- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (048) سورة الفتح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، كما تعلمون مِن قبل أنَّ الله سبحانه وتعالى تَكريمًا لهذا النبي العظيم لم يُخاطِبْهُ باسْمِهِ إطلاقًا، يقول الله عز وجل:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(9)﴾
وقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾
ولكنَّهُ ذكرهُ بِصيغَة الغائب، فقال الله تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾
أيها الإخوة الكرام، إنَّ مِن أخطر ما تُصاب به الأمَّة أي يكونوا أشِدَّاء فيما بينهم، ورحماء على غيرهم، وأن يُجْعَلَ بأسُهُم بينهم، ورحماء على الآخرين، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يصِفُ مجتَمَع المؤمنين، أو يصِفُ مجتَمَع الصَّحابة الكرام، وهم قِمَّة المجتَمَع الإسلامي أنَّه أشِدَّاء على الكُفَّار رُحماء بينهم، وهناك وصْفٌ آخر، قال تعالى:
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)﴾
أما إن كُنَّا أشِدَّاء على بعضِنا، وأعزَّةً على بعضِنا، وأذِلاَّء على مَن سِوانا وعُكِسَت الآية فالهَلاك لِهذه الأُمَّة، قال تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
قد يقول قائِل: ولكن هو رسول الله ! نقول له: ألَمْ تقرأ قوله تعالى:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾
وألَم تقرأ قَول النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر..." قال تعالى
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
معهُ في الطاعة، ومعهُ في البذْل، ومعه في التَّضْحِيَة، ومعه مُتعاوِنين ومعه مُتناصِرين، ومعه مُتباذِلين، ومعه مُتزاورين، إنَّهم معه، قال تعالى:
﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)﴾
هؤلاء أصحابُ سيِّدنا موسى، أما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال: والذي بعثَكَ بالحق، لقد آمنَّا بِكَ، وصَدَّقناك، وشَهِدنا أنَّما جئْتَ به هو الحق، فامْضِ بما أردْتَ، وصِل حِبال من شئْتَ، واِقْطَع حِبال مَن شئْتَ، سالِمْ مَن شئْتَ وعادي مَن شئْت، خُذْ مِن أموالنا ما شئْتَ، ودَعْ ما شئْت، فهو الذي بَعَثك بالحق، وسِرْ على بركة الله، ولو خُضْتَ بنا هذا البحر لَخُضْناهُ معَك، وما تخلَّفَ مِنَّا، ولعلَّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرُّ منه عَيْنُكَ، فهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ هؤلاء الذين نصروا الله، وهؤلاء الذين رضي الله عنهم، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
وبإمكانِكَ في أيّ زمانٍ أن تكون مسلمًا صادِقا مُتعاوِنًا مع إخوانِكَ، قال تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
أما أن تبْحَثَ عن الشيء الذي يُزْعِجُ أخاك ؛ مِن أين يتألَّم ؟ وكيف تُعَطِّل عليه الأمر ؟ وكيف تَجْعلُهُ لا ينام الليل وهو أخوك في الإسلام ؟ إذا كُنَّا كذلك فاقْرأ على هذه الأمَّة السَّلام !
وقفَ رجل على الحجَّاج، والحجَّاج يريدُ أن يقتُلَهُ قال: أسألُكَ بالذي أنت بين يَديه أذَلُّ مِنِّ بين يَدَيك، وهو على عِقابِكَ أقْدر منك على عِقابي، مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام على صحابيٍّ وهو يضرب غلامه فقال له: اعْلم أبا ذّر أنَّ الله أقْدرُ عليك منك عليه، وهناك شَواهِد لا تُعَدُّ ولا تُحْصى نم حياتنا، ومن علاقاتنا، لا نرْحَمُ بعضَنا أبدًا، ويا عبادي إن أردتم رحمتي فارْحموا عِبادي.
أيُّها الإخوة مرضٌ خطير يسْري في أعضاء المجتمع الإسلامي أنَّهم أشِدَّاءُ على بعضِهم، ورُحَماء مع غيرهم، وضِعافٌ أمام غيرهم، ومُتَلطِّفون مع مَن سِواهم، وشديد في البيت، ورحيم خارجها، هذا لا يليق بالإنسان، قال عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله..." هذا وَصْفُ الله عز وجل للمؤمنين فيما بينهم ؛ أشِدَّاء على الكفار رُحَماء بينهم، فإذا الإنسان أكْرَمَهُ الله بِعَمَل، وأمامه شَخصٌ ضَعيف يرْجوه بإمكانِكَ أن تُيسِّر له أمْرهُ وبإمكانِكَ أن تُنْجِزَ له معامَلَتَهُ اليوم، لا تقلْ له تعالى غدًا، هو آتٍ من مكان بعيد !! فما معنى أن يأتيَكَ غدًا ؟ يجب أن ينام في الفندق، ويجب أن يدْفَعَ مئاتٍ وأُلوفًا، فيا أيُّها الإخوة الكرام إن أردْتُم رحمة الله فارْحموا خلق الله، إنسانٌ ذَهَب إلى طبيب يُريدُ جْراء عملِيَّة، أخذَ منه دَفعَة أولى والمبلغ كبير جدًّا، فقال له: اِذْهب، واجْمَع المال مِمَّن تشاء، لا أُجْري هذه العَمَلِيَّة أقلّ مِن مائة ألف !!! هناك أناس قُساة لا يرحمون الناس ولكنَّ الله بالمرصاد، وهؤلاء كلُّهم عباد الله إن كانت رؤيَتُكَ صحيحة فإن أردْتَ أن تُغْضِبَ الله فآذِي عباده، وإن أردْتَ أن تُرْضِيَهُ فاخْدُم عباده، والراحمون يرْحمهم الله، فكلّ واحِد منَّا يستطيع أن يرْحَمَ المسلمين بِخِدْمَتِهِ يبيعُهم بِضاعة جيِّدة، ويتلطَّف معهم، والتاجر الصَّدوق مع النَّبيِّين والصِّديقين يوم القيامة، وكذا إن كنتَ طبيبًا، وهذا الكلام للمحامي والمهندس والمعلِّم وللتاجر، والصانِع، والمزارع، تَجِدُ لا مزارِع يضَع هرمون لِكي ينمو النبات بسُرعة، وهذا الهرمون مُسَرْطِن !! فهذا الذي لا يراقب الله في أعماله فالله له بالمرصاد.
قال تعالى:
﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾
يخضعون لأمر الله، ويستمدُّون منه العَون، قال تعالى:
﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾
يريدون فضْله ورضْوانَهُ، فهناك من يريد فضْلَهُ فقط ؛ مال وبيتًا فخْمًا، وامرأةً، وتِجارةً ولا يرجو رِضوان الله، أما المؤمنون الصادقون يبْتغون فضْل الله ورِضْوانه، وهذا أعلى شيء، والجزاء الجنَّة من أنهار وعسل وخمر لذَّة للشاربين، وحور عين، وأعلى من ذلك، قال تعالى
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)﴾
ا لنَّظَر إلى وجْه الله الكريم، وأعلى من ذلك، ورِضوان من الله أكبر فأعلى شيء يُمْكِنُ أن تصِل إليه أن يرْضى الله عنك، وبِإمكانك أن ترْضِيَه أحْسِنْ إلى خلْقِهِ، يرْض عنك، وكُنْ مصْدَر نورٍ وإشعاع وخير، وإيَّاك وأن تقْبَلَ عملاً فيه إيذاءٌ للمؤمنين.
قال تعالى:
﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾
وَجه صافي، ومُنيب، وبريء، واتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّه ينظُر بِنُور الله، طُهر وبساطة، ولا يوجد التَّعقيد والمكر، والخِداع فالإنسان يرْتاحُ مؤمن، والوَجْهُ صفحة النَّفس، وبراءتُكَ تظْهر على وَجهِك قال تعالى:
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
فالمؤمن مثلهُ في الإنجيل كَمَثَلِهِ في التَّوراة، كمَثَلِهِ في الإنجيل، كمثَلِهِ في القرآن.
قال تعالى:
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
الزَّيتون له فسيلة هذا اسمُهُ شطْ النبات، فالشَّجرة آزَرَت هذه الفسيلة، وفي تفسير آخر، الفسيلة آزَرت هذه الشَّجَرة، النبي يُقَوِّي المؤمنين، والمُؤمنين يَدْعمون النبي ! تعاوُن مُشْترَك، فالداعيَة يُعلِّم الناس، وهم يَدْعمون، ويتعاونون معه، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾
قال تعالى:
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
هناك تَسلسُل، وتدرُّج، أنت تبدأُ طريق الإيمان، فيبْدأ وتشْتدُّ عزيمتُك، وتقْوى اسْتِقامتُك ويسْمو عملُك.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾
فأيُّ مؤمنٍ إلى آخر الدّوران آمنَ وعَمِلَ صالحًا، له مِن الأجْر والثَّواب كما لِهؤلاء الصَّحابة الكرام فربُّنا ربُّهم، والطريق إليه سالِك، ومنهم في الآية بيانِيَّة وليْسَت تبْعيضِيَّة أي مِن جنس الصَّحابة، فنحن إن كنَّا منهم، تقول هذا القمحُ من هذا الكيس، قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