدول المُتجاورة، فعدد الذين يُقتَلون كل يومٍ في بلادٍ حولنا، يصل إلى بضع مئاتٍ كل يوم، ونظراً لأنَّ الفِتَن الطائفية هي الورقة الرابحة الوحيدة في أيدي أعدائنا، والتي عبَّر عنها أعداؤنا بالفوضى البنَّاءة، وهذا مُنطلَق الأعور الدجَّال، ذلك لأنَّ الفوضى لا يمكن أن تكون بنَّاءة، بل هي هدَّامة، لكنها بناءةٌ بالنسبة للأعداء، حيث تُعينهم على إفقار المُسلمين، وعلى إضلالهم، وعلى إفسادهم، وعلى إذلالهم، وعلى نهب ثرواتهم، لذلك وجدت من المُناسب، أن أُلقي على مسامعكم مضمون كلمتي في هذا المُلتقى.
مقتطفات من كلمة الوفد السوري في المُلتقى:
1 ـ الحقيقة المُرَّة هي أفضل ألف مَرَّة من الوهم المُريح:
أولاً: انطلقت في هذه الكلمة، من أنَّ الحقيقة المُرَّة هي أفضل ألف مَرَّة من الوهم المريح.
2 ـ يجب معالجةُ الأمراض لا الأعراض:
وانطلقت أيضاً من أنه لا ينبغي أن نُعالِج أعراض المرض، بل ينبغي أن نُعالِج أصل المرض.
للتوضيح: طبيبٌ جيء له بطفلٍ حرارته مرتفعة، هو ليس طبيباً إذا أعطى هذا الطفل خافض حرارة، إذا كان طبيباً حقيقياً، يبحث عن أصل هذا الارتفاع، وهو الالتهاب، يُعالِج الالتهاب، فإذا عولِج الالتهاب انخفضت الحرارة، هذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، حينما جاءوا له برجُلٍ دخل بُستان أنصاريٍ، وسيق إليه على أنه سارق، دخل إلى بُستان أنصاري، وأكل من دون إذنه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: كُنَّا أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَدَخَلْتُ حَائِطًا، فَأَخَذْتُ سُنْبُلًا فَفَرَكْتُهُ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ وَضَرَبَنِي، وَأَخَذَ كِسَائِي فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا، أَوْ سَاغِبًا، وَلَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا؟ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد ]
قبل أن تتهِمه بالسرقة هل علَّمته؟ وهل أطعمته؟ هذا منهج، ينبغي أن تُعالَج الفِتَن الطائفية من أصولها البعيدة، لا من نتائجها القريبة، لا من الاقتتال، كل أنواع المُعالجات للفِتَن الطائفية مُسكِّنات، ولها مفعولٌ مؤقت، وبعدها تضطرب النيران.
1 ـ الفِتَن الطائفية باقيةٌ ببقاء أسبابها:
أيُّها الإخوة الكرام: الحقيقة الأولى: أنَّ الفِتَن الدينية والطائفية والمذهبية، كانت، ولا تزال، وستبقى، إذا بقيَت أسبابها.
هناك سببٌ وهناك نتيجة، إذا بحثنا عن السبب، وأزلنا السبب انتهينا من هذه الفِتَن، مادامت أسباب هذه الفِتَن قائمة، فلا بُدَّ من أن تبقى وأن تستمر وأن تزيد.
2 ـ الفِتَن الطائفية قديمة:
الدليل أنها قديمةٌ جداً، ماذا قال الله تعالى عن فرعون؟
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾
استخدم ورقة الفِتَن الطائفية (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) .
وانتهاءً بفرعون العصر الذي قال وزير خارجيته: أنا لا يُعجبني أن يكون العالم مئتي دولة، أتمناه خمسة آلاف دولة، والله يُخطِّطون لجعل كل محافظةٍ دولة، هذا يروق لهم، ويُحقِّق لهم نهب ثروات العالم الإسلامي، والسيطرة عليه عن طريق التفرقة.
3 ـ الفِتَن الطائفية والحروب الأهلية عقابٌ من الله:
الحقيقة الثانية: قد تكون الفِتَن الطائفية والحروب الأهلية، عقاباً من الله عزَّ وجل، لأُمةٍ مُقصِّرةٍ، قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾
الصواعق والصواريخ والقصف، (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) الزلازل أو الألغام أو التفجير، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ).
