- ندوات إذاعية
- /
- ٠25ندوات مختلفة - إذاعة القرآن الكريم من نابلس
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .
تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :
الحقيقة الأولى تؤكدها الآية الكريمة :
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
هذه الآية الأولى ، يوجد نقطة دقيقة جداً حقيقة بالتوحيد مسلم بها : كل شيء وقع بالقارات الخمس من آدم ليوم القيامة أراده الله ، معنى أراده لا تعني أنه أمر به ، ولا تعني أنه رضيه ، ولكن سمح به ، فكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، إذاً على الأرض لا يوجد شر مطلق ، الشر المطلق أي الشر للشر يتناقض مع وجود الله ، بل كل شيء الله سمح به مآله إلى الخير إن شاء الله .
أفعال الله عز وجل إما أن تكون ابتلاء للمؤمنين أو عقاباً للمنحرفين :
الآن نحن عندنا حقيقة دقيقة : أن خيارات العباد على العباد محدودة ، أنت مدير دائرة ، مدير مؤسسة ، عندك موظف ، عندك خيارات محدودة له ، إما أن تعاقبه ، أو أن تكافئه ، أو أن تدعه على ما هو عليه .
لكن خالق الأكوان الإله العظيم له على عباده مليار خيار وخيار ، كائن لا يرى بالعين ، ضعيف ، ضعيف ، ضعيف ، ألغى كل شيء ، ألغى الحركة والطيران ، والدوام والوظائف ، والمعامل ، في القارات الخمس ، هذا عبر عنه العلماء :
﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾
هذا جندي من جنود الله ، الأثر متنوع ، المؤمن يبتلى ، يمتحن ، وغيره يعاقب ، أفعال الله عز وجل إما أن تكون ابتلاء للمؤمنين ، أي امتحان حيادي ، قد ينجح المؤمن ، وقد لا ينجح أحياناً ، أو أن يكون عقاباً للمنحرفين .
الابتلاء قدرنا و بطولة الإنسان أن ينجح به :
النقطة الدقيقة جداً : الله عز وجل يدفعنا من خلال هذه المصائب على أنواعها ، وعلى دقتها ، وعلى عظمها ، وعلى محدوديتها ، وعلى شموليتها ، يدفعنا إلى بابه الكريم ، نحن خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض .
(( فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
هذه الجنة ممكن من أجل بلوغها الله عز وجل يؤدبنا ، ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة ، لكن هذا البلاء قد يكون واحداً الآن ، الفيروس واحد ، لكن كل إنسان له منه موقف ، إنسان يكون له عقاباً على تقصيره ، على تفلته ، على إلغاء الدين ، على الإباحيات ، على الفضائيات ، على الظلم الاجتماعي ، على قهر الدول للدول ، مليار قضية سلبية بحياة المسلمين الآن ، وبحياة العالم كله ، وقد يكون للمؤمن ابتلاء ، النبي قال :
(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))
معنى ذلك الابتلاء قدرنا ، والابتلاء علة وجودنا ، والابتلاء مصيرنا .
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
فالبطولة ليس ألا تبتلى ، بل أن تنجح في الابتلاء ، هذه الآية المذهلة الصارخة العامة الشاملة التي غطت أهل الأرض ، هذا الفيروس لا يرى بالعين ، هو من أضعف خلق الله ، ألغى حركة البشر ، وألغى أعمال البشر ، وألغى نشاطات البشر ، وألغى انتقال البشر ، وألغى كل ما يفعله البشر في القارات الخمس ، وبمعظم دول الأرض .
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
لا يسأل عما يفعل ، كماله مطلق ، وحكمته مطلقة ، ونحن في دار ابتلاء ، نحن في دار تكليف لا دار تشريف ، في منزل ترح لا منزل فرح .
إن هذه الدنيا دار التواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .
علة وجود الإنسان في الدنيا أن يطهر نفسه ويعود إلى ربه :
لذلك من مسلمات الفكر الإيماني أن :
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير ))
المرض ضعف ، هذا الجرثوم يعمل ضعفاً ، والضعف من الله تعالى له حكمة بالغة ، قد يضعف أداء الإنسان لحياته ، لذلك المؤمن مكلف أن يصبر ، وأن يحتسب ، وأن يبحث عن حل لهذا الألم الشديد ، لذلك علة وجود الإنسان في هذه الدنيا أن يطهر نفسه ، أن يعود إلى ربه ، أن يرجع إلى منهج الله ، أن يقيم أسرة صالحة ، أن يتقن عمله ، عندنا أخطاء كعالم إسلامي ، أو كعالم شمولي لا تعد ولا تحصى ، هذا الجانب العقدي في هذه المحنة جانب عقدي ، أيديولوجي ، ويوجد جانب ديني :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
هذا الآن مهم جداً :
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
أي إذا كان عندنا في الأردن أمر لمنع التجول فهذا للمصلحة العامة ، نحن في الأردن مثلاً أمر لتحديد الأمور بتقييد الحركة ، هذا كله للصالح العام ، لذلك :
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
وطاعة أولي الأمر الذين هم منا ونحن منهم طاعة تقتضي أن تستجاب ، أنا أتكلم عن الأردن ، بلاد الأردن ، ما شاء الله !
وهناك جانب نفسي ؛ كل شيء وقع - وهذه نقطة دقيقة جداً- أراده الله ، معنى أراده لا تعني أنه أمر به ، ولا تعني أنه رضيه ، كل شيء وقع أراده الله .
للتقريب : أحياناً طبيب يتزوج لا ينجب ، يمضي على زواجه عشر سنوات ، ثم أنجب طفلاً آية في الجمال ، تعلق به تعلقاً مذهلاً، هذا الابن إذا اكتشف الأب الطبيب أن معه التهاباً بالزائدة يسمح بتخديره ، وفتح بطنه ، واستئصال الزائدة .
نعم الله على الإنسان ظاهرة و باطنة :
كل شيء وقع بالقارات الخمس من آدم ليوم القيامة أراده الله ، لا تعني أنه أمر به ، ولا تعني أنه رضيه ، معكوسة ؛ وكل شيء أراده الله وقع ، والإرادة الإلهية متعلقة بالحكمة المطلقة ، فالذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً ، لو أن الذي وقع لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، أي لا يوجد بالكون شر مطلق ، الشر للشر ، أي الشر المطلق يتناقض مع وجود الله ، ما دام هناك إله رحيم فكل شيء منه خير ، لكن يوجد أشياء إيجابية ، صحة ، الله ماذا قال ؟
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً ﴾
الصحة نعمة ، والدخل المعقول نعمة ، والأولاد نعمة ، والمسكن نعمة ، والمركبة نعمة ، والمكانة الاجتماعية نعمة ، هذه نعم ظاهرة ، وهناك نعم باطنة الشدائد ، المصائب ، هذه المصائب قد تبدو قاسية ، لكن في الحقيقة مؤداها كبير .
نأتي بمثل بسيط : ابن ترك الدراسة ، تركه والده ، قال له : كما تشاء يا بني ، كبر الابن وكان أصدقاؤه أطباء ، ومهندسين ، متزوجين ، عندهم سيارات ، لهم مكانة اجتماعية، وهو ليس له عمل ، فحقد على أبيه ، وقال له مرةً : يا أبتِ حينما رغبت ألا أدرس لِمَ لم تؤدبنِي ؟ لِمَ لم تضربنِي ؟ لِمَ لم تدفعنِي للدراسة ؟
لذلك هذه المصائب تنتهي بأشياء خيرة كثيرة جداً ، في ظاهرها مزعج ، لكن في باطنها دافع إلى الله الله عز وجل ، وأنا أرى أن أكثر شيء انتفع به المسلمون الشدائد ، الصحوة الإسلامية الرائعة في العالم الإسلامي ما أساسها ؟ قوى ، وبغي ، وعدوان ، بالغت في الظلم ، بالغت في الكذب ، بالنفاق ، هذه القوى الشريرة التي بالغت ماذا أورثت ؟ صحوة إسلامية ، عودة إلى الله .
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادِ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
لذلك النقطة الدقيقة : ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة ، وسميت المصائب مصائب لأنها تصيب الهدف ، الذي عنده كبر ، المصيبة تنقله إلى التواضع ، والذي عنده إسراف ، المصيبة تنقله إلى الاعتدال ، والذي عنده خصام زوجي مستمر تدفعه إلى الصلح مع أهله .
بطولة كل إنسان أن يفهم على الله حكمته :
لذلك الله قال :
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
إذاً نحن في دار ابتلاء ، دار امتحان ، دار تمحيص ، والحقيقة المصيبة أحياناً تحدث في نفس الإنسان موعظة ، أنا والله أحياناً لي اجتهاد ، الاجتهاد قد يكون صحيحاً ، وقد يكون خطأ ، الفضل لهذه الصحوة الإسلامية التي عمت البلاد والعباد سببها الطرف الآخر ، بسبب قسوته ، وظلمه ، وهيمنته ، ومحاربته للمسلمين نشأ عندنا ردة فعل أخرى .
وللتذكر : عندنا نوع من الحشائش الخضراء اسمها كازون ، هناك نوع رخيص جداً يعطيك منظراً طبيعياً أخضر ، وهناك نوع كازون للملاعب ، هذا كلما دست عليه يزداد نماء وقوة .
وأنا أقول لك هذا المثل البسيط : الدين الإسلامي العظيم كلما قسوت عليه ، وكلما قمعته ازداد قوةً ، لذلك نحن بخير ، والمصائب لها وجه إيجابي ، والبطولة أن تفهم على الله حكمته ، والنقطة الدقيقة جداً : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، ونحن جميعاً ابتلينا ، من قمة البشر ، من سيد الأنبياء :
(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال ))
لذلك نحن أمام موقف عقدي دقيق ، عندنا مصيبة ، عندنا جائحة ، عندنا مرض ، عندنا فيروس ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الذي أرجوه من هذا اللقاء الطيب ، هل هناك من سؤال ؟
المذيع :
بارك الله بك وجزاك كل خير ، لا نريد أن نجهدك ، أشكرك ، أشكر لك هذا الجهد الطيب بحرصك على أن توجه كلماتك المبارك للفلسطينين عبر هذا الأثير المشترك وهذه الإذاعة المباركة ، فشكراً جزيلاً لك فضيلة الداعية الإسلامية في هيئة الإعجاز القرآني الدكتور محمد راتب النابلسي ، بارك الله بك .
معية الله عامة و خاصة :
الدكتور راتب :
كلمة واحدة سيدي : عندنا المعية معيتان ، معية عامة .
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾
هذه معية علم ، الله مع الطغاة ، مع المنحرفين ، مع الطائعين ، مع المتقين .
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ َ﴾
هذه معية علم ، المعية الثانية الدقيقة الخطيرة معية خاصة :
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ َ﴾
معهم بالنصر ، بالتأييد ، بالحفظ ، بالتكريم ، هكذا ، فنحن نرجو الله أن يكون معنا بالمعية الثانية الخاصة .
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ َ﴾
هو معكم معية عامة ، أما :
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ َ﴾
فمعية خاصة ، أنا أعد اليأس ، والقنوط ، والتشاؤم ، والسوداوية ، هذه الصفات تقترب من الكفر ، أما المؤمن فواثق بالله عز وجل .
أنا أقول : أنا بإيماني متفائل ، الله عز وجل دائماً وأبداً لن يدع المؤمنين أبداً ، لن يتخلى عنهم ، لكن أحياناً يؤدبهم ، أحياناً يدفعهم إلى بابه الكريم ، أحياناً يغريهم بالجنة ، أو يحذرهم من النار ، لكنه لا يتخلى عنهم أبداً.
بارك الله بكم ، ونصركم على ما أنتم فيه إن شاء الله .
خاتمة و توديع :
المذيع :
بارك الله بك ، وجزاك كل خير ، كم نحن بحاجة إلى هذه الكلمات الطيبة أرحت نفوسنا أراح الله نفسك من كل سوء ، من شر ، ومن كل همّ ، بارك الله بك ، وعافاك ، وشفاك ربنا سبحانه وتعالى ، فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي شكر الله لك .
الدكتور راتب :
الله يبارك بك ، وينولك مرادك ، ويعلي قدرك ، أنت ومن حولك .