الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمِعَت أُذُنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تَبِعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علماً، وأرِنا الحقّ حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
توطئة لذكرى المولد النبوي:
أيُّها الإخوة الكرام: مرَّت ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بُدَّ من خُطبةٍ تتعلق بهذا الموضوع الكريم.
بادئ ذي بدء: كلكم يعلم أنك إذا وقفت أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم تقول له: يا سيدي يا رسول الله، أشهد أنك بلَّغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، ونصحت الأُمة، وكشفت الغُمَّة، وجاهدت في الله حقّ الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
ونقول أيضاً: يا سيدي يا رسول الله، يا مَن جئت الحياة فأعطيت ولم تأخُذ، يا مَن قدَّست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان، يا مَن زكَّيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع، يا مَن هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا مَن كانت الرحمة مُهجتك، والعدل شريعتك، والحُب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
هناك مَن يشطح ويقول: إن الكون خُلق من أجل محمد عليه الصلاة والسلام، والحقيقة أنَّ البشر خُلقوا ليكونوا على شاكلة محمد، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يُمثِّل الكمال البشري.
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾
هو قدوةٌ لنا، فلذلك يقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ(120)﴾
2 ـ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ
فإذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق، يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبيٍ دونه، فلأن يمتلئ قلبنا إيماناً، بسماع قصة سيد الأنبياء والمُرسلين أًولى، وحينما يقول الله عزَّ وجل:
﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69)﴾
فالله عزَّ وجل يدعونا إلى معرفة رسول الله، فالحديث عن أخلاقه، وعن شمائله، وعن منهجه، وعن فضائله، وعن رحمته، وعن لطفه، وعن حلمه، وعن شجاعته، وعن توحيده، جزءٌ من الدعوة إلى الله، لأنَّ كلمة الإسلام الأولى: "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله" ، شطر الإيمان أن تعرف النبي العدنان، أن تعرف الله وحده لا إله إلا هو، وأن تعرف رسوله عليه أتم الصلاة والسلام، وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾
إذاً: حينما نجلس ونتدارس سيرة النبي، وسُنَّة النبي، وأخلاق النبي، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مما توجبه الآية الكريمة.
3 ـ لابُدَّ مِن حملِ همِّ المسلمين:
لذلك هذا النبي العظيم يوم كان طفلاً عزف عن لهو الأطفال، فلمّا دعاه أترابه إلى اللعب قال: أنا لم أُخلَق لهذا، فلمّا جاءته رسالة الهُدى، وحُمِّل أمانة التبليغ، حمَلَ عبء الدعوة، وحمَلَ همّ البشر، وكلما ارتقى مقامك عند الله تحمِل همّ الأُمة، وكلما ضاق أُفقك تهتم بذاتك، فكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إني أرى ما لا تَرَوْنَ وأسمعُ ما لا تسمعون أَطَتِ السماءُ وحقٌّ لها أن تَئِطُّ ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلا وملكٌ واضعٌ جبهتَه للهِ ساجدًا واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا وما تلذَّذتم بالنساءِ على الفُرُشِ ولخرجتم إلى الصُّعداتِ تجأرونَ إلى اللهِ لوددتُ أني كنتُ شجرةً تُعْضَدُ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد ]
لأنه حمَل همّ البشرية، وكلما علا الإنسان اتَّسعَت دائرة رؤيته، وكلما علا الإنسان اتَّسعَت دائرة اهتماماته.
كنت قادماً من بلدٍ عربيٍ في شمال إفريقيا إلى دمشق، فلمّا وصلنا إلى الشاطئ السوري رأيت بأُمِّ عيني طرابلس وبيروت معاً، لأنه على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، ترى أكثر من مئة وثلاثين كيلو متراً، كلما علا مقام الإنسان اتَّسعَت رؤيته، واتَّسعَت اهتماماته، فلذلك الأنبياء والمُرسلون حملوا همّ البشرية، والنبي عليه الصلاة والسلام حمَل همّ البشرية جمعاء، وحمَل همّ أُمته أيضاً.
4 ـ كان النبي عليه الصلاة والسلام واحداً مِن المسلمين:
أيُّها الإخوة: حينما دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، وقف خطيباً وقال:
(( جاءني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فخرجتُ إليهِ فوجدتُه موعوكًا قد عصبَ رأسَه فأخذ بيدي، وأخذتُ بيدِه، فأقبلَ حتى جلس على المنبرِ، ثم قال: نادِ في الناسِ، فصحتُ في الناسِ، فاجتمعوا فقال: أما بعدُ أيها الناسُ فإني أحمدُ اللهَ إليكم اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ، ألا وإنَّهُ قد دنا مني خلوفٌ بين أظهركم، فمن كنتُ جلدتُ لهُ ظهرًا فهذا ظهري فليستقِدْ منهُ، ومن كنتُ شتمتُ لهُ عرضًا فهذا عرضي فليستقِدْ منهُ، ومن كنتُ أخذتُ لهُ مالًا فهذا مالي فليأخذ منهُ، ولا يقولنَّ رجلٌ إني أخشى الشحناءَ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ... إلى أن قال: ثم نزل، فصلى الظهرَ، ثم رجع إلى المنبرِ، فأعاد بعضَ مقالتِه فقام رجلٌ، فقال: عندي ثلاثةُ دراهمَ غللتُها في سبيلِ اللهِ، قال: فلم غللتَها؟ قال: كنتُ محتاجًا، قال: خذها منهُ يا فضلُ، وقام آخرُ فقال: إنَّ لي عندك يا نبيَّ اللهِ ثلاثةُ دراهمَ، قال: أما إنَّا لا نُكذِّبُ قائلًا ولا نستحلفُه، أعطِهِ يا فضلُ، فقام رجلٌ آخرُ فقال: يا رسولَ اللهِ إني لكذابٌ وإني لفاحشٌ، وإني لنئُومُّ، وقال: اللهم ارزقْهُ صدقًا وأَذْهِبْ عنهُ من النومِ، ثم قام آخرُ فقال: إني لكذابٌ وإني لمنافقٌ، وما شيٍء إلا قد جئتُه، فقال عمرُ: فضحتَ نفسك، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: فضوحُ الدنيا يا عمرُ أهونُ من فضوحِ الآخرةِ، اللهم ارزقْهُ صدقًا وإيمانًا وصيِّر أمرَه إلى الخيرِ، فقال عمرُ كلمةً فضحك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقال: عمرُ معي وأنا مع عمرَ والحقُّ بعدي مع عمرَ حيثُ كان ))
[ أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات والطبراني ]
حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في موقعة بدر، وجد الرواحل ثلاثمئة، وكان أصحابه فوق الألف، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( كنَّا يومَ بَدرٍ كلُّ ثلاثةٍ على بَعيرٍ، كان أبو لُبابةَ وعليُّ بنُ أبي طالبٍ زَمِيلَيْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: وكانتْ عُقْبةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فقالا نحن نَمشي عنك، فقال: ما أنتما بأقْوَى منِّي، ولا أنا بأغْنَى عن الأَجرِ منكما! ))
[ أخرجه النسائي في السنن الكبرى وأحمد ]
وهو قائد الجيش، وزعيم الأُمة، ونبي الأُمة، ورسول الله، وسيد الأنبياء والرُسل، وسيد ولد آدم، سوَّى نفسه مع أقل جندي.
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ:
بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ علَى جَمَلٍ، فأناخَهُ في المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قالَ لهمْ: أيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتَّكِئٌ بيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأبْيَضُ المُتَّكِئُ، فقالَ له الرَّجُلُ: يا ابْنَ عبدِ المُطَّلِبِ فقالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قدْ أجَبْتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنِّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ في المَسْأَلَةِ، فلا تَجِدْ عَلَيَّ في نَفْسِكَ، فقالَ: سَلْ عَمَّا بَدا لكَ فقالَ: أسْأَلُكَ برَبِّكَ ورَبِّ مَن قَبْلَكَ، آللَّهُ أرْسَلَكَ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في اليَومِ واللَّيْلَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ نَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: أنْشُدُكَ باللَّهِ، آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تَأْخُذَ هذِه الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا فَتَقْسِمَها علَى فُقَرائِنا؟ فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فقالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بما جِئْتَ به، وأنا رَسولُ مَن ورائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضِمامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أخُو بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ ))
ماذا تفهمون من هذا النص؟ كان واحداً من أصحابه، لم يتميَّز عليهم أبداً، هذا مقام النبوَّة.
دخل عليه سيدنا عمر بن الخطاب:
(( دخلتُ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم، وَهوَ على حصيرٍ، قال: فجلَستُ، فإذا عليْهِ إزارٌ، وليسَ عليْهِ غيرُه، وإذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِهِ، وإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ، نحوِ الصَّاعِ، وقَرظٍ في ناحيةٍ في الغرفَةِ، وإذا إِهابٌ معلَّقٌ، فابتدرتُ عينايَ، فقال: ما يبْكيكَ يا ابنَ الخطَّابِ؟ فقلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، ومالي لا أبْكي؟ وَهذا الحصيرُ قد أثَّرَ في جنبِكَ، وَهذِهِ خزانتُكَ لا أرى فيها إلَّا ما أرى، وذلِكَ كسرى، وقيصَرُ في الثِّمارِ والأنْهارِ، وأنتَ نبيُّ اللَّهِ وصفوتُهُ، وَهذِهِ خزانتُكَ، قال: يا ابنَ الخطَّابِ ألا ترضى أن تَكونَ لنا الآخرةُ ولَهمُ الدُّنيا؟ قلتُ: بلى ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه ]
الحديث عن شمائله، وعن كماله، وعن رحمته، وعن تواضعه لا ينتهي.
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا:
ولكن أيُّها الإخوة: نحن في ذكرى مولده، لا بُدَّ من حقيقةٍ خطيرةٍ جداً، أنا أسأل سؤالاً: لماذا يُصلّي أحدكم؟ الجواب الطبيعي: لأنَّ الصلاة فرضٌ على كل مسلمٍ، أليس كذلك؟
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)﴾
هل يُعدُّ الوضوء فرضاً؟ طبعاً، الوضوء ليس صلاةً، يُجيب أحدكم: لأنَّ الصلاة وهي فرضٌ لا تتم إلا بالوضوء، فما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السُنَّة إلا به فهو سُنَّة، هذه قاعدةٌ أصولية، هذا تمهيد، إذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
هناك سؤالٌ دقيق: هذا الأمر الإلهي الذي يقتضي الوجوب، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذا الأمر ما لوازمه التي تُعدُّ فرضاً مثله؟ أن تعرف ماذا آتاك، وأن تعرف عمّا عنه نهاك.
إذاً: كما أنَّ الصلاة فرضٌ، لأنها أمرٌ في القرآن الكريم: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) كذلك أن تأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونَهَّيه فرض، وهذا الفرض لا يتم إلا أن تعرف ما الذي آتاك رسول الله، وعن أي شيءٍ نهاك.
معرفة سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية فرض عين:
إذاً: الحقيقة الأولى في هذه الخُطبة المتعلقة بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّ معرفة سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية، فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ، لابُدَّ لكل بيتٍ مسلمٍ من كتابٍ للحديث، وليكن من كتُب الصِحاح، وليكن رياض الصالحين، تأليف النووي رحمه الله تعالى، هذه سُنَّة، صلاته، صيامه، حجه، زكاته، معاملته لأهله، حالته في السلم، حالته في الحرب.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ:
آيةٌ ثانية: إذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾
كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوةً حسنة إن لم نعرف سيرته؟ فحينما أراد الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً لنا، أسوةً لنا، نِبراساً لنا، من لوازم هذا أن نعرف كيف كان في بيته، كيف عامل زوجته، كيف عامل أولاده، كيف عامل جيرانه، كيف كان في سلمه، كيف كان في حربه، كيف كان في السرَّاء، كيف كان في الضرَّاء، إذاً بندٌ آخر في هذه الخُطبة، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ.
ماذا يعني الاحتفال بعيد المولد؟
ماذا يعني الاحتفال بعيد المولد؟ بعض الناس يفهمون من الاحتفال أن نمدَحه، والمديح رائعٌ وجميل، ولكن المديح مع الأسف الشديد لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، أنتَ أنت، وهو هو، هو في عليائه، وأنت في بُعدك، لكن الذي يُطلَب منّا في ذكرى مولده ليس أن نكتفي بمديحه، يجب أن نمدحه، لأنه بذكر الأنبياء والمُرسلين تتعطَّر المجالس، وبذكر اللؤماء والطُغاة تتعكَّر المجالس.
2 – لابُدَّ من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم:
لكن لا ينبغي أن نكتفي بمديحه صلى الله عليه وسلم، بل لا بُدَّ من أن نتَّبعه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31)﴾
دعوى محبة النبي لا بد لها مِن دليل:
لم يقبل الله عزَّ وجل دعوى محبته إطلاقاً إلا بالدليل، والدليل اتباع النبي، لذلك يمكن أن نُفسِّر ما يجري في العالم الإسلامي، من مآسٍ لا يعلمها إلا الله، بسبب عدم اتباع النبي، والدليل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
هذه الآية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام واضحة، لكن الإشكال بعد حياة النبي، ماذا تعني هذه الآية؟ قال علماء التفسير: يا محمد، ما دامت سُنَّتك ومنهجك، وأمرُك ونَهيَك، مُطبَّقاً في حياة المسلمين، فهُم في مأمنٍ من عذاب الله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) .
أمّا إذا لم يُطبِّقوا منهجك لا في بيوتهم، ولا في أعمالهم، ولا في كسب أموالهم، ولا في إنفاق أموالهم، ولا في حلِّهم، ولا في ترحالهم، إن لم يُطبِّقوا سُنَّتك حلَّ بهم العذاب كما ترون (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) .
3 – العكوف على سيرة النبي القولية والعملية:
أيُّها الإخوة الكرام: أن نعكف على سُنَّة النبي القولية، وأن نعكف على سيرة النبي العملية، أن نتفهمها، وأن نعمل بها، هذا جزءٌ أساسيٌ من الاحتفال بعيد المولد، لكن المسلمين ألِفوا أن يرفعوا الزينات، وأن يضعوا اللافتات، ويوزِّعوا الحلويات، وأن يمدحوا خير البرية، شيءٌ رائع لكن لا يكفي، لأن الطالب عندما يرتدي ثياباً أنيقة، ومعه أقلامٌ جيدة، ومحفظةٌ جديدة، ومعه كتبٌ جديدة، هذا جميل جداً، لكن لا يقرأ إطلاقاً، يأخذ علامة الصفر في المواد كلها، هذا المظهر لا يكفي، لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، هو ضروريٌ وجميل، لكن لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر.
فلذلك: ليكن في خاطر كل واحدٍ منّا، أنه لا يُعَدُّ مُحتفِلاً بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إذا طبَّق سُنَّته، هل دخلت إلى البيت؟ النبي إذا دخل بيته سلَّم على أهله، هل سلَّمت على أهلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته واحدٌ من أهل بيته، كان يُكرِم نساءه، هل تُكرِم زوجتك؟ كان يقول:
(( عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ رواه أحمد والطبراني في الكبير ]
كان يداعب أولاده، فكانوا يركبون على ظهره في البيت، هل أنت في البيت واحدٌ من أهل البيت؟ تُداعب أولادك، وتضمُّهم وتشمُّهم، وتُثني على زوجتك.
(( ما غِرْتُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا علَى خَدِيجَةَ وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قالَتْ: وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ قالَتْ: فأغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلتُ: خَدِيجَةَ، فَقالَ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا، وفي روايةٍ: بهذا الإسْنَادِ نَحْوَ حَديثِ أَبِي أُسَامَةَ إلى قِصَّةِ الشَّاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا. ))
كيف أنت مع أصحابك؟ كيف كان النبي مع أصحابه؟ كان واحداً منهم.
أنت في نُزهةٍ، هل سوّيت نفسك مع الإخوة أم تميَّزت عليهم وجلست، هُم صنعوا الطعام ثم تقدَّمت لتأكل، هُم تعبوا وجاءوا بالأغراض من السوق، وأنضجوا الطعام، ماذا فعلت أنت؟
لذلك أيُّها الإخوة: أتمنّى على كل واحدٍ منكم، أن يقرأ سيرته على مراحل، وأن يحاول تطبيقها في البيت وفي العمل.
أحدهم دخل وأحدث جلبةً وضجيجاً من أجل أن يلحق ركعةً مع رسول الله:
(( عن أبي بَكْرَةَ أنهُ جاء ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ راكعٌ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ فلمَّا قضى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلاتَهُ قال أيُّكم الذي ركعَ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ قال أبو بَكْرَةَ أنا فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ زادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داوود ]
هل تُعامل موظفيك بهذه الطريقة؟ إذا كان عندك موظف أمين لكنه تأخر، هل تنسى أنه أمين وتُحاسبه على التأخر فقط، وتقسو عليه؟ لا، قُل له: أنا أُقدِّر أمانتك، وأعرف اهتمامك، لكن هذا التأخُّر لا ينبغي أن يكون، تعلَّم من رسول الله.
القصة طويلة، والسيرة فيها تفاصيل دقيقة جداً، أُقسِم لكم بالله أنك إذا قرأت سيرته، فإن سيرته وحدها منهجٌ كامل، فلذلك ينبغي أن نَعُدَّ ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، مناسبةً لمعرفة سُنَّته القولية، ولمعرفة سيرته العملية، ولتطبيق سُنَّته القولية، والأخذ بسُنَّته العملية.
لا تعجبوا من شراسة الكفار اتجاه النبي فإن الشيء مِن معدنِه لا يُستَغرَب !!!
وقد يعجَب بعض المسلمين أنَّ هناك هجمةً شرسة في العالم الغربي، على سيدنا رسول الله صلى الهت عليه وسلم.
أولاً: أُطمئنكم أنه لا تستطيع جهةٌ في الأرض أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم، والله أنا شبَّهتُ هذا الذي تطاول على النبي في الدانمارك، بإنسانٍ أحمقٌ حمقاً لا حدود له، وغبيٌ غباءً لا حدود له، وساذجٌ سذاجةً لا حدود لها، كيف؟ حينما تطاول على رسول الله، أنا شبَّهته بإنسانٍ، بغباءٍ، وحُمقٍ، وجهلٍ وسذاجة، أراد أن يُطفئ الشمس ببصقةٍ من فمه، والشمس في كبد السماء وقت الظهر، فتوجه نحوها حتى كانت صفحة وجهه توازي قبة السماء، وبعزمٍ متين أطلق بصقته فارتفعت أربعين سنتمتراً، ثم ارتدَّت إلى وجهه، وبينه وبين الشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، هذا الذي حدث والله، أطلَق هذه البصقة ليُطفئ نور الشمس، فارتدَّت إلى وجهه، والشمس في عليائها، وقد كُنّا في الدانمارك والآن مع هولندا، كل فترة هناك دوَلٌ تتنافس بعرض هذه الصوَر المُشينة، لذلك نقول له ولأمثاله، نقول لهم جميعاً: ما ضر السحابَ نبحُ الكلاب، وما ضر البحر أن ألقى فيه غلامٌ بحجرٍ، ولو تحول الناس إلى كنَّاسين ليُثيروا الغُبار على هذا الدين، ما أثاروه إلا على أنفسهم، ويبقى الدين في عليائه.
لا أحدَ يستطيع أن يُفسِد على الله هدايتَه لخلقه:
أيُّها الإخوة الكرام: هناك حقائق أنا أُحب أن أُطمئنكم، أُقسِم لكم بالله وقلّما أُقسِم في الخُطبة، أنني مؤمنٌ بها كإيماني بوجودي، أو كإيماني بكل خليةٍ في جسمي، بل بكل قطرةٍ من دمي، أنَّ قِوى الأرض مُجتمعةً لا تستطيع أن تُفسِد على الله هدايته لخلقه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى وهو الإله العظيم قال:
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ (12)﴾
تولى الله بذاته هداية الخلق، هل تستطيع جهةٌ أرضية أن تُلغي هذه الهداية؟ مستحيل، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾
في الجزائر أنشأت فرنسا فيها أربعة آلاف كنيسة، لا على مستوى القرية بل على مستوى المزرعة، وهي الآن كلها مساجد.
في بلدٍ بشمال سورية، دخلت إلى مُتحفٍ ضخمٍ جداً، وجدت ساعةً قد ثُبِّتَت على التاسعة وخمس دقائق، فسألت لماذا ثُبِّتَت على هذا الوقت، قال: هذا وقت وفاة كمال أتاتورك، هو أراد إلغاء الإسلام، أين هو الآن؟ والإسلام باقٍ في أي بلدٍ إسلامي.
قِوى الأرض مُجتمعةً لا تستطيع أن تُلغي الإسلام، والإسلام يزداد، أكبر دينٍ ينمو هو الإسلام، وفي فرنسا أصبح الدين الثاني (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) .
الطُغيان لا يدوم ومآله الزوال:
الشيء الثالث: لن يسمح الله لطاغيةٍ في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، وفي القارات الخمس، لن يسمح الله لأيّ طاغيةٍ أن يكون طاغية، إلا وأن يُوظِّف طُغيانه لخدمة دينه والمؤمنين، قُل لي: ما الدليل؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)﴾
لا دوام لنجاح خطط الأعداء:
الشيء الرابع: إنَّ جهةً قويةً مهما طَغت وبَغت، مهما تغطرست، مهما استعلت، مهما استكبرت، مهما تطاولت، لو أنها خطَّطت لبناء مجدها على أنقاض الشعوب، لبناء قوَّتها على إضعاف الشعوب، لبناء غناها على إفقار الشعوب، لبناء ثقافتها على محو ثقافة الشعوب، لبناء عزتها على إذلال الشعوب، أن تنجح هذه الخِطط على المدى البعيد، هذا يتناقض مع وجود الله.
(( قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمَن نازعَني واحدًا منهُما، قذفتُهُ في النَّارِ ))
[ أخرجه أبو داوود وأحمد وابن ماجه ]
اطمئنّوا ولا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلقوا ما إذا سمح الله لكم أو لم يسمح أن تكونوا جنوداً له، ولا تعجبوا ولا ترهبوا من انتشار الباطل، الآن الباطل قوي جداً، ومُنتشرٌ في شتَّى بقاع الأرض، والباطل معه الإعلام، ومعه الدولار، ومعه الأموال، ومعه التحالفات، فأيُّ عدوانٍ على أي مكانٍ في العالم، ثلاثون دولة مع المُعتدية، على الباطل، لا تقلقوا، الباطل قديم، ولكن ينبغي أن نقلق إذا انفرد الباطل في الساحة، ما دام هناك بُقعٌ ضوئية، فهذه تتنامى، هذه تتسِع، فلذلك الإسلام ينمو نُموّاً عجيباً، لأنَّ كل الأنظمة الوضعية أصبحت في الوحل، ولم تُحقِّق هذه الأنظمة أيّةَ سعادةٍ وسلامةٍ للإنسان.
لم يَبقَ في الأرض إلا مبادئ الإسلام:
أقول لكم بكل وضوح: إن كان هناك سطحٌ عليه المبادئ والقيَم في الأرض، فهناك ثلاث كُتلٍ كبيرة: الإسلام، والشرق، والغرب، الإسلام لا شرقيةٍ ولا غربية، كان هناك شرقٌ ثم تداعى من الداخل، وبقي الغرب والإسلام، الغرب قويٌ جداً، يُعِد لنا من مئتي عام ونحن نائمون، فلمّا تملَّك زِمام القوّة فرض ثقافته على كل الشعوب، فرض طُغيانه على كل الشعوب، الغرب قويٌ جداً، وذكي، وغني، وطرح سابقاً قيَماً رائعةً جداً، طرح قيمة الحرية، وقيمة الديمقراطية، وقيمة حقوق الإنسان، وحق التقاضي وتكافؤ الفُرَص، إلى آخره...
لكن هذا اليوم الحاسم، الحادي عشر من أيلول، في هذا اليوم سقط الغرب كحضارةٍ وبقيَ قوّةً غاشمة، ولم يبقَ على سطح المبادئ والقيَم إلا الإسلام، وهذا أكبر كسبٍ قد لا ينتبه إليه معظم المسلمين، لذلك هذا العالِم الذي قال: "أنا لا أُصدِّق أن يستطيع العالَم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، ولكنني مؤمنٌ أشدَّ الإيمان أنَّ العالَم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، ولكن بشرط أن يُحسِنوا فَهم دينهم، وأن يُحسِنوا تطبيقه، وأن يُحسِنوا عرضه على الطرف الآخر" .
هذه ورقات العمل أيُّها الإخوة، أن نُحسِن فهم هذا الدين، وأن نُحسِن تطبيقه، وأن نُحسِن عرضه على الطرف الآخر.
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ:
أيُّها الإخوة:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)﴾
إن صحَّ التعبير نحن في العناية المُشدَّدة، نحن أمراضنا قابلة للشفاء، لذلك يُشدِّد الله علينا، أمّا الطرف الآخر فقد خرَج عن نطاق العناية الإلهية، الآية أشارت إلى هذا المعنى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)﴾
أتمنّى أن نكون ممن أُصيب بالتهابٍ حادٍ في معدته، وله طبيبٌ كبيرٌ وعظيم، فشدَّد عليه بحميةٍ لا تُحتمَل، والثاني مصابٌ بورمٍ خبيثٍ مُنتشر في كل أحشائه، فلمّا سأل هذا الطبيب: ماذا آكُل؟ قال: كُل ما شئت.
نرجو أن نكون ممن أُصيب بالتهابٍ في المعدة حاد، ونحن خاضعون لحميةٍ شديدةٍ جداً، ومعالجةٍ قاسية، ونتمنّى ألّا نكون ممن شردوا عن الله عزَّ وجل شرود البعير، فقال الله تعالى في حقهم: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) .
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحكمة من عدم قطع رأس الذبيحة:
من عادتي أيُّها الإخوة، أن أُشير من حينٍ إلى آخر، إلى شيءٍ في الإعجاز العلمي، في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك موضوعٌ ذكرته لكم عدة مرات، لكن هُنا مناسبته الدقيقة.
1 – أوامر النبي وحيٌ من الله:
النبي صلى الله عليه وسلم عاش في الصحراء، وكان أُميِّاً، لكن الله تولى تعليمه، فأمرنا إذا ذبحنا الدابة ألّا نقطع رأسها، لِمَ؟ لا ندري، وليس على وجه الأرض مركزٌ علمي قادر على تفسير هذا التوجيه، أمرنا أن نقطع أوداجها فقط، الوريد السُباتي أضخم وريد، أن نقطعه فقط ويبقى الرأس مُتصلاً بها، ولا بعد مئةُ عامٍ تبيَّن حكمة هذا التوجيه، ولا بعد مئتي عام، ولا بعد خمسمئة عام، ولا بعد ألف عام، ولا بعد ألفٍ وأربعمئة عام، إلا أنه قبل عقدين من الزمن اتضحت الحقيقة، من أجل أن تعرفوا ماذا يعني توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، توجيه النبي ليس من ثقافته، ولا من خبرته، ولا من مُعطيات عصره، ولا من اجتهاده، توجيهات النبي وحيٌ يوحى.
2 – مراكز التوليد الكهربائي في القلب:
كتمهيد: القلب البشري لأنه العضو النبيل الذي تتوقف الحياة على ضرباته، لو توقف القلب لانتهت حياة الإنسان، لذلك هناك مركزٌ كهربائيٌ في القلب يُعطيه الأمر بالنبض ذاتياً، كمستشفى تُجرى فيها عمليات قلبٍ مفتوح، فدم المريض يوصَل بقلبٍ كهربائي، فلو انقطعت الكهرباء العامة على هذه المستشفى مات المريض، فلا بُدَّ لكل مستشفى يجري فيها عمليات قلبٍ مفتوح، من مولدةٍ خاصةٍ بالمستشفى، والقلب كذلك عنده مركز توليد كهرباء ذاتي، يُمِد القلب بثمانين نبضةٍ في الدقيقة فقط، فإذا تعطَّل هذا المركز هناك مركزٌ آخر احتياط، فلو تعطَّل الثاني هناك مركزٌ ثالث، أرأيت إلى حكمة الله عزَّ وجل؟
كيف يتصرف الإنسان في حال الخطر؟
لكن الإنسان يحتاج إلى مئةٍ وثمانين نبضة، هذه كيف تكون؟ لها آليةٌ مُعقَّدة.
إذا إنسان مشى في بستانٍ ورأى ثُعباناً، ما الذي يحصل؟ هناك آليةٌ مُعقَّدةٌ جداً، تنطبِع صورة الثُعبان على شبكية العين إحساساً، شبكية العين ليس في إمكانها قراءة الصورة، تنقلها إلى الدماغ إلى مركز الرؤية، في مركز الرؤية يوجد ملفات الثُعبان، مفهومات الثُعبان، تلقَّاها هذا الإنسان من المدرسة، أو من قصصٍ أو مُشاهداتٍ عن الثعابين، أو من مُتحفٍ فيه ثعابين.
مرةً كنت في مدينةٍ زُرت متحف الثعابين، أنا كنت أمام ثُعبانٍ طوله اثنا عشر متراً، ثخين، بيني وبينه أربعة سنتمترات، كيف؟ هناك لوحٌ من الزجاج بيننا، فالإنسان مشاهداته، ثقافته، قصصٌ ومعلومات تُشكِّل مفهوم الثُعبان عنده، فهذه المفهومات موجودة في الدماغ، فحينما تُنقَل الصورة إلى الدماغ، ملفات الثُعبان في الدماغ تقرأ الصورة، والدماغ مَلِك الجهاز العصبي، يُدرِك أنَّ هذا الشيء لدَّغته مميتة، فالدماغ أوامره كهربائية، يلتمِس من ملكةٍ إلى جواره اسمُها الغدة النُخامية، هي ملِكة الغُدد، وأوامرها هرمونية، وباعتبار أنه هو مَلِكٌ وهي مَلِكة، فليس بينهما أمر، لكن بينهما التماسٌ ورجاء.
فهذا الدماغ مَلِك الجهاز العصبي، يلتمِس من الغدة النُخامية التي هي مَلِكة الجهاز الهرموني، عن طريق ضابط اتصالٍ تحت السرير البصري، يلتمِس منها أن تواجه الخطر، هذه المَلِكة الغدة النُخامية عندها وزير داخلية اسمُه الكظَر، هو فوق الكلية، تُرسل أمراً إلى هذا الوزير، أن هناك مشكلة فواجِه هذا الخطر، الكظَر يُرسِل خمسة أوامر:
أول أمرٍ: إلى القلب برفع النبض إلى مئةٍ وثمانين نبضة، فالخائف لو قست نبضه لوجدته مئة وستين إلى مئة وسبعين ومئة وثمانين.
الأمر الثاني: إلى الرئتين، فيزداد وجيب الرئتين.
الأمر الثالث: إلى الأوعية المُحيطة بالجلد، تضيق لمعتها، فإذا ضاقت لمعتها ذهب الدم الذي وفَّرته إلى العضلات، فالخائف يصفَّر لونه.
الأمر الرابع: للكبد، بإطلاق كمية سُكَّرٍ إضافية، سُكَّر الخائف مئتان وخمسون، أمّا بالوضع الطبيعي ثمانون، في الوضع الاستثنائي مئتان وخمسون.
يوجد في الدم سُكَّر إضافي، و هرمون التجلُّط، ولونٌ أصفر، ونبضٌ عالٍ، ووجيب رئتين مُتسرِّع.
3 – الأمر الاستثنائي لإخراج دم الذبيحة:
هذه مُقدِّمة، الدواب نفس الشيء هناك تشابهٌ في الأجهزة، لو أننا قطعنا رأس الدابة لبقيَ النبض على الأمر الذاتي بثمانين نبضةٍ، وثمانون نبضة لا تُخرِج جميع الدم، بل تُخرِج خمسةً وعشرين بالمئة من الدم فقط، ويبقى الدم في الدابة، والدم مكان الجراثيم والأمراض والأوبئة والسموم، أمّا إذا بقيَ الرأس موصولاً عمل الأمر الاستثنائي، الذي عن طريق الغدة النُخامية للكظر، ارتفع النبض لمئةٍ وثمانين، والوجيب ازداد، فإذا بقيَ رأس الدابة موصولاً يخرُج الدم كله من الدابة، فلا يبقى فيها دمٌ إطلاقاً، والدم نجِس كما تعلمون.
هذه الحقيقة أكَّدها مُعظم الأطباء، إلا أنَّ صديقاً لي ذهب إلى بلدٍ في شرق آسيا ليشتري اللحم كموظفٍ رسمي، فلمّا طالبهم بالذبح بهذه الطريقة رفضوا، قالوا: بهذه الطريقة نخسر كثيراً، لأنه يبقى ثمانية كيلو دم في الدابة، هذه نخسر قيمتها، وإن أردت هذه الطريقة فينبغي أن نرفع السعر عليك.
العالم كله يُعلِّق الدابة من رجليها ويقطع رأسها، والحقيقة دقيقة جداً، آليةٌ مُعقَّدةٌ جداً اكتُشِفت قبل عقدين من الزمن.
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ:
إذا قرأت قوله تعالى:
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾
يجب أن تعلم مَن هو هذا النبي الكريم: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) .
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، وانصُر إخوتنا المؤمنين في كل مكان، في شمال الأرض وجنوبها، في شرقها وفي غربها، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق
والحمد لله ربِّ العالمين.