وضع داكن
17-01-2026
Logo
الخطبة : 1073 - أسباب زيادة الرزق10 ، العبادات - البورصة والحالة التآمرية على صغار المستثمرين .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى : 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمِعت أُذُنٌ بخبر.
 اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
  اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

تقنين الله على عباده تقنين تأديب لا تقنين عجز:


أيُّها الإخوة الكرام: لازِلنا في الموضوع المتسلسل، الأسباب التي وردت في القرآن والسُنَّة من أجل زيادة الرزق، والإنسان حريصٌ على حياته، وحريصٌ على رزقه، وقد جعل الله الحياة والرزق مُتغيرَين، تتغيَّر الحياة بالمرض، ويتغيَّر الرزق بالزيادة والقِلَّة.
أولاً أيُّها الإخوة: لا يليق بكمال الله وقدرته وغِناه، أن يُقنِّن على العباد تقنين عجزٍ، هذا شأن البشر، تَقِل الموارد فيُقنِّنون، تَقِل الموارد فيرفعون الأسعار، تَقِل الطاقة فيقطعون التيار الكهربائي، تَقِل المياه فيقطعون المياه، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أنه إذا قنَّن على عباده، تقنينه تقنين تأديب وتقنين تربية لا تقنين عجز، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)﴾

[ سورة الجن ]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾

[ سورة المائدة ]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

[ سورة الأعراف ]


خزائن كل شيء بيد الله سبحانه و تعالى: 


فالتقنين إذاً تقنين تأديب لا تقنين عجز، والدليل:

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (21)﴾

[ سورة الحجر ]

دليلٌ آخر:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ  بَصِيرٌ (27)﴾

[  سورة الشورى ]

إذاً كل شيءٍ عند الله خزائنه.
 مرةً كنت في العُمرة وقعت تحت يدي مجلةٌ علميةٌ رصينة، طالعت فيها بحثاً لفت نظري، هذا البحث أنه تمَّ اكتشاف سحابةٍ في الفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض كلها، ستين مرةً في اليوم الواحد بالماء العذب (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) .

الله عزَّ وجل ثبَّت مليارات القوانين رحمة بالإنسان: 


والحقيقة الثانية أيُّها الإخوة: أنَّ الله جلَّ جلاله رحمةً بنا ثبَّت مليارات القوانين، أنت تركب الآن مصعداً، هذا الحبل الرفيع الذي يحمِل هذه الغُرفة بركُّابها، ما الذي يجعلك تطمئن لركوب المصعد؟ أنَّ خصائص الحديد ثابتة، الفولاذ المضفور أمتن عنصر في الأرض، أحياناً هناك مصاعد عبر الجبال، غرفة كبيرة يركبها سبعون أو ثمانون إنساناً على حبلٍ مُعلَّق، ما الذي يجعلك تطمئن؟ أنَّ القوانين ثابتة، الشروق ثابت، الغروب ثابت، الحديد حديد، الفولاذ فولاذ، الذهب ذهب، الفضة فضة، البذور بذور، ثبات القوانين، ثبات الخصائص، ثبات السُنَن، من نِعَم الله العُظمى، أصبح هناك نظاماً، أصبح هناك استقراراً، لكن الإنسان إذا غفل عن الله عزَّ وجل، الله عزَّ وجل غيَّر وحرَّك قضيتين كبيرتين، قضية الصحة وقضية الرزق، إذاً قد يُحرَم المرء بعض الرزق بالمعصية.

أسباب وفرة الرزق: 


الآن في هذه الخُطبة الحديث عن العبادات: أي الصلاة والصوم والحج والزكاة أي الصدقة، نكتفي من هذه العبادات لا بتعريفاتها، ولا بخصائصها، ولا بأركانها، ولا بواجباتها، نكتفي بالأدلة المُتعلِّقة بأنَّ هذه العبادات إذا أُدّيت كان الرزق وافراً. 

(( 1 ـ الصلاة: ))

1-الصلاة:

(( كان النَّبيُّ إذا نزَل بأهلِه الضِّيقُ أمَرهم بالصَّلاةِ ثمَّ قرَأ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} الآيةَ [طه: 132]))

[ أخرجه الطبراني ]

وفي بعض الأحاديث:

(( كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا حزَبه أمرٌ صلَّى ))

[ أخرجه أبو داوود وأحمد والبيهقي ]

هذه نصيحةٌ من سيد الخلق، ضاق الرزق، الموارد قلَّت، الأسعار ارتفعت، القلق عمّ، الحياة تكاد تتعطل لارتفاع السعر، بادَر إلى الصلاة وتلا قوله تعالى:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (132)﴾

[ سورة طه ]

(( كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أصابَتْ أهلُهُ خصاصًا نادى أهلَهُ: يا أَهلاهُ صلُّوا صَلُّوا ))

[ أخرجه أحمد والبيهقي ]

هذه نصيحة، لا يوجد وظيفة، الطُرق مسدودة، الأبواب مغلقة، قدَّمت لأعمالٍ كثيرة كلها رُفِضَت، بادِر إلى الصلاة، اسأل ربَّك رزقاً وفيراً، تعامل معه مباشرةً، اسأله.

2 ـ الصيام:

أيُّها الإخوة: ننتقل إلى الصيام: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يا أيُّها الناسُ قدْ أظَلَّكمْ شهرٌ عظيمٌ مبارَكٌ، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شَهرٍ، شهرٌ جعلَ اللهُ صِيامَهُ فرِيضةً، وقيامَ ليلِهِ تطوُّعًا، ومَنْ تَقربَ فيه بِخصلَةٍ، كان كَمَنْ أدَّى فرِيضةً فِيما سِواهُ، ومَنْ أدَّى فرِيضةً فيه كان كمنْ أدَّى سبعينَ فرِيضةً فِيما سِواهُ وهُوَ شهرُ الصَّبرِ والصَّبْرُ ثَوابُهُ الجنةُ وشهرُ الْمُواساةُ وشَهرٌ يُزادُ في رِزقِ المُؤمِنِ فيه، ومَنْ فَطَّرَ فيه صائِمًا كان مغفِرَةً لِذنوبِهِ، وعِتْقَ رقبَتِه من النارِ، وكانَ لهُ مِثلُ أجرِهِ من غيرِ أنْ يَنقُصَ من أجرِِهِ شيءٌ قالُوا: يا رسولَ اللهِ ليس كُلُّنا يَجِدُ ما يُفَطِّرُ الصائِمَ ؟ فقال رسولُ اللهِ: يُعطِي اللهُ هذا الثَّوابَ مَنْ فطَّرَ صائِمًا على تَمْرةٍ، أو شَرْبةِ ماءٍ، أو مَذْقَةِ لَبنٍ، وهُوَ شَهرٌ أوَّلُهُ رحمةٌ، وأوْسَطُهُ مَغفرةٌ وآخِرُهُ عِتقٌ من النارِ، مَنء خَفَّفَ عن مملوكِهِ فيه غفرَ اللهُ لهُ، وأعتقَهُ من النارِ، فاسْتكثِرُوا فيه منْ أربعِ خصالٍ: خَصلَتينِ تُرضونَ بِهما ربَّكمْ وخصلَتينِ لا غِناءَ بِكمْ عنْها، فأمَّا الخصْلتانِ اللتانِ لا غِناءَ بِكمْ عنهُما فتَسألُونَ اللهَ الجنةَ، وتَعوذونَ بهِ منَ النارِ، ومَنْ سَقَى صائِمًا سقاهُ اللهُ من حَوْضِي شربةً لا يَظمأُ حتى يدخلَ الجنةَ ))

[ أخرجه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان والحارث كما في بغية الباحث ]

 (شهرُ المُوَاساةِ) تواسي إخوانك الفقراء (وشهرٌ يُزادُ فيه رِزْقُ المؤمنِ) أنت بالصيام أيضاً تستدِّر الرزق من الله عزَّ وجل.
صار الصلاة والصيام أحد أسباب وفرة الرزق.

(( وعن كعبٍ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: يا موسى إني افترضت الصيام على عبادي، يا موسى جعلت ثوابكم من صيامكم أن أعتقكم من النار، وأن أُحاسبكم حساباً يسيراً، وما عشتم في أيام الدنيا أن أوسِّع لكم الرزق، وأُخلف لكم من النفقة، وأُقيلكم من العثرة ))

[ أبو نعيم الأصبهاني حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ]

لكن طبعاً الصيام الذي أراده الله، أمّا الصيام الحديث صيام السهر على المسلسلات، صيام الاختلاط والولائم والسهر حتى الفجر، ليس هذا هو الصيام الذي أراده الله عزَّ وجل، الصيام كعبادة.

3 ـ الحج:

أيُّها الإخوة: والحج يقول عليه الصلاة والسلام:

(( تابِعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ، فإنَّهما ينفِيانِ الفقرَ والذُّنوبَ، كما ينفي الْكيرُ خبثَ الحديدِ والذَّهبِ والفضَّةِ وليسَ للحجِّ المبرورِ ثوابٌ دونَ الجنَّةِ  ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد  ]

وعن عُمر رضي الله عنه قال: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((  تابِعُوا بينَ الحجِّ والعمرةِ، فإِنَّ متابَعَةَ ما بينِهما تَزيدُ في العمرِ والرِّزْقِ، وتنفِي الذنوبَ مِنْ بني آدمَ، كَما ينفِي الكيرُ خبثَ الحديدِ ))

[ أخرجه ابن حبان والطبراني  ]

وقوله صلى الله عليه وسلم (ينفِيانِ الفقرَ) أي تُزيلانه، وهو يُحتمَل أن يكون الفقر الظاهر.
أيُّها الإخوة: وعن أم سَلَمَة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:

(( كثرةُ الحجِّ والعمرةِ تمنعُ العيلةَ ))

[ الألباني ضعيف الجامع ]


خدمة الناس تُعد من أرقى العبادات: 


لكن أنا أُريد أن أُبيِّن بعض الانزلاقات، أحياناً إنسان عنده أولاد لا يُزوِّجهم، وعنده واجباتٌ لا يؤدّيها، لكنه مغرمٌ أن يَحُجَّ كل عام، نقول له: لا، الحج مرةً في العُمر، وكل خمس سنوات مرة لا مانع، أمّا أن تُهمِل أولادك، أن تُعيق زواجهم، أن تُقصِّر في واجباتك، يقول بعض الفقهاء: "للإمام الحقُّ أن يمنع نافلةً أدَّت إلى ترك فريضة" .
ابن المُبارك حينما رأى طفلةً صغيرةً تأخذ طيراً ميتاً من القمامة وتعود إلى البيت به، تحقَّق من الموضوع، فإذا أُسرةٌ تكاد تموت من الجوع، تأكل من القمامة ما كان ميتاً، أعطى هذه الأُسرة كل ما يملِك وعاد ولم يحُجّ، هكذا فَهِم العبادة. 

(( لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا يعني المسجدَ الحرامَ ))

[ أخرجه الطبراني  ]

(( ردُّ دانقٍ من حرامٍ أفضلُ عند اللهِ من سبعينَ حجَّةً مبرورةً ))

[ أخرجه ابن حبان  ]

  حينما تفهم الدين على أنَّ خدمة الناس تساوي أرقى العبادات، والقصة معروفة ذكرتها كثيراً، سيدنا ابن عباسٍ رضي الله عنهما كان مُعتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى في المسجد رجُلاً تبدو عليه الكآبة، قال له: ما لي أراك كئيباَ؟ فقال: ديونٌ لزمتني ما أطيق سدادها، فقال ابن عباس: لِمَن؟ فقال لفُلان، فقال ابن عباس: أتُحبّ أن أُكلمه لك؟ فقال له: إذا شئت، فقام ابن عباس من معتكفه، اعتكاف صحابي جليل في مسجد النبي عليه أتمُّ الصلاة والتسليم، فقال له أحدهم: يا ابن عباس أنسيت أنك مُعتكف؟ فقال ابن عباس: لا والله ما نسيت ولكني سمعت صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي الكريم، والعهد به قريب، ودمعت عيناه، سمعته يقول: (لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا) .

