- الخطب
- /
- ٠1خطب الجمعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيّته وإرغاماً لمن جحدَ بهِ وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آلهِ وأصحابه وعلى ذريّتهِ ومن والاهُ ومن تُبِعَهُ إلى يوم الدين ، اللهمَّ لا عِلمَ لنا إلا ما علمتنا إنكَ أنتَ العليم الحكيم ، اللهمَّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزِدنا علماً ، وارِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتبّاعه ، وأرِنا الباطِلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتبّعونَ أحسنَه ، وأدخلنا برحمتِكَ في عبادِكَ الصالحين .
الفرق بين المؤمن و غير المؤمن في فهم المصيبة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ أن يفهمَ الإنسانُ معنى المصيبة من خِلالِ منهج القرآن وهوَ يتعرّضُ لها في حياتِهِ الدُنيا ، إن فَهِمَ معنى المصيبة كما أرادَ اللهُ عزّ وجل ، هذا الفهمُ الصحيح هوَ في طليعة الأسباب التي تؤمّنُ للإنسانِ سلامتهُ النفسيّة وسعادتَهُ في الدنيا ، الدُنيا أيها الأخوة مُفعمةٌ بالمصائب ، ولكنَّ الفرقَ بينَ المؤمِنَ وغيرَ المؤمن هوَ أنَّ المؤمن يفهم المصيبة من خلالِ القرآن الكريم ، من خلالِ منهج الله عزَّ وجل ، يفهمُها فهماً حقيقيّاً وواقعيّاً يعودُ هذا الفهمُ عليهِ سلامةً في نفسه ، وسعادةً في الدنيا والآخرة ، المصائِبُ نفسُها التي تقعُ كُلَّ يومٍ في الأرض لو فَهِمَها الإنسانُ فهماً آخر ، فهماً بعيداً عن منهج القرآن الكريم ما الذي يحصل؟ يمتلئُ حِقداً ، يمتلئُ قهراً ، يمتلئُ إحباطاً ، يمتلئُ ضياعاً ، فالمصائِبُ هيَ هيَ ولكنَّ الفرقَ كبيرٌ جداً بين من يفهمُها فهماً كما أرادَ اللهُ عزّ وجلّ فهماً حقيقيّاً ، وبينَ من يفهمُها فهماً ما أرادَهُ الله ، فهماً يوسوِسُ بِهِ الشيطان .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من منهجٍ فلسفيٍ في الأرض ولا مبدأٍ وضعيّ استطاعَ أن يُعطيَ المصيبةَ معانيها الدقيقة كما وَرَدَ في القرآن الكريم ، مثلٌ بنَ أيديكُم هوَ أنَّ السيّارة صُنِعت من أجل أن تسير وفيها المكابح ، والمكابِحُ في حقيقتِها تعملُ على عكسِ الغرض المتوخّى من السيارة ، تعملُ على إيقافِها ، ولكن لولا المكابح لتدهورت السيّارة ولانتهت ، المكابِحُ التي تعمل على نقيضِ الهدفِ المتوخّى من صُنعِ السيّارة لضمانِ سلامتِها ، ولضمان استمرارِها، ولِضمانِ وصول هذهِ المركبة إلى أهدافِها ، فإذا فَهِمنا أنَّ المصائِبَ التي يسوقُها اللهُ عزّ وجل للإنسانِ بمعنى المكابح التي تضمنُ سلامةَ هذهِ المركبة ، وتجعلُها تُتابِعُ سيّرها ، وتبلُغَ هدفَها ، إن فَهِمنا المصيبة بهذا المعنى ، هذا الفهمُ نستنبِطُهُ من القرآن الكريم ، لكنَّ أعداء المسلمين ينفذونَ إلى الطعنِ في الدين من خلالِ مقولةٍ يزعُمُونَها وهيَ أنَّ المسلِمَ يستسلِمُ للمصيبة وبهذا الاستسلام يَكُفُّ عن التقدّمِ والتنمية وما إلى ذلك ، هذا فهمٌ سقيمٌ مريض ، المؤمِنُ مكلّفٌ بأن يسعى ، مكلّفٌ بأن يأخُذَ بالأسباب ، ولكن حيثُ ما انتهت بهِ الأسباب وحطّت بِهِ رِحالُ السعيِ بَدَلَ أن ينتحر في هذا الموقع الذي لا خِيارَ له فيه يستسلِمُ لقضاء الله عزّ وجل ، ويرضى بِهِ ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى يعودُ عليهِ بالخير في الدنيا والآخرة .
: تفسير المصيبة من القرآن الكريم :
1 ـ مصائِبُ المخالفة بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء :
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ للمصيبةِ تسعةُ تفاسيرَ من كتاب الله ، التفسيرُ الأول : هوَ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خَلَقَ الكون وفقَ أنظمةٍ بالِغة الدِقة ، فأيُّ مخلوقِ لم يأخذ بهذهِ الأنظمة ، ولم يرع هذهِ الأنظمة ، ولم يهتمَّ بهذهِ الأنظمة ، ولم يعبأ بهذهِ الأنظمة ، خَرَقَها وخالَفَها وقصّرَ في حقِها لابُدَّ من أن يدفعَ الثمن ، هذا أولُ تفسيرٍ للمصيبة ، هذا التفسير بعيدٌ عن الذنبِ والمعصية والعِقاب ، لِهذا الجسم قوانين ، فإذا خالفتَ قوانينَهُ وأُصيبَ الإنسانُ بمرض هذا المرض جزاءُ المخالفة ، أو جزاءُ التقصير ، الأجسام البشريّة ، النباتات ، الحيوانات ، كُلُّ شيءٍ خلقَهُ اللهُ عزّ وجل خَلَقَهُ وِفقَ نِظامٍ دقيقٍ دقيق ، فما لم يُرع هذا النِظام ،ما لم نأخُذ بِهِ فلاُبدَّ من دفعِ الثمن ، نوعٌ من أنواع المصائب هوَ نتائِجُ طبيعيّة لمخالفةِ سُننِ اللهِ في خلقِه ، والذي لا يحترِمُ سُنّة اللهِ في خلقِه ، الذي لا يحترِمُ النظامَ الذي نظّمَ بِهِ الكون ، هذا يجبُ أن يُعاقب ، من لم يُوقِ نفسَهُ من أسباب الأمراض إذا مَرِض فالمرضُ جزاءُ مخالفتِهِ لقوانين النفس، هذا نوعٌ من أنواع المصائب لا علاقة لَهُ لا بالطاعةِ ولا بالمعصية ، ولا بِالعقاب ولا بِالجزاء .
من شَرِبَ الدُخانَ مثلاً العِلمُ الحديث أثبت أنَّ الدُخانَ يُضِرُّ بالقلبِ والأوعيةِ والرئتينِ وما إلى ذلك ، فالأمراضُ الناتِجةُ عن الدُخان هي جزاءٌ طبيعيٌّ لهذا الخروجِ عن منهج الله عزّ وجل ، فلذلك يُمكن أن نقول : إنَّ هُناك َعلاقةً علميةً بينَ الطاعةِ وأسبابِها وبينَ المعصيةِ وأسبابِها ، ومعنى علاقةٌ علمية أي علاقةُ سببٍ بنتيجة ، فقد أكّدَ بعضُ العلماء أنَّ الخمرةَ تُسببُ للإنسانِ أكثرَ من سبعينَ مرضاً ، الأمراضُ الوبيلة التي تُعاني منها البشريةُ اليوم هي بسببِ خروجٍ عن السُنن والقوانين التي قننها اللهُ عزَّ وجل ، زواج الأقارب مثلاً هذا ينتُجُ عنهُ نسلٌ ضعيف لأسبابٍ دقيقةٍ دقيقة ذكرها علماء الأجنّة ، وعلماءُ الوِراثة ، فإذا خالفنا القوانين والنُظم التي سنّها اللهُ عزّ وجل وأُصبنا بمشكلات صعبة أو غير صعبة هذهِ جزاءُ المخالفة وثمن الخروجِ عن سُننِ الله عزّ وجل .
2 ـ مصائِبُ جزاء المخالفة بسببِ الجهل :
أيها الأخوة الكِرام ؛ نوعٌ آخر من أنواع المصائب هوَ بسببِ خروجٍ من منهج الله ولكن لا بسببِ أنَّ الإنسانَ فَعَلَ معصيةً بل بسببِ الجهلِ ، أكادُ أقول أيها الأخوة ما من مصيبةٍ تقعُ على وجه الأرض إلا بسببِ خروجٍ عن منهج الله ، هذا الخروج إمّا أنّهُ اقترافُ معصيةٍ ، وإمّا أنّهُ جهل ، ويجبُ أن يعلمَ الإنسانُ أنَّ الجهلَ هوَ أعدى أعداءِ الإنسان ، وأنَّ الجاهِلَ يفعل بنفسِهِ ما لا يستطيعُ أن يفعلُهُ بهِ أعداؤهُ ولو اجتمعوا ، أعداءُ الإنسان جميعاً لو اجتمعوا لا يستطيعونَ أن يفعلوا بالإنسان ما يفعلُهُ الجهلُ بِهِ ، لذلك اغدُ عالِماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكُن الخامسة فتهلِك ، أي أنكَ إذا خرجتَ عن منهج الله ، عن قوانين الله ، عن سُننِ الله بسببِ الجهلِ تدفعُ الثمن ، أو بسببِ المعصيةِ تدفعُ الثمن في الدنيا والثمنَ في الآخرة ، أيُّ خروجٍ عن منهجِ الله لَهُ ثمن .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾
الجهلُ كما قُلت أعدى أعداءِ الإنسان ، الإنسان كائن أودعَ اللهُ فيهِ قوةً إدراكية فإذا أبقى نفسَهُ جاهلاً فقد عطّلَ فيهِ هذهِ القوة الإدراكية التي بِها يتميّزُ على سائِر المخلوقات ، المخلوقات تنمو وأنتَ تنمو ، المخلوقات تتحرك وأنتَ تتحرك ، المخلوقات تشغَلُ حيّزاً وأنتَ كذلك ، ولكنَّ الفرقَ النوعيَ بينَ الإنسانِ وبينَ بقية المخلوقات هوَ هذهِ القوة الإدراكية التي أودَعَها الله فيه ، فإذا أبقى نَفسَهُ جاهلاً فقد عطّلَ هذهِ القوةَ الإدراكية ، لذلك رُتبةُ العلمِ أعلى الرُتب ، إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردت الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم ، وربُنا عزّ وجل يقول :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
أي حينما يخرجون عن سُنَنِهِ ، حينما يخرجون عن تعاليمِهِ ، حينما يخرجونَ عن قوانينِهِ ، حينما يخرجون عن معطيات النظام الذي نظّمَ بِهِ الكون ، فمن الطبيعي أن يدفعوا الثمنَ مصيبةً تُصيبُهُم هي جزاءٌ طبيعيٌ لمخالفتِهم لتعليمات الله عزّ وجل .
فالإنسانُ أيها الأخوة إذا أُصيب بمصيبة بسبب تقصيرِهِ في منهج اللهِ عزّ وجل لا ينبغي أن يقول : هذا ترتيبُ الله عزّ وجل ، وهذهِ مشيئتُهُ ، وهذا قضاءُ اللهِ وقدرُهُ ، هذا كُلُه صحيح ولكن قُلْ قبلَ كُلِّ شيء : هذا هوَ جزاءُ التقصير ، أمّا المُقصّر في أمورِ صحتِهِ أو أمورِ دينِهِ إذا دَفَعَ الثمنَ باهظاً ينبغي ألا يعزوَ خطأهُ إلى اللهِ عزّ وجل ، وهذا شأنُ الكُسالى وشأنُ المُقصّرين كُلما أُصيبوا بمصيبةٍ هي جزاءُ تقصيرِهم عَزَوا هذهِ المصيبة إلى حِكمة الله ، وإلى فِعلِ الله ، وبهذا يُعيدونَ الكرّةَ مراتٍ عديدة ، وليسَ العارُ أن تكونَ جاهلاً ولكنَّ العارَ أن تبقى جاهلاً .
3 ـ مصائب الابتلاء :
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ نوعٌ آخر من المصائب ، مصائِبُ الابتلاء ، والابتلاء هوَ الامتحان ، قالَ تعالى :
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
لابُدَّ من وضعٍ دقيقٍ دقيق يُظهرُ الإنسانَ على حقيقتِهِ في الدنيا ، إن سميّنا هذهِ المصائب فهي مصائب ابتلاء ، ابتلاء أي امتحان :
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
حِكمة هذهِ المصائِب أنَّ الإنسانَ أيها الأخوة يتوهّمُ أنّهُ مؤمنٌ كبير ، ولكنَّ اللهَ يعلمُ خِلافَ ذلك ، هذا الإيمان الذي يتوهّمُهُ مُدّعي الإيمان لا يظهرُ نقصُهُ في الرخاء يظهرُ في الشِدّة ، فإذا ساقَ اللهُ لَهُ بعض ألوانِ الشِدّة إذا هوَ غيرُ مؤمن ، إذا هوَ يتكلّمُ بكلماتٍ لا تليقُ بالمؤمن ، إذا هوَ يطعنُ في حِكمة اللهِ عزّ وجل ، يطعنُ بعدالَتِهِ ، يطعنُ برحمتِهِ ، كأنَّ اللهَ أرادَ من خلالِ هذهِ المصيبة أن يكشِفَ للإنسانِ أولاً ولمن حولَهُ ثانياً أنَّ هذا إدعّاء وليسَ حقيقة .
في معركة الخندق يوم أحاطَ الكُفارُ بالمسلمين فكُشِفَ ظهرُهم بخيانةِ اليهودِ لهم من بني قُريظة ، قالَ بعضُ من صدّقَ النبي عليه الصلاة والسلام أنّهُ رسولُ الله ولكنَّ إيمانَهُ برسالتِهِ كانَ ضعيفاً ، ماذا قال ؟ قال : أيعدُنا صاحِبُكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدُنا لا يأمنُ أن يقضيَ حاجَتَهُ ، نفى عنهُ النبوة ونفى عنهُ الرسالة وقالَ : أيعدُنا صاحِبُكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى وأحدُنا لا يأمنُ أن يقضيَ حاجَتَهُ ؟ قالَ تعالى :
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
ويا أيها الأخوة ؛ الإمام الشافعي سُئِلَ أندعو اللهَ بالتمكين أم بالابتلاء ؟ فقالَ الإمام الشافعي رَحِمَهُ الهُ؛ تعالى : لن تُمكّنَ قبلَ أن تُبتلى ، أيّ مؤمن يدّعي أنّهُ مؤمن ، يدّعي أنّهُ يحبُ اللهَ ورسولَهُ ، يدّعي أنّهُ مُسلم ، هذا الإنسان لابُدَّ من أن يُمتحن ، لابُدَّ من أن يُمتحن لِتُكشَفَ حقيقةُ إيمانه أهوَ في المكان الرفيع أم في المكان الأدنى ؟ هذا مصداقُ قول الله عزّ وجل :
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾
لكَ أن تقولَ ما تشاء ، ولكَ أن تدّعي ما تشاء ، ولكَ أن تضعَ نفسَكَ في المرتبة التي تشاء ، ولكنَّ اللهَ متكفلٌ أن يكشِفَ حقيقةَ إيمانِك :
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
المصائبُ الأولى مصائِبُ التقصير أو المخالفة لمنهج الله إن برغبة المعصية وإن بسببِ الجهلِ ، المصائِبُ الثانية مصائِبُ الابتلاء لابُدَّ من أن تُبتلى ، تُبتلى بالغِنى وتُبتلى بالفقر ، تُبتلى بالقوة وتُبتلى بالضعف ، تُبتلى بالصحة وتُبتلى بالمرض ، هذا الابتلاء هوَ الذي يكشِفُ للإنسانِ حقيقة إيمانِهِ .
4 ـ مصائب الردع :
شيءٌ آخر أيها الأخوة : مصائب من نوع جديد هي مصائبُ الردع ، قال تعالى:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
الإنسان إذا كان مقيماً على معصية ، مقيماً على مخالفة ، مقيماً على ظُلم ، مُقيماً على أكل أموال الناس بالباطل ، إذا كانَ متلبساً بمعصية فالله سبحانَهُ وتعالى رحمةً بِهِ وحِرصاً عليه ، ودفعاً إليه يسوقُ لَهُ بعض المصائب ليعودَ عن غيِّهِ ، ليعودَ إلى أبواب الله عزّ وجل ، ليلجأ إلى توبتِهِ ، وهذا معنى قول الله عزّ وجل :
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾
أي ساقَ لهم من الشدائد ما حملهم بِها على التوبة ، لذلكَ قيل : من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظةً فمصيبتهُ في نفسِهِ أكبر .
هذهِ مصائِبُ الردع ، المتلبسّين بالمعاصي ، المخالفين لمنهج الله ، هؤلاءِ ربُنا سبحانَهُ وتعالى لا يدعُهم هكذا هملاً يسوقُ لهم من الشدائد ما يردعُهم ، وبالمناسبة إذا ساقَ اللهُ عزّ وجل لعبدٍ مخالفٍ لمنهجِهِ بعض الشدائد فهذهِ نعمةٌ عُظمى ، لأنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى عَلِمَ فيهِ خيراً ، ولو لم يعلم فيهِ خيراً لأعطاهُ كُلَّ شهواتِهِ ولَقَصَمَهُ دُفعةً واحدةَ :
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
فالإنسان إذا كانَ فيهِ بقيةٌ من خير وكانَ متلبساً بمعصية ، متلبساً بظلمٍ ، في مالِهِ دخلٌ حرام ، في إنفاقِهِ إسرافٌ وتبذير ، في علاقاتِهِ الاجتماعية خروجٌ عن منهج الله ، إذا كانَ كذلك وكانَ فيهِ بقيةٌ من خير ساقَ اللهُ لَهُ من المصائب ما يردعَهُ بِها عن غيِّهِ ، وعن معصيتِهِ ، وذلك مصداقُ قولِهِ تعالى :
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
أي ساقَ لهم من الشدائد ما حملهم بِها على التوبة هذهِ مصائِبُ الردع .
5 ـ مصائب القصم :
وهناكَ مصائِبُ القصم :
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
حينما تنعدمُ إمكانية الخير عِندَ الإنسان ، وحينما يُصِرُّ على كُفرِهِ وعدوانِهِ ، وحينما يُصِرُ على شهواتِهِ القذرة ، وحينما لا تنفعُ معهُ الموعظة ، تأتي مصيبةُ القصمِ ، قبلَها الردع ، هذهِ القصم :
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾
6 ـ مصائب المغفرة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ أما المؤمنون الصادقون ، أما المؤمنون المستقيمون على أمر الله ، فإذا ساقَ اللهُ لهم بعضَ الشدائد اللطيفة الملطّفة فهذهِ من أجلِ أن يغفِرَ لَهم : قال مالك يا فاطمة ؟ قالت : حمى لعنها الله ، قال : يا فاطمة لا تلعنيها فو الذي نفسُ محمد بيده لا تدعُ المؤمن وعليهِ من ذنب . قال تعالى :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
هذهِ مصائِبُ المغفرة ، للمؤمنين الذينَ أرادَ اللهُ سبحانهُ وتعالى أن يُخرجهم من الدنيا إلى الجنةِ مباشرةً .
دخلَ النبي عليهِ الصلاة والسلام على بعضِ أصحابِهِ فقال هذا الصحابي : يا رسولَ الله ادع الله أن يرحمني ؟ فتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الله عزّ وجل يدعو له بالرحمة ، فقال اللهُ عزّ وجل : وعزتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأن أحبُ أن أرحمهُ إلا ابتليتهُ بكل سيئةٍ كانَ عملها سُقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في مالِهِ أو ولده ، حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت له سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه .
هذه مصائِبُ المؤمنين مصائِبُ مغفرة ، يسوقُ هذهِ المصيبة من أجلِ أن يخرجَ المؤمنُ من الدنيا كيومَ ولدتُهُ أُمهُ مغفوراً لَهُ ، معافى في نفسِهِ ، لا يستحقُ إلا الإكرام ، فالمؤمنُ يستسلمُ لقضاء الله عزّ وجل ، ويرضى بقدرِهِ ، ويرى أنَّ رحمة اللهِ عزّ وجل وسِعت كلَّ شيء ، وأنَّ يدَ اللهِ تعمل بالخفاء ، وأنَّ هذهِ المصيبة هي نِعمةٌ باطنة مصداقاً لِقولِهِ تعالى :
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
تحدثنا عن مصيبةِ مخالفة السُننِ والقوانين إن بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء أو بسببِ الجهلِ ، النفسُ الأمّارةُ السوء تدفعُ الثمنَ مرتين مرةً في الدنيا ومرةً في الآخرة ، وأمّا الجاهل فإذا ساقَ اللهُ لهُ المصيبة ففيها كفّارَتُهُ . وتحدثنا عن مصيبة الابتلاء :
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
وتحدثنا عن مصيبة الردعِ :
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
وتحدثنا عن مصيبة القصمِ حينما يُصِّرُّ الإنسانُ على مخالفاتِهِ ومعاصيهِ وجرائِمِهِ وحينما لا تنفعُهُ تذكِرةٌ ولا موعظة :
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
7 ـ مصائب النعمة الباطنة :
أيها الأخوة الأكارم المصيبةُ بحق المؤمنين مغفرةٌ لذنوبِهم أمّا المصيبةُ التي هيَ نِعمةٌ باطنة فهذهِ مصيبةٌ من نوعٍ آخر وردت في القرآن الكريم في سورةِ الكهفِ ، وفي قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر حينما خُرِقت السفينة ، خرقُ السفينةِ مصيبة ولكنَّ هذهِ المصيبة انقلبت إلى نِعمةٍ عظيمة بسببِ أنَّ هذهِ السفينة نجت من المصادرة ، هذا معنى قولُ اللهِ عزّ وجل :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
هذهِ ليست مصيبة إنما هيَ نِعمةٌ مبطّنة ، نِعمةُ خفيّة ، مصيبة المغفرة :
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
لكنَّ المصيبة التي هي نعمةٍ باطنة كمصيبةِ أصحاب السفينة تغطيها الآية الكريمة :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
8 ـ مصيبة الكشف :
بقيت مصيبةُ الكشفِ ، هذهِ المصيبة الإنسان أحياناً ولا سيّما كِبارُ المؤمنين وكِبارُ الصديّقين والأنبياءُ والمرسلين ، هؤلاء ينطوونَ على كمالاتٍ تفوقُ حدّ الخيال لا تبدو هذهِ الكمالات إلا في بعضِ الشدائد ، فأن يخرُجَ النبي عليهِ الصلاة والسلام من مكةَ إلى الطائف مشياً على قدميه ليلقى التكذيبَ والسخريّةَ والإنكارَ وليلقى الإيذاء ، ويأتيهِ جبريل يقول لَهُ : أمرني ربي أن أكونَ طوعَ إرادتِك إن شِئتَ لأطبقتُ عليهم الجبلين ، ويقولُ النبي الكريم : اللهمَّ اهدِ قومي إنهم لا يعلمون لعلَّ اللهَ يُخرِجُ من أصلابِهم من يُوحِدُه ، هذهِ ليست مصيبة ولكنها كشفٌ لكمالٍ في نفسِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لا يُمكن أن يظهَرَ إلا بهذهِ الطريقة ، إنهُ يرقى بِها إلى أعلى علييّن ، قالَ عليه الصلاة والسلام :
((أَخْبَرَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ ))
مصائبُ الكشف ، ومصائِبُ النعمةِ الباطنة ، ومصائِبُ المغفرة ، ومصائِبُ القصم ، ومصائِبُ الردع ، ومصائِبُ الابتلاء ، ومصائِبُ جزاء المخالفة بسببِ الجهل ، ومصائِبُ المخالفة بسببِ النفسِ الأمّارةِ بالسوء ، هذهِ ثمانية أنواع من المصائِب .
9 ـ مصائب يسوقها الله للإنسان بشكل مباشر أو على يد إنسان :
بقيَ أنَّ الله سبحانَهُ وتعالى قد يسوقُ مصيبةً إلى الإنسانِ مباشرةً ، وقد يسوقُها على يدِ إنسان ، أمّا إذا ساقَها على يدِ إنسان فهناكَ مُشكلة هي أنَّ الإنسان بضعفِ توحيدِهِ وضعفِ إيمانِهِ بالله يتوهّم أنَّ هذا الذي ساقَ المصيبةَ على يديه هوَ الذي سببها ، فيمتلئُ حِقداً عليه ويتمنى لو يُقطِّعُهُ إرباً إرباً ، هذا أيضاً ضعفٌ في إيمانِهِ ، قال تعالى :
﴿) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
إذا آمنا هذا الإيمان انتهى الحِقدُ من القلب ، وانتفى الألمُ الشديد ، قال تعالى :
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
فإذا كانت الحِكمةُ تقتضي أن يُعاقِبُهُ ردعاً لَهُ يُعاقِبُهُ ، وإن كانت الحِكمةُ تقتضي أن يعفوَ عنهُ تشجيعاً لَهُ على العفوِ عفا عنهُ ، وإن كانت الحِكمةُ أن يُعاتِبَهُ عاتِبَهُ ، من دونِ أن يحقِدَ عليه ، من دونِ أن يمتلئَ غيظاً وحِمقاً .
من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظة فمصيبتُهُ في نفسِهِ أكبرُ :
أيها الأخوة الأكارم ؛ لكلِّ شيءٍ حقيقة وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يعلم أنَّ ما أصابَهُ لم يكن ليُخطِئَهُ وما أخطأهُ لم يكُن ليُصيبَهُ ، الإنسان أيها الأخوة إذا جاءهُ شيءٌ على خِلافِ ما يُريد لا ينبغي أن يسكت ، لا ينبغي أن يكسل عن البحث عن السبب ، الله جلَّ جلالُه يقول :
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
إلى عِلّة المصيبة ، لأنّهُ من لم تُحدث المصيبةُ في نفسِهِ موعظةً فمصيبتُهُ في نفسِهِ أكبرُ ، بهذهِ الطريقة ، بهذهِ الأساليب القرآنية عرّفنا اللهُ جلَّ جلالهُ بأنَّ المصائب لها حِكمٌ وغايات ، لو كُشِفَ الغطاء لاخترتم الواقع ، ويا أيها الأخوة الإنسان يومَ القيامة حينما يكشِفُ اللهُ لَهُ الحِكمةَ التي من أجلِها ساقَ لهُ بعضَ المصائِب لابُدَّ من أن يذوبَ كالشمعةِ حُباً للهِ ، وشُكراً لَهُ على أن ساقَ لَهُ هذهِ المصائب ، هذا معنى قولِ الإمام الغزالي : " ليسَ في الإمكانِ أبدعُ مما كان " هذا معنى قولِ الله عزَّ وجل :
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
أن يقولَ المؤمنُ إذا ساقَ اللهُ لَهُ المصيبة : يا رب لكَ الحمد على قضائِكَ وقدرك، هذهِ لها ثمن يومَ القيامة لا يعدلُهُ ثمن ، أن يسوقَ الله لإنسانِ مصيبةً وأن يصبِرَ عليها ، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن تمنيّ المصائب بل قال :
((... لكن عافيتك أوسع لي ))
لا ينبغي للمؤمن أن يتمنى المصيبة مهما تحدثنا عن فضائِلِها ، مهما تحدثنا عن ثوابِها ، النبيُ عليه الصلاة والسلام قال :
((لك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي))
أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قُلتُ قبلَ قليل المصيبةُ هي المصيبة ولكن بينَ أن يتلقاها الإنسان من خلالِ فهمِهِ الدقيق لكلامِ الله عزّ وجل ، وبينَ أن يفهَمَها كما أرادَ الله عزّ وجل ، وبينَ أن يفهَمَها فهماً شيطانيّاً ما أنزلَ اللهُ به من سلطان ، إن فَهِمها فهماً رحمانياً عادت هذهِ المصيبةُ عليه بالخير الجزيل ، وإن فَهِمَها فهماً شيطانيّاً خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلكَ الخُسران المُبين .
أيها الأخوة الأكارم ؛ . حاسبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم ، واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا فلنتخذ حِذرنا ، الكيّسُ من دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ الموت ، والعاجِزُ من أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنّى على الله الأمانيّ .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
النظافة هيَ الطريق الوحيدة للوقاية من الأمراض المعدية :
أيها الأخوة الأكارم ؛ قُبيلَ القرن السابِعَ عشر قبلَ أن يُكتشف المِجهر ، وقبلَ أن تُكتشف الجراثيم ، فسّرَ العلماء الأمراضَ الوبيلةَ الوبائية ذات العدوى تفسيراً ساذجاً ، قالوا : إنَّ المرض يتوالد في الإنسان توالداً ذاتيّاً ، أمّا لمّا كُشِفَ المِجهر واكتُشِفت الجراثيم التي هي مُسببات الأمراض المعدية والسارية عُرِفت الحقيقة أنَّ هذا المرض لابُدَّ لَهُ من سبب ، ولو كانَ هذا السببُ غيرَ مرئي ، كائناتٌ دقيقةٌ دقيقة لا تُرى بالعين لكنها تُرى تحتَ عدسات المِجهر ، وعُدّت القاعدةُ الأولى وقتها أنَّ النظافة هيَ الطريق الوحيدة للوقاية من الأمراض المعدية ، القرآن الكريم ماذا قال ؟ قالَ تعالى :
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾
وقالَ تعالى :
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
شيءٌ دقيقٌ جداً هو أنَّ القرآن الكريم استعمل كلمة الطهارة بدلَ النظافة لأنهُ ما كُلُ نظيفٍ طاهر لكن كُلُ طاهرٍ نظيف ، العكسُ غيرُ صحيح ، الأداة الطاهرة نظيفة لكن ما كُلُ أداةٍ نظيفةٍ طاهرة ، قد نجد فيها بعض الجراثيم ، فلذلك جاءت عبارة القرآن الكريم أدقَّ من عبارة النظافة ، جاءت كلمة الطهارة في القرآن الكريم .
الأخذ بالأسباب و عزو المرض إلى قضاء الله و قدره :
أيها الأخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام هوَ في الحقيقةِ من خلال الوحي السماوي بيّنَ أول من بيّن أنَّ هناكَ أمراضًا تنتقِلُ عن طريق العدوى ، قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّاعُونِ ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ لا يُخْرِجْكُمْ إِلا فِرَارًا مِنْهُ ))
المقيمُ في الأرضِ كالشهيد والفارُّ مِنها كالفارِّ من الزحف ، إنسان بأرض فيها مرض هو قد لا يمرض ولكنّهُ حَمَلَ المرض ، فإذا خَرَجَ من هذهِ الأرض أو من هذهِ البلدة نَقَلَ المرضَ إلى بلادٍ كثيرة ، فمن بقيَ في هذا البلد فهو في حُكمِ الشهيد ، ومن خَرَجَ مِنهُ فهو في حُكمِ الفارِّ من الزحف ، هذا قالَهُ النبي قبلَ خمسة عشر قرناً ، وقد أشارَ إلى أنَّ هناكَ أمراضاً تنتقِلُ عن طريق العدوى .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حديثٌ آخر ، قالَ عليه الصلاة والسلام :
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: غَطُّوا الإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ))
أوكوا السقاء أي أغلقوا فتحة السِقاء ، أي هذهِ الجراثيم تنتقل عن طريق السوائل ، فالإناء غير المُغطّى والسِقاء غير المُغلق ربما دخلتهُ الجراثيم ، هذا حديثٌ آخر يدلُّ على انتقالِ المرضِ عن طريق العدوى .
وهناك حديثٍ ثالث يقولُ عليهِ الصلاة والسلام :
((تنكّبوا الغبار فإنَّ منه تكونُ النسمة ))
والنسمة المخلوق الحي مهما دقَّ حجمُهُ ، وكأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أشارَ بالنَسَمة إلى الجرثومة .
وفي حديثٍ آخر :
(( من أكلَ الطين فقد أعانَ على قتلِ نفسِهِ ))
أي من أكلَ فاكهةً لم يغسلها فقد أعانَ على قتلِ نفسِهِ ، لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام من باب التوحيد ، ومن باب أنّهُ لا يقعُ شيءٌ إلا بأمر الله قالَ : لا عدوى ، أي إذا مَرِضَ الإنسان لا ينبغي أن يتهِمَ فُلاناً بأنّهُ عداه ، لأنَّ النبي سُئِل عن الجمل يُصاب بمرض الجرب ، قالَ : فمن أعدى الأول ؟ لكَ أن تتخِذَ الأسباب ولكن لا ينبغي أن تعزّوَ المرضَ لغيرِ اللهِ عزّ وجل ، لكَ أن تَأخُذَ الأسباب ، لكَ ألا تدخُلَ على بلدةٍ فيها مرضٍ مُعدٍ :
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ ؟ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لا عَدْوَى فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ ))
ويقول :
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ ))
فينفي أن تكونَ العدوى من دونِ أمر الله عزّ وجل ، من دونِ إرادة اللهِ تفعل فِعلَها، يجب أن تأخُذَ بِكُل الأسباب وألا تعزوَ المرضَ إلا إلى قضاء اللهِ وقدَرِه .
شيءٌ آخر هوَ أنَّ الكلبَ أيها الأخوة إذا وَلَغَ في إناءِ أحدِكُم النبي عليهِ الصلاة والسلام أمَرَ أن نغسِلَ الإناءَ سبعَ مراتٍ إحداهُنَّ بالتُراب ، ولو رجعتَ إلى علماء الجراثيم لوجدتَ أنَّ هذا الحديثَ الشريف من دلائِلِ نبوة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فإنَّ الأكياسَ المائية التي ينقُلُها هذا الحيوان عن طريق لُعابِهِ أو بِرازِهِ لا تزولُ إلا بالتُراب ، فاغسلوهُ سبعَ مراتِ إحداهُنَّ بالتراب .
الشيء الدقيق هوَ أنَّ أمراضاً كثيرةً كثيرة سُميّت في منظمة الصحة العالمية بأمراض القذارة لا سبيلَ إلى الوقاية منها إلا بالنظافة ، تنظيف كُلِّ شيء ، الطعام ، الخضراوات، الفواكه ، الأدوات ، المنزل ، الثياب ، الإنسان بالنظافة يقيهِ اللهُ عزّ وجل شرَّ أمراضٍ كبيرةٍ كثيرة ليست أقل من أن تكونَ مُهلِكةً بعض الأحيان .
من أطاع الله أكرمه الله بالسلامة في الدنيا و الآخرة :
قبلَ أن ننتقل إلى الدعاء فِكرةٌ غابت عني في أثناء الخُطبة وهي أنَّ الله سبحانَهُ وتعالى يقول :
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم الله بالحياة الطيبة ، فالإنسان - لازلنا في موضوع المصيبة - إذا تقصّى طاعة الله عزّ وجل في الأعمِّ الأغلب الله سبحانهُ وتعالى يُكرِمُهُ بالسلامةِ في الدنيا والآخرة .