وضع داكن
31-03-2026
Logo
الخطبة : 1064 - أسباب زيادة الرزق2 ، الرزق في القرآن والسنة - التقوى سبب من أسباب زيادة الرزق.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى: 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومن تَبِعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

مقدمة لموضوع الرزق: 


أيُّها الإخوة الكرام: حِرصْ الإنسان على حياته، وعلى صحته، وعلى رزقه، هذه الموضوعات تقع في الدرجة الأولى، وقد بدأت قبل أسبوعين موضوعاً يتعلَّق بالرزق، ووعدتكم أن أُعالج هذا الموضوع بإسهاب، ولاسيما الأسباب التي وردت في القرآن الكريم وفي السُنَّة الصحيحة حول زيادة الرزق، وما منّا واحد إلا ويتمنّى أن يكون رزقه وفيراً، لكن لا بُدَّ من موضوعٍ تمهيديٍ لهذا الموضوع، مُتعلِّقٍ بالحلال والحرام.

1 ـ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا

أيُّها الإخوة: الحقيقة الأولى:

﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)﴾

[ سورة هود  ]

إن جاءت كلمة "على" مع لفظ الجلالة، فتعني أنَّ الله ألزَم ذاته العليَّة برزق كل المخلوقات.
(وَمَا مِن دَابَّةٍ) (مِن) تُفيد استغراق أفراد النوع، أي نملةٌ سمراء على صخرةٍ صمَّاء في ليلةٍ ظلماء رزقها على الله، وَعلٌ في قمة جبل رزقه على الله (وَمَا مِن دَابَّةٍ)
(مِن) تفيد استغراق أفراد النوع.
(ما مِن) تفيد الحصر والقصر.
(دَابَّةٍ) نكرة تنكير شمول.
(عَلَى اللَّهِ) أي أنَّ الله سبحانه وتعالى ألزَم نفسه برزق العباد، هذا قرآن.
لو أنَّ الآية: ما من دابة إلا الله يرزقها، فالمعنى: يرزقها أو لا يرزقها، لكن: (إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) قد ينصرِف الذهن إلى أنواعٍ من دوابٍ مُعيَّنة (وَمَا مِن دَابَّةٍ) النفي والاستثناء والتنكير والحصر والقصر، هذه في آيةٍ واحدة تؤكِّد أنَّ الله تكفَّل برزق العباد.

2 ـ فقراء الكسل:

ولكن هناك إشكالية تقفز إلى الذهن، أليس هناك مجاعات؟ الحقيقة المُكمِّلة لهذه الآية:

﴿  هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

[ سورة الملك ]

لذلك: لا يُنال الرزق الذي ضَمِنه الله عزَّ وجل إلا بسعيٍ وعمل.

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾

[ سورة التوبة  ]

لذلك أوسَع شريحة من الفقراء هُم فقراء الكسَل، لكن قد يُبتلى الإنسان أحياناً بعاهةٍ تمنعه أن يكسِب رزقه، هذا الفقر الذي قُدِّر على الإنسان، صاحبه معذور، فقر القدَر، و هناك إنسانٌ كسيدنا الصدّيق أنفق كل ماله ولم يُبقِ لنفسه شيئاً، هذا سمّاه العلماء فقر الإنفاق، الأول صاحبه معذور والثاني صاحبه مشكور، أمّا الفقر الذي صاحبه مذموم فهو فقر الكسَل، فقر عدم الإتقان، فقر التأجيل، فقر الخلود إلى الراحة، فقر كراهية العمل، هذه أشياء تًسبِّب الفقر.

3 ـ لا بُدَّ من السعي لكسب الرزق:

الرزق المضمون في الآية الأولى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) هذا الرزق المضمون لا يُنال إلا بسعيٍ وعمل، ومَشيٍ في مناكب الأرض، وابتغاء فضل الله فيها (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) .
قِمم البشر الأنبياء كانوا يأكلون الطعام، لأنهم بشر، لأنهم مُفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، لكنهم يمشون في الأسواق، ومُفتقرون إلى ثمن الطعام، وثمن الطعام يُحصَّل بالسعي والكسب المشروع.
أيُّها الإخوة الكرام: الآية:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾

[ سور الفرقان ]

أيُّها الإخوة: في المشي في السوق يُمتَحَن الإنسان، يصدُق أو يكذِب، يُتقِن أو يُهمِل، ينصَح أو يغش، علة وجودنا في الدنيا الامتحان، والله عزَّ وجل خلق فينا حاجةً إلى الطعام والشراب، وحاجةً إلى الزواج، ومن أجل هاتين الحاجتين الأساسيتين نتحرَّك، وفي أثناء التحرُّك نُمتحَن.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول بعض العلماء: "علينا أن نجتهد في طلب الحلال لنأكل منه، ونلبس منه، ونُنفِق على عيالنا وإخواننا منه، فإنه موجودٌ ما دام المكلفون في الدنيا" .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)﴾

[ سورة الروم  ]

أي في الماضي، الرزق منتهٍ، وإذا قنَّن الله عزَّ وجل فتقنينه تقنين تأديبٍ لا تقنين عجز.

﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (21)﴾

[ سورة الحجر  ]

أحياناً غلّة القمح في بلدنا الطيِّب تزيد على ستة ملايين طن، وحاجتنا إلى مليون طن واحد، ستة أضعاف، وأحياناً لا تزيد غلة القمح عندنا على ستمئة ألف طن، من ستة ملايين إلى ستمئة ألف طن، بحسب الأمطار، فالتقنين الإلهي تقنين تأديبٍ لا تقنين عجز.
أيُّها الإخوة: يقول بعض العلماء: "إذا صدق الإنسان في طلب الحلال استخرجه الله من بين الحرام والشُبهات" .

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66)﴾

[ سور النحل  ]

كيف أنَّ الأرض تَعجُّ بالدخل الحرام، وبالمصادر الحرام، فأيُّ عبدٍ صدق في أن يكون رزقه حلالاً، فالله عزَّ وجل يسوقه إلى الحلال.
أيُّها الإخوة: ورد في بعض الأحاديث أنه: 

(( من أصاب مالاً في نَهاوش من حرام أذهبه الله في نَهابُر ))

[ الجامع الصغير عن أبي سلمة الحمصي بسند فيه ضعف ]

فإمّا أن يُصادَر، أو أن يحترق، أو أن يُسرَق (من أصاب مالاً في نهاوش من حرام أذهبه الله في نهابر) .

4 ـ طلب الحلال فريضةٌ على كل مسلم:

لكن الذي ينبغي أن يكون واضحاً أيُّها الإخوة، أنّ طلب الحلال فريضةٌ على كل مسلمٍ، بل طلب الحلال فريضةٌ بعد الفريضة، الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة، وأداء الزكاة فريضة، بعد هذه الفرائض، الفريضة التي تلي أركان الإسلام الكسب الحلال.
وذكرت في لقاءٍ سابق أنَّ حرفتك التي تحترفها، ومهنتك التي تمتهنُها، ووظيفتك التي تعيش منها، إن كانت في الأصل مشروعةً، وسلكتَ بها الطُرق المشروعة، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك، وخدمة المسلمين والناس عامة، وما شغلتك عن واجبٍ ديني، ولا عن فريضةٍ، ولا عن طلب علمٍ، ولا عن عملٍ صالح، انقلبت الحرفة إلى عبادة، فأنت في دُكانك تعبُد الله، وأنت في عيادتك تعبُد الله، وأنت في مكتبك الهندسي تعبُد الله، وأنت في صفك تُعلِّم تعبُد الله، وأنت في حقلك تزرعه لخدمة الناس تعبُد الله، وعادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات، فطلبُ الحلال واجبٌ على كل مسلمٍ، وطلبُ الحلال فريضةٌ بعد الفريضة.
أيُّها الإخوة: إذا كان الدخل حراماً كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُعْجِبَنَّكَ رَحْبُ الذِّرَاعَيْنِ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ، وَلَا يُعْجِبَنَّكَ امْرُؤٌ كَسَبَ مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَإِنَّهُ إِنْ أَنْفَقَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ يُبَارَكُ لَهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ  ))

[ المعجم الكبير للطبراني ]

لا تُقل: هنيئاً له، لا تقُل: ما أكثرَ دخْلَه.

5 ـ كسبُ الحلال صعبٌ وكسبُ الحرام سهلٌ:

لكن لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، جُعِلَ كسب الحلال صعباً، وجُعِلَ كسب الحرام سهلاً، لأنه لو كان كسب الحلال سهلاً، لأقبَل الناس على الحلال لا خوفاً من الله، ولا طمَعاً في الجنَّة، ولكن لأنه سهل، لكن الحلال يحتاج إلى جهد، بينما الحرام يكفي أن تغضَّ بصرك عن مستودعٍ لتأخُذ ملايين مُملينة.
أيُّها الإخوة: يقول عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى: 

(( منْ أمسَى كالًّا منْ عَمِلَ يَدِيْهِ أَمْسَى مَغفُورًا لهُ ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

لأنَّ كسب الحلال أصلٌ في الورَع.

6 ـ تحريم السؤال لغير حاجة:

شيءٌ آخر، لقد حرَّم الله السؤال من غير حاجة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص لحالاتٍ ثلاث، وسوف تأتي هذه الحالات بعد قليل، لكن رجُلاً من الأنصار أتى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله،

(( فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ:  أمَا في بَيتِكَ شَيءٌ؟ قال: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعضَهُ ونَبْسُطُ بَعضَهُ، وقَعْبٌ نَشرَبُ فيه من الماءِ قال: ائْتِنِ بِهِما، فأَتَاهُ بِهِما، فأخَذَهُما رسولُ اللهِ بِيدِهِ وقالَ: مَنْ يَشتَرِي مِنِّي هَذيْنِ؟ قال رجلٌ: أنا آخُذُهُما بِدِرْهَمٍ، قال رسولُ اللهِ: مَنْ يَزِيدُ على دِرْهَمٍ، مَرَّتيْنِ أو ثلاثًا؟ قال رَجلٌ: أنا آخُذُهُما بِدرْهَمَيْنِ، فأعطاهُمَا إيَّاهُ، فأخَذَ الدِّرْهميْنِ فأعطاهُما الأنصارِيَّ وقالَ: اشْتَرِ بِأحدِهِما طعامًا فانْبِذْهُ إلى أهلِكَ، واشْتَرِ بالآخَرِ قَدُومًا فائْتِنِ به فأَتَاهُ، فشَدَّ فيه رسولُ اللهِ عُودًا بِيدِهِ ثُمَّ قال: اذهبْ فاحْتَطِبْ وبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خَمسَةَ عَشَرَ يومًا فَفَعَلَ، فجاء وقَدْ أصابَ عَشْرةَ دَراهِمَ، فاشْتَرَى بِبَعضِها ثَوبًا وبِبَعضِها طعامًا، فقال رسولُ اللهِ: هذا خَيرٌ لكَ من أنْ تَجِيءَ المسألَةَ نُكْتَةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ ))

[ أخرجه أبو داوود وابن ماجه ]

7 ـ مدحُ الله المتعفِّفين:

أيُّها الإخوة: لقد مدح الله المُتعفّفين فقال:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

[ سورة البقرة ]

(( ليسَ المسكينُ الَّذي يَطوفُ علَى النَّاسِ تردُّهُ اللُّقمةُ واللُّقمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولَكِنِ المسكينُ الَّذي لا يجدُ غنيا يُغنيهِ، ولا يُفطَنُ فيتصدَّقُ علَيهِ ولا يقومُ فيسألُ النَّاسَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

[ سورة البقرة ]

لقد أثنى النبي على المُتعفّفين، لذلك ورد في بعض الروايات، أنَّ المسكين الذي لا يجد غنىً يُغنيه، ولا يُفطَن به فيُتصدَّق عليه، ولا يسأل الناس، لا يُنتبَه إليه، وهو لا يسأل، بينما هو لا يجد حاجته، هذا هو المسكين، هذا الذي أُمرنا أن نُعينه وأن نبحث عنه.
أيُّها الإخوة: بل إنَّ الإمام النووي رحمه الله تعالى، يرى أنَّ الإنسان إذا كان غنياً  - ليس بالمعنى المألوف - إذا كان عنده ما يكفيه وسأل فسؤاله حرام، وما أخذه مُحرَّمٌ عليه، إذا كان غنياً بمعنى أنه عنده ما يكفيه، وسأل كان سؤاله حراماً، وما أخذه سُحتٌ يُحاسَب عليه، أمّا سؤال المُحتاج العاجز فليس بحرام، ولا بمكروه، وإذا سأل ينبغي ألّا يُذلَّ نفسه، ولا يؤذي المسؤول، ولا يُلح في السؤال.
أيُّها الإخوة: الموضوع دقيق جداً، ونحن في أمسّ الحاجة إليه، 

((  ثلاثٌ أُقسِمُ عليهنَّ وأُحدِّثُكم حديثًا فاحفظوه قال: ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ ولا ظُلِم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلَّا زاده اللهُ عزًّا فاعفوا يُعزَّكم اللهُ ولا فتح عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتح اللهُ عليه بابَ فقرٍ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

أحياناً يكون المؤمن مُتعفِّف، ويصبر، إلى أن يتَّخذ قراراً أن يمُد يده للناس، وأن يسأل، وأن يتضعضع، عندئذٍ في هذا الحديث الخطير يفتح الله عليه باب فقرٍ.
أيُّها الإخوة: يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 

(( مَن نَزَلتْ به فَاقةٌ، فأَنَزَلَها بالنَّاسِ، لَم تُسدَّ فاقتُه، و مَن نَزلَتْ به فاقةً، فأنزلَها باللهِ، فيُوشِكُ اللهُ له برزقٍ عاجلٍ، أو آجلٍ  ))

[ أخرجه الترمذي وأبو داوود ]

يُعاب مَن يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، إن نزلت بك فاقةٌ فقُم قبل الفجر، وصلِّ ركعتين، لأنَّ الله عزَّ وجل فيما أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم: 

(( إذا كان ثُلُثُ الليلِ أو شَطْرُه يَنزِلُ اللهُ إلى سماءِ الدنيا فيقولُ هل من سائلٍ فأُعطيَه هل من داعي فأستجيبَ له هل من تائبٍ فأتوبَ عليه هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له حتى يَطْلُعَ الفجرَ ))

[  الألباني تخريج كتاب السنة ]

إن نزلت بأحدنا فاقة فليضعها في باب الله، ولا يضعها في باب إنسان.

(( ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسألُ النَّاسَ، حتَّى يَأتيَ يَومَ القيامةِ ليس في وجههِ مُزعةُ لَحمٍ، وقال: إنَّ الشَّمسَ تَدنو يَومَ القيامةِ، حتَّى يَبلُغَ العَرَقُ نِصفَ الأُذُنِ، فبينا هُم كَذلك استَغاثوا بآدَمَ، ثُمَّ بموسى، ثُمَّ بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وزادَ عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ، حدَّثَني اللَّيثُ، حدَّثَني ابنُ أبي جَعفَرٍ: فيَشفَعُ ليُقضى بينَ الخَلقِ، فيَمشي حتَّى يَأخُذَ بحَلقةِ البابِ، فيَومَئذٍ يَبعَثُه اللهُ مَقامًا مَحمودًا، يَحمَدُه أهلُ الجَمعِ كُلُّهم، وقال مُعَلًّى: حَدَّثَنا وُهَيبٌ، عَنِ النُّعمانِ بنِ راشِدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُسلِمٍ أخي الزُّهريِّ، عن حَمزةَ، سَمِعَ ابنَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَسألةِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أي سقط لحم وجهه من كثرة السؤال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((  لأنْ يأخذَ أحدُكم حبلَهُ على ظهْرِهِ فيأتي بحزمةٍ منَ الحطبِ فيبيعُها فيكُفَّ اللهُ بها وجهَهُ خيرٌ مِنْ أنْ يسألَ الناسَ أعطوْهُ أوْ منعوهُ  ))

