- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (086) سورة الطارق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في لُغَتِنا اليَوْمِيَّة نسْتخدم القسَم، تقول لإنسانٍ: والله، هذا كلامٌ ناقِص ! أين جواب القَسَم ؟ فإذا قُلْتَ: والله إنِّي لأُحِبُّك ! كان قولك: أُحِبُّك جواباً للقَسَم، تالله لأفْعَلَنَّ كذا وكذا، فما من قَسَمٍ إلا ويحْتاج إلى جواب، والدليل: لو كُنْتَ في مَجْلسٍ وقام أحدهم وقال: والله ثمّ والله ثمَّ والله، ثُمَّ سَكَت، لما فَهِمْتَ المَقصود من كلامه، فَكُلّ كلامٍ يحْتاج إلى قَسَم، والآن لو طَبَّقْنا هذه القاعِدَة في القسَم على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾
إلى هنا لم يأت جواب القَسَم ثمّ قال تعالى:
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
هذا جواب القَسَم، لا يوجد إنسان فَلْتان ولا يوجد إنسان لا يُحاسَب، ولا يوجد إنسان يتحرَّك على مِزاجِه دون أن يُسأل لماذا فَعَلْت ؟ الذي خلق الكون، وخلق هذه النُّجوم، المَجَرَّات تقريباً مليون مليون مَجَرَّة، وبالمَجَرَّة وَسَطِيًّا مليون مليون نجْم، ولا تزال حدود الكون غير معْروفة، أحدث معلومة على أبْعَد مَجَرَّة اكْتُشِفَتْ حتَّى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون ألف مليون، والضوء يقْطع في السَّنة ثلاثمائة ألف ضرْب ستِّين ضرْب ستِّين ضرْب أربع وعشرون ضرْب ثلاث مائة وخمْسٌ وسِتُّون ولأنَّ الضوء يقطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثمائة ألف كيلومتر، والله عز وجل قال:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾
المسافات بينها ثمّ قال:
﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾
إذا كنتم تعلمون ما معنى قول الله عز وجل:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾
تَجِدُ نجْمَةً بعيدة مُتألِّقة وبيْضاء، حجمها سنتمتر بالعين، وهذه النَّجْمة قد تتَّسِع للأرض والشَّمْس والمسافة بينهما، وبين الأرض والشَّمْس مائة وسِتٌّ وخمسون كيلومتر، والشَّمْس يتَّسِعُ جوْفُها إلى مليون وثلاثمائة أرْض، وبينهما مائة وستّ وخمسون سنة ضَوْئِيَّة وهناك نَجْم يبْدو حجْمُه واحِد سنتمتر مُرَبَّع بالعَيْن المُجَرَّد اسْمُهُ قلب العقْرب واسمه برْج العقرب يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما فقوله تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾
هذا النَّجْم:
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾
يعني يَصِلُ ضوْؤُهُ إلينا، فإذا أشْعَلَ الواحِدُ مِنَّا الضوء الشَّديد يُرى إلى خمْسين متر وحتى مائتان متر، لكن لا يُمْكننا أن نصِلَ بِنَظَرِنا إلى حلب، وكذا بِحِمْص، طيِّب وَضَوْءٌ يأتي إلينا من مِلْيارات ملْيارات السنوات الضَّوْئِيَّة ويَصِلُ إلينا، لذلك شَمْسُنا شَمْسٌ حمراء في منتصف عُمرها، وكذا النُّجوم لها أعْمار، أما إذا تَقَدَّم بها العُمْر يزْداد حجْمُها كثيراً، ثُمَّ تنْكمِشُ إلى واحد بالمائة وينقلبُ ضوءها إلى لوْنٍ أبْيَض، والضَّوْء الأبْيَض حرارته عالِيَةٌ جدًا، وبعد حين ينقلبُ ضوءها إلى ضوْءٍ أسْوَد وينْعَدِمُ ضوءها، وهي حالةُ التكَدُّس، وهذه الذَرَّات تتراكَم على بعْضِها بعْضًا، ومن شِدَّة الضَّغْط لا يسْمَحُ الضَّغْط بِخُروج الضوْء منها، فَيَغْدو ثُقْبًا أسْوَدًا هي مَقْبَرَةُ النُّجوم، ولو أنَّ الأرْض مرَّتْ بِجَانِبِها لأصْبَحَت بِحَجْم بيْضَة، فالشَّمْس تنتقِل من طَوْر أحْمر إلى طَوْر أبْيَض إلى طَوْر أسْوَد، فهذا النَّجْم الثاقِب الذي تراه مِن بُعْد ملاين وملايين السنوات الضَّوْئِيَّة، الذي خلق هذا النَّجْم لن يتْرُكَكَ سُدًى، ولن يدَعَكَ تفْعَلُ ما تشاء دون أن يُحاسِبَك، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
هذا هو جواب القَسَم، هناك ملائكة وسِجِلاَّت وشريط مُلَوَّن ناطِق، وكُلّ الأعمال والحركات مُسَجَلَّة فيه ويوم القِيامة يُقال لِهذا الإنسان كما قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾
فالقَضِيَّة أن تُؤمِن أنَّ هناك حِساب، وأن تَكْفُر بما يُسَمِّيه الناس العَبَثِيَّة، إذْ لا عَبَثِيَّة في ديننا، ولا يوجد إنسان يأكل مال الناس وينْفذ، ولا يوجد من يعْتَدي على أعْراض الناس ولا يحْدُث له شيء، ولا شيءَ بعد الموت هذا الشيء مُسْتَحيل، ولِهذا هذه السورة تُؤَكِّد اليوم الآخر، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
هناك حَفَظَة ورُقَباء وملائكة وهَيْبَة إلا أنَّ الله عز وجل لطيف، ولا يُشْعِرُكَ أنَّ هناك رقابة، أما لو راقَبَك فلن تسْتطيع أن تتحَمَّل، أما الله عز وجل لطيف والحبْل مرخي حتى تتوَهَّم أنَّك لسْتَ مُقَيَّد، وفي أيَّةِ لحْظة يُشَدُّ الحَبْل فإذا أنت في قَبْضَة الله، قال تعالى
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل فلو أنَّ شَخْصاً أبْلَغوه أن هاتِفَك مُراقَب، يَعُدّ للملْيون قبل أن يقول كلمة يُحاسَبُ عليها، وإنَّما يمْشي بالطرق السَّليمَة الواضِحَة، ولا يتْرُك قَضِيَّة عليها شُبْهَة، والله عز وجل يقول:
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
والدليل:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾
كُلّ واحِد له أولاد وكُلٌّ مِنَّا يعرف سبب خلْق الولد، ومن أين أتى ؟ الماء المَهين، والذي خمس مائة مليون حُوَيْن منوي تحْتاج البيْضَة إلى حُوَيْن واحِد، وفي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمس مائة مليون يفْرزها الرَّجل، وتحتاج البُوَيْضة إلى حُوَيْن واحِد لا يُرى بالعَيْن، ويدْخُل البُوَيْضة ويَتِمُّ التَّلْقيح ويتِمُّ الانْقِسام إلى عشْرة آلاف قِسْم، وهي في طريقها إلى الرَّحِم دون أن يزْداد حجْمُها، فإذا وَصَلَتْ إلى الرَّحِم انْغَرَسَت فيه، وبدأت التَّغْذِيَة، وبعد تِسْعَة أشْهر تجِدُه طِفْلاً ؛ رأس وجمجمة ودِماغ، ومائة وأربعين مليار خَلِيَّة اسْتِنادِيَّة بالدِّماغ، عَيْن تحوي مائة ومليون عُصَيَّة ومخروط وشَمّ من عشرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة، وكُل نِهاية تحْوي سبْعة أهْداب، وكُلّ هُدب له مادَّة مُخاطِيَّة، وأذن متكوِّنة من أذُنٍ داخِلِيَّة ووُسْطى وخارِجِيَّة وصيوان، وأمور مُعَقَّدَة جدًا، وأعْصاب سَمْع وذَوْق، وبلعوم ورئتان، وقلب، ودَسَّمات، وشريان أبْهر، وشريان تاجي ودم يُضَخ للرِّئة ومنها إلى القلب، ومن القلب إلى الجِسم، ومن الجِسم إلى القلب مرَّةً ثانِيَة، وكلية تحوي طريق فيه مائة كيلومتر يمُرُّ فيها الدمّ خمْسة مرَّات ؛ كُلُّ هذا من ماءٍ مهين، قال تعالى:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾
هَيْكل عظْمي متين، أسْناخ رِؤَوِيَّة لو نُشِرَت لكانت مساحتها مائتان متر مربَّع ! وبالشَّعْر ثلاثمائة ألف شَعْرة وبالشَّعْرة شريان ووريد وغُدَّة دَهْنِيَّة وصِبْغِيَّة عصَب وعضَلة، وهذه العِظام والعضلات والشُّحوم وغضاريف، وغُدَّة النُّخامِيَّة وزنها نصْف غرام تُفْرِز اثنى عشر هرمون، وكُلّ هُرمون لو تعطَّل إفْرازه لأصْبَحت حياة الإنسان جحيماً والله عز وجل يقول:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)﴾
فالذي خلقك أوَّل الخَلْق قادِر أن يُعيدَك خلْقًا آخر.
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)﴾
تُمْتَحَنُ هذه النُّفوس من حِقْد وحَسَد وغِشّ وكِبْر ونِيَّة الاغْتِصاب والاسْتيلاء على أموال الناس، ونِيَّة بناء المَجْد على أنْقاض الآخرين ؛ كُلُّ هذا مَكْشوف، والإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته وَقْتَها ضعيف، قال تعالى:
﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)﴾
سورةٌ خطيرة جدًا، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾
أي كُلُّ نفْس عليها حافظ يُسَجِّل كُلَّ أفعالها، وطريق الإيمان بالله:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾
العلماء فَهِموا هذه الآية أنَّ البِحار تتبَخَّر، والبُخار يصْعَدُ في السماء، ويعود أمْطارًا وحينما تقَدَّم العِلْم وجَدوا هذه الأمْواج الكهرطيسِيَّة التي تُبَثُّ إلى الفضاء الخارِجي لولا أنَّه هناك طبقة اسمها الأثير لما عادَت إلى الأرض إذْ أنَّ هذه الطبقة هي التي تردّ الأمواج الكهرطيسِيَّة إلى الأرض، ولولاها لما كانت هناك إذاعة، ثُمَّ اكْتَشَفوا أنَّ السماء ذات الرَّجع ؛ هذه الكلمة تنتظم الكون كُلَّه، أيُّ كوكبٍ في الفضاء يدور في مسار مُغْلَق، ومعنى مسار مُغْلق أنَّ الكوكب يعود إلى نقطة انْطِلاقِه، ولو كان المسار غير هذا لما عاد، ولكن لما كان مُغْلقًا فَكُلّ ستة وسبعون سنة يعود إلى مكانه، وهذا في كُلُّ نَجْم في السَّماء، فالأرض تدور حول الشَّمْس وتعود إلى مكان انْطلاقها، فقالوا: هذه كلمة جَمَعَت خصائِص الكون كُلِّه ! لو أنَّ الكون لا يتحرَّك بِفِعْل الجاذِبِيَّة لأصْبَحَ كُتْلَةً واحِدة وهذه الحرَكَة ينشأ عنها قُوَّة جاذِبَة تكافئ القُوَّة النابِذة، لو ألْغَيْنا الحركة لجَذَبَتْ كُلّ الكواكب بعضها بعْضًا حتى تَجْتَمِع في كُتْلَةٍ واحِدَة ولانتهى الكون، فهذه الحركة فيها بَرَكَة، وهذه الحَرَكة ينشأ عنها قِوى، قال تعالى: والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصَّدع.." يخرجُ منها النبات:
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)﴾
قال تعالى:
﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)﴾
وقال تعالى:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾
أعداء الدِّين يمْكُرون لكنّ الله يُدَبِّرُ تَدْبيراً يردُّ عليهم، قال تعالى:
﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾
هذا تهْديد، أي سوف يلقى هؤلاء حِساباً عسيرًا، وعذابًا أليمًا.