الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مُرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌّ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أيُّها الإخوة الكرام: في الخُطبة السابقة بدأتُها، بأنَّ لو أنَّ أحداً سألني: كيف تختار موضوع الخُطبة؟ كان جوابي في الأسبوع الماضي: إنني من خلال الاتصالات وعرض المُشكلات، آخُذ أكبر مشكلةٍ تتواتر في هذه الاتصالات، وأجعلها موضوعاً لخُطبةٍ، ففي الأسبوع الماضي تحدَّثت عن حِرمان البنات والزوجات من الإرث، واليوم اخترتُ مُشكلةً من أكبر المُشكلات، ذلك أنَّ المرأة نصف المجتمع، وأنَّ المرأة مساويةٌ للرجُل تماماً في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، مُكلَّفةٌ بأركان الإيمان، ومُكلَّفةٌ بأركان الإسلام، ومُكلَّفةٌ بالعبادات، ومُشرَّفةٌ عند الله كالرجُل تماماً، ومسؤولةٌ عن كل أعمالها.
القسم الأول: النساء المُتفلِّتات:
النساء نصفان، نصفٌ تفلَّت من منهج الله، ولم يعبأ بهذا الدين العظيم، ولم تلتزم لا بحجابها، ولا بحديثها، ولا بعلاقاتها، ولا بخروجها، ولا بدخولها، هذا النصف المُتفلِّت لا يعنينا في هذه الخُطبة، ولكنني أسأل الله لهُنَّ الهُدى والتُقى والعفاف والغِنى، أسأل لهُنَّ الهداية، لأنهُنَّ شردنَ عن منهج الله، وتوهمنَ أنَّ المرأة كلما أبرزت مفاتنها اقترب وقت زواجها، وحقَّقت هدفها، وهذا خطأٌ كبير، وبعدٌ عن منهج الله عظيم، وما من أمرٍ ابتُغيَ بمعصية الله، إلا كان أبعَد مما رجا المرء وأقرب مما اتقى، وما عند الله لا يُنال بمعصيته.
القسم الثاني: النساء المستقيمات:
ولكن هذه الخُطبة موجهةٌ إلى النصف الأول، المرأة التي نشأت في أُسرةٍ مُسلمة، وهي مُلتزمةٌ بالحجاب، ملتزمةٌ بالعِلم الشرعي، تقرأ القرآن، تُصلّي قيام الليل، هذه المرأة حينما تبحث عن زوجٍ فلا تجد، حينما تقع في يأسٍ وفي إحباط، الخُطبة موجهةٌ إلى هذا الصنف من النساء، اللواتي نشأنَ في بيئةٍ طيبة، لكن نصيبها من الزواج قليل، والحقيقة المُرَّة التي يتقطَّع لها القلب، أنَّ نصف نساء سورية بلا زواج، العنوسة خمسون بالمئة، وفي بعض البلاد ثمانية عشر بالمئة، وفي بعض البلاد اثنان في المئة، هذه ظاهرةٌ مَرَضيةٌ خطيرة.
لن ننجح في دعوة الآخرين الى الإسلام ونحن في هذه الحالة المُزرية:
أقول لكم أيُّها الإخوة كلاماً من القلب: حينما تكون نِسَب البِطالة والعنوسة والأُميَّة عاليةً في المجتمع، وحينما تكون البلاد الإسلامية على رأس قائمة المستوردين، وفي أسفل قائمة المُصدّرين، حينما يعمل المواطن في بلدٍ عربيٍ إسلامي، ثمانية عشر دقيقةً في اليوم، والبلاد القوية يعمل أفرادها ثماني ساعات، حينما يكون بأس المسلمين بينهم كما ترون، وسِلمهم إلى أعدائهم، لن نستطيع أن ننقُل هذا الدين إلى الطرف الآخر، إنه لا يرى ما عندنا من كُتبٍ عظيمةٍ، ومن منهجٍ قويم، إنه يرى واقعنا، فإذا حمَّلنا الله جلَّ جلاله رسالةً لكي ننقُلها إلى الآخرين، بهذا الوضع المُتردّي، بهذه البِطالة، وتلك الأُميَّة، وهذا الفقر، وتلك العنوسة، وبالاعتماد على الغرب في كل ما نأكُل و نشرَب ونعمَل، وقد قيل مرةً: "ويلٌ لأُمةٍ تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسُج" ، هذا كلامٌ قديم، وأُضيف على هذا الكلام: وويلٌ لأُمةٍ تستخدم آلةً لا تصنعها، بل ويلٌ لأُمةٍ تشتري السلاح، لأنها عندئذٍ أصبح قرارها ليس بيدها.
الغرب لن يُصغي إلى ديننا إذا رآنا بهذا الوضع، ولأنَّ الله حمَّلنا مسؤولية نقل الإسلام إلى الآخَر، قال تعالى:
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)﴾
(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي وسطاء بيني وبين عبادي.
إلى كل فتاةٍ مستقيمةٍ عفيفةٍ طاهرة:
أنا أوجّه الكلام إلى كل مسلمةٍ رضيَت بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
إلى كل فتاةٍ سَلَكَت طريق الحقّ، وحَمَلَت رسالة الصدق.
إلى كل مُربيَّة جاهدت بكلمتها، وحافظت على قيَمها، وزكَّت نفسها.
إلى كل أُمٍ ربَّت أبناءَها على التقوى، وأنشأتهم على السُنَّة، وحبَّبَت إليهم الفضيلة.
إلى كل مهمومةٍ حزينة، اسعَدي أيتُها الأُخت، وافرحي بقُرب الفَرَج ورعاية الله، وعظيم الأجر، وتكفير السيئات.
2 – إذا عرفتِ الله هانت كل مصيبةٍ:
والجواب الذي أُجيب به كل إنسانةٍ تتصل بي عن طريق الهاتف، وتعرِض عَليّ مُشكلتها، هذا الجواب هو:
أيتُها الأُخت الفاضلة: إذا عرفتِ الله عزَّ وجل كنتِ أكبر من أكبر مُشكلةٍ تُعانيها، وإذا لم تعرفي الله عزَّ وجل كنتِ أصغر من أصغر مُشكلةٍ تُعانيها، فبين أن تكوني أكبر من أكبر مُشكلةٍ تُعانيها، وبين أن تكوني أصغر من أصغر مُشكلةٍ تُعانيها المرأة.
أيُّها الإخوة الكرام: في هذه الخُطبة أُناشِد المرأة أن تسعَد بدينها، وأن تفرح بفضل الله عليها، وأن تستبشر بما عندها من نِعمٍ، إنَّ هذه النِعَم مُحيطةٌ بنا من كل جانبٍ ونحن في غفلةٍ عنها.
3 – لا تُغادري بسمة الأمل واتركي الوساوس والقلق:
أُناشِد كل إنسانةٍ مؤمنةٍ أن تبتسم بسمة أملٍ بالله، وأن تستشرف الفَرَج كإشراقة الفجر، لكل من ضاق صدرها، وكثُرَ همَّها، وزادَ غمُّها، أُناديها بانتظار الفَرَج، وترقُّب اليُسر بعد العُسر.
أُخاطِبُ عقلها الذكي، وقلبها الطاهر، وروحها الصافية، لأقول لها: اصبري واحتسبي ولا تيأسي ولا تقنطي، تفاءلي فإنَّ الله معكِ، والله حسبُكِ، والله كافيكِ، والله حافظكِ ووليُّكِ، اطردي فلول الأحزان، وأشباح الأوهام، وكوابيس الخوف والقلق.
نظّفي ذاكرتك من رُكام الأوهام، وأكوام الوساوس، والتفتي إلى ربِّكِ وإلى منهجه، وإلى عبادتكِ، وإلى معرفته، وإلى طاعته، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يجعل من بعد عُسرٍ يُسرا.
صدِّقوا أيُّها الإخوة: ما من بيتٍ من بيوت المسلمين، إلا وفيه فتاةٌ تخاف الله وتُحبُّه، ولكن تنتظر الزوج المؤمن الذي يرعاها، الذي يحفظُها، الذي يُلبّي حاجتها إلى ولدٍ يقول لها أُمي.
أتمنّى عليكِ أيتُها الأُخت الكريمة: أن تكوني مُصلّيةً، صائمةً، قانتةً، خاشعةً، مُتحجِّبةً، مُحتشمةً، وقورةً، رزينةً، مُتعلِّمةً، مُطَّلعةً، واعيةً، راشدةً، وفيَّةً، أمينةً، صادقةً، مُتصدِّقةً، صابرةً، مُحتسبةً، تائبةً، مُنيبةً، ذاكرةً، شاكرةً، داعيةً، واعيةً، تابعةً لآسية ومريم وخديجة، مُربّيةً للأبطال، تصنع الرجال، راعيةً للقيَم، حافظةً للمُثُل، غيورةً على المحارِم، بعيدةً عن المُحرَّمات.
5 – هذا ما ننتظره منكِ ونتمنّاه أيتُها الأُخت المسلمة:
ننتظر بسمتكِ الجميلة التي تبعث الحُب، وتُرسِل المودَّة للآخرين.
ننتظر كلمتكِ الطيّبة التي تبني الصداقات الشرعية، وتُذهِب الأحقاد.
ننتظر صَدَقتُكِ المُتقبَّلة التي تُسعدين بها مسكيناً، وتُفرِّحي فقيراً، وتُشبعي جائعاً.
ننتظر جلسة مع القرآن الكريم تلاوةً، وتدبُّراً، وعملاً، وتوبةً، واستغفاراً.
ننتظر منكِ كثرة الذِكرِ والاستغفار، وإدمان الدُعاء، وتصحيح التوبة.
ننتظر تربية أبنائكِ على الدين، وتعليمهم السُنَّة، وإرشادُهم إلى ما ينفعهم.
ننتظر الحشمة والحجاب الذي أمر الله به، وهو طريق الصيانة والحفظ.
ننتظر صُحبة الخيِّرات ممن يخفنَ الله عزَّ وجل، ويُحبِّبنَ الدين ويحترمنَ القيَم.
ننتظر بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وكفالة الأيتام.
ننتظر القراءة النافعة، والمُطالعة المُفيدة مع الكتاب المُمتِع الراشد.
نتمنّى أيتها الأُخت الفاضلة ألّا تصرفي عُمركِ في التوافه من حُب الانتقام، ومجادلةٍ لا خير فيها.
نتمنّى ألّا تُقدِّمي المال وجمعه على صحتكِ وسعادتكِ، ونومكِ وراحتكِ.
نتمنّى ألّا تَتَّبعي أخطاء الآخرين واغتيابهم، ونسيان عيوب النفس.
نتمنّى ألّا تنهمكي في ملذَّات النفس، وإعطائها كل ما تطلب وتشتهي.
نتمنّى ألّا تُضيعي وقتكِ مع الفارغين، وإنفاق الساعات في اللهو.
نتمنّى ألّا تُهملي الجسم والبيت من النظافة، والروائح الزكية والنظام.
نتمنّى أن تتذكري مُصيبة الناس فيما يُعانون، وأن الله قد عافاكِ من كل هذه المصائب.
نتمنّى ألّا تنسي الآخرة والعمل لها، والغفلة عن تلك المَشاهِد.
نتمنّى ألّا تُهدري المال في المُحرَّمات، والإسراف في المُباحات، والتقصير في الطاعات.
أيُّها الإخوة الكرام: المرأة نصف المجتمع، والمرأة المؤمنة أحياناً تمُر بالإحباط، لأنَّ فصلها الأول والأخير أن تكون زوجةً لرجُلٍ قويٍ كريمٍ مؤمنٍ طاهر.
والله الذي لا إله إلا هو، أُردِّد هذه المقولة: مَن مشى بتزويج رجُلٍ بامرأةٍ، كان له بكل كلمةٍ قالها، وبكل خطوةٍ خطاها، عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها، أدخِل هذا العمل الصالح في برنامجك اليومي، ألكَ قريبةٌ؟ ألكَ أختٌ تعرفها شريفةً طاهرة، صادقةً مؤمنةً تائبة؟ دُلَّ عليها، اسعَ إلى زواجها، لأنه إمّا أن يكون المجتمع مُنضبطاً بالزواج أو مُتفلِّتاً بالسِفاح.
وصدّقوا ولا أُبالِغ، أنه كلما ضيَّقنا سُبل الزواج اتسعت أبواب السِفاح، وأعداد بيوت الدعارة في المُدن الإسلامية أرقامٌ لا تُصدَّق! لأننا ضيَّقنا سُبل الزواج فانفتحت أبواب الحرام، والمرأةُ اليوم مبذولةً ورخيصة، وكنت أقول دائماً: كلما رخُص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماءُ السماء.
المرأة نصف المجتمع، في الإسلام المرأة أُخت، أو بنت، أو أُم، أو زوجة، وكلها علاقاتٌ مُقدَّسة، وليس في الإسلام خليلةٌ ولا عشيقة، ولا امرأةٌ تعيش بثدييها، تمتهن الدعارة، هذا كله جاءنا من عالَم الغرب، قال تعالى:
﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117)﴾
الآية جاءت بالفعل تشقى بالضمير المُفرَد، أمّا بحسب السياق اللغوي: ولا يخرجنكما من الجنَّةِ فتشقيا، لأنَّ شقاء الرجُل شقاءٌ حُكميٌ لزوجته، وشقاء المرأة شقاءٌ حُكميٌ لأبيها وأُمها، ولأولادها ولأخواتها ولإخوتها ولمَن حولها، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾
صلاح البال أن تكون الزوجةُ على ما ينبغي، والبنتُ على ما ينبغي، والابنُ على ما ينبغي، ولو حقَّقتَ كل أنواع النجاح في الأرض، ولم يكن أولادك كما تتمنّى فأنت أشقى الناس.
دعونا من الكلام المنمق وعلينا بالعمل والحركة النفعية:
يا أيُّها الإخوة: دعونا من سماع المواعظ إلى عمل، إلى حركة، إلى مسعى، إلى جُهد، إلى تعب، إلى إنجاز، دعونا ممّا ألِفناه من الخِطاب الديني، ما شاء الله خطيبٌ متكلم، أتى بالآيات والأحاديث، نحن نُريد الواقع، لماذا واقع المُسلمين لا يُرضي؟ لماذا يُعاني بلدنا من العنوسة؟
1 – يجب تيسير سُبل الزواج:
هناك أسبابٌ كثيرةٌ، لماذا ينصرِف الشباب عن الزواج؟ الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾
هذا أمرٌ في القرآن الكريم من قِبَل خالق السماوات والأرض، والأمر موجَّهٌ إلى الجماعة، بدليل واو الجماعة: (أَنكِحُوا) فمهمة المجتمع أفراداً وجماعاتٍ وحُكَّاماً، أن يسعوا إلى تشجيع الأُسرة، وتيسير السُبل، وتيسير البيوت، وخفض النفقات، ورفع الدخول، هذا كله يُحقِّق هذا الهدف، إمّا أن يكون النكاح، أو أن يكون في مدينةٍ من مُدن الدول العربية، سبعون ألف بيت دعارة، الأرقام التي أعلمها عِلم اليقين لا يمكن أن تُصدِّقوها، لأنَّ سوق الزواج بارَت، والعنوسة تفشَّت، ففي كل بيتٍ عدةُ بنات، ولا يأتي مَن يقول: ما عندكنَّ من بنات.
أيُّها الإخوة الكرام: هذه مسؤوليتنا جميعاً، ما لم تُحَل مُشكلاتنا، ما لم تهبِط نِسَب البِطالة، ما لم تهبِط نِسَب الفقر، ما لم تهبِط نِسَب الأُميَّة، ما لم تهبِط نِسَب العنوسة، ما لم تهبِط مستورداتنا وترتفع صادراتنا، ما لم نُلغِ البأس بيننا ونجعله على أعدائنا، ما لم نتحرك، ما لم نخرُج من عُزلتنا، ما لم نخرُج من نظامنا الرتيب، نأكُل ونشرَب ونُعلِّق على الأخبار، ونوزِّع التُهَم على الناس، ولا نفعل شيئاً، هذا نموذجٌ اليوم أصبح من ثقافتنا، ثقافة اليأس، ثقافة الإحباط، ثقافة الشك في كل ما يُقال، ثقافة إفراغ كل إنجازٍ من مضمونه، لا يُصدِّق المُسلم شيئاً إيجابياً، يقول لك: هذه تمثيلية غير صحيحة، مؤامرة، ثقافة المؤامرة، هذا مجتمع نحن بشر وغيرنا بشر، لا بُدَّ من أن ننتمي إلى المجموع، لا بُدَّ من أن نحمِل هموم الأُمة، لا بُدَّ من أن نسعى لشيء.
3 – لابُدَّ أن تكون رقماً صعباً:
لا بُدَّ من أن يكون الواحد منكم رقماً صعباً، هناك رقمٌ بسيطٌ جداً، وقد ذكرت هذا من قبل، يُحدِّثك عن الوطنية، وعن حقوق الإنسان، وعن المبادئ، وعن وعن ... وقد يكون موظفاً ممتنعاً عن تنفيذ هذا الأمر للأسباب التالية: كلها أسبابٌ قومية ووطنية، يأخُذ مبلغاً تُحل المشكلة فأُلغيَت كل قناعاته، هذا رقمٌ يسيرٌ له ثمن، ومهما ارتفع الثمن ما دام لك ثمن فلا قيمة لك، المؤمن رقمٌ صعبٌ جداً، ليس له ثمن، لا يُغيِّر قناعاته مهما دفعتَ له.
(( يا عمَّاهُ، واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ ))
أيُّها الإخوة الكرام: أنا أُخاطِب الشباب الآن، لِمَ لا تكونوا شيئاً عظيماً؟ الأمر بيدك والله، البطولة لا تحتاج إلى مالٍ، ولا إلى نَسَبٍ، ولا إلى بيتٍ فخم، أبطال العالم عاشوا في بيوتٍ متواضعةٍ جداً، وفي فقرٍ مُدقِع.
أُريد أن أُثير في الشباب بالذَّات روح البطولة، ألا تستطيع أن تكون صادقاً لا تكذب أبداً؟ ممكن، ألا تستطيع أن تكون أميناً ألّا تخون أبداً؟ ممكن، ألا تستطيع أن تكون عفيفاً لا تزلَّ قدمك أبداً؟ ممكن، ألا تستطيع أن تضبط لسانك؟ ممكن، ألا تستطيع إذا دخلت إلى البيت أن تكون كأحد أفراد البيت، رحيماً بمَن حولك؟ ممكن، المبادئ الأخلاقية لا تحتاج إلى مالٍ، ولا إلى جاهٍ، ولا إلى منصبٍ، قد تكون أسعد الناس وأنت في مرتبةٍ دنيا، إنَّ الله يُعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، لكنه يُعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
4 – الشفاعة في الزواج من أفضل الأعمال:
أيُّها الإخوة الكرام: لك هذا العُمر عند الله لا يزيد ولا ينقُص، وبعدها إلى حياةٍ أبدية، إمّا في جنَّةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفَذ عذابها، أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، أدخِل هذا البرنامج، نحن ألِفنا أن نُصلّي قيام الليل، وهذا شيءٌ رائعٌ جداً، وأن نشعُر بلذة القُرب، شيءٌ رائعٌ جداً، وأن نُعطي مبلغاً بيد فقير، لكن هل نوَّعتَ أعمالك الصالحة؟ هل جعلت من أعمالك الصالحة، أن تدُلّ على فتاةٍ مؤمنةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ نقيةٍ، تنتظر شاباً كريماً لا تُريد منه شيئاً، إلا أن يكون لها زوجاً يحميها، وتُنجِب منه ابناً يكون ثمرةً لعملها الصالح؟ يجب أن نُدخِل هذا العمل الصالح في حساباتنا اليومية.
مرةً شكوتُ لأحد الإخوة، أخٌ له أُختٌ متزوجةٌ من أحد إخواننا، شكوت له أخته وقسوتها في معاملة زوجها، قال لي: قُل له أن يُطلِّقها هذا أفضل له، وهو أخوها! ألا تُفكِّر في أن تُصلحها أبداً؟! ألا تتنازل أن تنصحها؟!
أصبح عندنا تفككٌ أُسريٌ كبير، الأخت تزوجت فتزهو على أخواتها غير المتزوجات، تقول إحداهن: اليوم أخذني زوجي إلى المكان الفُلاني، اليوم سهرنا عند فُلان، والأخوات في البيت عانساتٍ ينظرن إليها، وهي في كِبرٍ وافتخارٍ وزهو، أهكذا المؤمنة؟
5 – لابُدَّ من الانتماء للمجموع:
أيُّها الإخوة الكرام: سمعت مرةً كلمةً، كيف أنَّ الإنسان حينما يقوم بعملٍ بطولي يشعُر بنشوةٍ مع الله، يجب أن تُنوِّع أعمالك البطولية، أنت حينما تنتمي لمجموع الأُمة فأنتَ قريبٌ من الله، وحينما تحمِل بعض هموم المسلمين فأنتَ قريبٌ من الله، وحينما تُصلِح بين إنسانين فأنتَ قريبٌ من الله.
الأعمال الصالحة أيُّها الإخوة لا تُعد ولا تُحصى، بل إن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، العمل الصالح هو علة وجودك في الأرض، والدليل: عند الموت على ماذا يندم من جاءه الموت؟
﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
العمل الصالح علة وجودك، أمّا حينما تعيش بلا هدفٍ، فأنت كغيرك من المخلوقات.
أيُّها الإخوة: والله ما رأيت أتفه من إنسانٍ غارقٍ في النعيم لكن لا هدف له، هدفه أن يأكُل، ويشرَب، ويستمتع وحده، ولا يعبأ بأحد، فما لم تنتمِ إلى المجموع، ما لم تحمِل همَّ الأُمة، ما لم تحمِل هموم العوانس، ما لم تحمِل هموم الفتيات المؤمنات الطاهرات العفيفات اللواتي ينتظرن الأزواج، ما لم تُسهِم بتخفيف مُشكلات الأُمة، فكيف يرضى الله عنّا؟
أيُّها الإخوة الكرام: أضعكم بحجم هذه المشكلة، من أكبر المشكلات التي يُعاني منها المجتمع في سورية، أنَّ نسبة العنوسة خمسون بالمئة، وكلما ضاقت سُبل الزواج اتسعت سُبل الزِنا، وفي بعض الإحصاءات التي تمَّت عن طريق مُقابلاتٍ مع طالباتٍ في الجامعة، قد تُفاجأ مفاجئةً صاعقة، أنَّ عدداً كبيراً يرتكبن الفاحشة ببساطة، وكأنها لم تفعل شيئاً، هُنا الخطورة.
فكل واحد لو تمنّى على الله أن يجعل زواج فتاةٍ من قريباته على يده، فهذا مشروعٌ صالح، كل واحدٍ منّا له أُخت، له ابنة أُخت، ابنة أخ، من محارمه، ويعرفها طاهرةً نقيةً ليسعَ لتزويجها، له أصدقاء، كلما وجد شاباً مؤمناً يليق بها، وهي لا تُطالبه بشيءٍ إطلاقاً، الطلب زواجٌ بسيطٌ وغرفةٌ واحدة، والله في بلدةٍ بغوطة دمشق، اجتمع وجهاء البلدة واتفقوا على أنَّ المهر خاتم وساعة فقط، وغرفةً ومنافعها، وإلا عمَّ الزِنا وعمَّ السِفاح، وهذه مشكلةٌ كبيرةٌ جداً.
والله أتلقّى اتصالاتٍ عديدة في اليوم الواحد، من بنتٍ تبحث عن زوجٍ طاهرٍ مؤمنٍ، لا تُطالبه بشيءٍ، لا تُريد شيئاً إلا أن تكون أُمّاً لطفلٍ يملأ البيت سعادةً فقط، فكلما حقَّق الإنسان مصالحه الشخصية وانسلخ من المجتمع، يصغُر من عين الله، وكلما أهمَّه ما يُعانيه المجتمع يرتفع عند الله، لذلك أرحَم الخلق بالخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالخلق، بالكفَّار، يبكي عليهم وقد ضربوه:
(( أنَّها قالتْ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ؟ فقالَ: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ، فَناداني فقالَ: يا محمَّدُ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وما ردُّوا عليكَ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ: فَناداني ملَكُ الجبالِ: فسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا محمَّدُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وأَنا ملَكُ الجبالِ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ، وبما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا ))
اعتذر عنهم، إنهم لا يعلمون، وانتمى إليهم، قال: قومي، ودعا لهم أن يكون من أصلابهم ذريةً صالحة، هذا مقام النبوَّة، لا تَعِش لشهواتك، لا تَعِش لمصالحك الشخصية، كُن إنساناً عميم الخير، ماذا قال الله عز وجل؟
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾
لأنَّ أعماله الطيَّبة، ودعوته الصادقة في قلوب الخلق جميعاً، ضع في برنامجك أنه يجب أن أطلب من الله، أن يكون زواجٌ على يدي، ممن يلوذ بك من قريباتك، فإن لم يحل النكاح محل السِفاح فنحن في مشكلةٍ كبيرةٍ جداً، وأنا أتمنّى على كل أخٍ من طلاب العِلم، من روَّاد المساجد، له بنات، له أخوات، له بنات أخوات، بنات إخوة، أن يكون له لقاءٌ أسبوعي لهم، ماذا سمع في الدروس من آيةٍ أو حديث.
عندما تلتفِت البنت إلى الله عزَّ وجل، تلتفِت إلى معرفته ولكتابه، يمكن أن تكون داعيةً صغيرة، وتنسى همومها، المشكلة الآن أنَّ الفتاة تنتظر الزوج فلا يأتي، يأتي الخاطبون ولا يرجعون مرةً ثانية.
أحيانا أتلقّى اتصالاً، وتبكي المرأة على الهاتف، جاءني خُطّابٌ كثُر ولم يرجعوا، تقول: عندي مُشكلة، أو أنَّ أحدهم كتب لي شيئاً؟ فتدخُل التفسيرات الخُرافية والسحر، لا ليس هكذا الموضوع، لم يأتِ النصيب بعد، هذا الأمر بيد الله عزَّ وجل، عندما تنشغل الفتاة بهدفٍ عظيمٍ، ليست عندئذٍ تنتظر الزوج فقط، بل تنتظر رحمة الله ومعرفته.
إن كنت من طلاب العِلم، ما سمعت في ثلاثين سنة من آيةٍ أو حديثٍ أو موضوعٍ لطيف؟ اجمَع بناتك، بنات أخواتك، بنات أخيك، وخصِّص لهم درساً أسبوعياً بفقرةٍ من القرآن والسُنَّة، أو قصة عن صحابيةٍ جليلة، لا تكن سلبياً.
أيُّها الإخوة الكرام: سيدنا عبد الله بن رواحة، عيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام قائداً ثالثاً في معركةٍ، فأول قائد سيدنا زيد استُشهِد، فأخذ الراية سيدنا جعفر واستُشهِد أيضاً، جاء دوره، الموت مُحقَّق، وقد كان شاعراً، قال:
يَا نَفْسُ إلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُـدِيتِ وَإِنْ تَـوَلَّـيْـتِ فَـقَـدْ شَـقـِيـتِ
وأخذ الراية، وقاتل بها حتى قُتِل، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يتحدَّث عمّا جرى، قال:
(( أخذ الرايةَ زيدُ بنُ حارثةَ فقاتل بها حتى قُتِلَ شهيدًا في غزوةِ مؤتةَ ثم أخذها جعفرٌ فقاتلَ بها حتى قُتِلَ شهيدًا قال ثم صمت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى تغيَّرَتْ وجوهُ الأنصارِ وظنُّوا أنَّهُ قد كان في عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ بعضُ ما يكرهون ثم قال أخذها عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ فقاتل بها حتى قُتِلَ شهيدًا ثم قال لقد رُفِعُوا إلى الجنةِ فيما يرى النائمُ على سُرُرٍ من ذهبٍ فرأيتُ في سريرِ عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ ازورارًا عن سريريْ صاحبيْهِ فقلتُ عمَّ هذا فقيل لي مَضَيَا وتردَّدَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ بعضَ التردُّدِ ثم مضى ))
[ أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة لابن هشام ]
(( رأيتُ جعفَرَ بنَ أبِي طالِبٍ مَلَكًا يَطيرُ في الجنةِ مع الملائِكةِ بِجناحَيْنِ ))
[ أخرجه الترمذي وابن حبان ]
(ثم صمت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى تغيَّرَتْ وجوهُ الأنصارِ وظنُّوا أنَّهُ قد كان في عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ بعضُ ما يكرهون ثم قال أخذها عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ فقاتل بها حتى قُتِلَ شهيدًا ثم قال لقد رُفِعُوا إلى الجنةِ فيما يرى النائمُ على سُرُرٍ من ذهبٍ فرأيتُ في سريرِ عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ ازورارًا عن سريريْ صاحبيْهِ) هبط مقامه، كم تردَّد؟ مرةً أحصيت بالثواني بيتي الشعر:
يَا نَفْسُ إلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُـدِيتِ وَإِنْ تَـوَلَّـيْـتِ فَـقَـدْ شَـقـِيـتِ
تردَّد اثنتي عشرة ثانية فهبَط مقامه.
الدُعاة الآن بماذا يُطالبون الناس؟ بحضور درس عِلمٍ فقط، وهو تردَّد ببذل نفسه فهبَط مقامه! نقول لك: اسعَ لزواج فتاةٍ ممَن يلوذ بك، اسعَ لها.
أحياناً شابٌّ يبحث عن زوجةٍ، وصديقه له أُخت، قُل له: عندي أُخت مناسبةٌ لك، لكن يقول: من العيب أن نعرِض ابنتنا، مَن قال ذلك؟
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾
هذا سيدنا شُعيب، ليس في هذا عيبٌ إطلاقاً، عندك بنت، عندك أخت جيدة، ولك رفيقٌ جيد، قُل له: عندي فتاةٌ مناسبةٌ لك.
الشباب مستقبل الأُمة:
أتمنّى أن كل واحدٍ منكم، أن يطلب من الله أن يُجري على يديه زواج فتاةً من أقربائه، لعلَّ الله عزَّ وجل أن تخف هذه المِحنة، إنها مأساةٌ كبيرةٌ جداً، ومشكلةٌ كبيرة، والشباب عماد الأُمة، والذي وصل إلى سن السبعين بقيَ للتاريخ، والذي هو بعُمر الأربعين أو الخمسين هذا الحاضر، والشباب مَن هُم؟ هُم المستقبل، الشباب مستقبل الأُمة.
فيا أيُّها الشباب: ابحثوا عن زوجةٍ صالحة، وهناك حديثٌ في الجامع الصغير أقرأه فيقشعر جلدي منه، هناك مجموعة أحاديث تبدأ بـ: حقّ الله على عباده، حقّ الزوجة على زوجها، حقّ الزوج على زوجته، حقّ الأخ على أخيه، حقّ الأب على ابنه، حوالي ثلاثين حديثاً، لكن حديثاً واحداً منهم تقرأه فيقشعر جلدك:
(( ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّهِ عونُهُم: المُجاهدُ في سبيلِ اللَّهِ، والمُكاتِبُ الَّذي يريدُ الأداءَ، والنَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي وأحمد ]
لا تحسبها كثيراً، اطلُب من الله العَون، وابحث عن زوجةٍ في وقتٍ مُبكرٍ، لا تتأخر كثيراً، لأنَّ الفِتَن كبيرةٌ جداً.
وأيُّها الآباء، سهّلوا طُرُق الزواج، تساهلوا بأشياءٍ كثيرة، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يرحم هذه الأُمة، بتخفيف نِسَب العنوسة فيها، ونحن نُعاني من هذه المُشكلة.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبَع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.
اشغلي نفسك أيتُها الأخت المُسلمة بالعمل الصالح:
أيُّها الإخوة: مرةً ثانية: الفتاة المؤمنة إذا عرفت ربَّها كانت أكبر من أكبر مُشكلةٍ تُعانيها، والتي ما عرفت ربَّها تكون أصغر من أصغر مشكلةٍ تُعانيها.
أنت حينما تُربّي بناتك على معرفة الله وطلب الآخرة، وفهم كتاب الله والدعوة إلى الله، الفتاة تتمنّى الزواج، لكن همَّها الأول أن تعرف الله، فراغُها امتلأ، أصبحت إنسانةً مُقدَّسة، أصبح لها همٌّ سامٍ، معرفة الله والعمل لخدمة عباده، اشغِل ابنتك بهدفٍ نبيل، لكن المُلاحظ أنَّ كل بنت تنتظر خاطباً، ليس هذا معقولاً، بل هو شيءٌ صعبٌ جداً، والأمور ليست بيد الإنسان.
فيا أيُّها الإخوة: كل إنسانٍ سأل الله شيئاً فالله يُعطيه إيّاه، وما أمَرَنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، وما أمَرَنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمَرَنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، واطلبوا من الله أن يجري عليكم هذا الخير، أن تُزوَّج فتاةٌ ممن يلوذ بك على يدكَ، ولعلَّ الله سبحانه وتعالى يُخفِّف عن المسلمين ما أهمَّهم وما أغمَّهم.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوُّن به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلَغ عِلمنا، ولا تُسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا مولانا ربِّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك ولا تُنسِنا ذكرك يا ربَّ العالمين، اسقِنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين.
أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وأذِل الشرك والمشركين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق