- أحاديث رمضان
- /
- ٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
حسن الظن بالله ثمن الجنة :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام ؛ أول نقطة في سورة القلم قصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون :
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾
نيتهم بعدم إطعام المسكين أتلف محصولهم كله ، القصة معروفة عندكم ، لكن أدق ما في هذه القصة حينما قال الله عز وجل :﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
أي عذاب أسوقه لكم يا عبادي من هذا النوع ، من أجل أن يدفعكم إلى التوبة ، من أجل أن يدفعكم إلى باب العبودية لله عز وجل ، حسن الظن بالله ثمن الجنة :﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
وهذا العذاب في الدنيا أقل من عذاب الآخرة :﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
فالذي يسوق الله له العذاب في الدنيا ويتوب بعد هذا العذاب حاله أفضل ألف ألف مرة مما لو ترك ودخل النار :﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
ولو لم يستجب لهذا العلاج :﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
الموت للإنسان أخطر من بدء الحياة :
أخواننا الكرام ؛ حينما قال الله سبحانه وتعالى في سورة تبارك :
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
قدم الموت لأن الموت بالنسبة للإنسان أخطر من بدء الحياة ، في بدء الحياة هناك خيارات لا تعد ولا تحصى ، ولكن عند الموت هناك خياران لا ثالث لهما :(( فما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنة أو النار ))
في سورة الحاقة يتضح هذان النموذجان :﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾
هذه السنوات التي عاشها في طاعة الله ، وفي خدمة الخلق ، وفي إقامة الصلوات ، وفي صيام رمضان ، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي إنفاق ماله ، وفي إنفاق وقته ، وفي إنفاق علمه ، وغض بصره ، وتحرير دخله ، وأعماله الصالحة :﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾
والله أيها الأخوة لا ترى في مئة ألف مسلم إلا بضعة مسلمين يدخلون الآخرة في حساباتهم اليومية ، يأكل المال الحرام ، ويغش المسلمين ، ويحتال ، ويغتصب شركات ، ويأخذ حق أخيه وهو يصلي ، إذا آمنت بالآخرة يقيناً وأدخلتها في حساباتك اليومية لا يمكن أن تأكل قرشاً حراماً ، ولا أن تنظر نظرة لا تحل لك :﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
هذا نموذج ، أما النموذج الآخر :﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾
لا يموتون فيها ولا يحيون :﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾
في أصل خلق الإنسان ضعف وهذا الضعف لصالحه :
الآن دققوا :
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
هو آمن بالله كما يؤمن كل الناس ، حتى عباد الوثن لا يعبدونهم إلا ليقربونهم من الله زلفى ، أما هذا :﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
أي لم يعظم الله ، لم يعرف قدرته ، ما عرف رحمته ، ما عرف عدله ، ما عرف جنته ، ما عرف عقابه :﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾
لا يؤمن ويسيء ، لا يعطي ويدعو إلى عدم العطاء :﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾
أيها الأخوة ؛ في أصل خلق الإنسان ضعف ، الضعف لصالحه :﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
شديد الخوف ، لولا أنه كان شديد الخوف لما رباه الله عز وجل ، كيف يتربى مع الله؟ لو أنه لا يخاف لا يتوب ، لو أنه لا يخاف لا يصطلح مع الله ، لو أنه لا يخاف لا يرجو رحمة الله ، لأننا نخاف نتوب سريعاً إلى الله ، ضعف لصالحنا :﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
حريص على ما في يده ، شديد الخوف إذا أصابه شر :﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
الاستقامة تأخذ خطين خط الشهوات وخط الأموال :
من هم المصلون ؟
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
بالأدعية والأذكار ، والمناجاة والاستغفار ، وبأداء الصلوات ، وبقراءة القرآن ، هذه كلها مناسبات للاتصال بالله :﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾
الملاحظة أن الاستقامة تكاد تأخذ خطين ، خط الشهوات وخط الأموال :﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾
و مما ورد في الأثر النبي عليه الصلاة والسلام قال : حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه .أي إذا عاملك فهو أمين ، وإذا حدثك فهو صادق ، استثيرت شهوته عفيف ، عفة وأمانة وصدق :
﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
لو تصورت أن معظم الناس يستمتعون بالمرأة من غير الطريق الذي سمح الله به ، امرأة ولو صورة ، ولو على الشاشة :﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
الأولى اتصال ، وهذه صلاة :﴿ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾
فضل الاستغفار وقيام الليل :
يروى أن أحد التابعين جاءه رجل فقال له : إني أشكو الفقر. قال له : استغفر الله. جاءه إنسان آخر قال له : إني لا أنجب. قال : استغفر الله. جاءه إنسان ثالث قال : يا إمام أصابنا قحط شديد. قال : استغفروا الله. أحد الجالسين قال له : عجبت لك ، أو كلما دخل عليك رجل تقول له استغفر الله ؟ قال له : أو ما قرأت قوله تعالى :
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
معنى ذلك أننا في بحبوحتين ، البحبوحة الأولى أن نطبق سنة رسول الله ، أي لقول الله عز وجل :﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
أي مستحيل أن يعذبهم إذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ، في بيوتهم ، في أعمالهم ، في حياتهم ، في بيعهم وشرائهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم .أمر آخر :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
أنت حينما تستغفر ، كابن أخذ درجة الصفر في الرياضيات ، وأبوه معلق آمالاً كبيرة على نجاحه ، فالأب أراد أن يؤدبه تأديباً شديداً ، نظر إليه ، وجهه أصفر ، خائف من أبيه ، معه مبلغ من المال دفعه للدروس الخاصة ، وعكف على الكتاب ليلاً نهاراً ، فمادام ندم وخاف واعتذر ، الأب أوقف التأديب ، فعندما يستغفر الإنسان كأنه أخذ بحبوحة ، يوجد بحبوحة الطاعة، فلما استغفر كان في بحبوحة ثانية ، هذه الآية :﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾
يروى أن هارون الرشيد حلف على زوجته زبيدة يمين طلاق ، قال لها : إنك إن نمت في أي مكان من ملكي فأنتِ طالق . أي كأنها انتهت ، سيدنا علي كان يخاطب الغيمة ويقول لها : اذهبي أينما شئت يأتيني خراجك .﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴾
سألت الإمام أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة الأول فقال : نامي في المسجد لأن المساجد لله وليست لهارون الرشيد ، أي لا يمكن أن تقام دعوة في بيت الله لغير الله ، فلا تدعو في المسجد مع الله أحداً :﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾
الذي يحصل للمؤمن في قيام الليل لا يمكن أن يحصل في النهار :﴿ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾
إذا صلى الإنسان قيام الليل تراه في النهار طليق اللسان ، حكيم في أفعاله ، رؤيته صحيحة ، معنوياته عالية ، أخذ مدداً من الله عز وجل :﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