- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (076) سورة الإنسان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها إلى نِهاية السورة من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
أوَّلاً كلمة تذْكرة تعْني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، والقرآن يُذَكِّرك بشيءٍ مُنْطَبِعٍ فيك، كما لو زُرْت بلْدَة ثمَّ أريك صورة هذه البلدة، نقول لك: أتعرف هذه البلدة ؟ لولا أنَّك زُرْت هذه البلدة وانْطَبَعَت معالِمُها في ذِهْنِك ثمَّ أرَيْناك الصورة لما من معنى أن نقول لك: إنَّ هذه تَذْكِرة، فالتَّذْكرة لِشَيْءٍ رَأيْتهُ سابِقاً، فالنَّفْس البَشَرِيَّة مَفْطورة على ذِكْر الله، وفي أصْل فِطْرتها مؤمنة بالله، والخَلْق جميعاً في ساعات الشِدَّة يعودون إلى فِطْرَتِهم وحتى المُلْحِد إذا رَكِبَ سفينةً أو طائِرَةً واضْطَرَبَت وكادَتْ أن تقع أو تغْرق يقول: يا ألله ! إلا أنَّ الشَّهوات تطْمِسُ هذه الفِطْرة وتُبْعِدُها عن صفائِها، فَكُلُّ إنسانٍ مؤمن بالفِطْرة، لذلك جاء هذا القرآن الكريم لِيُذَكِّرنا بأصْل فِطْرتنا، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾
كلمة تذْكرة تعني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، فالهُموم والشَّهوات والنوازِع والرَّغبات طَمَسَتْ هذه الفِطْرة.
المعنى الثاني: إنَّ هذه تَذْكرة، وأنت مُخَيَّر، والدليل قوله تعالى بعدها:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
الله جلَّ وعلا أعْظم وأجلّ من أن يقول كلاماً لا معنى له، لو أنَّنا مُجْبرون، ومُسَيَّرون ولَسْنا مُخَيَّرين لما كان هناك معنى لقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
فلو كنت راكباً سيارة والمِقْوَد بِيَدِك، لا يَصِحُّ عقْلا أن تقول لِواحِدٍ وراءك، لُفَّ على اليمين ! فلو أنّ الإنسان مُكْره ومُسَيَّر وليس مُخَيَّراً فالآية لا معنى لها، يقول لك الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
المعنى الثالث: أنَّ الله جلَّ جلاله جعل إليه ألف سبيل وسبيل لِرَحْمته بِنا فأنت قد تكون حاجتك عند قَوِيّ أو عند مَلِك ولكن لا سبيل ولا طريق إليه، ولا تسْتطيع أن تُقابله، ولا تسْتطيع أن تُرْسِل إليه رسالة، فهذا الإنسان القوِيّ والمَلِك لا سبيل إليه، لَكِنَّ مَلِكَ المُلوك لك إليه ألف سبيل وسبيل، فالعَمل الصالح سبيل، وتِلاوة القرآن سبيل، والإخلاص والوَرَع سبيل، إنْفاق المال سبيل، وترْبِيَة الأوْلاد سبيل، أن تكون زوْجاً كامِلاً سبيل، وأن تُطْعِمَ الفقراء سبيل، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فلو أنَّ واحِداً عَمَّرَ مسْجِداً، والثاني خطَبَ، والثالث دَرَّس، والرابع أطْعم الفقراء، والخامس أوْقَفَ أرْضاً لأبْناء السبيل والسادس رعى الأيْتام، والسابِع ألَّف كِتاب، فأيُّ عَمَلٍ يُقَرِّب إلى الله عز وجل فهو سبيل إليه، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
فأنت لك إلى الله ألف سبيل وسبيل، غَضُّ البصر سبيل، وأن تصوم يوماً تقرُّباً إلى الله سبيل، وأن تقرأ الله وأن تدْعُوَهُ وتسْتغفره وتتوب إليه، أن تُطْعِم حيوان، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
إلا أنَّه كما قال تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
والمعنى هنا دقيق جداً، لو قلْتُ للطلاب مثَلاً من شاء منكم أن ينْتَسِب لِكُلِيَّة الطِب فلْيُقَدِّم طلباً، وأنا أعلم أنَّ هذه الكليَّة لها علامات خاصَّة فَكُلُّ طلبٍ علامته دون المائتان مرْفوض ! مشيئَةُ الله تعالى مشيئةُ فحْصٍ واخْتِبار، ومشيئة اخْتِيار، إلا أنّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار فلو قال أحدهم: اللهمّ ارْزقني الجنَّة وما اسْتقام فهو كذَّاب، تطْلب الجنَّة ولا تعْمل عمل أهْل الجنَّة، تخْشى النار وأنت لا تتَّقيها، وتتحدَّث عن مَحَبَّة الله وأنت تعْصيه، فمشيئة الإنسان هنا مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
مشيئة الله تفْحص مشيئتكم فإن كنتم صادقين ومُخلصين ودَفَعْتُم الثَّمَن يشاء الله لكم ما تشاءون، ودليل هذا قوله تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
أي عليماً بِنَواياكم وصِدْقكم وإخْلاصِكم واسْتِقامتكم وورَعِكم وتوحيدكم.
قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
رحْمة الله مبْذولة لِكُلِّ الخلْق إلا الظالمين، قال تعالى:
﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
فأشَدُّ أنواع الظُّلْم أن تظْلِم نفْسَك، قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
أي أنَّ كُلّ إنسانٍ لم يتلبَّس بِظُلْمٍ هو في رحْمة الله، والدليل قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
لذلك قال بعض العلماء الأجِلاء: الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالِصاً أو صواباً، فخالِصاً ما ابْتُغِيَ به وجْه الله، وصواباً ما وافق السنَّة، فأيّ عملٍ لم يُوافق السنَّة لا يقبله الله، وأيّ عملٍ لم يكن مُخْلِصاً لا يقبله الله، ويجب أن تعبد الله وِفْقَ ما شَرَّع، فالبارحة جاءني سؤال على الهاتِف وهو أنّ امْرأة حجَّتْ حجَّة الفرْض إلا أنَّها مُتَشَوِّقة للدِّيار المُقَدَّسة جداً، سَتَعْقِدُ عقْداً صورياً لِيَكون مَحْرماً لها ! سبحان الله ! الله عز وجل لا يُعْبد إلا وِفْق ما شَرَّع ولا يُعْبد إلا هو، فهذا تحايل وتجاوز للحدود الإلهيَّة، فَكُلُّ من لم يظلم نفْسَهُ أو لم يظلم غيره مُؤَهَّلٌ لِرَحْمة الله قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