[ أخرجه البخاري  ]

8 ـ السعي على العيال والأولاد من العبادة:

أيُّها الإخوة: من أُولَيات العمل أن تسعى لرزق عيالك، أنت أب، وفي عنقك مسؤولية، وأنَّ هؤلاء الصغار أنت مكفَّلٌ بتأمين حاجاتهم، طعامهم وشرابهم، وكسوتهم وتعليمهم، حينما تسعى من أجل تأمين رزق أسرتك فأنت في عبادة، الدليل: 
عن كعب بن عُجرة رضي الله عنه قال: 

(( مرَّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ  ))

[ أخرجه الطبراني ]

دقِّق: أنت حينما تقوم إلى عملك، وقد يكون العمل شاقاً، ويحتاج إلى دوام طويل، وإلى خضوع إلى مدير العمل، وإلى الإخلاص والتفاني والإتقان، وتأتي مساءً مُتعباً مُنهكاً فأنت في سبيل الله، أنت في عبادة.
حينما يُلبّي الأب حاجات أُسرته يملِكهم، يملِك قلوبهم، يُرشدهم، يوجههم، أمّا الأب الكسول الذي لا يعمل، كلما طُلِب منه شيء يقول: ليس معي، فينصرفون عنه إلى رفقاء السوء، وحينما تكسب المال الحلال من دون إسراف، وتنفِق على أهلك وأولادك ووالديك من دون إسراف، من دون تبذير، من دون زُهوّ، هذا العمل في سبيل الله.
أيُّها الإخوة الكرام: يقول سيدنا عمر: << لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: الله ما رزقني، فقد علمتم أنَّ السماء لا تُمطِر ذهباً ولا فضة >>
يقول لك: لا يوجد عمل، هل فتحت الصُحف التي فيها طلبات أعمال؟ درستها كلها؟ خرجت من البيت؟ سألت زيداً؟ رجوت عُبيداً؟ تحرَّك يا أخي.
وقال سيدنا عمر أيضاً: << إني لأرى الرجُل فيُعجبني فأقول: ألهُ حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني >> .
وفي قولٍ آخر لعبد الله بن مسعود: << إني لأمقت الرجُل فارغاً ليس في شيءٍ من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة>>
دقق أيُّها الأخ: إذا خرجت إلى عملك، وأتقنته، وكسبت المال الحلال، لكن أخطر ما في هذه الخُطبة، الرزق الذي ضمنه الله لك في قوله تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) هذا الرزق لا يُنال إلا بسعيٍ وعمل، ليس هناك سعيٌ ولا عمل ولا إتقان ولا تطوير ولا التزام ولا أداء الحاجة في الموعد المحدَّد، تُصبِح فقيراً، وأنت بهذه الحالة فقرك فقر كسَلٍ لا فقر قدَرٍ.

9 ـ العمل واجب في الإسلام: 

لذلك أيُّها الإخوة: يُستنبَط من هذا أنَّ العمل في الإسلام واجب، سيدنا عمر سأل أحد الولاة قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ قال: أقطع يده، فقال له: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إنَّ الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدّ جوعتهم، ونستُر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفّرنا لهم ذلك تقاضيناهم شُكرها، إنَّ هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >> .
حينما قاطعنا الدانمارك لأنَّ بعض رسَّاميها أساؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، نُشِرت أبحاثٌ كثيرة عن الدانمارك، لفتَ نظري أنَّ هذا الشعب الذي لا يزيد على خمسة ملايين إنسان، يُطعِم خمسين مليون إنسان في العالم، لفتَ نظري أيضاً أنَّ شركة سيارات واحدة في اليابان موظفوها أربعون ألفاَ، دخْلُها يزيد على دخل دولةٍ عربيةٍ تعُد سبعين مليون إنسان، يمكن لشركةٍ واحدة موظفوها أربعون ألفاً، أرباح هذه الشركة تزيد عن الدخل القومي لدولةٍ يعُد سكانها سبعين مليوناً؟!
هل تُصدِّقون أنَّ هناك معايير دقيقة جداً، المواطن في بعض البلاد النامية، لا يزيد وقت عمله عن سبع عشرة دقيقة، ومواطن في بلدٍ آخر وقت عمله سبع وعشرون دقيقة، وفي بلادٍ مُتقدمةٍ وقويةٍ، وتملِك زمام أهل الأرض، يعمل المواطن ثماني ساعات كاملة، لا تُصدِّق، كُن واقعياً، أنَّ أمةً يعمل أفرادها ثماني ساعات، وتأتي أمةٌ يعمل أفرادها سبع عشرة دقيقة في اليوم، أن تنتصر هذه على تلك! هذا كلامٌ علميٌ مزعج، لكن الحقيقة المُرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، يا أخي، كُن شيئاً مذكوراً، هذه الدنيا من أجل التفوُّق، ابحث عن عمل، طوِّر عملك، فكِّر بشيءٍ مُبدعٍ في عملك.
أيُّها الإخوة الكرام: لذلك العمل حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، هو فريضةٌ بعد الفريضة، طلب الحلال فريضة.

((  لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد ]

فالشاب القوي لا تحلّ له الصدقة، والغني أيضاً لا تحلّ له الصدقة، الله عزَّ وجل يُحب اليد العُليا، ولا يُحب اليد السفلى، لا يُحبك أن تتضعضع أمام غني، لا يُحب أن تُذِلّ نفسك، اعمَل، وابحث عن عمل، واكسب الرزق الحلال، وأنفِق.

10 ـ أهمية التجارة والزراعة: 

مرةً ثالثة ورابعة وخامسة، الرزق المضمون الذي ضمنه الله لك بنَص القرآن الكريم (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) هذا الرزق المضمون، لا يُنال إلا بالسعي والكدّ، وأن تمشي في الأرض.
لذلك التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصدّيقين والشهداء، مَن منكم يُصدِّق أنَّ أكبر بلدٍ إسلاميٍ الآن إندونيسيا، فيها مئتان وخمسون مليوناً، مَن هؤلاء الذين نقلوا لهم الإسلام؟ تسعة تُجارٍ فقط، التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، هو داعيةٌ إلى الله، قدَّم لك سلعةً جيدةً متقنةً بسعرِ مُعتدِل، وعاملك معاملةً طيَّبة، فأحببته وأحببت دينه، فأسلمت على يديه.

(( التاجرُ الصَّدُوقُ الأمينُ: مع النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشهداءِ والصالحينَ ))

[  أخرجه الترمذي والدارمي والدارقطني في السنن والحاكم ]

(( التَّاجِرُ الصدُوقُ تحتَ ظلِّ العرْشِ يومَ القيامَةِ ))

[ أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب وابن حجر في الأمالي المطلقة ]

((  إنَّ أطيبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ، الَّذِينَ إذا حَدَّثُوا لَمْ يَكذِبُوا، وإذا ائْتُمِنوا لَمْ يَخونُوا، وإذا وعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وإذا اشْتَرَوا لَمْ يَذُمُّوا، وإذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وإذا كان عليهم لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كان لَهُمْ لَمْ يُعَسِّرُوا ))

[ أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ لهما والديلمي في الفردوس ]

أمّا إذا حدَّثوا فكذبوا، وائتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، واشتروا فذمّوا، يُبخِّس لك بضاعتك، وإذا باعوا مدحوا، وإذا كان عليهم أمطلوا، وإذا كان لهم ضيَّقوا، هؤلاء التُجَّار هُم الفُجَّار، بالكلمة الصريحة.
هذه في التجارة وأمّا الزراعة:

(( ما من مسلمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا فيَأْكُلُ منه طيرٌ ولا إنسانٌ إلا كان له به صدقةً ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على التجارة وعلى الزراعة.

(( ما بعثَ اللَّهُ نبيًّا إلَّا راعيَ غنَمٍ، قالَ لَهُ أصحابُهُ: وأنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: وأَنا كُنتُ أرعاها لأَهْلِ مَكَّةَ بالقَراريط قالَ سُوَيْدٌ: يعني كلَّ شاةٍ بقيراطٍ  ))

[ أخرجه البخاري وابن ماجه ]

11 ـ العمل شرفٌ مهما كان وضيعًا في أعين الناس: 

والله سمعت من عالمٍ في مصر، أنه كان يمشي فرأى شاباً يبيع الناس كؤوس الشاي في الطريق، في طريق نزهة، ويعرفه جامعيّاً، قال له: ست سنوات وأنا بلا عمل، وأنا أبيع وأكسب رزقاً حلالاً، وأنا به سعيد، فنزل وشكره، وأثنى عليه، ودعاه إلى بيته، فالعمل ليس عيباً، العيب أن تسرق، أن تكذب، أن تغش، يحمل ليسانس، اضطُرَ أن يعمل في بيع الشاي والقهوة، طبعاً العمل أشرف ألف مرة من ذُلِّ السؤال.
يقول سيدنا علي رضي الله عنه: "والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهوَن عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين" .
أيُّها الإخوة الكرام: كنت مرةً في مكانٍ لإصلاح السيارة، صاحب المرآب سامحه الله، أراد أن يُصغِّر أحد موظفيه، قال لي: هذا معه ليسانس ويعمل في الميكانيك، فذكرت له هذا الحديث، قلت له: 

(( ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داوودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ ))

[ أخرجه البخاري  ]

نبيٌ عظيم يأكل من عمل يده، هو أراد أن يُصغِّره، لا، وسام شرفٍ له أن يعمل، وأن يأكل الطعام الحلال من كسبه.
يأتي وقتٌ تبقى الثقافة للثقافة فقط، الكسب يحتاج إلى عمل، إلى حرفةٍ تحترفها، لا مانع إذا أصبحت طُرق التعيين بالوظائف ضيّقةً، إذاً نعمل بأي عمل.

(( سُئِل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيُّ الكَسْبِ أطيَبُ قال عمَلُ الرَّجُلِ بيدِه وكلُّ بيعٍ مبرورٍ ))

[ أخرجه  أحمد وابن أبي الدنيا في إصلاح المال ]

هؤلاء الذين يصنعون، وقد قيل: إنما أهلك الصنعة قول: غدٍ وبعد غد، أي المُماطلة.

(( خَيْرُ الكَسْبِ كَسْبُ يَدِ العاملِ إذا نصَحَ ))

[ أخرجه أحمد واللفظ له وأبو نعيم في تاريخ أصبهان والبيهقي في شعب الإيمان ]

12 ـ المال الحلال سبب الدعوة المستجابة والعيش الهنيء والصحة الجيدة: 

أيُّها الإخوة الكرام: قيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله، ما السبب؟ قال: << ما رفعت إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالِمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت >>

((  تُلِيَتْ هذهِ الآيةُ عِندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] فقام سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أنْ يجعَلَني مُستَجابَ الدَّعوةِ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا سعدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ، والَّذي نفْسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ، إنَّ العبدَ لَيَقذِفُ اللُّقمةَ الحرامَ في جَوفِهِ ما يُتقبَّلُ منه عملٌ أربعينَ يومًا، وأيُّما عبدٍ نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْتٍ، فالنَّارُ أَوْلى به  ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

لذلك قال بعضهم: لو قمت مقام هذه السارية ـ صلاة طوال الليل ـ لم ينفعك شيءٌ حتى تنظُر ما يدخل بطنك حلالاً أم حراماً .
هذا الذي أكلته من أين؟ و الله زرت صديقاً لي، استقبلني والده، قال لي: أنا عمري ست وتسعون سنة، وأجريت البارحة فحوص دم كاملة، جميع النتائج طبيعية، والله شيءٌ غريب، قال لي: ولكن والله ما أكلت قرشاً حراماً في حياتي، ولا أعرف الحرام، بالمعنى التالي: - حرام النساء - لا هذه ولا تلك، من عاش تقياً عاش قوياً.
أحد العلماء يقول: " رَدُّ درهمٍ من شُبهةٍ أحبُّ إليّ من أن أتصدَّق بمئة ألف درهم" ، وترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام. 

(( كلُّ جَسَدٍ نبتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أولَى بِهِ  ))

[ الألباني صحيح الجامع ]

(( من جمعَ مالًا حرامًا ثم تَصَدَّقَ بِهِ لم يكنْ لَهُ فيهِ أَجْرٌ، وكانَ إِصْرُهُ عليهِ ))

[ أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي ]

أيُّها الإخوة الكرام: 

(( سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: وأهوى النعمانُ بإصبعَيه إلى أُذُنَيه: إنَّ الحلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مُشتبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدِينِه وعِرضِه، ومن وقع في الشُّبهاتِ وقع في الحرامِ، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى، ألا وإنَّ حمى اللهِ محارمُه، ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلُحتْ صلُح الجسدُ كلُّه وإذا فسدتْ فسد الجسدُ كلُّه ألا وهي القلبُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آيةٌ عظيمة مفتاح الرزق: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 


أيُّها الإخوة: أشعُر أحياناً أنَّ الحاجة ملحةٌ لكسب الرزق الحلال، وقد تضيق الأمور بالناس، وقد تعم البطالة، أُقسِم لكم بالله، آيةٌ في كتاب الله زوال الكون أهون على الله من ألّا تُحَقَّق. 

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2)﴾

[ سورة الطلاق  ]

في الرزق:

(( إنك لن تدع شيئاً ابتغاء الله إلا آتاك خيراً منه ))

[ مسند الإمام أحمد ]

لذلك أيُّها الإخوة: تقول: أنَّ هناك ظروفٌ صعبة، نعم، تقول: أنَّ الأعمال قليلة، نعم، المكاسب نادرة، نعم، هناك بطالة، نعم، قُل ما شئت، ولكن هذه الآية تُلغي كل هذه الأشياء، بأي ظرف، بأي وضع، بأي مُعطيات، بأي ضائقة. 

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾

[ سورة الطلاق  ]

تعامل مع الله مباشرةً، استقم على أمره، وارفع رأسك وكُن عزيزاً، وقل: يا ربّ أنت الذي قلت: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) وأنا أسألك رزقاً حلالاً يا ربّ.
بالدعاء والعمل والحركة والسعي، وأنا أُخاطب الشباب، شابٌّ يحتاج إلى ثمن بيت، يحتاج إلى دخلٍ مُستقر، يحتاج إلى زوجة، ليس له إلا الله (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) اكتُب هذه الآية في صدر غرفتك، وتذكّرها كل يوم (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) وزوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.

الدعاء: 


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا. 
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك ولا تُنسنا ذكرك يا ربَّ العالمين. 
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، انصُر المسلمين في كل مكان، في العراق وفي غزَّة وفي شتى بقاع الأرض يا ربَّ العالمين، أذل الشرك والمشركين، دمِّر أعداءك أعداء الدين، اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا ربَّ العالمين. 
اللهم أرِنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين. 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور