الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تَبِعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
تقوى الله عزَّ وجل:
أيُّها الإخوة الكرام: لازلنا في سلسلة خُطبٍ تتحدَّث عن الرزق، ووصلنا اليوم إلى أسباب سعة الرزق، ولا أعتقد أنَّ واحداً منّا لا يحرص على سعة رزقه، لأنَّ الرزق قوام الحياة، ولكن هذا الرزق له أسباب ذكرها القرآن الكريم، وأوردتها بعض الأحاديث في السُنَّة المُطهَّرة، وهناك أسبابٌ تمنع الرزق، ففي هذا اللقاء وهذه الخُطبة، الحديث عن أول سببٍ من أسباب زيادة الرزق، وهي تقوى الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة: التقوى أن تتقي غضب الله، وأن تتقي عقابه، بأن تجعل بينك وبينه سِتراً يحول دون أن تُعاقَب أو دون أن تُدمَّر، هذا السِتر هو التقوى، وفي القرآن الكريم ما يزيد عن ثلاثمئة آية تتحدَّث عن التقوى، لذلك بتعريفٍ جامعٍ مانع، هي القيام بأمر الله وترك ما نهى عنه الله.
التقوى ليست هيئة مُعيَّنة، لباسٌ مُعيَّن، حركاتٌ مُعيَّنة، إيماءات، كلمات، إيحاءات، إنما هي تطبيقٌ لأوامر الله وتركٌ لما حرَّم الله، ليس الولي الذي يطير في الهواء، ولا الذي يمشي على وجه الماء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
من أدق تعريفات الولي القرآنية:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

أن تعرف الله، وأن تحمِل نفسك على طاعته، وأن تتقرَّب إليه بالعمل الصالح، والتقوى لا يمكن أن تكون دعوى، إنما هي حقيقةٌ مع البرهان عليها، البرهان عليها الطاعة، أمّا ادعاؤها لا يُقدِّم ولا يؤخِّر.
كلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقر لهم بذاكَ
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يُفسِّر قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)﴾
(( عَنِ ابنِ مسعودٍ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قال: أنْ يُطَاعَ فلا يُعْصَى وأنْ يُذْكَرَ فلا يُنْسَى وأنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفَرُ ))
[ أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ وابن أبي شيبة ]
من كمال التقوى البُعد عن الشهوات:
أيُّها الإخوة: لو دخلنا في التفاصيل، من كمال التقوى البُعد عن الشهوات، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الحَلالُ بَيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبينَهما مُشَبَّهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فمَنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ كَراعٍ يَرعى حَولَ الحِمى، يوشِكُ أن يواقِعَه، ألا وإنَّ لكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إنَّ حِمى اللهِ في أرضِه مَحارِمُه، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ ))
وفي روايةٍ أن يرتع فيه.
أيُّها الإخوة: ولا زِلنا في التفاصيل، يدخُل في تعريف التقوى الكاملة، فعل الواجبات وترك المُحرَّمات والشبهات، بل رُبما دخل فيها أيضاً فعل المندوبات وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى، لذلك العبد التقي يتنزَّه عن كثيرٍ من المُباحات التي يُخشى أن تنقله إلى بعض الشُبهات.
(( عن عطية بن عروة السعدي رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
لا يبلغُ العبدُ أن يَكونَ منَ المتَّقينَ حتَّى يدعَ ما لا بأسَ بِهِ حذرًا ممَّا بِهِ بأسٌ ))
[ أخرجه الطبراني والترمذي وابن ماجه ]
لا يسلم للرجُل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال:
من صفات المُتَّقين أنهم يَدَعون ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
وقال أبو الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه: "تمامُ التَّقوى أن يتَّقيَ اللهَ عزَّ وجَلَّ العبدُ، حتى يتقِيَه في مِثلِ مِثقالِ ذَرَّةٍ، حتى يترُكَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ خَشيةَ أن يكونَ حرامًا، يكونُ حاجِزًا بينه وبين الحرامِ".
وقال بعض العلماء: إنما سُمّيَ المُتَّقون مُتَّقين لأنهم اتقوا ما لا يُتَّقى عادةً، الشيء الذي لا شيء عليه عند معظم الناس يدَعه ورعاً.
(( عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وأهل التودد في الدنيا لهم درجة في الجنة، ومن كانت له في الجنة درجة فهو في الجنة، ونصف العلم حسن المسألة، والاقتصاد في المعيشة نصف العيش، يلقي نصف النفقة، وركعتان من رجُلٍ ورِع أفضل من ألف ركعةٍ من مُخلط، وما تم دين إنسان قط حتى يتم عقله، والدعاء يرد الأمر، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصدقة العلانية تقي ميتة السوء، وصنائع المعروف إلى الناس تقي صاحبها مصارع السوء الآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، والعرف ينقطع فيما بين الناس، ولا ينقطع فيما بين الله وبين من افتعله". هذا إسناد ضعيف والحمل فيه على العسكري أو العمي ))
[ البيهقي في شعب الإيمان ]
وابن عُمر رضي الله عنه يقول: "إني لأُحب أن أدَع بيني وبين الحرام سُترةً لا أخرقها" ، يعني تَركْ ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
وقال بعضهم: " لا يسلَم للرجُل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال" ، أي هناك حلال يجعله بين الحلال وبين الحرام، هذا الحلال هو هامش الأمان.
من يتَّقي الله يجعل له من كل ضيق فرجاً:
أيُّها الإخوة: كيف يتَّقي الإنسان ربّه؟ ببساطةٍ ما بعدها بساطة، كيف تُعالج نفسك لا سمح الله ولا قدَّر من ارتفاع الضغط؟ حينما تعلم أنَّ ضغطك مُرتفع، فلا بُدَّ للتقوى من العِلم، كيف تقع في الشُبهات؟ توهُّماً من أنها مُباحات، كيف تقع في المُحرَّمات؟ جهلاً بحُرمتها.

فلذلك الطريق الوحيد إلى التقوى أن تطلب العِلم الشرعي، وأنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده.
(( طلبُ الحلالِ فريضةٌ بعدَ الفريضةِ ))
[ أخرجه ابن حبان في المجروحين والطبراني واللفظ لهما والبيهقي ]
(( طلَبُ الحلالِ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ ))
[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والديلمي في الفردوس ]
أيُّها الإخوة: الآية الأولى في هذه الخُطبة والتي ذكرت لكم من قبل، أنَّ زوال الكون أهوَن على الله من ألّا تُحقَّق نتائجها مع أي مؤمن من دون استثناء.
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2)﴾
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
أحياناً تُسد عليك كل سُبل الرزق، لا يوجد سَفَر، ولا وظيفة، ولا تعيين، ولا شراكة، ولا استثمار، كل السُبل مغلقة، إذاً اتَّقِ الله حتى يجعل الله لك من هذا الضيق فرجاً.
من علامة أنك تتقي الله أن تأتيك الأرزاق من حيث لا تحتسب:
أيُّها الإخوة: المخرَج النجاة من الفقر.
(( كادَ الفقرُ أن يَكونَ كُفرًا وَكادَ الحسدُ أن يسبِقَ القدرَ ))
[ أخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال والعقيلي في الضعفاء الكبير والطبراني في المعجم الأوسط ]

وإذا كان بالإمكان أن أتوسَّع فأقول: وكاد الفقر أن يكون إرهاباً أحياناً، وكاد الفقر أن يكون نهباً وسلباً، وكاد الفقر أن يكون وقوعاً في الشُبهات، من هُنا يقول الإمام علي رضي الله عنه:
"قِوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالمٌ مستعمل عِلمَه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلَّم، وغنيٌ لا يبخل بماله، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه" ، فإذا ضيَّع العالِم عِلمه، استنكف الجاهل أن يتعلَّم، وإذا بخل الغني بماله، باع الفقير آخرته بدنيا غيره.
ومن علامة أنك تتقي الله أن تأتيك الأرزاق من حيث لا تحتسِب، من جهةٍ غير متوقعة، من جهةٍ ما كانت تخطر في بالك.
أيُّها الإخوة: الآيات الداعمة، الآية الأصل هذه الآية: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) أنا أُخاطِب الشباب، يقول لك: المُستقبَل مجهول، يا تُرى هل أتمكَّن من دخول الجامعة؟ هل أتمكَّن من دخول اختصاصٍ نادرٍ أعيش منه؟ هل أتمكَّن أن أشتري بيتاً؟ هل أتمكَّن أن أتزوج؟ إله الكون، خالق السماوات والأرض الذي بيده كل شيء، كُن فيكون زُل فيزول.
(( عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ، ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ، وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري ]
أي اذهب إلى البحر، واركب قارباً، وامسِك بإبرةٍ، واغمسها في ماء البحر، واكتُب لي نسبة هذا الماء الذي حملته الإبرة إلى ماء البحر كله، هذا من وصف النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزّ َوَجَلّ،َ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) .
مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا:
أنا أُخاطِب الشباب، أُخاطِب من سُدَّت أمامه سُبل الرزق، من كان رزقه قليلاً، من شكا من قِلة الرزق، من شكا من التعسير (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) .
لكنك لا تُقنعني أنك تتقي الله، اقنِع نفسك، بإمكانك أن تقنعني فتُحرجني، أنا أتَّقي الله، دقِّق هل أنت على ما ينبغي أن تكون؟ هل توجَّهت لله عزَّ وجل؟ هل تركت كل شُبهة؟ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) .
زوال الكون أهون على الله من ألّا يُحقِّق وعود هذه الآية لكل شابٍ مؤمن:
مرة ثانية: زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعود هذه الآية لكل شابٍ مؤمنٍ، في أي مكانٍ وفي أي زمان، طبعاً أحياناً الله عزَّ وجل يُعقِّب على قصةٍ تعقيباً يجعلها قانوناً:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
التعقيب: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) في أي عصرٍ وفي أي مصر، إله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام هو إلهُنا، وهذا الإله العظيم الذي تُصلُّون له بيده كل شيء، بيده الأقوياء، بيده ماء السماء، بيده رزق الأرض، بيده أعداؤنا، بيده أصدقاؤنا، بيده مَن فوقنا، بيده مَن تحتنا.
الله عزَّ وجل ثبَّت ملايين الأشياء و حرَّك الرزق والصحة لتربية الإنسان:
﴿ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)﴾
من الآيات الداعمة:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾
الله عزَّ وجل ثبَّت ملايين الأشياء، ملايين القوانين، ثبَّت حركة الأفلاك، ثبَّت خصائص المواد، ثبَّت قوانين الفيزياء، قوانين الكيمياء، قوانين الحركة، ثبَّت مليارات القوانين لكنه حرَّك الرزق وحرَّك الصحة، أنت لا تملِك صحتك، لا تدرِ ماذا يكون غداً ولا تملِك رزقك، كأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد حينما حرَّك الرزق والصحة معاً، أن يكونا سببين لتربيتنا.
الرزق المحدود مع بركة الله عزَّ وجل يكفي الإنسان ويغطّي نفقاته:
أيُّها الإخوة الكرام: سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يَا أيُّها النَّاسُ: اتَّخِذوا تقوى اللَّهِ تجارةً يأتيكمُ الرِّزقُ بلا بِضاعةٍ ولا تجارةٍ، ثمَّ قرأَ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ))
[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم في حلية الأولياء ]

أقول لكم مرة ثانية: أيُّها الشباب أنتم مُقْدِمون على حياة، أنت بحاجةٍ إلى زواج مع هذا الفساد العريض، أنت بحاجةٍ إلى بيت مع ارتفاع أسعار البيوت، أنت بحاجةٍ إلى حرفة تُدِرّ عليك رزقاً يحفظ لك ماء وجهك، أنا أعلم عِلم اليقين، ما من شابٍ إلا ويطمَح إلى عملٍ وزواجٍ وحرفةٍ وبيت، اتَّقِ الله.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن ما أدخلنا في حساباتنا ما يُسمّى بالبركة، أحياناً يأتيك رزقٌ محدود مع بركة الله عزَّ وجل، يكفيك ويغطّي كل نفقاتك، وأنت في راحةٍ وفي بحبوحة، وقد ينطبِق عليك قول أحدهم: الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، التي فيها أخطار، فيها إثم، فيها قهر (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ) .
مرةً في بعض بلاد الخليج نزل مطراً ما ينزل على دمشق في عامٍ بأكمله، وفي مدينةٍ في إفريقيا كنت فيها، نزل في ليلةٍ واحدة ما ينزل من أمطارٍ على دمشق في عامين، إذا أعطى أدهش، ولا يمكن أن يكون تقنين الله تقنين عجزٍ بل تقنين تأديب.
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ (21)﴾
الله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش:
أيُّها الإخوة الكرام: آيةٌ ثالثة داعمة للآية الأصل: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا).
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾
(وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ) القرآن، الله عزَّ وجل أحياناً يُعطينا مثلاً، في بعض السنوات نجني من القمح ما يساوي ستة ملايين طن، وحاجة بلدنا كله إلى مليون طن، ست أضعاف حاجتنا، وفي بعض السنوات لا يكون مجموع القمح فوق الخمسمئة ألف طن فقط، إذا أعطى أدهش.
من آثر طاعة الله على هوى نفسه قلَّل الله همومه و نزع الفقر من قلبه:
آيةٌ رابعة:
﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)﴾
قال بعض العارفين: إذا ضاق على فقيرٍ أمر معيشته، فليسأل الله تعالى في تيسير رزقٍ حلال مما قسَمه الله عزَّ وجل.
وقال سفيان الثوري: "اتَّقِ الله فما رأيت تَقيِّاً مُحتاجاً"، كلامٌ رائع.
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾
ورد في بعض الآثار القدسية:
(( قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَروي عن رَبِّه عَزَّ وجَلَّ: بعِزَّتي وعَظَمَتي وجَلالي وارتِفاعي، لا يُؤثِرُ عبدي هَوايَ على هَواه إلَّا أقلَلتُ هُمومَه، ونَزَعتُ الفَقرَ مِن قَلبِه، وجَعَلتُ الغِنى بينَ عَينَيْه، واتَّجَرتُ له وَراءَ كلِّ تاجِرٍ، وعِزَّتي وجَلالي وعَظَمَتي وارتِفاعي، لا يُؤثِرُ عبدٌ هَواه على هَوايَ إلَّا أكثَرتُ هُمومَه ونَزَعتُ الغِنى مِن قَلبِه، وجَعَلتُ الفَقرَ بينَ عَينَيْه، حتى لا أُبالي بأيِّ وادٍ هَلَكَ، وما يَزالُ عبدي يَتحَبَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّه، وإنَّ أفضَلَ ما مَشى به عبدي في أرضٍ النَّصيحةُ، فإذا كان كذلكَ كنتُ بَصَرَه الذي يُبصِرُ به، وسَمعَه الذي يَسمَعُ به، وفُؤادَه الذي يَعقِلُ به، إنْ دَعاني أجَبتُه، وإنْ سألَني أعطَيتُه، أُولئكَ الذين إذا أرَدتُ بأهلِ الأرضِ عَذابًا نَظَرتُ إليهم فرَدَدتُه عنهم بهم. ))
[ ابن حبان في المجروحين ]
وحديثٌ آخر:
(( من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ ))
طاعة الله عزَّ وجل خيرٌ من الدنيا وما عليها:
أيُّها الإخوة الكرام: عن الإمام عليٍ رضي الله عنه، أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم: << من نقله الله عزَّ وجل من ذل المعاصي إلى عزّ التقوى أغناه بلا مال، وأعزَّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله أخاف الله تعالى منه كل شيء، ومَن لم يخف الله أخافه الله تعالى من كل شيء، ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله تعالى منه باليسير من العمل>> .
أيُّها الإخوة الكرام:
(( عن أبي سعيد الخدري أنَّ رجُلاً جاء فقال: أوصني، فقال: سألت عمّا سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلك: أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكر لك في الأرض ))
أي عليك بطاعة الله.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حُجـبنـا فـإنـّا منـحنـا بالـرضـا مـن أحـبـنا
ولُذ بحمانا واحتــــــــمِ بجنابنـا لـنحميـك مـما فـيه أشـرار خلـقـنـا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــلٌ وأخلِص لـنا تلقـى المـسرة والهـنا
وسلِّم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القـرب والإبعـاد إلا بأمــــرنـا
مَن أوتي رزقاً مادياً وحُرم رزقاً روحياً فهذا استدراجٌ من الله تعالى:
أيُّها الإخوة الكرام: الإنسان أحياناً يؤتى رزقاً مادياً ويُحرَم رزقاً روحياً، علِّق الأمل على كل أنواع الأرزاق،

معرفة الله رزقٌ عظيم، طاعته زرقٌ عظيم، أن تشعُر بالخشوع في الصلاة رزقٌ عظيم، أن تقرأ القرآن فيخشع قلبك رزقٌ عظيم، وأن يُعطيك الله مالاً تُغطّي به حاجاتك هذا أيضاً رزق، لذلك قال تعالى:
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
من عِلمٍ، أو من جاهٍ، أو من قوةٍ، أو من خبرةٍ، أو من مالٍ.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخِرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لَم تَكُنْ له حَسَنةٌ يُجزى بها ))
عطاء الله ابتلاء وحرمانه دواء:
لكن والعياذ بالله، إذا رأيت الله يُعطي العبد من الدنيا على معاصيه مما يُحب فإنما هو استدراج، إذا كانت الدنيا تأتي من أوسع أبوابها، والإنسان ليس على طاعة الله، فهذا استدراجٌ يعقبه قصمٌ شديد.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56)﴾
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15 (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾
الرد الإلهي:
﴿ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾
ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
من اتقى الله عزَّ وجل رزقه الله من حيث لا يعلم:
أيُّها الإخوة الكرام: الرزق قِوام الحياة، وما من إنسانٍ إلا بحاجةٍ إلى مالٍ يُغطّي به نفقاته، فإذا اتَّقى الله عزَّ وجل، هيأ له رزقاً وقد يكون كفافاً، فإذا كان الرزق كفافاً لا تحزن، بل استبشر لهذا الحديث الشريف:
(( قد أفلح من أسلَم و رُزِقَ كفافًا، و قَنَّعَه اللهُ بما آتاه ))
فإذا سألتُ أخاً كريماً عن رزقه قال لي مستورة، أقول له: إذاً أصابتك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، قلة المال أمرٌ صعبٌ جداً، وكثرته أمرٌ صعبٌ جداً.
(( بادِروا بالأعمالِ سبعًا: هل تنظرون إلَّا فقرًا مُنسِيًا، أو غنًى مُطغِيًا، أو مرضًا مُفسِدًا، أو هِرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجَّالَ، فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا في قصر الأمل والعقيلي في الضعفاء الكبير ]
(كادَ الفقرُ أن يَكونَ كُفرًا) الغنى الذي يحملك إلى المعصية من أكبر المصائب، لذلك الله عزَّ وجل كما قال بعض العلماء: علِم ما كان، وعلِم ما يكون، وعلِم ما سيكون، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
يقول الإمام أبي حامد الغزالي: "ليس في الإمكان أبدع مما كان" ، وإذا كشف الله لك الحكمة فيما ساقه إليك، وما أقامك فيه من بحبوحةٍ أو من ضيقٍ يوم القيامة، ينبغي أن تذوب شُكراً لله على ما ساقه إليك من أشياءٍ قد تكون في الدنيا قد كرهتها.
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
المعاصي أحد أكبر أسباب قلة الرزق:
أيُّها الإخوة الكرام: في الخُطبة القادمة إن شاء الله، الحديث عن المعاصي التي تمنع الرزق،

قد يُحرَم المرء بعض الرزق بالمعصية، تقوى الله أحد أكبر أسباب زيادة الرزق
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) .
وهناك مجموعة معاصي أحد أكبر أسباب قلة الرزق، هذا موضوع الخُطبة القادمة إن شاء الله تعالى.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حِذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الله عزَّ وجل يرزق العبد على قدر نيَّته:
أيُّها الإخوة الكرام: من مُسلَّمات الإيمان أنك إذا سألت الله عملاً صالحاً يحتاج إلى مال، فإنَّ الله جلَّ جلاله يرزقك رزقاً يُعينك على هذا العمل الصالح.
أمّا حينما تقول: اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك، هناك أعمالٌ صالحة تحتاج إلى مال، فلذلك الذين ينطوون على نوايا حسنة، وعلى رغبةٍ في خدمة الخلق، لعلَّ الله يرزقهم رزقاً يكافئ نواياهم.
الشيء الذي ينبغي أن يُقال: اخرُج من نفسك إلى خدمة الخلق، عندئذٍ يُمكِّنك الله من خدمتهم ولو أنَّ خدمتهم كانت تحتاج إلى أموال، الله عزَّ وجل يرزق العبد على قدر نيَّته، فالذي ينوي خدمة أُمته، وحلّ مشكلات فقرائها، ومعاونة المرضى، ومعاونة مَن هو بحاجةٍ إلى زواج، فالله سبحانه وتعالى يرزقه من حيث لا يحتسِب، ليس هناك قاعدة للرزق.
ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجى هلكن إذاً من جهلهن البهائم
أحياناً الله عزَّ وجل يفتح لك باب رزقٍ واسع، فالمؤمن يسأل الله رزقاً حلالاً طيِّباً يُعينه على عملٍ صالحٍ يُقرِّبه إليه.
(( لا حسدَ إلا على اثنتينِ رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُ منه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ورجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهار ))
حجم كل إنسان عند ربّه بحجم عمله الصالح:
هناك أعمالٌ صالحة يصعُب العقل تصورها، ممكن أن تُنشئ ميتماً، أو مؤسسة تعليمية تُعلِّم الدين، أو مستشفى، أو أن تبني بيوتاً للشباب، أو أن تُغدِق مالك على الفقراء والمساكين،

أو أن تُقيم مشاريع حضارية تُعزِّز هذه الأمة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وأنت في الدنيا حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والإنسان حينما يأتيه مَلَك الموت لا يندَم إلا على شيءٍ واحد، على عملٍ صالح.
﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
(( مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرٍ دفن حديثاً فقال: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم ))
[ أخرجه ابن المبارك في الزهد واللفظ له وابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في المعجم الأوسط ]
والإنسان حينما يموت بثانيةٍ واحدة يفقد كل شيء، الذي جمَّعه في عُمرٍ مديد يخسره في ثانيةٍ واحدة، لمُجرَّد أن يقف قلبه انتهى، كل أمواله لغيره، وأندَم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، وأندَم الناسِ من دخل ورثته بماله الجنَّة ودخل هو بماله النار.
أعظم الأعمال الصالحة أن تنفق مالاً حلالاً لحلّ مشكلات المسلمين:
أيُّها الإخوة الكرام: تُسأل عن حياتك، وعن عمرك، وعن شبابك، وعن علمك، إلا عن مالك تُسأل سؤالين من أين اكتسبته وفيمَ أنفقته؟ والمال قِوام الحياة، وبطولة المؤمن أن يعرف كيف يكسب المال الحلال وكيف ينفقه في وجوهه الصحيحة، للصحابي عبد الرحمن بن عوف كلمةٌ رائعة: "حبَّذا المال أصون به عرضي وأتقرَّب به إلى ربّي" .
خيارات الإنسان الذي جمع مالاً حلالاً في العمل الصالح لا تُعد ولا تُحصى، من هُنا إذا كان طريق كسب المال الحلال سالكاً وفق منهج الله، ينبغي أن تسلُك هذا الطريق، لأنك إن أصبحت غنياً من مالٍ حلال، من طريقٍ مشروع، خيارات العمل الصالح أمامك لا تُعد ولا تُحصى، أمّا إذا كان كسب المال على حساب دينك، وعلى حساب مبادئك وقيَمِك، فاعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ الفقر وسامُ شرفٍ لك، لذلك قالوا: هناك فقر الإنفاق.
(( أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن نتصدَّقَ فوافقَ ذلِكَ عندي مالًا فقلتُ اليومَ أسبقُ أبا بَكرٍ إن سبقتُهُ يومًا قالَ فَجِئْتُ بنِصفِ مالي فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما أبقيتَ لأَهْلِكَ قلتُ مثلَهُ وأتَى أبو بَكرٍ بِكُلِّ ما عندَهُ فقالَ: يا أبا بَكرٍ ما أبقَيتَ لأَهْلِكَ فقالَ أبقيتُ لَهُمُ اللَّهَ ورسولَهُ قلتُ لا أسبقُهُ إلى شيءٍ أبدًا ))
[ أخرجه أبو داوود والترمذي والدارمي ]
ومن أعظم الأعمال الصالحة أن تُنفِق مالاً حلالاً جمعته من كدٍّ حلال ومن كسبٍ حلال في حلّ مشكلات المسلمين.
(( سبقَ دِرهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ قالوا وَكَيفَ؟ قالَ: كانَ لرجلٍ درهمانِ تصدَّقَ بأحدِهِما وانطلقَ رجلٌ إلى عُرضِ مالِهِ، فأخذَ منهُ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بِها ))
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك ولا تُنسنا ذِكرَك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين وانصُر عبادك المؤمنين في كل مكان، في العراق وفلسطين، وفي سائر بلاد الأرض شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام والمسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق