بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
بطولة الإنسان أن يكون مع الذين عرفوا الله :
أيها الإخوة الكرام ؛ مقدمة لهذا اللقاء الطيب كم عالم يوجد بالعالم الإسلامي من بعثة النبي إلى الآن ؟ ألوف ، عشرات الألوف ، مئات الألوف ، كم معهد شرعي ؟ كم كتاب تفسير ؟ كم ؟ كم ؟ شيء لا ينتهي ، هل يمكن أن أضغط هذا الكم الكبير بكليات ؟
مرة زرت معمل سيارات بأمريكا ، جنرال موتورز ، قال لي المرافق والدليل قال لي : هذه السيارة فيها ثلاثمئة ألف قطعة ، أنا كراكب ، يوجد غلاف معدني غريسوري ، ومحرك ، وعجلات ، ومكبح ، وبنزين ، فقط ، كانوا ثلاثمئة ألف صاروا سبعة ، أي ممكن أضغط هذا الدين - مئات العلماء ، آلاف العلماء ، كليات شريعة ، مؤسسات ، تفاسير ، كتب ، محاضرات - بكليات ؟ ممكن ، أول كلية الفكر ، التصور ، إيديولوجية ، المنطلق النظري ، كلها كلمات لمسمى واحد ، الجانب العقدي ، التصوري ، هذا جانب ، إن صحت العقيدة صح العمل ، وإن فسدت فسد العمل ، في العقيدة لا بد من طلب العلم .
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
أي حتى يوضع قبل اسمك د. أي دكتور ، ثلاث وعشرون سنة دراسة ، ثلاث وعشرون سنة دراسة من أجل د. ، ومن أجل جنة عرضها السماوات والأرض ؟!
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ' قال الله عز وجل : أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ . ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]
ألا يوجد عندك فرصة لتحضر درس علم ؟ تقتني كتاب تفسير ؟ تجلس جلسة دعاة إلى الله ؟ شيء أساسي جداً ، عفواً ؛ من بيتي إلى هنا كم بناية يوجد ؟ وكم طابق ؟ وكم شقة ؟ وكم شخص ؟ العدد بسيط جداً ، فالبطولة أن تكون مع الذين عرفوا الله .
فـلو شاهدت عيناك من حسننـــــا الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنـــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابــنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبــــــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمــــة لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــــا
ولــو لاح مـِــن أنـوارنــا لك لائــحٌ تـركــت جـمـيــع الـكـائـنـات لأجـلـنـــــــــا
فما حبنا سهل وكل من ادعــــــى سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنـــــــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتـلـه وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـــا
أسعد إنسان من يتبع تعليمات الصانع :
أخواننا الكرام ؛ هذا الدين فيه كليات ، بنود عريضة ، أول كلية العقيدة ، إن صحت صح العمل ، وإن فسدت فسد العمل ، هذه تحتاج إلى طلب العلم .
فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
أي الله بالتعبير المعاصر سرب إلينا بعض أقول أهل النار :
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
أزمة علم فقط ، الآن يوجد ثمانية مليارات إنسان ، ثمانية مليارات ، فيهم واحد يحب الفقر ؟ أو القهر ؟ أو المرض ؟ ولا واحد ، فيهم واحد لا يحب أن يكون له بيت واسع ؟ زوجة صالحة ؟ أولاد أبرار ؟ كلنا ، أنا عندي مقاييس لثمانية مليارات إنسان ، دعك من الإسلام ، هل يوجد إنسان يحب الفقر ؟ المرض ؟ القهر ؟ هل يوجد إنسان لا يحب البيت الواسع والزوجة الصالحة والأولاد الأبرار ؟ كلنا ، لكن قضية تعليمات الصانع ، البطولة أن تتبع تعليمات الصانع ، اقتنيت مركبة حديثة جداً ، وغالية جداً ، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات ، إن فهمت هذا الضوء فهماً ساذجاً ، إن فهمته تألقاً تزيينياً ، احترق المحرك تحتاج مئة ألف ، وإن فهمته فهماً وفق تعليمات الصانع هذا ضوء تحذيري ، أوقفت المركبة ، صببت لتر زيت فقط ، انتهى الأمر كله .
فالإنسان إذا أحب ذاته ، يعشق ذاته ، عليه أن يتبع تعليمات الصانع ، لا تحب أحداً ، أحب نفسك ، فلذلك الإنسان عندما يعرف الحقيقة يكون أسعد إنسان .
الفرق بين اللذة والسعادة :
يوجد لذة ويوجد سعادة ، كلامي دقيق ، اللذة حسية مادية ، تحتاج دائماً إلى وقت ، وإلى مال ، وإلى صحة ، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة تنقصك واحدة دائماً ، بالبداية يوجد وقت ، وصحة ، لكن لا يوجد مال ، بالوسط يوجد صحة ، ومال لكن لا يوجد وقت ، بالنهاية يوجد مال ، ووقت لكن لا يوجد صحة ، دائماً تنقصك واحدة ، من محبة الله لنا كي لا نغتر بالدنيا ، كي لا نجعلها غاية مطلبنا ، الدنيا ساعة اجعلها طاعة ، والنفس طماعة عودها القناعة ، فلابد من طلب العلم .
ومرة ثانية : من أجل أن تضع د. جانب اسمك تحتاج إلى ثلاث وعشرين سنة دراسة ، ومن أجل جنة عرضها السماوات والأرض :
(( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ . ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
ألا يوجد عندك وقت لتحضر درساً ؟
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــــــــــمقال شنيع
لـــــو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لــــــــــــمن يحب يطيع
الأمن نعمة لا تمتع بها إلا المؤمن :
أيها الإخوة الكرام ؛ يوجد حالة اسمها الأمن ، أقسم لكم بالله لا يتمتع بها إلا المؤمن ، الدليل ، لا تقبل في الدين شيئاً إلا بالدليل :
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ( 82 )﴾
لو أن الآية افتراضاً الأمن لهم ما عاد قرآناً ، ولغيرهم ، ( أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ) التقديم والتأخير فيه قصر وحصر ( أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ) أي لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن ، موظف بسيط ببلد غير متقدم مالياً طبق منهج الله يتمتع بالأمن ، ورئيس أكبر دولة بالعالم .
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) ﴾
أي أقل وظيفة بالأرض بالقارات الخمس مع الإيمان يوجد أمن ، وأكبر وظيفة بالأرض من دون إيمان لا يوجد أمن ( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا ) لا يكفي ( وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ) أي وحدهم ، وأقوى إنسان بالأرض ، حاكم أكبر دولة بالعالم إذا لم يكن مؤمناً عنده قلق ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ) أنت كمؤمن تتمتع بشيء نادر في الحياة ، أنت تتمتع بالأمن ( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) .
أنت لما تعرف سر وجودك وغاية وجودك تصح حركتك ، شخص ميسور أرسل ابنه إلى باريس لينال الدكتوراه من السوربون ، أقوى جامعة بأوروبا كلها ، هذا الشاب أرسله أبوه إلى باريس لينال الدكتوراه جامعة السوربون ، انظر علة وجوده في هذه المدينة ، باريس أكبر مدينة في أوروبا ، فيها معامل ، فيها جامعات ، فيها ملاه ، فيها انحرافات ، علة وجوده الوحيدة في هذه المدينة العملاقة الدراسة ، لكن هذا لا يمنع أن يدخل إلى مطعم فيأكل ، يجلس في حديقة فيتنزه ، لا يوجد مشكلة ، يقتني كتاباً فيقرأه أما علة وجوده ، اسمع القرآن :
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )﴾
العبادة طاعة طوعية ، الذي خلقنا وهو الله ، حياتنا بيده ، الموت بيده ، الصحة بيده ، المرض بيده ، القلق بيده ، الأمن بيده ، كل شيء بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً قال :
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
بل أراد الله جل جلاله أن تكون العلاقة به علاقة حب ، قال :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾
إله ، حياتنا بيده ، المرض بيده ، الصحة بيده ، الغنى بيده ، الفقر بيده ، القوة بيده ، الضعف بيده ، راحة البال بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً فقال : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) بل أراد أن تكون العلاقة الحب بيننا وبينه قال : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) .
الحبّ في الله عين التوحيد :
لذلك الحب في الله عين التوحيد ، أن تحب الله ، أن تحب رسوله ، أن تحب الأنبياء جميعاً ، أن تحب العلماء الربانيين ، أن تحب المساجد ، أن تحب العلم ، الحب في الله عين التوحيد ، والحب مع الله عين الشرك ، أن تحب جهة تمنعك أن تصلي فأطعتها وعصيت الله ، لا يوجد أحمق من الذي يعصي الله ، وجوده بيد الله عز وجل .
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
الأمر القارات الخمس ، هذا البعد المكاني ، والأمر من آدم إلى يوم القيامة هذا البعد الزماني ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ) متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك أن الأمر يرجع إلى الله عز وجل وحده .
لذلك أيها الإخوة ؛ أن تعرف الله ، أن تعرف رسوله ، أن تعرف الشريعة ، أن تعرف علة وجودك ، وغاية وجودك هذا شيء أساسي في حياتنا ، فلذلك لا بد من طلب العلم .
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
أخواننا الكرام ؛ أنت بهذا الطلب تحقق وجودك ، أي العلم ليس شيئاً تحسينياً ، هو شيء أساسي .
مثلاً : سيارة فيها مصابيح زائدة ممكن ، فيها معدن غال جداً ممكن ، أما المحرك فأساسي ، يوجد شيء ثانوي ، وشيء أساسي ، المحرك ينقلك من مكان إلى مكان ، فلذلك عندما يلغى المحرك ما عادت سيارة ، صارت وقافة .
انظر ؛ الحياة من دون دين ليس لها معنى إطلاقاً ، مملة ، لماذا ؟ الإنسان بالبداية يعيش بأحلام كبيرة جداً ، لما تزوج زوجته صارت محددة ، وعمله صار محدداً ، كله محدد ، الحياة من دون إيمان مملة ، مملة فعلاً ، والانتحار بالعالم الغربي يفوق حدّ الخيال ، الانتحار من أناس يملكون ملايين مملينة ، ما عرف سرّ وجوده ، ولا غاية وجوده ، تجد إنساناً عادياً بسيطاً بدولة نامية عرف الله أسعد إنسان ، وإنسان يملك ملايين مملينة ، الانتحار بالعالم الغربي يفوق حدّ الخيال ، معه ملايين ، ما رأى في الدنيا شيئاً ذي بال ، لذلك من عرف الله عرف كل شيء ، ومن فاته أن يعرف الله فاته كل شيء .
أخواننا الكرام ؛ الدين شيء أساسي جداً ، أن تعرف الله ، أن تعرف الحلال والحرام ، أن تعرف ما يجب وما لا يجب ، ما يجوز وما لا يجوز ، هذا الدين ، فلابد من طلب العلم ، ومرة ثانية : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .
الآن كليات الدين العقيدة ، إيديولوجية ، تصور ، فهم ، هذه العقيدة جانب عقدي أي جانب علمي ، لابد من طلب العلم ، يوجد حركة الآن ، أنت بحاجة إلى الطعام والشراب ، الله وصف الأنبياء بأنهم كانوا يأكلون الطعام , أنت مضطر أن تأكل كي تبقى ، ومضطر إلى ثمن الطعام ، الأنبياء كانوا يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، لأنك إنسان مفتقر في وجودك إلى الطعام والشراب ، طبعاً إلى الهواء أعلى درجة ، للماء أقل ، للطعام أقل ، من دون هواء بعد دقائق يموت الإنسان ، من دون ماء بعد يومين ، من دون طعام بعد أسبوعين أو ثلاثة يموت ، فأنت مفتقر إلى الطعام والشراب ، وأنت مفتقر إلى الله عز وجل ، والله عز وجل بلمحة ينهي حياتك ، يقول لك : خثره بالدماغ ، فشل كلوي ، شيء دقيق جداً .
فيا أيها الإخوة الكرام ؛ قضية الدين قضية مصيرية ، وهناك أشياء كثيرة ليست قضية مصيرية ، ممكن أن يكون الإنسان بيته صغير ، وزوجته مرضي عنها لكن لا كما يتمنى ، ممكن ، ودخله قليل ، لكنه يعيش ، أما من دون هواء وقفت حياته ، إذا آمنت أن الدين كالهواء تكون بطلاً ، الدين كالهواء نستنشقه وإلا نموت ، هكذا القرآن ذكر هذا الشيء كثيراً ، أنك أنت بحاجة أساسية إلى وجودك ، وكمال وجودك ، واستمرار وجودك ، تحب وجودك لا شك ، وتحب كمال وجودك ، يكون عندك بيت واسع ، وزوجة صالحة ، وأولاد أبرار ، واستمرار وجودك تحب 130 سنة ، يوجد شيخ أزهر عاش مئة وثلاثين سنة بالضبط .
الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :
الحقيقة الإنسان بالتعريف الدقيق الجامع المانع الرائع : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، أنت زمن ، ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن ، إذ قال :
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
إله يقسم ، خالق الأكوان يقسم ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) كيف أنا خاسر ؟ قال : لأن مضي الزمن يستهلكك فقط ، قبل أن تقول : مؤمن ، غير مؤمن ، صالح ، طالح ، ألغ كل هذا ، مضي الزمن يستهلكك ، لذلك أجمل تعريف جامع مانع قاطع رائع للإمام الحسن البصري قال : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، فأنت زمن ، ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن ، قال لك : ( وَالْعَصْرِ ) خالق الأكوان ، ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) لم يا رب نحن نخسر ؟ قال : لأن مضي الزمن يستهلكك فقط ، ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) ما بعد إلا يا الله ! أركان النجاة ، الإمام الشافعي قال : ما بعد إلا أركان النجاة ، أي إنسان خاسر لأنه زمن .
بالمناسبة ؛ الأشياء الجامدة لها وزن ، وحجم ، وطول ، وعرض ، وارتفاع ، أما المتحركة فيها بعد رابع ، الزمن ، سيارة مثلاً من عشرين سنة لها مظهر آخر ، قد يكون اللون بهت ، الأشياء تعبت ، فكل شيء متحرك الزمن هو البعد الرابع في هذه الأشياء ، فنحن زمن ، ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) خالق الأكوان ، لأننا زمن فالبطولة أن تستغل هذا العمل بالعمل الصالح .
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) ﴾
أنت كما قلت قبل قليل : أرسلت ابنك إلى باريس لينال الدكتوراه علة وجوده الوحيدة في هذه المدينة العملاقة الدراسة ، وإذا ما درس خاسر .
﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) ﴾
أن تخسر الله ، أن تخسر معرفة الله ، أن تخسر عبادتك أكبر جهل ، لذلك دائماً الإنسان البعيد عن الله يوصف بالحمق ، آثر الدنيا على الآخرة ، آثر ما يفنى على ما يبقى ، آثر المعصية على الطاعة ، فلابد من طلب العلم .
مرة ثانية : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل .
من ذكر الله أدى واجب العبودية :
إذاً الكليات العقيدة ، الحركة الآن ؛ الحركة إما أن تكون وفق منهج الله ، أو بخلاف منهج الله ، بخلاف منهج الله أكبر خسارة ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) .
نحن عندنا العقيدة ، الإيديولوجية ، التصور ، وعندنا الحركة ، الحركة يوجد حركة سلبية ، يقول لك : أنا ما أكلت مالاً حراماً ، ممتاز ، أنا ما كذبت ، أنا ما غششت ، هذه حركة سلبية ، الإيجابية : أنفقت من مالي ، من علمي ، من جاهي ، الآن الثمرة :
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
أي أنت بالصلاة تذكر الله ، وقال :
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)﴾
إن ذكرت الله يذكرك ، إذا ذكرته أديت واجب العبودية ، لكنه إذا ذكرك دقق الآن ؛ يمنحك السكينة ، تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، هذه السكينة أكبر عطاء إلهي ، ذاقها النبي في الغار ، وذاقها إبراهيم في النار ، وذاقها يونس في بطن الحوت ، قليلة هذه ؟ حوت وزنه 150 طن ، وجبته الطبيعية 300 كيلو ، هذه في الصباح ، صار بقلب الحوت !
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87 ) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
هذه القصة قلبت إلى قانون ( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) لكل الناس ، لما دخل لبطن الحوت ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ) في ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ( أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) قلبها إلى قانون .
الله تعالى خلقنا ليسعدنا :
أي واحد منكم يا أخوان غال على الله ، خلقنا ليسعدنا ، الدليل :
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
آية واضحة ، صارخة ، محكمة ، ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) فأنت لا تعبأ بأي كلام آخر يتناقض مع هذه الكلمة ، خلقنا ليرحمنا .
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
يوجد حالة بالتجارة فوق الكسب ، الجمع ، أنت كم مليون حصلت بالسنة ؟ خمسة ملايين ، هذا لا شيء ، أنا حصلت عشرة ، ينتقل التاجر أحياناً لمستوى الجمع ، ليس موضوع الرزق ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .
من عرف الله واستقام على أمره نال سعادة الدنيا والآخرة :
أنت إن عرفت الله ، واستقمت على أمره ، وأحسنت إلى خلقه ، أنت نلت سعادة الدنيا والآخرة ، والسعادة شيء مهم جداً غير اللذة ، السعادة أن يكون لك صلة مع الله عز وجل ، والسعادة ثمنها باهظ لكنه ممكن أن تعرف الله ، السعادة أن تتصل بأصل الجمال ، والكمال ، والنوال ، السعادة أن تتصل بالخالق ، والرب ، والمسير ، السعادة أن تتصل بصاحب الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، السعادة أن يكون لك مع الله خط ساخن في الليل .
(( عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينادي مناد كل ليلة : هل من داع فيستجاب له ؟ هل من سائل فيعطى ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ حتى ينفجر الفجر . ))
[ أخرجه الطبراني والبزار والإمام أحمد ]
أخواننا الكرام ؛ نصيحة لوجه الله تعالى مرة ثانية : إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ حتى يطلع الفجر .
فهذه صلاة الفجر أعظم صلاة ، فلذلك أخواننا الكرام ؛ نحن خيارنا الوحيد أن نعرف الله ، أي إذا كان طفل أعطيته بالعيد خمسين ديناراً ، وأعطاه عمه الثاني خمسين ، وخاله خمسين ، وخاله الثاني خمسين ، يقول لك : أنا معي مبلغ عظيم ، كلامه صحيح ، طفل صغير معه 200 دينار ، فإذا قال رئيس دولة عظمى : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً 200 مليار ، فإذا قال الله عز وجل :
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
ما قولك ( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) ؟
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، إلا أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
أسأل الله أن يحفظ إيمانكم جميعاً ، وأهلكم ، وأولادكم ، وصحتكم ، ومالكم ، واستقرار هذه البلاد .
الملف مدقق