يجب أن نعتقد أنَّ الحروب الأهلية، وأنَّ الخلافات الطائفية، نوعٌ من عقاب الله لأُمةٍ مُقصِّرة، ولكن بعض الشرِّ أهوَن من بعض، هناك عند الله إهلاك استئصال، إبادةٌ كاملة، وهناك إهلاك ضَعفٍ، قال تعالى في هلاك الاستئصال:
﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾
أين هلاك الاستئصال؟
﴿ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8)﴾
أُبيدوا عن بَكرةِ أبيهم، هذا هلاك الاستئصال، أمّا هلاك الضعف فهو الذي سَمَح الله به أن يُصيب المُسلمين، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فيما أخرجه الإمام البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لمَّا نزلت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بوجهِك، قال: (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أعوذُ بوجهِك الكريمِ، قال: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال: هاتان أهونُ وأيسَرُ ))
هلاك الضعف أهوَن من هلاك الاستئصال، نحن موجودون، مليار وخمسمئة مليون، ولكن أمرنا ليس بيدنا، وليست كلمتنا هي العُليا، وللطرف الآخر لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل، لأنه:
﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾
4 ـ النبيُّ بريءٌ ممّن فرّق دينه فِرقاً وشيعاً:
والحقيقة التي تليها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، أخبر نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم، أنك يا محمد بريءٌ من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً، هذا الذي يشقُّ صفوف المُسلمين، هذا الذي يجعل الإسلام إسلامَين، هذا الذي يُعمِّق الهوة بين المُسلمين، هذا الذي يجعل بأس المُسلمين فيما بينهم، هذا الذي يصرف المُسلمين عن معركتهم التي أناط الله بها المُسلمين، إلى معاركٍ جانبية تَفتُّ في عضدهم، تُضعِف شوكتهم، تستنزف قُدراتهم، هذا قد أمَرَ اللهُ النبيَّ أن يتبرأ منه.
وهناك أثرٌ مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير قول الله تعالى في سورة الأنعام:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)﴾
أي أنت بريءٌ منهم يا محمد (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) .
هناك إسلامٌ واحد، لأن هناك إلهاً واحداً، ونبيّاً واحداً، وقُرآناً واحداً، ومنهجاً واحداً.
وسأُلقي على مسامعكم بعض الأحاديث، التي توعَّد بها النبي من يفعل بعض الأشياء، أنه ليس من النبي.
هؤلاء تبرأ منهم النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من غشَّنا فليسَ منَّا ))
كم من مسلمٍ يغش المُسلمين؟ تسعة أعشار ما يُباع مغشوش، الوصف مُخالفٌ للواقع، (من غشَّنا فليسَ منَّا) .
(( ليس مِنَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقُرآنِ، وزادَ غَيرُه: يَجهَرُ به ))
فإذا كان هناك ستة وثمانون مليون اتصالٍ، لاختيار إحدى مُغنيَتَين، فأين هذا الحديث؟ (ليس مِنَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقُرآنِ) .
(( ليس مِنَّا مَن لَطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بدَعوى الجاهِليَّةِ ))
(( ليسَ منَّا منْ عملَ بسُنَّةِ غيرِنا ))
الميلاد من أبٍ مُسلمٍ وأُمٍّ مُسلمة، يُصلّي، ويصوم، ويحجّ، ويعتمِر، ويؤدّي زكاة ماله، لكن نمط حياته، علاقاته، احتفالاته، أفراحه، أحزانه، سَفَرهُ، حَضَرهُ، غربيٌ مناقضٌ لمنهج الله عزَّ وجل، ضُبِطَ الإسلام بخمس عباداتٍ شعائرية، أمّا الحياة، كسب الأموال، إنفاق الأموال، الأفراح، الأحزان كلها مُخالفةٌ لمنهج الله عزَّ وجل (ليسَ منَّا منْ عملَ بسُنَّةِ غيرِنا) .
(( ليسَ منَّا من خبَّبَ امرأةً علَى زوجِها أو عبدًا علَى سيِّدِه ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ]
خبَّب أي: أفسَده.
(( ليس منَّا من سَحَر أو سُحِر له ولا تطَّير أو تُطِّير له ولا تَكهَّن ولا تُكُهِّن له ))
والله أيُّها الإخوة: أُناسٌ مُثقفون يعتقدون بالسِحر، فإذا كانت العلاقة سيِّئةً جداً بين زوجين، تتوهم الزوجة أنهم قد كتبوا له، العلاقة السيِّئة من سوء مُعاملتِك له فقط، يعيش المُسلمون بأوهامٍ، تارةً يرون أنَّ حروف الاسم وحدها تُحقِّق السعادة أو الشقاء، فأُلغيَ الدين كله، وتارةً الأبراج، والأسماء، يعيش المُسلمون في أوهامٍ.
(( من أتَى عرَّافًا أو كاهنًا، فصدَّقه بما يقولُ، فقد كفر بما أُنزِل على محمَّدٍ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وابن ماجه ]
(( مَن أَتَى عَرَّافًا فسأله عن شيءٍ فصَدَّقَهُ بما قال لم تُقْبَلْ له صلاةٌ أَرْبَعِينَ يومًا ))
[ أخرجه مسلم وأحمد والبيهقي ]
(( ليس مِنَّا مَنْ سَحَرَ، أوْسُحِرَ لهُ، أوْ تَكَهَّنَ، أوْ تُكُهِّنَ لهُ، أوْ تَطَيَّرَ، أوْ تُطُيِّرَ لهُ ))
[ أخرجه البزار كما في كشف الأستار للهيثمي والطبراني في المعجم الأوسط وابن عدي في الكامل في الضعفاء ]
(( ليس منا مَن انْتَهَبَ، أو سَلَبَ، أو أشار بالسَّلَبِ ))
(( ليس مِنَّا من لم يرحمْ صغيرنا، ويُوَقِّرْ كبيرنا، ويأمرْ بالمعروفِ، ويَنْهى عن المنكرِ ))
(( مَن حَمَلَ علينا السِّلاحَ فليسَ مِنَّا ))
(( مَنْ خَرَجَ مِنَ الجَماعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ حتَّى يُراجِعَهُ وقالَ: مَنْ ماتَ وليس عليه إمامُ جَماعَةٍ، فإنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتَةٌ جاهِليَّةٌ ))
(( ليس منَّا من تشبَّه بالرِّجالِ من النِّساءِ ولا من تشبَّه بالنِّساءِ من الرِّجالِ ))
امرأة ببنطالٍ، ثيابٍ فاضحة، وقاحة، تُحِدُّ النَظَر، تُدخِّن.
(ليس منَّا من تشبَّه بالرِّجالِ من النِّساءِ ولا من تشبَّه بالنِّساءِ من الرِّجالِ) تكُسُّرٌ في الكلام، أناقةٌ تفوق حدَّ الخيال، اعتناءٌ بالهندام والشعر يفوق الوضع الطبيعي (ليس منَّا من تشبَّه بالرِّجالِ من النِّساءِ ولا من تشبَّه بالنِّساءِ من الرِّجالِ) .
(( ليسَ منَّا من تشبَّهَ بِغَيرِنا، لا تَشبَّهوا باليَهودِ ولا بالنَّصارى فإنَّ تَسليمَ اليَهودِ الإشارةُ بالأصابعِ وتَسليمَ النَّصارى الإشارةُ بالأَكُفِّ ))
(( عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة ولا ينفعه عمله شيئاً))
[ رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف ]
(( ليسَ منَّا مَنْ دعا إلى عصبِيَّةٍ وليس مِنَّا مَنْ قاتَلَ علَى عصَبِيَّةٍ وليس مِنَّا مَنْ ماتَ علَى عصبِيَّةٍ ))
يقول الله عزَّ وجل: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أنت بريءٌ منهم.
5 ـ الانتماء إلى المجموع إيمان والانتماء على الجزء شِرك:
أيُّها الإخوة: الحقيقة التي تليها: الانتماء إلى المجموع إيمان، والانتماء إلى الجزء شِرك، فما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلستَ مؤمناً.
الأدلة القرآنية على وجوب الانتماء إلى مجموع المؤمنين:
الدليل قال تعالى:
﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)﴾
لمُجرَّد أن تنتمي إلى جماعةٍ صغيرة، إلى فُقاعةٍ، إلى طائفةٍ، إلى مذهبٍ، وتُعادي الآخرين فلستَ مؤمناً.
دليلٌ آخر:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾
يجب أن يكون انتماؤك إلى مجموع المؤمنين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فبدل أن تقاتلهم: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) فرقٌ كبيرٌ بين من يقتُل مَن خالفه في الرأي - يقتله، يذبحه - وبين من يُصلحه (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .
وعلى هذا السياق يصف الله تعالى المؤمنين قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾
وفي هذا السياق، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62)﴾
يُفهَم من هذه الآية، أنَّ المؤمنين حربُهم واحدة، وسِلمُهم واحدة، أمّا كل فئةٍ لها موقفٌ مع العدو، فئةٌ تُصالِح، وفئةٌ تُطبِّع العلاقات، وفئةٌ تتبادل السُفراء، وفئةٌ تُحارب، تفتَّت المُسلمون.
وعلى هذا السياق قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)﴾
أسباب العداوة والبغضاء كما ذكرها الله في القرآن الكريم:
أيُّها الإخوة: العداوة والبغضاء بين المؤمنين، هل تحدَّث عنها القرآن الكريم؟ هل بيَّن أسبابها؟
صدِّقوا أيُّها الإخوة: أنَّ آيةً واحدةً في القرآن الكريم، تُبيِّن سبب العداوة والبغضاء بين الزوجين، وبين الأخوين، وبين الشريكين، وبين الجارَين، وبين الصديقَين، وبين الزميلين، وبين الأُسرَتين، وبين العائلتَين، وبين القبيلتَين، وبين العشيرتَين، وبين الشعبَين، وبين الأُمتَين، وبين الحضارتين، آيةٌ واحدة، قانونٌ واحد، يشرح عن العداوة والبغضاء ما أسبابها؟
التقصير في منهج الله والتفريط فيه سببٌ للعداوة:
قال تعالى:
﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)﴾
ما دام هناك تقصيرٌ في تطبيق منهج الله، فالعداوة سوف تستمر، وسوف تتفاقم، وسوف تنفجر، ما لم نَعُد جميعاً إلى الله، ما لم نُخلِص جميعاً ديننا لله، فالعداوات قائمةٌ، وسوف تستمر، وهذا ليس من التشاؤم، ولكن من باب الحقيقة المُرَّة التي هي أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح.
(( أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقولُ المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يخذُلُه ويقولُ والَّذي نفسي بيدِه ما توادَّ اثنان فيُفرَّقَ بينهما إلَّا بذنبٍ يُحدِثُه أحدُهما ))
المُنتفِع والمُستفيد الوحيد من العداوة والبغضاء هو الشيطان:
أيُّها الإخوة: في الحقل السياسي، لو حدث تفجيرٌ كبيرٌ في بلدٍ مُعيَّن، هناك من يُحلِّل ويرى أنَّ لهذا التحليل قانون، مَن المُنتفِع مِن هذا التفجير؟ هو الذي خطَّط له، الآن القرآن الكريم بآيةٍ واضحةٍ صريحةٍ قطعيّة الدلالة، يُبيِّن أنَّ المُنتفِع الوحيد من العداوة والبغضاء هو الشيطان، الآية الكريمة:
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91)﴾
إذاً هو المُنتفِع الوحيد، إذاً أيُّ عداوةٍ بين المؤمنين هي مِن فِعل الشيطان، من أجل إضعاف المؤمنين، من أجل شرذمتهم، من أجل جعل بأسهم بينهم، من أجل أن يكونوا لقمةً سائغةً لأعدائهم، من أجل أن يكونوا مُضغةً في الأفواه، أليس اقتتال المُسلمين فيما حولنا، وصمة عارٍ بحقِّ الأمة؟ هذا من فعل الشيطان (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) .
وقفةٌ متأنية مع الحوار، ضرورته وسُبله:
ولكن أحياناً هناك توجُّهٌ إلى الحوار، ولكن لا بُدَّ من وقفةٍ متأنية:
إذا كان هناك تناقضٌ بالمُنطلقات فالحوار غير مجدٍ، إنسانٌ يُلغي وجود الله، يكفُر بالآخرة كُليِّاً، يؤمن بالدنيا، يؤمن بالمُتَع، بالشهوات، هل من سبيلٍ إلى محاورته؟ ليس هناك قواسمٌ مشتركة إطلاقاً، الحوار بين مُختلفَين، بين إنسانين من اتجاهٍ واحد، لكنهما افترقا في بعض الجزئيات، نقول: الحوار مجدٍ، أمّا إذا كان هناك تناقضٌ فلا يُجدي.
بالمناسبة، على هذا الجدار لونٌ أبيض ولونٌ أسود، هذان لونان متعاكسان يجتمعان، وقد اجتمعا على هذا الجدار، لكن الإضاءة والظلام شيئان مُتناقضان، فوجود أحدهما ينقض الآخر، إن قلت: هذا المكان مُضاء، فأنت بهذه الكلمة نقضت الظُلمة، وإن قلت: هذا المكان مُظلمٌ، فأنت بهذه الكلمة نقضت الضوء، فإذا كان التناقُض بين فئتين تناقُضاً مُريعاً فالحوار لا يُجدي، الدليل قال تعالى:
﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)﴾
أيُّها الإخوة: إذا لم يكن هناك قواسمٌ مشتركةٌ إطلاقاً، بل هناك تناقُضاتٌ حادةٌ ومُريعة، فماذا يُجدي الحوار؟!
الصراع الإنساني بين غلبة الطبع وأوامر التكليف:
أيُّها الإخوة: شيءٌ آخر في هذا الموضوع، الإنسان فيه طبعٌ ومعه تكليف، طبعه يقتضي أن يبقى نائماً، والتكليف يأمره أن يستيقظ ليُصلّي الفجر في وقته، الطبع مُناقضٌ للتكليف، الطبع يقتضي أن يأخذ المال، والتكليف يأمره أن يُنفِق المال، الطبع يقتضي أن يملأ عينيه من محاسِن النساء، والتكليف يأمره أن يغضَّ البصر، الطبع يقتضي أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف يأمره أن يستُر، إذاً: هناك تناقُضٌ حادٌّ بين الطبع والتكليف، وهذا التناقُض هو ثمن الجنَّة، قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41)﴾
هذا تمهيد.
الآن: طبع الإنسان فردي والتكليف تعاوني، بمعنى أنَّ الله عزَّ وجل يأمُر ويقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
تعاونوا على صلاح الدنيا والآخرة، فالتكليف تعاون والطبع فردي، أي أن الإنسان بقدر طاعته لله يتعاون مع إخوته المؤمنين، وبقدر معصيته لله يتنافس معهم، فالذي يؤكِّد فرديته، يدَّعي أنه وحده على حقّ، وأنَّ كل من حوله في ضلالٍ، هذا الذي يقبَل ذاته ويرفُض الآخرين، هذا الذي يعيش وحده، هذا يؤكِّد طبعه، بينما لو أنه أطاع الله عزَّ وجل لأكَّدَ تكليف الله له بالتعاون.
خصائص الدعوة الخالصة إلى الله والدعوة إلى الذات:
أيُّها الإخوة الكرام: شيءٌ آخر، هناك دعوةٌ إلى الله خالصة، هذه الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاتباع لا الابتداع.
وهناك دعوةٌ إلى الذات مُغلَّفةٌ بدعوةٍ إلى الله، من خصائصها الابتداع، فإذا كنت مُتَّبِعاً فأنت مُخلِصٌ، وإذا كنت مُبتدعاً فأنت غير مُخلِصٍ.
الدعوة إلى الله الخالصة من لوازمها التعاون، والدعوة إلى الذات من خصائصها التنافُس.
الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاعتراف بالآخر، والدعوة إلى الذات من خصائصها التعتيم على الآخر.
أربع خصائص للفئات الضالّة:
لذلك أيُّها الإخوة: هناك أربع خصائص، دققوا في هذا، هناك أربع خصائص للفئات الضَّالة، من عبد الله بن سبأ وإلى نهاية الدوران، أربع خصائص:
الخاصة الأولى: تأليه الأشخاص.
والثانية: تخفيف التكاليف.
والثالثة: اعتماد النصوص الضعيفة والموضوعة.
والرابعة: النزعة العدوانية.
لذلك الأحاديث الصحيحة تجمعنا، والأحاديث الضعيفة والموضوعة تُفرِّقنا، فنحن بين نَصٍ يجمعنا وبين نَصٍ يُفرِّقنا.
أيُّها الإخوة الكرام: مرةً ثانية: الفِرَق الضَّالة من عهد عبد الله بن سبأ أول مفترٍ، وأول مُبتدِع، إلى نهاية الحياة لها خصائص أربع، تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد النصوص الموضوعة والضعيفة، والنزعة العدوانية، يُحلِّون دم الصحابة، ويسألون عن دم البعوضة نَجِسٌ أم طاهر، هؤلاء هُم الخوارج.
بين العمل للدنيا والعمل للآخرة:
أيُّها الإخوة الكرام: الدنيا تُفرِّق والآخرة تَجمَع، الدنيا فيها مكاسب، والمكاسب محدودة، ويُتنازَع فيها، لكن الآخرة فيها فضل الله العميم، تتسِع لكل المُسلمين، فإذا كُنّا من أهل الدنيا نتنافَس، أمّا إذا كُنّا من أهل الآخرة فنتعاون.
أيُّها الإخوة الكرام: ما من عملٍ يتذبذب بين أن يكون أقدس عملٍ يرقى إلى صَنعة الأنبياء، وبين أن يكون أتفه عملٍ، لا يستأهل إلا ابتسامةً ساخرةً كالدعوة إلى الله، حينما تبذِل من أجل الدعوة إلى الله، الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، بل حينما تموت من أجلها، عندئذٍ تكون في دعوةٍ ترقى إلى صنعة الأنبياء، أمّا إذا ارتزقت بها، تكون دعوةً تافهةً لا تستأهل إلا ابتسامةً ساخرة.
قصةٌ من ثلاثين عاماً في بلدٍ إسلاميٍ بعيد، مصلحة الحاكم اقتضت أن يُعدِم عالِماً كبيراً، جاؤوا له بشيخٍ ليُلقِّنه الشهادة، وهو عالِمٌ كبير، فقال هذا الإنسان الشهيد لهذا الشيخ: أنت ترتزق بكلمة لا إله إلا الله، بينما أنا أموت من أجلها، بين أن ترتزق بالدين أصبحت دعوتك تافهةً، لا تستأهل إلا ابتسامةً ساخرة، وبين أن تبذِل من أجل الدين، الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، عندئذٍ ترقى دعوتك إلى مصاف الدُعاة الكبار.
أيُّها الإخوة الكرام: سمعت كلمةً في هذا المُلتقى أعجبتني، أنقلها لكم كما سمعتها: في كل مذهبٍ سُفهاء، وعلى عُقلاء كل مذهبٍ أن يؤدِّبوا سفهاءهم.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا بُدَّ من المودة والاجتماع:
أيُّها الإخوة: دققوا في هذا المَثَل: طريقٌ وحيد إلى هدفٍ وحيد، وانطلق إنسانان، فلا بُدَّ من أن يسيرا على هذا الطريق الوحيد إلى الهدف الوحيد، هل يجتمعان أم يفترقان؟ لا بُدَّ من أن يجتمعا، لمُجرَّد أن تكون مُخلِصاً، وأن تبحث عن الحقيقة بصدقٍ، وأن تتجه إلى الله تلتقي مع أخيك، وتُحبُّ أخاك، وتبذِل من أجله الغالي والرخيص، لا تقتله، تُقدِّم له روحك، المودة بين المؤمنين من خَلق الله.
﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾
المودة والرحمة بين المؤمنين من خَلق الله.
إيّاكم ودماء المُسلمين فإنها مُحرَّمة:
والله أيُّها الإخوة: ذهبت إلى الجزائر قبل أسابيع، وسمعنا في الأخبار عن مذابحٍ أجراها مَن يوصَفون بالإسلاميين، من خلال اطلاعي هناك، تبيَّن أنَّ كل هذه المذابح، أجراها غير المُسلمين للإيقاع بين المُسلمين، المُسلم والله لا يستطيع أن يقتُل نملةً، ليس إنساناً يذبحه، هذا هو المُسلم، لذلك ما من قطرة دمٍ تُراق في الأرض، إلا وسيتحملها إنسانٌ يوم القيامة، إلا دم المقتول في حدٍّ شرعي، فيتحمَّل هذا الدم ربُّنا جلَّ جلاله، أمّا:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
لا والله:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
(( ليأتينَّ على القاضي العدلِ يومَ القيامة، يتمنّى أنهُ لم يقضِ بينَ اثنينِ في تمرةٍ قطُّ ))
مرةً أحد الرجال كان يطوف حول الكعبة، ويقول: ربّي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، وكان وراءه رجُلٌ من أهل العِلم، قال له: يا هذا، ما أشدَّ يأسك من رحمة الله، قال له: ذنبي كبير، قال: ما ذنبك؟ قال: كنت جندياً في قمع فتنةٍ، فلمّا قُمِعَت الفتنة أُبيحت لنا المدينة، دخلت أحد البيوت، رأيت فيه رجُلاً وامرأةً وولدين، قتلت الرجُل، وقُلت لزوجته: أعطني كل ما عندك، فأعطتني كل ما عندها، فقتلت ولدها الأول، فلمّا رأتني جاداً في قتل الثاني، أعطتني دِرعاً مُذهَبةً من الذهب، أعجبتني، تأملتها، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ:
إِذا جارَ الأَميرُ وَحاجِباهُ وَ قاضي الأَرضِ أَسرفَ في القَضاءِ
فَـوَيْلٌ ثُـــمَّ وَيْـلٌ ثُــمَّ وَيْــلٌ لِقاضي الأَرْضِ مِنْ قاضِي السَّماءِ
[ الأدب الإسلامي القديم ]
تناقضات لا محل لهل من الإعراب:
أنا لا أُصدِّق ما أسمع! طائرة الرئاسة الفرنسية لنقل خمس ممرضاتٍ متهماتٍ بحقن أربعمئة طفلٍ بمرض الإيدز، رئيس الجمهورية في بلغاريا يستقبلهم بالورود، بالرياحين، وكأنَّهُنَّ بطلات، أنا لا أُصدِّق ما أرى، لا أُصدِّق ما أسمَع، وليس معي كل الحقيقة بالمناسبة، لكن الشيء الذي رأيته، بطلات!! ماذا فعلنَّ هؤلاء المُمرضات؟ نحن في عالِمٍ قال عنه النبي:
(( لَتُمْلَأَنَّ الأرضُ ظلمًا وعدوانًا، ثُمَّ لَيَخْرُجَنَّ رجلٌ مِنْ أهلِ بيتِي، حتَّى يملأَها قِسْطًا وعدلًا، كما مُلئَتْ ظلمًا وعدوانًا ))
[ أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم ]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يُغيِّر، إن تكلم قتلوه وإن سكتَ استباحوه.
أيُّها الإخوة:
(( سِتٌّ مِن أشراطِ السَّاعةِ: مَوْتي، وفتحُ بيتِ المَقدِسِ، وأن يُعطَى الرَّجُلُ ألفَ دِينارٍ فيَتسخَّطُها ، وفِتْنةٌ يدخُلُ حَرُّها بيتَ كلِّ مسلِمٍ، وموتٌ يأخذُ في النَّاسِ كقُعَاصِ الغَنَمِ، وأن يَغدِرَ الرُّومُ، فيَسِيرون بثمانِينَ بَنْدًا، تحت كلِّ بَنْدٍ اثنا عشَرَ ألفًا. ))
قبل أيامٍ خمسمئة إنسانٍ ماتوا في العراق، مئة، مئتان، مئة وعشرون جريحاً يومياً.
(( والَّذي نَفسِي بيدِه، ليَأتِيَنَّ علَى النَّاسِ زمانٌ لا يَدرِي القاتِلُ في أيِّ شيءٍ قَتَلَ، و لا يدرِي المقتولُ في أيِّ شيءٍ قُتِلَ ))
نعمة الأمن لا يعدلها نعمة:
أتمنّى عليكم أن تسألوا الله كل يومٍ أن يَحفظ علينا بلدنا، والأمن فيه، وإيَّاكم، ثم إيَّاكم، ثم إيَّاكم، أن تطرحوا قضيةً خِلافية في هذه الظروف العصيبة، نعمة الأمن لا تعدلها نعمة (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) .
هذه الخُطبة هي فحوى كلمتي في المُلتقى الدولي الثاني للتقارُب بين المذاهب، وأسأل الله لي ولكم التوفيق.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ مَن واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلَغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الإسلام والمُسلمين، أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المُسلمين، وأذل المشركين.
اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا ربَّ العالمين.
اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجزونك، اللهم أرِنا قدرتك في إفنائهم يا ربَّ العالمين.
اللهم وفِّق ولاة المُسلمين إلى ما تُحب وترضى في كل مكان.
الملف مدقق