وضع داكن
26-06-2026
Logo
الخطبة : 1053 - الوضع الإسلامي في هذه الأيام - سلبيات هذا الوضع
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه، ومَن تبعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

مقدمة:


1 – وضْعنا أسوأُ الأوضاع:

أيُّها الإخوة الكرام: من التوفيق أن تضع يدك على عِلّة التخلف الإسلامي، هناك وضعٌ إسلاميٌ لا يُرضي، ولا نُحسَد عليه، ليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألفُ سبيلٍ وسبيل، ويمكن أن نقول: أنَّ البلاد الإسلامية من أغنى البلاد، وشعوبها من أفقر الشعوب، وأنها تقع على رأس قائمة المستوردين، وفي ذيل قائمة المُصدّرين، وأنَّ نِسَب البِطالة والأُميَّة والفقر والعنوسة عاليةٌ جداً، وأنَّ بأسها بينها وسِلمُها لأعدائها، هذا واقعٌ مؤلمٌ جداً.
الذي أتمنى أن يكون واضحاً، إلى ما يُعزى هذا التخلف؟ والحديث في السلبيات الآن أصبح ضرورياً، الإيجابيات ليس مُختلَفاً بها، لكن السلبيات، لماذا هكذا نحن؟ 

2 – معرفة الآمر قبل معرفة الأمر:

الحقيقة أنَّ أمر الله واضحٌ بيننا جميعاً، لكننا مُقصِّرون في معرفة الآمر، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، كشأن الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين، أمّا حينما يكون الأمر واضحاً جداً، ولا تعرف الآمر، تتفنَّن في التفلُّت من الأمر، وهذا واقع المسلمين اليوم.

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)﴾

[ سورة مريم ]

وقد لقينا ذلك الغيّ، من ثلاثين عاماً بفضل الله عزَّ وجل، وأنا أؤكد أنَّ أصل الدين معرفة الله، إن عرفته كان أصغر الذنوب كجبلٍ جاثمٍ على صدرك، وإن لم تعرفه كان أكبر الذنوب كذبابةٍ لا تعبأ بها، لمُجرَّد أن يعصي الإنسان ربَّه حُجِب عنه.

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)﴾

[ سورة التوبة ]

دققوا هذا قرآن: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) .

3 – حينما يكون هذا فلا يكون النصر أبداً:

يُصلّون ويُنفقون، وهُم عند الله كافرون بما قال عنه العلماء: كُفرٌ دون كُفرٍ، حينما لا يرى أنَّ منهج الله صالحٌ لهذا الوقت فهذا نوعٌ من الكفر، حينما يرى أنَّ إلغاء الرِبا مشكلةٌ كبيرةٌ ويقول: هذا مالٌ له قيمة، لا بُدَّ من أن يُستثمر في بنوكٍ ربوية هذا نوعٌ من الكفر، حينما ترى أنه لا بُدَّ من الاختلاط، وأنه حضارة، والمرأة نصف المجتمع، وينبغي أن تبدو بكل مفاتنها أمام كل الناس فهذا كُفرٌ دون كُفرٍ، حينما تقترح على الله حلّاً آخر هذا كُفرٌ دون كُفر.
الله عزَّ وجل يقول في آيةٍ مُحكمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾

[ سورة الحجرات ]

4 – لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ 

في حياة النبي لهذه الآية معنى، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى هناك معنىً آخر، فحينما تضع حلّاً غير إسلاميٍ لمشكلةٍ، معنى ذلك أنك لا تعتقد أنَّ الحل الإسلامي هو الصحيح، وهذا كُفرٌ دون كُفرٍ.

﴿ وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73)﴾

[ سورة الإسراء ]

الإسلام كطقوسٍ عند الطرف الآخر مقبول، جوامع، فنٌ إسلامي، سلوكٌ إسلامي، خلفيةٌ إسلامية، أرضيةٌ إسلامية، اهتماماتٌ إسلامية، نزعةٌ إسلامية، ثقافةٌ إسلامية، الإسلام كشكلٍ ما عندهم مانعٌ فيه أبداً، ولكن الخطورة في المنهج الإسلامي (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) .

﴿ إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)﴾

[ سورة الإسراء ]

لذلك فتنة الطرف الآخر أن تُغيِّر منهج الله، من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وإلى يوم القيامة، مشكلتنا مع الطرف الآخر أنَّ منهج الله ينبغي أن يُغيَّر، حافظْ على كل إطارٍ إسلامي، هُم مع ذلك وليسوا مع تطبيق منهج الله عزَّ وجل.
لذلك أيُّها الإخوة: الذي أقوله من ثلاثين عاماً، أنَّ أصل الدين معرفة الله، معرفة الآمر قبل معرفة الأمر، إنك إن عرفت الآمر تفانيت في طاعته، وإنك إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفنَّنت في التفلُّت من الأمر. 

كيف نعرف الآمر؟


1 – الكون:

أيُّها الإخوة الكرام: كيف نعرف الآمر؟ من طريق الكون.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

ومن طريق أفعال الله:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

[ سورة الأنعام ]

2 – تدبُّر كلام الله:

     ومن خلال تدبُّر كلام الله:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

[ سورة محمد ]

3 – معرفة أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى:

ويقع في مقدمة أبحاث العقيدة، وفي مقدمة أبواب معرفة الله، معرفة أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى، دقق:

(( للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ ))

[ أخرجه البخاري مسلم  ]


معنى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ


دقق في هذه الآية:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)﴾

[ سورة الكهف ]

لأنَّ مالاً من دون بنين مشكلةٌ كبيرة، ولأنَّ بنين من دون مالٍ مشكلةٌ أكبر (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ) إذاً المال والبنون زائلات، وصف الله المال والبنون بطريقةٍ لطيفةٍ جداً: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) .

المعنى الأول:

بعضهم فسَّر (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) بأنها الأعمال الصالحة، وهذا تفسيرٌ رائع، لأنَّ العمل يبقى بعد الموت.

(( إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له ))

[ صحيح مسلم  ]

المعنى الثاني:

والمعنى الآخر، قال بعض علماء التفسير: (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ، فإنك إن سبَّحته أي نزَّهته عن كل نقصٍ، وإنك إن مجَّدته، وإنك إن أطعته، هذا التسبيح، تنزيهٌ وتمجيدٌ وطاعة، وحمِدته في السراء والضراء، وعلمت أن كل شيءٍ من عند الله.

((  لكلِّ شيءٍ حقيقةٌ، و ما بلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يعلمَ أنَّ ما أصابَه لم يكن لِيُخطِئَه، و ما أخطأه لم يكن لِيُصيبَه ))

[ أخرجه أحمد والطبراني  ]


تعرَّف الى الله في الرخاء والشدة:


وحَمِدته في السراء والضراء:

(( بايَعنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على السَّمعِ والطَّاعةِ في العُسرِ واليُسرِ، والمَنشَطِ والمَكرَهِ، وعلى أثَرةٍ علينا، وعلى أن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وعلى أن نَقولَ بالحَقِّ أينَما كُنَّا، لا نَخافُ في اللهِ لَومةَ لائِمٍ. ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

قبل الزواج وبعد الزواج، قبل شراء بيتٍ وبعد شراء بيت، قبل تأمين عملٍ وبعد تأمين عمل، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، لأنَّ الإنسان حينما يتعامل مع الله في الرخاء فقط، تنطبِق عليه الآية الكريمة ونحن قريبون منها:

﴿ إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)﴾

[ سورة الأحزاب ]

ملايين من المسلمين يقولون: انتهى الإسلام، أعداؤه أقوياءٌ جداً، أرادوا إلغاء الإسلام، أرادوا إلغاء العمل الخيري، أرادوا إلغاء الدعوة إلى الله، ومن مُسلَّمات الإيمان أن جهةً مهما تكن قويةً، مهما تكن مُتمكنةً، مهما يكن سلاحها فتَّاكاً، مهما تكن معلوماتها دقيقةً، مهما مَلَكت من الأقمار الصناعية، مهما مَلَكت من حاملات الطائرات، ومن الصواريخ العابرة للقارات، ومن القنابل الذكية والانشطارية، مهما مَلَكت من أسباب القوة، لا تستطيع أن تُفسِد على الله هدايته لخلقه، بل إنها إذا بَنَت مجدها على أنقاض الشعوب، بَنَت رخاءها على إفقار الشعوب، بَنَت أمنها على إخافة الشعوب، بَنَت ترسيخ هويتها على محو ثقافة الشعوب، أن تنجح خِطَطُها على المدى البعيد، هذا يتناقض مع وجود الله، مع وجوده لا مع عدالته فحسب، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾

[ سورة الأعراف ]

     وإن شاء الله أوشك أن ينتهي أجلها، لأنَّ خطَّها البياني في انحدارٍ شديد، ولأنَّ المسلمين في شتّى بقاع الأرض، تنبَّهوا إلى عَظَمة دينهم، تنبَّهوا إلى عَظَمة منهجهم، تنبَّهوا إلى كمال نبيِّهم، هُم حينما لم يُصدِّقوا الله فيما مضى، قال تعالى:

﴿ هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)﴾

[ سورة آل عمران ]

هُم أحبّوهم فرأوا منهم العَجَب العُجاب. 

معرفة أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى:


1 – شرف العِلم من شرفِ المعلوم:

أيُّها الإخوة الكرام: يقع على رأس موضوعات العقيدة، معرفة أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى، قالوا: شرف العِلم من شرف المعلوم.

(( فَضلُ القُرآنِ على سائِرِ الكلامِ كفَضلِ اللهُ على سائِرِ خَلقِه ))

[ أخرجه البيهقي  ]

هذا الذي يعرِف في عِلمٍ أرضي، في الفيزياء، في الكيمياء، هذا عِلمٌ والعِلم جيد، ونحن بحاجةٍ إليه، لكن وازن بين من يعرف عِلماً أرضياً، وبين من يعرف خالق السماوات والأرض.
كنت أضرب هذا المثل مراراً وتكراراً، طفلٌ قال لك: أنا معي مبلغٌ عظيم، ووالده مُدرّسٌ، يعني مئتي ليرة، وإذا قال مسؤولٌ كبيرٌ في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، يعني مئتي مليار دولار! نفس الكلمة قالها طفلٌ فقدّرتها بمئتي ليرة، وقالها موظفٌ كبير في دولةٍ قوية فقدّرتها بمئتي مليار دولار، فإذا قال مَلِك الملوك ومالك الملوك، فإذا قالها قيّوم السماوات والأرض، فإذا قال ربُّ العالمين:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ  عَظِيمًا (113)﴾

[ سورة النساء ]

2 ـ معرفةُ الله وتوحيدُه أعظمُ شيءٍ في الحياة:

أعظم شيءٍ في حياتك أن تعرف الله، وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
 يا ربّي ماذا فَقَد مَن وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله عليك فمَن معك؟ وإذا كان معك فمَن عليك؟
ونحن في أمسّ الحاجة إلى هذا النَص:

((  أوْحَى اللهُ تعالى إلى داوُدَ: ما من عبدٍ يَعتصِمُ بِي دُونَ خَلْقِي، أعرِفُ ذلكَ من نِيَّتِه فَتَكِيدُه السَّمواتُ بِمنْ فيها، إِلَّا جَعلْتُ له من بينِ ذَلِكَ مَخْرَجًا، ومَا من عبدٍ يَعتصِمُ بَمخلوقٍ دُونِي، أعرِفُ ذَلِكَ من نِيَّتِه، إِلَّا قَطعتُ أسبابَ السَّماءِ بين يدَيْهِ، وأَرْسَخْتُ الهَوَي من تحتِ قَدَمَيْهِ، وما من عبدٍ يُطيِعُنِي إِلَّا وأَنا مُعطِيهِ قبلَ أنْ يَسْألَنِي، وغَافِرٌ لهُ قبلَ أنْ يَستغفِرَنِي ))

[ الألباني ضعيف الجامع ]

كما يفعل معظم المُسلمين اليوم، يعتصمون بمخلوقٍ دون الله عزَّ وجل، قويٍ جداً، وفي وهمِهم أنه إذا رضي عنهم دَعَمهُم (ومَا من عبدٍ يَعتصِمُ بَمخلوقٍ دُونِي، أعرِفُ ذَلِكَ من نِيَّتِه، إِلَّا قَطعتُ أسبابَ السَّماءِ بين يدَيْهِ، وأَرْسَخْتُ الهَوَي من تحتِ قَدَمَيْهِ)

(( من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ ))

[ صحيح الترمذي ]


البشر نوعان: 


البشر نوعان: 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7)  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10)﴾

[ سورة الليل ]

إذاً أشرفُ بابٍ في العِلم أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وأشرفُ فصلٍ في هذا الباب أن تعرف أسماءه الحُسنى وصفاته الفُضلى. 
شيءٌ آخر أيُّها الإخوة الكرام: في الحديث الصحيح الذي ورد في صحيح البخاري ومسلم: (للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ) .
قال تعالى:

﴿ لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)﴾

[ سورة مريم ]

1 – الفرق بين العدّ والإحصاء:

فرَّق العلماء بين العدّ والإحصاء، أنت مُعلِّم عندك ثلاثون طالباً، عَدُّهم سهلٌ جداً، قرأ التفقُّد، عرف من غاب ومن حضَر، هذا هو العدّ، أمّا الإحصاء فطالباً طالباً، وضعه النفسي، علاقته مع ربّه، مدى تفوّقه في المواد، علاقته في أهله، يا تُرى والدته مُطلَّقة، مُقيمة مع الأب، موظفة، مُتفرِّغة، الأب مُثقف، غير مُثقف، كيف يُمضي أوقات فراغه؟ حينما تُحصي كل المعلومات عن الطالب، نقول عندئذٍ: هذا المُعلِّم أحصى طلابه إحصاءً، عَدُّهم عداً شيءٌ سهلٌ جداً، ولا يكلف شيئاً ( لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) .
الحديث الصحيح: (للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ) .

2 – بقدْر خضوعك لله يرفع شأنك:

إذا عرفت الرحيم، عرفت القدير، عرفت الغني، عرفت اللطيف، عرفت الحكيم، عرفت المُقتدِر، عرفت الجبار، عرفت المُنتقم، إن عرفت الله عرفت كل شيء، لأنَّ فضل العِلم من فضل المعلوم.
أيُّها الإخوة: أنت كلما افتقرت إلى الله أغناك الله (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) وقوّاك، مع الله بقدر ما تخضَع، بقدر ما تتذلل، بقدر ما تُمرِّغ جبهتك في أعتابه، يرفَع الله لك شأنك.

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

[ سورة الشرح ]

ما من مخلوقٍ على وجه الأرض ارتفع ذِكره كرسول الله.

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

[ سورة الشرح ]

اسمُه يُذكَر مع الله عزَّ وجل، دائماً وأبداً، "أشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله" ، وما من مخلوقٍ أقسَم الله بحياته إلا رسول الله.

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

[ سورة الحجر ]

ما من مخلوقٍ بلغ سِدرة المُنتهى إلا رسول الله.

﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10)﴾

[ سورة النجم ]

ما من مخلوقٍ أكثر عبوديةً لله من رسول الله، لذلك العلاقة عكسية، كلما خضعت له، كلما استسلمت لأمره، كلما أحببته، كلما تفانيت في طاعته، كلما وضعت نفسك في المكان الأدنى إعلاءً لعظَمة الله.

(( يقولُ اللهُ تَعالى: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذَكَرتُه في مَلَإٍ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إليَّ بشِبرٍ تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً  ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

     هل هو شيءٌ قليل أن يرفع الله ذِكرَك؟ أنت حينما تُمجِّد الله، تُسبِّح الله، تدعو إلى الله، تُعرِّف الناس بالله، فأنت في أعلى درجةٍ عند الله، والدليل، وليس في الدين رأيٌ شخصي.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت ]


ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين:


ليس عند الله إنسانٌ من آدم إلى يوم القيامة أرفع مقاماً عند الله (مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) إن أردت أن تفهم النَص القرآني والنَص النبوي فهماً دقيقاً، فإنه يكون ما يلي:

(( أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَليًّ : فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

في الدنيا شابٌ عمره بين الأربعين والخمسين "بيل غيتس" معه تسعون مليار دولار، فإذا شخصٌ قدَّر الله على يده هدايةُ إنسانٍ، فبنَص الحديث الشريف: (لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم) أعظم عطاءٍ أن يستخدمك الله في هداية الخلق إليه.
 لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، لكن اقلقوا على أنفسكم، فلنقلَق على أنفسنا ما إذا سمَح الله لنا أو لم يسمَح أن نكون جنوداً لهذا الدين، هذا الدين الله ينصره، وقد ينصره على يد أعدائه.
بناءٌ ضخمٌ في نيويورك "إمباير ستيت"، هذا البناء بُدِئ ببنائه عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وعشرين، وله إضاءاتٌ خاصة، أُضيء ثلاثُ مراتٍ في تاريخه، ثلاثةُ أحداثٍ تاريخيةٍ خطيرةٍ جداً، في أيام العيد أُضيء تكريماً للإسلام، هذا خبرٌ أذاعته كل وكالات الأنباء، وصدر قرارٌ عن الكونغرس أنَّ الإسلام دينٌ سماويٌ عظيم، الله عزَّ وجل قادرٌ أن ينصُر دينه على يد أعداء الدين، القلَق لا على هذا الدين، القلَق على أنفسنا، هل سمح لك أن تكون جندياً؟ سمَح لك تُخفِّف من أعباء المُسلمين، سمَح لك أن تكون موضِّحاً لحقائق الدين، هُنا القلَق، لا تقلَق على هذا الدين.

3 – لا تضجر إذا كان الباطل قوياً:

شيءٌ آخر: لا تضجر إذا كان الباطل قوياً، الباطل الآن قويٌ جداً، لكن أنت قوي، وهذا سرُّ ضعفك، وأنا ضعيف، وهذا سرُّ قوتي، القوي البعيد عن الله يوكَل إلى نفسه، يرتكب حماقاتٍ تلو حماقات، كما تسمعون وترون، يعني ألف ومئتا مليار كلفة حرب العراق، لو أُنفِقَت على الشعوب الفقيرة ما الذي سيكون؟ لكن أُنفِقَت على التدمير والقتل، لذلك ترى كراهيةً لهذه البلاد لا يعلمها إلا الله، هذا هو الحُمق. 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)﴾

[ سورة محمد ]

مستحيل وألف ألف مستحيل، أن يكون الكافر حكيماً، يرتكب حماقةً تلو حماقةٍ مع أنه قد يكون في أعلى مستوى من الذكاء، لذلك قالوا: "ما كُل ذكيٍ بعاقل"، والحكمة من أعظم عطايا الإله. 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة ]

أيُّها الإخوة: إذاً أسماء الله الحُسنى أحد أكبر أبواب معرفة الله عزَّ وجل، وهي مبذولةٌ بأشرطةٍ وفي الفضائيات وفي الكتُب، وبأي مكان، فخصِّص وقتاً من وقتك لمعرفة أسماء الله الحُسنى وصفاته الفُضلى، هذا أبرز بابٍ في معرفة الله. 

اسم الله الأعظم: 


أيُّها الإخوة الكرام: ولكن هناك من يقول: أيُّ اسمٍ من أسماء الله الحُسنى هو الاسمُ الأعظم؟ الذي إذا دعوتَ به أجابك؟
الحقيقة هذا موضوعٌ خلافي، بعضهم قال: اسم الله الأعظم هو الرحمن، وبعضهم قال: الله علَمٌ على الذات، ولكن هناك رأيٌ دقيقٌ جداً: لكل واحدٍ منّا عنده وبحسب حاله اسم الله الأعظم، الفقير اسم الله الأعظم له المُغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم له القوي، والذي يُعَدُّ أخرقاً غيرُ حكيمٍ اسم الله الأعظم هو الحكيم، والمُنهزم اسم الله الأعظم له الناصر، فلكل واحدٍ منّا اسم الله الأعظم، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أنت حينما تثق أنَّ الله على كل شيءٍ قدير، وأنَّ قِوى الطرف الآخر لا قيمة لها، وأنَّ الله قادرٌ أن ينصرك وأنت ضعيف، وأنَّ الله على كل شيءٍ قدير، وتعلَّقت قدرته بكل شيءٍ، فهذه المعلومات تُعينك على أن تسأله.
نور الدين الشهيد لمّا واجه التتار سجد وقال: "يا ربّ، مَن هو نور الدين حتى تنصره؟ مَن أنا يا ربّ؟ انصُر دينك يا ربّ" ، وانتصر على التتار، وصلاح الدين انتصر على سبعةٍ وعشرين جيشاً أوروبياً، عندنا أمجادٌ تاريخية تُذيب القلب، ولمّا دخل سيدنا صلاح الدين إلى القدس، وألقى خطيب دمشق أول خُطبةٍ بدأها بقوله تعالى:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾

[ سورة الأنعام ]


فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً:


المُسلمون مفتقرون إلى النصر، تاريخهم الحديث شكَّل عندهم ثقافة الهزيمة، أصبحت ثقافة، لا يُصدِّقون خبراً إيجابياً أبداً، أيُّ خبرٍ إيجابي يُكذِّبونه، ثقافتهم ثقافة هزيمة، لكن والله الذي لا إله إلا هو الكرة في ملعبنا، واللهِ نصرُنا بيَدنا بالصُلح مع الله.
أنا أروي هذه القصة مراتٍ كثيرة، لا أرتوي منها، << وفدٌ من عِلية القوم جاء الحسنَ البصري، قالوا: يا إمام، ما تقول في فُلان؟ - فُلانٌ من أقوى حُكَّامهم وكان بطَّاشاً وهو الحَجَّاج - قال: تعرفون رأيي فيه، قالوا: ولهذا أتيناك، قال: لا تخرجوا عليه - هل هذا فكرٌ انهزامي؟ لا-  قال: لأنَّ ظلم الأقوياء نِقمة الله عزَّ وجل، ونِقم الله لا تُرَدّ بالسيوف، تُردّ بالصُلح مع الله>> .
حقيقةٌ صارخة، وهي مُلخَّص المُلخَّص: أُمةٌ انحرفت (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) قيَّض الله لها عدواً بعيداً فأخذ ما في أيديها، أموالٌ فلكية تذهب من الشرق إلى الغرب، وأحدثُ تصريحٍ لقائد القوات الأمريكية في العراق قبل يومين قال: حرب العراق من أجل النفط فقط، وكل ما قيل بخلافه كذب، وقال: هو كابوسٌ ليس له نهاية، أُمةٌ انحرفت بنَص القرآن الكريم: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) .

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ:


الغرب قويٌ جداً، هل يمكن أن تُقصَف غرفةُ نومٍ في بغداد من إيطاليا؟! عندهم أسلحةٌ فتَّاكة تفوق حدَّ الخيال، الغرب قويٌ جداً، وهذه القوة تتلاشى إذا اصطلحنا مع الله، هناك انحرافٌ، اصطلح مع الله فتتلاشى، ظُلم الأقوياء نِقمة الله، ونِقمة الله لا تُرَدُّ بالسيوف وحدها، بل تُرَدُّ بالصُلح مع الله، لذلك الآية الصارخة:

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)﴾

[ سورة الرعد ]

الأمر بيَدُنا، يعني: يا عبادي أنتم متألمون؟ إذاً غيِّروا حتى أُغيِّر، لا تُغيِّروا لا أُغيِّر، هذا مُلخَّص المُلخَّص.
وعظَمة هذا الدين أنه دينٌ جماعيٌ فرديٌ في آنٍ واحد، لو الناس شردوا عنه، أنت أطِع أمرنا.

أطِع أمرنـا نرفع لأجـلك حُجبنـا         فـإنّـا منـحنـا بالـرضـا مـن أحـبَّـنـا

ولُذ بحمانا واحتـــــــــمِ بجنابنـا         لـنحميـك مـما فـيه أشــرار خلـقـنـا

وعن ذكرنا لا يشغلنَّك شاغـــلٌ         وأخلِص لـنا تلقـى الـمـسرةَ والهنـا

وسلِّم إلينا الأمر في كل ما يكـن         فـمـا الـقـرب والإبـعاد إلا بـأمـرنـا

[ علي بن محمد بن وفا ]

***

إذا اصطلح الناس مع الله فهذه نعمةٌ كُبرى لا تعدِلُها نعمة، وإذا لم يصطلحوا، وتابعوا الفن الرخيص، وستة وثمانون مليون اتصالٍ لمحطةٍ فضائيةٍ في عشرين يوماً! فإذا كان المُسلمون هكذا فاصطلح أنت مع الله، ألا تستطيع أن تُقيم الإسلام في بيتك؟ مَن يمنعك؟ في أي مكانٍ وأي زمانٍ، مَن يمنعك أن تكون صادقاً وأميناً وعفيفاً؟ مَن يمنعك أن تربّي أولادك وبناتك؟ مَن يمنعك أن تكون في عملك مستقيماً؟ هذا الجهاد البنائي، هذا الجهاد ممدوحٌ صاحبه.
فلذلك الكُرة في ملعبنا أيُّها الإخوة (للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ) .

كل شيءٍ بيد الله وحده: 


أول معنى:  أنت حينما تعرف أن الله قويٌ، بيَده كل شيءٍ، والله هناك أمراضٌ وبيلة تُحيِّر الأطباء، من شفاءٍ تامٍ لأصحابها، فسمّوه الشفاء الذاتي، لأنه لا تفسير له عندهم، أمّا عند الله فهناك تفسير، لأنك دعوته، الله على كل شيءٍ قدير.
أعرف صديقاً أصابه مرضٌ خبيثٌ في رئتيه، والله أنا على اطلاعٍ دقيقٍ بالتحليلات، مخبرٌ في دمشق، ومخبرٌ في لندن، وأخذت خزعات، كان قرار الأطباء بالإجماع لا أمل من شفاءه، والقصة منذ اثنتين وعشرين سنة، والآن هو حيٌّ يُرزَق، والله شفاه شفاءً تاماً، عندما تعرف أنَّ الله على كل شيءٍ قدير تدعو القدير، لا تُنافِق للقوي من بني البشر، تدعو القدير، لذلك: (للهِ تبارَك وتعالى تِسعةٌ وتسعونَ اسمًا مَن أحصاها دخَل الجنَّةَ) .
 والآية الدقيقة: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا) تعرَّف عليها، تعرَّف مَن هو الرحيم، مَن هو العدل.

1 – لا يذهب ظلم الظالم سدى بغير حسابٍ ولا عقاب:

والله الذي لا إله إلا هو وألقى الله بهذا، ما من قطرة دمٍ تُراق في القارات الخمس، من آدم إلى يوم القيامة، إلا ويتحملها المسؤول يوم القيامة.

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

[ سورة القيامة ]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم ]

هذا القتل الذي يجري في ما حولنا، يذهب هكذا بلا عقاب، بلا مسؤولية، بلا مُحاسبة، بلا جزاء، أين العدل؟ 

2 – أسماء الله الحُسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فهو محقَّق جزئياً:

أسماء الله الحُسنى كلها مُحقَّقةٌ في الدنيا إلا اسم العدل فهو مُحقَّقٌ جزئياً، الله عزَّ وجل يُكافئ بعض المُحسنين تشجيعاً للباقين، ويُعاقِب بعض المُسيئين ردعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

[ سورة آل عمران ]

لذلك:

﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71)﴾

[ سورة مريم ]

ورود النار غير دخولها، يجب أن ترى مصير الظُلَّام الذين قهروا الشعوب، ودمَّروا الشعوب، ونَهبوا ثروات الشعوب، وقتلوا شباب الشعوب، وتصدَّروا الشاشات، وتبجَّحوا من أجل الحرية والديمقراطية، كلامٌ لا معنى له إطلاقاً، فلذلك أيُّها الإخوة: البطولة أن تكون مستقيماً على أمر الله.
أيُّها الإخوة الكرام: كل واحدٍ منّا له اسمُ الله الأعظم الذي يناسبه، والموضوع طويل.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

وجود المخلوقات تابع لوجود الله: 


أيُّها الإخوة: لابن القيِّم كلامٌ رائعٌ في أسماء الله الحُسنى، يقول: "وكما أن كل موجودٍ سواه فبإيجاده وُجِد"

العِلم بالله أعظم عِلم: 


أنت موجود وأنا موجود، هذا الوجود من إيجاد الله لنا، وكما أنَّ كل موجودٍ سواه فبإيجاده وُجِد، فوجود سواه تابعٌ لوجوده، فكذلك العِلم به أصلٌ لكل العلوم. 
أعلى عِلمٍ أن تعرف الله، يُقال: فُلانٌ معه دكتوراه دولة في الفيزياء النووية، في الكيمياء العضوية، في الفضاء الخارجي، إلى آخره.. أعلى شهادةٍ في الأرض ليست بشيءٍ أمام أن تعرف الله، لأنَّ شهادات الأرض عِلمٌ بمخلوقاته، أمّا أن تعرف الله فهو علمٌ بذاته، وفرقٌ كبير بين أن تعرف مخلوقاته، مع أنَّ معرفة مخلوقاته ـ دققوا ـ فرض كفايةٍ على كل مسلمٍ، فنحن نحتاج إلى خبراءٍ أجانب يضحكون علينا أحياناً، ويعطوننا أموراً خلاف الواقع، ونحن ليس عندنا خبراءٌ في هذا العِلم، العلوم الأرضية أصلٌ في صلاح الدنيا، وهو فرض كفايةٍ على مجتمع المسلمين، إذا امتنع الكُل عن العِلم بهذا العِلم أثِموا جميعاً، هو أصلٌ في صلاح الدنيا، ولكن الموازنة بعد الموت، في العِلم بالله والعِلم بمخلوقاته، فرقٌ كبيرٌ جداً.
أعلى شهادةٍ أرضية ينتهي عِلم صاحبها بعد الموت، أمّا الذي عرف الله فيسعد بهذه المعرفة إلى أبد الآبدين، لذلك قال ابن القيِّم: " فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصلٌ لسائر العلوم، فمَن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصلٌ لإحصاء كل معلوم، لأنَّ المعلومات هي من مقتضاها، ومرتبطةٌ بها، وتأمَّل صدور الخلق، والأمر عن علمه وحكمته تعالى، لذلك لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتاً، لأنَّ الخلل الواقع فيما يأمُر به العبد، إمّا أن يكون لجهلٍ، أو لعدم حكمةٍ، أمّا الربُّ تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ، ولا تفاوت، ولا تناقض" .
لذلك لو أنَّ الإنسان خصَّص من وقته وقتاً لمعرفة أسماء الله الحُسنى لأفلَح.
والله حدَّثني طبيبٌ مقيمٌ في أمريكا لا أعرفه ولا يعرفني، عثَرَ على شرح أسماء الله الحُسنى هناك، من مدينةٍ فيها مؤتمرٌ إسلاميٌ يُعقَد كل سنة، قال لي: والله سمعتها في طريقي من بيتي إلى عملي ذهاباً وإياباً، أقسم لي بالله، وقد زارني في البيت في الشام، وأوصى أهله أن يستمعوا لهذه الأسماء، قال: والله قلبَت حياتي مئة وثمانين درجة، من السلب إلى الإيجاب، من الضياع إلى الوجدان، من القلَق إلى الطمأنينة، من الخرق إلى الحكمة، فأن تعرف الله شيءٌ ثمينٌ جداً.
أردت من هذه الخُطبة أن تعرفوا قيمة أسماء الله الحُسنى، وهو أحد أكبر فروع العقيدة. 

الدعاء: 


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك.
اللهم اعطِنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأبصارنا وأسماعنا وقوَّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلَغ علمنا.
أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اعطِنا سؤلنا يا أكرم الأكرمين، انصُر كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تُهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، انصُر ولاة المُسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اجمَع شملهم يا ربَّ العالمين، أحطهم بحاشيةٍ تدلهم على الخير وتُعينهم عليه يا أكرم الأكرمين.  

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور