- أحاديث رمضان
- /
- ٠01رمضان 1415 هـ - قراءات قرآنية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
كلّ خلل في العقيدة يقابله خلل في السلوك :
أيها الأخوة الكرام :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾
الإنسان له فكر ، وله سلوك ، لكن هناك تلازماً ضرورياً بين صحة العقيدة وبين استقامة السلوك ، فكل خلل في العقيدة يقابله خلل في السلوك ، فهذا الذي يرفض الحق ، يأبى أن ينصاع لله عز وجل ، يجادل ، يريد أن يكون الدين على هواه ، يريد أن يحل بعض ما حرم الله ، هذا الإنسان الذي يرد الحق ولا يقبله ، ويناقش ، ويجادل ، دعك من كلامه ، ودعك من حججه ، ودعك من تفكيره ، وانظر إلى سلوكه :
﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
أنت أفضل لك أن تترك مناقشته ، وتراقب سلوكه ، انظر إلى تعامله المادي ، انظر إلى علاقاته الاجتماعية ؛ أين يسهر ؟ من يخالط ؟ كيف ذمته ؟ فانحراف سلوكه دليل انحراف عقيدته :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾
معنى المجادلة هنا أن الإنسان إذا أوتي الفكر ، أو الذكاء ، وأصرّ على شهواته ، يستخدم هذا الفكر ، لا ليدله على الحق ، بل ليبرر سلوكه ، فالنقاش نوعان ؛ نوع تبريري : كل إنسان آتاه الله فكراً ، وكان عنده ذكاء عال ، هذا الذكاء يستخدمه لتبرير سلوكه ، دعك من أفكاره ، ومن حججه ، ومن آرائه ، وانظر إلى أعماله ، أعماله الدنيئة تدل على فكره السقيم .
ضرورة التلازم بين صحة الفكر والعقيدة و السلوك :
هناك آية أخرى :
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾
انتهت الآية ، أي انظر إلى علاقاته المالية لا يوجد ذمة ، انظر إلى علاقاته الاجتماعية لا يوجد عنده وفاء ، لا يوجد عنده عفة ، مستعد أن يفعل كل شيء ، فهذه الآية تبين التلازم الضروري بين صحة الفكر وصحة العقيدة وبين صحة السلوك ، فإذا التبس عليك الأمر ، أعطاك حجة قوية ، أو طعنك و لم تتمكن أن ترد عليه ، دعك من فكره ، وانظر إلى عمله ، عمله السيئ دليل فكره السقيم :
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
هذه الآية ، وعدة آيات في كتاب الله تبين هذا التلازم الضروري بين صحة الفكر وسلامة العقيدة ، وبين سلامة الأسلوب أو انحراف الأسلوب .
من عزا الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري :
يوجد آية وحيدة في كتاب الله ، لأن كتاب الله - كما تعلمون- مثاني ، الآية تنثني على أختها فتفسرها ، هناك آيات كثيرة جداً يُعزى فيها الإضلال إلى الله :
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
هذه الآية ، هذه تبين ما هو الضلال الذي يضله الله عز وجل . يقول الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
الآية الثانية والسبعون :
﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾
أين الأصنام التي عبدتموها من دون الله ؟ أين فلان الذي ألهتموه في الدنيا ؟ أين زيد أو عبيد الذي عصيتم الله من أجل إرضائه ؟ :
﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ﴾
أين هم هؤلاء الذين عبدتموهم ؟ أين هم الآن ؟ ادعوهم كي ينجوكم من هذا العذاب:
﴿ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾
هذا الذي عبدوه طوال حياتهم ، إن كان صنماً ، أو شخصاً ، أو رجلاً . قال :
﴿ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾
فإذا هو لا شيء .
أحياناً الإنسان يكون هذا الشيء عنده كبيراً ، ثم يبدو له أصغر مما يتصور ، لا شيء إطلاقاً ، لا شيء ، كإنسان تظن أنه يملك الملايين و لم يكن يملك شيئاً :
﴿ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾
الله جلّ جلاله يضل عن شركائه ، لا عن ذاته ، يضل عن شركائه ، وهذا الشيء ثابت ، في أي لحظة تتوهم أن فلاناً أو علاناً ، زيداً أو عبيداً ، يستطيع أن يخلصك ، أو ينجيك، الله عز وجل يخيب أملك فيه حتى تتركه ، وهذا هو الشرك الذي ربنا عز وجل يعالجه ، كلما اتكئت على إنسان ، واعتمدت على إنسان ، وقلت : فلان صاحبي ، وفلان معارفه كثيرة ، الله عز وجل يلهمه أن يتخلى عنك ، يسيره ، لا أقول : يلهمه ، يسيره ، يتخلى عنك :
﴿ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴾
فإذا عزي الإضلال إلى الله ، فهو الإضلال عن شركائه ، لا عن ذاته ، أو إذا عزي الإضلال إلى الله ، فهو الإضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري .
حسن الظن بالله ثمن الجنة :
دائماً الإنسان حسن الظن بالله ثمن الجنة ، ولا تستقيم العقيدة إلا إذا جاء القرآن متناسقاً . الله قال :
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
أسماؤه كلها حسنى ، فإذا قلنا : إنه مضل ، أي يضل عن شركائه ، لا عن ذاته، أي الخير كله عند الله ، والسعادة كلها عنده ، والجنة عنده ، والحياة بيده ، والممات بيده ، فلما الإنسان يتجه لغيره ، رحمة الله به تقتضي أن يصرفه عن هذا الشريك إلى ذاته ، فغيره يخيب له ظنه ، يكون لئيماً معه .
أحياناً الإنسان إذا عبد غير الله عز وجل ، أو علق آماله بغير الله ، هذا الإنسان ضعيف ، أو لئيم ، إما أن يمتنع عن خدمتك لضعفه ، أو يكون قوياً ، لكن للؤمه بالحالتين لم تستفد منه ، فهذا الشرك الذي ربنا عز وجل يعالجه بهذه الطريقة ، كلما الإنسان اتجه لغير الله :
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾
الدعاء أعلى مستوى في العبادة :
النقطة الدقيقة أن النبي الكريم قال :
((الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ))
ممكن نحن وهذا علم نادر جداً وأشار له ابن القيم أن أعلى أنواع العلم أن تكتشف هذه الأحاديث الشريفة أين أصلها في القرآن الكريم ؟ لما النبي قال :
((الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ))
أي أعظم شيء في العبادة أن تدعو الله ، والإنسان بالصلاة يدعو الله ، الصلاة دعاء ، وفي الصيام له دعوة عند إفطاره مستجابة ، قبل أن تأكل ادع الله ، إذا الإنسان ذهب للحج ، أول ما تقع عينه على الكعبة له دعوة مستجابة ، والطواف فيه دعاء ، كله دعاء ، والسعي دعاء ، والوقوف بعرفة دعاء ، والحج كله دعاء ، والصيام دعاء ، والصلاة دعاء ، وإذا الإنسان زكى هناك دعاء خاص ، وأدعية للنبي مأثورة ، فمن أين اكتشف النبي أن :
((الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ))
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾
هذه أساساً ادعوني ، والذي يتكبر عن دعائي . قال لك :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾
فالكلمة المناسبة حسب السياق هي الدعاء ، وربنا حذفها وحلّ محلها العبادة ، معنى هذا أن الدعاء هو العبادة ، أو الدعاء مخ العبادة ، والدعاء أعلى مستوى في العبادة .
انظر الإنسان عندما يكون واقعاً تحت ضيق ، له عند الله حاجة ، يكون اتصاله بالله مكثفاً ؛ هناك حرارة ، و ضرورة ، و التجاء ، لذلك : عندما يضعف الصدق في الدعاء ، تأتي مشكلة ، هذه تسوقك إلى باب الله ، فالإنسان البطل الذي يدعو بحرارة ، دائماً هو في أمن، أي يا رب عفوك ورضاك مثلاً ، يا رب استرنا بسترك الجميل ، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، فالإنسان وهو في بحبوحة عليه أن يدعو بحرارة ، وإلا تأتي الحرارة من مشكلة ، لذلك :
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
قوانين الله في الدعاء :
هناك كلمة لطيفة ؛ أن الله سبحانه وتعالى ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك ، يوجد أناس عندهم يأس من الدعاء ، أن الله عز وجل لا يستجيب ، لكن الله عز وجل له قوانين في الدعاء . قال لك :
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
أي أنا لا أستجيب لمن يعتدي على خلقي ، إذا كنت معتدياً ، أو تأكل المال الحرام، أو تتطاول على أحد ، إن دعوت الله بفصاحة وببلاغة ، وأتيت بأدعية مأثورة ، الله لا يستجيب لك :
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
هذا المعتدي لا يستجيب له.
استقرار الأرض من نعم الله الكبرى :
أيها الأخوة الكرام ؛ من آيات الله الدالة على عظمته :
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾
انظر لهذا البناء ، من أربعمئة عام أو خمسمئة و لم يظهر فيه شق ، لو كان هناك اهتزاز بسيط جداً لظهرت الشقوق على جدرانه ، و لكن الأرض تدور حول نفسها ، وتدور حول الشمس ، وتنطلق بسرعات هائلة ، و نحن نلاحظ الاستقرار التام !! إن الذي يؤكد هذا الاستقرار الزلزال ، كيف الزلزال يخرب مدناً بأكملها ؟ إذاً استقرار الأرض هذه من نعم الله الكبرى :
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾
رغم الحركة هناك استقرار ، سكون متحرك ، أو حركة ساكنة ، الآن : السيارة تهتز، الطائرة تهتز ، لكن أحياناً الطائرة يكون الجو لطيفاً ، والطائرة جيدة جداً ، تجد كأنها واقفة، لولا أن هناك صوتاً ، أو سحباً في الأسفل ، لما شعرت بالحركة ، تشعر كأنها واقفة، فالحركة مع السكون هذا شيء راق جداً ، الله جعل الأرض قراراً ، أما لو كانت تهتز و نشعر باهتزازها لما كان هناك بناء ، كل شيء يتصدع .
المعنى الثاني : أن كل شيء تمسكه يقع ، معنى هذا أنه يوجد جاذبية ، لولا الجاذبية ما استقر عليها شيء ، لو ألغيت الجاذبية ، ما استقر حجر على حجر ، ضع الحجر يطير ، هناك أشياء لها وزن ، ما هو الوزن ؟ هو قوة جذب الأرض للأشياء ؛ إذاً أولاً : الجذب يعمل استقراراً ، ثانياً : الحركة مستقرة :
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾
الله عز وجل خبرته قديمة فلا يطرأ على خلقه تعديل إطلاقاً :
الإنسان لو دقق أن أي مركبة تُصنع كل عام يجري عليها تطوير ، تطوير ، من أجل أن تعرف كيف تمّ التطوير؟ انظر مركبة عمرها مئة سنة ، صنع ألف وتسعمئة مثلاً ، وراقبها مع مركبة حديثة جداً ، تجد الشيء لا يصدق ، التطوير الذي صار لا يصدق ، لكن خلق الإنسان ما أصابه تطوير أبداً .
هذه النقطة الدقيقة أن الله خبرته قديمة ، لأن خبرته قديمة ، ليست مستحدثة ، لذلك لا يطرأ على خلقه تعديل إطلاقاً :
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
دقة ما بعدها دقة ، والإنسان يلاحظ نفسه ، هذه العين تقع في مكان آمن ، لو كانت بغير مكان ، لكانت نسبة عطبها تسعة وتسعين بالمئة ، الحواجب وقاية ، الجفن وقاية ، الدمع وقاية ، الرموش وقاية .
امسك الأذن ، هذا الصيوان ، فتحة الأذن أقل من خنصرك ، لو كانت أوسع ، لكان الطفل يستطيع أن يثقب طبلة أذنه وهو لا يشعر ، لكن الإصبع لا تدخل للداخل ، هناك مادة صملاخية تمنع وصول الحشرات ، هذا الصيوان من أجل أن تعرف جهة الصوت ، يصل الصوت إلى الجهة الأولى قبل الثانية ، إنسان يمشي في الطريق ، وراءه سيارة ، أطلقت زمورها، يصل الصوت إلى جهة قبل جهة بفارق واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً بالثانية .
بالدماغ يوجد جهاز يكشف تفاضل وصول الصوتين ، تعرف جهة الصوت ، هناك شخص يمشي بالطريق ، يسمع زموراً ، ينحاز إلى الجهة اليمنى ، لماذا لم ينحاز إلى اليسرى؟ لأنه عرف الجهة .
أنا والله مرة كنت مسافراً ، وجدت قطيع غنم ، زمرت ، ذهبوا إلى الجهة اليسرى ، قلت : ليس فقط نحن معنا هذه الميزة ، أيضاً الحيوان معه نفس الميزة ، يعرف جهة الصوت ، هذا خلق كامل ، هذا الطفل بالحليب لا يوجد حديد ، الله أودع بالطحال كمية حديد تكفيه سنتين، تصميم من هذا؟
كل شيء يكون غضروفاً ، يصير عظماً ، إلا الأنف بالعكس ، أثناء ولادة الطفل يكون غضروفاً ، بعد ذلك يصبح لحماً ، لأنه أثناء الرضاعة ممكن أن يختنق الطفل ، فلضمان وصول الهواء إلى الرئتين ، تجد أنفه غضروفياً أكثر مما يجب ، مع تقدم السن تلين فتحة الأنف، الأنف فوق الفم ، لو كان بالعكس ، لو كان الأنف نحو الأعلى :
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾
هذا المفصل ، لولا المفصل الإنسان يأكل مثل القطة ، عليه أن ينبطح ، ويأكل من فمه رأساً ، أما هذا المفصل فيوصل الطعام للفم ، هذه المفاصل ؛ مفصل داخلي ، الرسغ حركة كاملة ، الأصابع متفاوتة بالطول ، هناك أشياء دقيقة بالجسم :
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
الشعر مثلاً لا يوجد فيه أعصاب حس ، العظم فيه أعصاب حس ، الأسنان فيها أعصاب حس ، لولا هذه الأعصاب لكانت الأسنان قد أصيبت بالتسوس و النخر ثم تسقط والإنسان لا يشعر ، أما عندما يصاب السن بالنخر ، فلا تنام الليل ، هذا جهاز إنذار مبكر ، إذا الإنسان فكر بأسنانه ، فكر بسمعه ، ببصره ، هذه العين انظر إلى الصورة تعطيك الصورة بنفس الحجم ، الآن صورة صغيرة ، أنت ترى الجبل جبلاً ، تراه بحجمه الطبيعي .
الآن ماذا يوجد في الشبكية ؟ مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، عشر طبقات ، و هناك أيضاً بالشبكية مواد كيماوية ، تتأثر بالضوء ، وإذا تأثرت بالضوء ينشأ تيار متفاوت الشدة ، هذه هو الصورة ، تنتقل للدماغ ، ما دور مركز الذاكرة بالدماغ ؟ الإنسان يعيش سبعين سنة يوجد بذاكرته سبعون مليار صورة .
أحياناً تلمح شخصاً ، يغيب عنك ثلاثين سنة ، تقول : فلان ، تسمع صوتاً ، عندك ذاكرة ، الأصوات لها ذاكرة ، و المشمومات لها ذاكرة ، و الصور كذلك لها ذاكرة ، إذا الإنسان تفكر بجسمه وحده هذا أكبر دليل على عظمة الله عز وجل :
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
عنق الفخذ عظم ، هذا المكان عليه كل الضغط ، كل الجذع يحمله هذا العنق ، يتحمل كل فخذ مئتين و خمسين كيلو ، من أين جاءت القساوة ؟ هذا أساسه ماء مهين ، أساس الإنسان ماء ، هذه القساوة من أين جاءت ؟ :
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
ينكسر العظم ، الخلية العظمية تنام أربعين سنة ، يصاب الإنسان بكسر ، تستيقظ، تعمل ، العظم يلتحم ثم ينمو ، من أوقفه عند حده ؟ القابض والباسط ، فلو كان النمو مستمراً ، لأصيب الإنسان بالعملقة ، لو أن الأسنان تنمو باستمرار ، لو أن العظم ينمو باستمرار ، لكنا في حال يرثى لها ، فكل شيء ينمو ثم يقف عند حد معين ، من أوقفه هنا ؟ من أمره أن يقف ؟
طفل وزنه ثلاثة كيلو ، كبر ، حتى وصل للثامنة عشرة ، أخذ طولاً معيناً ، ثبت ، من ثبته ؟ الثبات نعمة كبيرة ، فالنتيجة : أن الإنسان ممكن أن يصل من خلال أجهزته إلى الله، من خلال خلقه ، وخلقه أقرب شيء له .
الإنسان أحياناً يتقيأ ، التقيؤ حركة معكوسة ، شيء عظيم إذا كان هناك تسمم ، أو طعام فاسد ، هذا الشيء ينبه آلية معينة ، حتى الواحد يتقيأ ، التقيؤ عملية صيانة للإنسان :
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
أنا أرى الإنسان عندما يغفل عن عظمة الله ، أكلت تفاحة ، والله شيء يلفت النظر؛ حجم ، على لون ، على رائحة ، على طعم ، على مواد مرممة لها ، يقول لك : فيتامينات ، ومعادن ، وكالسيوم ، وفوسفور ، وحديد ، ومواد سكرية ، وماء ، ولها غلاف ، لها قشرة تمنع وصول الجراثيم لها ، من صمم هذا التصميم ؟ انظر :
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
أحياناً غرام البندورة يعطي مليون ضعف ، أكبر بيت مساحته نصف دونم ، هذا يحتاج إلى خمسة غرام من بذر البندورة ، تغيب حوالي شهرين ، تعود فتجد أن المجموع الخضري أصبح وزنه بالأطنان ، هذا المجموع الخضري من أين جاء كله ؟ من هذه الغرامات الخمس ، لو أن الله خلق كميات ضخمة من الفاكهة لفسدت ، لكن هذه الفاكهة فيها عوامل تجديدها ، كل فاكهة فيها بذرة ، تزرعها ، تنبت فاكهة عوضاً عنها .
الفرق الصارخ بين أن تعبد إلهاً خالقاً وبين أن تعبد مخلوقاً ضعيفاً :
وهكذا :
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾
يقول هذا مؤمن فرعون :
﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ
صنم مثلاً ، أو شخص ليس له دعوة ، ليس له منهج ، إذا دعاك إلى تشريع أرضي ، لا يوجد منهج ، لكن هناك ولاء فقط ، واليت زيداً أو عبيداً ، لكن يا ترى هل هناك أمر، أو نهي ، أو منظومة قيم ؟ لا يوجد شيء .
الشيء الثاني : إذا دعوت لا يستجيب لك ، ليس له دعوة ، هذا الإله هذا منهجه ، كتاب فيه افعل ولا تفعل ، فيه أوامر ، ونواه ، فيه تفسير للكون ، للحياة ، وللإنسان .
شيء آخر : هذا ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، أي ليس له منهج يأمرك كيف ينهاك ؟ وإذا دعوته لا يستجيب ، هناك فرق صارخ بين أن تعبد إلهاً خالقاً ، وبين أن تعبد مخلوقاً ضعيفاً .