العبادات من أسباب زيادة الرزق إذا أُدّيت بما يرضي الله عزَّ وجل: 


وحينما تفهم الدين فَهماً آخراً، حينما تفهم أنَّ (ردُّ دانقٍ من حرامٍ أفضلُ عند اللهِ من سبعينَ حجَّةً مبرورةً) أنا أقول عن الصلاة التي أرادها الله، أيُّ صلاةٍ تزيد الرزق؟ حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام: 

((  أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ ))

[ صحيح مسلم ]

الصلاة التي معها استقامة، معها وقوفٌ عند الحلال والحرام، معها التزامٌ كامل، الصلاة حينما تكون تاجاً يكون الالتزام أخلاقياً.
أيُّ صيامٍ؟ 

(( مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ))

[  صحيح البخاري ]

لكن الله عزَّ وجل لا يرضى منّا أن نصوم وأن نكذب، أن نصوم وأن نغتاب.

(( مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[ صحيح البخاري ]

(( رُبَّ قائمٍ ليس له من قيامهِ إلَّا السهرُ ورُبَّ صائمٍ ليس له من صومهِ إلَّا الجوعُ والعطشُ ))

[ أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد ]

أيُّ حجٍّ؟ الحجّ الحلال بمالٍ حلال.

(( إذا خرج الحاجُّ حاجًّا بنفقةٍ طيبةٍ، ووضع رجلَيهِ في الغرزِ ، فنادى: لبيك اللهم لبيكَ، ناداه منادٍ من السماءِ: لبيك وسعديكَ، زادُك وراحلتُك حلالٌ، وحجُّكَ مبرورٌ غيرُ مأزورٌ، وإذا خرج بالنفقةِ الخبيثةِ فوضع رجلَه في الغرزِ فنادى: لبيك، ناداه منادٍ من السماءِ: لا لبيك ولا سعديكَ، زادُك حرامٌ، ونفقتُك حرامٌ، وحجُّك غيرُ مبرورٍ ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

هذا الصيام، والصلاة، والحج.

4 ـ الزكاة:

والزكاة: 

﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾

[ سورة التوبة ]


من أدّى الصلاة و الصيام و الحج و الزكاة بما يرضي الله وسَّع له في رزقه: 


اعذروني أنا أذكُر هذه الاستثناءات لأنَّ الصلاة التي يرضى الله عنها والتي يقبلها: 

(( ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليّ فأبرّه، أكلأه بقربي، واستحلفه بملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب في مسند الفردوس  ]

هذه الصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل، الصلاة كما ينبغي تزيد في الرزق (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ) .
أيُّ صيامٍ؟ (مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) .

(( مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

(( سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيُّها الإخوة الكرام: عن أم سَلَمَة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: (كثرةُ الحجِّ والعمرةِ تمنعُ العيلة) والعيلة هي الفقر.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( حجُّوا تستغْنوا، وسافِروا تَصِحُّوا، وتناكَحوا تَكْثُروا، فإِنَّي مُبَاهٍ بِكُمُ الأمَمَ ))

[ أخرجه الديلمي ]

ولا أزال أذكُر هذا الحديث بشكلٍ كثيف:

(( إن العبدَ ليُحرمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبُه ))

[ أخرجه أحمد وابن ماجه ]

محلٌّ تجاري فيه غضُّ بصرٍ عن النساء مرزوق، محلٌّ تجاري فيه إطلاقُ بصرٍ، فيه حديثُ غزلٍ مع النساء، هذا المحل لا يُرزَق، أيُّ صناعةٍ شرعية صاحبها مرزوق، وإلا الله عزَّ وجل كما أنه قادرٌ على أنه إذا أعطى أدهش وقادرٌ إذا أخذ أدهش.

ما خالطت الصدقة مالاً إلا أفسدته: 


الآن الصدقة، أيُّها الإخوة: 

(( ما خالطتِ الصدقةُ مالًا إلا أهلكتْهُ ))

[ أخرجه البخاري والترمذي  ]

هناك مالٌ لم تُدفع زكاته، الآن هناك مئة وسيلةٍ، حريق، مُصادرة، ضريبة فوق طاقة الإنسان، يوجد أُناسٌ كُلِّفوا بالضرائب تكليفاً سبَّبت لهم هذه التكاليف أزمةً قلبيةً وماتوا فيها، الله عزَّ وجل عنده أدويةً لا تُعدّ ولا تُحصى، الذي يبخل هناك إتلافٌ للمال بطريقةٍ أو بأُخرى.
وعن عبد الله بن مسعود، دقِّقوا في الحديث الأول: (ما خالطتِ الصدقةُ مالًا إلا أهلكتْهُ) الدار مرهونةٌ بحجرٍ مُغتصبٍ فيها، حجرٌ مُغتصبٌ في الدار رهنٌ بخرابه، ومالٌ فيه زكاةٌ لا تؤدّى، هذا المال قد يُتلَف.
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: 

(( حصِّنوا أموالَكم بالزَّكاةِ ودَاوُوا مرضاكم بالصَّدقةِ وأعِدُّوا للبلاءِ الدُّعاءَ ))

[ أخرجه الطبراني  ]

وقوله (حصِّنوا أموالَكم بالزَّكاةِ) أي بإخراجها، فإنه كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا: 

(( ما تلفَ مالٌ في بَرٍّ و لا بحرٍ إلا بِحَبِسِ الزكاةِ ))

[ أخرجه الطبراني  ]

وعندي والله مئات القصص.

الصدقة تطوُّع والزكاة فريضة: 


الآن ننتقل إلى موضوع الصدقة، تحدثت عن الزكاة، والزكاة في القرآن جاءت باسم صدقة:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[ سورة التوبة ]

أي تؤكد صِدقهم، وجاءت باسم الزكاة، أمّا الصدقة لها معنىً آخر والدليل:

﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾

[ سورة البقرة ]

إيتاء الزكاة شيء ودفع الصدقة شيءٌ آخر، الصدقة تطوُّع والزكاة فريضة.

الصدقة قرضٌ لله عزَّ وجل سيضاعفه لك أضعافاً كثيرة: 


الله عزَّ وجل يقول في موضوع الصدقة: 

﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾

[ سورة البقرة ]

أيُّ عملٍ صالحٍ كلَّفك مالاً وأنت قد دفعت زكاة مالك هذا من الصدقة، هو قرضٌ لله عزَّ وجل، والله عزَّ وجل سوف يردُّ لك هذا القرض أضعافاً مضاعفة، هذا أقوى دليل، وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام في بعض خُطبه: 

(( يا أيها الناسُ ! توبوا إلى اللهِ قبل أن تموتوا، وبادِروا بالأعمال الصالحةِ قبل أن تُشغَلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين ربِّكم بكثرةِ ذكرِكم له، وكثرةِ الصدقةِ في السرِّ والعلانيةِ، تُرزَقوا وتُنصَروا وتُجبَروا، واعلموا أنَّ اللهَ افترض عليكم الجمعةَ في مقامي هذا، وفي يومي هذا، في شهري هذا، ومن عامي هذا إلى يوم القيامةِ، فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها، وجحودًا بها؛ فلا جمع اللهُ له شملَه، ولا بارَكَ له في أمرِه ألا ولا صلاةَ له، ألا ولا زكاةَ له ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صومَ له، ألا ولا بِرَّ له حتى يتوبَ، فمن تاب تاب اللهُ عليه ))

[ أخرجه ابن ماجه  ]


المُنفِق يُخلِف الله عليه أضعافاً مضاعفة والمُمسِك يُتلِف الله ماله: 


الآن الصدقة أحد أسباب زيادة الرزق كما قال بعض الشعراء:

  دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ       وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ

[  أبو نواس ]

أنت فقيرٌ ادفع صدقةً على نيّة أن تُرزَق، والآية الكريمة:

﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

[ سورة سبأ ]

أمّا الشيطان:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)﴾

[ سورة البقرة ]

النبي عليه الصلاة والسلام قال لقيس بن سلع الأنصاري رضي الله عنه: 

(( أنْفِقْ يُنفِقِ اللهُ عليكَ،- ثلاثَ مَرَّاتٍ - فلَمَّا كان بعدَ ذلِكَ خَرَجْتُ في سبيلِ اللهِ ومَعِي راحِلةٌ، وأنا أكثرُ أهلِ بَيتِي اليومَ وأيْسَرُهُ. ))

[  أخرجه الطبراني  ]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

المُنفِق يُخلِف الله عليه أضعافاً مضاعفة، والمُمسِّك يُتلَف ماله. 

(( إنَّ ملَكًا ببابٍ مِن أبوابِ الجنَّةِ يقولُ: مَن يُقرِضِ اليومَ يُجْزَ غدًا، وملَكٌ ببابٍ آخَرَ يقولُ: اللَّهمَّ أعطِ مُنفِقًا خلَفًا وأعطِ مُمسِكًا تلَفًا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم  ]

والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح يُخاطب أبا بكر الصدِّيق يقول له: 

(( ثلاثةٌ أقسِمُ عليْهنَّ وأحدِّثُكم حديثًا فاحفظوهُ، قالَ ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ ولا ظلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبرَ عليْها إلَّا زادَهُ اللَّهُ عزًّا، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتحَ اللَّهُ عليْهِ بابَ فقرٍ أو كلمةً نحوَها وأحدِّثُكم حديثًا فاحفظوهُ فقالَ إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ عبدٍ رزقَهُ اللَّهُ مالًا وعلمًا فَهوَ يتَّقي ربَّهُ فيهِ ويصلُ فيهِ رحمَهُ ويعلمُ للَّهِ فيهِ حقًّا فَهذا بأفضلِ المنازلِ وعبدٍ رزقَهُ اللَّهُ علمًا ولم يرزقْهُ مالًا فَهوَ صادقُ النِّيَّةِ يقولُ لو أنَّ لي مالًا لعملتُ بعملِ فلانٍ فَهوَ بنيَّتِهِ فأجرُهما سواءٌ وعبدٍ رزقَهُ اللَّهُ مالًا ولم يرزقْهُ علمًا يخبطُ في مالِهِ بغيرِ علمٍ لا يتَّقي فيهِ ربَّهُ ولا يصِلُ فيهِ رحمَهُ ولا يعلمُ للَّهِ فيهِ حقًّا فهو بأخبَثِ المنازلِ وعبدٍ لم يرزقْهُ اللَّهُ مالًا ولا علمًا فَهوَ يقولُ لو أنَّ لي مالًا لعملتُ فيهِ بعملِ فلانٍ فَهوَ بنيَّتِهِ فوزرُهما سوا ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد  ]


من تصدَّق مبتغياً وجه الله عزَّ وجل زاده الله كَثرة:


عندما يأخذ قراراً أن يمُدّ يده ويسأل، لمّا يجعل من السؤال وهو ليس مُضطراً ضرورةً قصوى، إذا جعل من السؤال طريقاً للرزق (إلَّا فتحَ اللَّهُ عليْهِ بابَ فقرٍ) .

(( ما فتح رجلٌ بابَ عَطَيَّةٍ بصدَقَةٍ أوْ صِلَةٍ، إلَّا زادَهُ اللهُ تعالى بها كثرَةً، وما فتح رجلٌ بابَ مسأَلَةٍ، يريدُ بها كثرَةً، إلَّا زادَهُ اللهُ تعالى بها قلَّةً ))

[ أخرجه أحمد والطبراني والبيهقي  ]

وفي الحديث القدسي:

(( أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قالَ اللَّهُ: أنْفِقْ يا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ صحيح البخاري ]

وفي حديثٍ آخر:

(( قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وقالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. وقالَ: أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ؟! فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ.))

[ صحيح البخاري ]

(لا تَغِيضُها) أي لا تُنقصها (سَحَّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ) أي مستمرة في الليل والنهار.
النبي عليه الصلاة والسلام يُخاطب أسماء بنت أبي بكر: 

(( لا تُوكِي فيُوكَى عَلَيْكِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

يعني المال في كيسٍ أحياناً يُربَط الكيس، يا أسماء (لا تُوكِي فيُوكَى عَلَيْكِ) قلِّل يُقلَّل عليك. 

من أنفق ماله بلا حساب أعطاه الله بلا حساب:


قصةٌ رمزية لعلّي ذكرتها، في بيتٍ بأحد أحياء دمشق، فيه شجرة ليمون تحمِل أكثر من خمسمئة حبة، لكن بهذا البيت امرأةٌ صالحة جداً، ما طرق أحدٌ باب هذا البيت وطلب حبَّةً إلا لبَّت رغبته، منذ أربعين سنة، توفيت هذه المرأة الصالحة وجاءت زوجة ابنها، أول سائلٍ طردته، بعد ذلك يبِسَت شجرة الليمون هذه، شيءٌ عجيب! أعرف منطقة فيها سبع عشرة مزرعة، فكان الرُعيان يُدخِلون أغنامهم إلى هذه المزارع، الكل أغلق الأبواب وطرد الرُعاة إلا مزرعةً واحدة بَنَت لهم ساقيةً لتشرب الغنم، أحد أقربائي يُقسِم لي بالله، أنَّ سبع عشرة مزرعة جفَّت آبارها إلا هذه المزرعة التي كان صاحبها يسقي منها الأغنام، (لا تُوكِي فيُوكَى عَلَيْكِ) ل ا تبخل، إذا أعطى أدهش.
 وفي روايةٍ أُخرى يا أسماء:

(( قالَ لي رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أنْفِقِي، أوِ انْضَحِي، أوِ انْفَحِي، ولا تُحْصِي، فيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أنفِق بلا حساب وعندئذٍ يُعطيك الله بلا حساب، هذا رأيٌ شخصي لأحد العارفين بالله قال: "الذي يأذَن لزوجته بالتصدُّق بما جرت به العادة هذا مرزوق" ، طبعاً ليس من حقّ الزوجة أن تتصدَّق بمال زوجها إلا بإذنه، لكن هناك أزواج عندهم كرم يقول لها: إذا هناك سائلٌ فأعطيه، طبعاً بالمعقول، أحياناً سائل يسأل رغيف خُبزٍ، حاجة طعام، فالزوجة التي يأذَن زوجها لها أن تتصدَّق من ماله بحسب اجتهادها، هذا زوجٌ صالح ولعلَّ الله سبحانه وتعالى يرزقه رزقاً وفيراً.

مشكلات الإنسان من صنعه و بإمكانه أن يزيلها بتأدية العبادات كما أرادها الله تعالى:


أيُّها الإخوة الكرام: ذكرت في هذه الخُطبة الصلاة التي أرادها الله، والصيام الذي أراده الله، والحجّ الذي أراده الله، والزكاة التي أرادها الله، العبادات الشعائرية أحد أسباب زيادة الرزق، والأمر بين أيديكم والإنسان مُخيَّر، ودائماً مشكلة الإنسان منه وبيده أن يُزيلها.
في الأعمّ الأغلب مشكلتك منك، وبيدك أن تُزيلها بطاعة الله والصلح معه، وأصعب مشكلة يواجهها العالم اليوم، وهي مشكلة والله مُفتعلة صدِّقوا، كيف مُفتعلة؟ أحياناً هناك نظامٌ اقتصادي، متى ترتفع الأسعار عشرة أضعاف؟ يوجد عندنا احتمالين اقتصاديين:
أن يزداد المُستهلكون عشرة أمثال، أو أن يقِل الإنتاج إلى العُشر فقط، أمّا بلا سببٍ! الأرض هي هي، والأرزاق هي هي، والثروات الزراعية هي هي، والأمطار هي هي، والبشر هُم هُم، فجأةً في أي مكان في العالم الآن خمسة أضعاف، عشرة أضعاف، ما الذي حصل؟ هناك أدمغةٌ مُخطِّطة لإيقاع الفقر في البشر حتى يبقوا هُم المسيطرون، دائماً هناك إحصاء أنَّ عشرةً بالمئة من سكان الأرض تملِك تسعين بالمئة الآن من ثروات الأرض.
وكما قال عليه الصلاة والسلام:

((  لَتُمْلَأَنَّ الأرضُ ظلمًا وعدوانًا، ثُمَّ لَيَخْرُجَنَّ رجلٌ مِنْ أهلِ بيتِي، حتَّى يملأَها قِسْطًا وعدلًا، كما مُلئَتْ ظلمًا وعدوانًا ))

[ أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم ]


من استثمر ماله بطريقةٍ غير شرعية دمَّره الله دماراً كاملاً: 


أوضح مثلٍ أضعه بين أيديكم، طبعاً هذا المَثَل صدر فيه قرارٌ من مجمع الفقه الإسلامي، سوق البورصة، الحديث الآن ليس عن شرعيته الموضوع طويل، لكن ما الذي يحصَل؟ هناك حيتان في هذه الأسواق يطرحون أسهمهم فجأةً فتهبط الأسعار، أمّا صِغار المستثمرين كالذي معه مليون، أو خمسمئة ألف، لا يملِك سواهم، يرى الأسعار بدأت تهبِط فيخاف ويعرِض أسهمه للبيع، يزداد السعر هبوطاً إلى أن يصل السعر إلى النهاية الصُغرى، هؤلاء الحيتان يشترون كل هذه الأسهُم، بهذه الطريقة يأخذون من صغار المُستثمرين كل أموالهم، يعني خمسة آلاف مليون تنتقل من صغار المُستثمرين إلى الحيتان، وبعدئذٍ يرفعون الأسعار، هذه اللعبة تتم كل عدة أشهر.
في بعض البلاد الإسلامية دخل للمستشفيات سبعة وثلاثين ألف إنسان بسبب البورصة، هناك ستّون ملياراً خسره الناس، هناك دراسةٌ عندي أنَّ كل أموال النفط استردَّها الغربيون بسوق البورصة، يعطوك ثمن النفط؟ هذه السذاجة بعقول المسلمين! أنت تحت رحمتهم، يرفعوا السعر تفرح فتطمع، ثم ينزل السعر تخاف فتبيع، هذه لعبة تتم كل شهرين أو ثلاثة.
مرةً الذهب يصعد ومرةً يهبِط، وصل سعر برميل النفط بعملٍ مُفتعل إلى دون تكلفته، أذكُر تماماً تكلفة استخراج البرميل ثمانية ونصف دولار، وصل مرةً إلى ستة ونصف، اليوم مئة وعشرين، هل قلَّ النفط؟ لم يقِلّ، هل زاد الاستهلاك؟ لا ما زاد، لكن هناك حيتان تلعب بهذه المقاييس ونحن تابعون لهم، هذه مشكلة، أكثر الناس وضعوا مالهم في البورصة، مسكين يكاد يقف قلبه وهو يُتابع الأسعار، اعمل عملاً شريفاً مريحاً يؤكِّد جُهدك وذكاءك، لا أن تبقى تحت رحمتهم، تحت رحمة الاتصالات الهاتفية، كم السعر اليوم؟ 
أيُّها الإخوة الكرام: المال قِوام الحياة، والله عندي قصصٌ لا تُعدّ ولا تُحصى عن دمار إنسانٍ دماراً كاملاً، لأنه حينما استثمر ماله بطريقةٍ غير مشروعة لم يستشِر ولم يسأل.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

تآمُر البورصة على صغار المستثمرين: 


أيُّها الإخوة الكرام: التعليق على أسواق البورصة ليس حُكماً شرعياً، هناك قسمٌ حلال، لكن الآن ليس المَوْطِن موطن شرح تفاصيل الأحكام الشرعية، أمّا الذي يحصل هكذا، وهناك قرار من مجمع الفقه الإسلامي يصف هذه الحالة التآمُرية على صغار المُستثمرين، ودائماً الحيتان يزدادون غِنىً، و متوسطو الدخل بهذه الأنظمة الغريبة على حياتنا يزدادون فقراً.
أيُّها الإخوة الكرام: الرزق بيد الله، وأنت حينما تُطيع الله عزَّ وجل في كسب الرزق فالقوانين ثابتة، أمّا إذا صار هناك توجُّهٌ إلى مخالفة الشرع في كسب الرزق، فهناك مطبَّاتٌ كبيرةٌ جداً، مطبَّاتٌ كبيرةٌ وساحقة، مرةً هناك شركةٌ استثمارية في بعض البلاد العربية، المبالغ التي خسرتها العقل لا يُصدِّقه، ودمَّرت كل المودعين فيها، إذا كانت شركة غير منهجية، قوامها غير صحيح، غير شرعي، فاحذر أن تكون أحد الضحايا، والضحايا كُثُر.

الدعاء : 


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت. 
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مَردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنَّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقّ والدين وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.  

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور