وضع داكن
26-02-2025
Logo
الأردن - عمان - جامع التقوى - دروس صباحية - الدرس : 014 - توجه الحجاج إلى المدينة المنورة
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
        بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. 
          اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا، إنّك أنت العليم الحكيم، اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدْنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصَّالحين. 
     أيُّها الإخوة الكرام؛ قبل العيد عيد الأضحى المبارك، كان الدَّرس عن الحج، ووصلنا إلى الانتقال من مكة إلى المدينة، ولنتابع في هذا اللّقاء الطَّيب الموضوع السَّابق حيث ننتقل إلى المدينة المنورة. 
    إخوتي الكرام؛ وبعد أن ينتهي الحاج من مناسك الحج، يتجه الحجاج إلى المدينة المنورة، التي هي من أحب بلاد الله إلى الله. 

توجه الحجاج إلى المدينة المنورة:


    يتجهون إليها لزيارة سيد الأنام -عليه أتم الصَّلاة والسَّلام-، وقد عُلقت في مكان بارز من الحجرة النَّبوية الشَّريفة الآية الكريمة:

﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا(64) ﴾

[ سورة النساء ]

     وقد أشار الإمام القرطبي -المفسر الكبير-إلى أن الآية الكريمة تَصْدق على زيارة النبي -عليه الصلاة والسلام-في حياته وبعد مماته، وليس هذا لغير النبي -صلى الله عليه وسلم-له وحده، وقد أورد المفسر الكبير 
القاسمي في تفسيره: أن في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي-صلى الله عليه وسلم-فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية
ربه من خلال خروجه عن سنة النَّبي الكريم وجب عليه أن يستغفر الله أولاً، وأن يعتذر من رسول الله ثانياً،
فلا تتم توبته إلى الله، ولا تُقبل إلا إذا ضمَّ إلى استغفار الله استغفار رسول الله.
فطاعة رسول الله -دققوا-عين طاعة الله، وطاعة الله عين طاعة رسول الله، وإرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله.
يُستنبط هذا -دققوا-من إفراد الضمير في قوله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ(62) ﴾

[ سورة النساء ]

     (أَن يُرْضُوهُ) في أصل اللغة أن يرضوهما لأنهما اثنان، لكن المعنى الدقيق، الدقيق جداً أن إرضاء الله عين إرضاء رسول الله، وإن إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، بضمير المفرد الغائب، ولا أدل على ذلك من قول الله تعالى:

﴿ مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(80) ﴾

[ سورة النساء ]

     لي تعليق صغير: يعني السكينة يَسعد بها الإنسان، ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، أذاقها الله للنبي في الغار، وأذاقها لإبراهيم في النار، وأذاقها ليونس في بطن الحوت. ثلاثة أماكن هلاك محقق.   
                السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها، ولو ملكت كل شيء.
 الكلمة الثانية الدقيقة: 

﴿ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (64) ﴾

[ سورة يوسف ]

الكلمة الثالثة الرقيقة:    

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ  عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) ﴾

[ سورة هود ]

      التوفيق من الله وحده، والسكينة من الله وحده، والحفظ من الله وحده (مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) .

  الإنسان مخير: 


﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا(29) ﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) ﴾

[ سورة الإنسان ]

﴿ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) ﴾

[ سورة الأنعام ]

هذا التوحيد.

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(31) ﴾

[ سورة آل عمران ]

     يعني الآن يوجد ملمح دقيق، يوجد عندنا شيء اسمه لذة، اللذة حسية، تحتاج إلى صحة، وإلى وقت، وإلى مال، في البدايات مال لا يوجد، صحة يوجد، وقت يوجد، بالوسط صحة يوجد، مال يوجد، لكن وقت لا يوجد، بالنهايات مال يوجد، وقت يوجد، لكن صحة لا يوجد؛
هذه اللذة تحتاج إلى شروط ثلاثة:  تحتاج إلى صحة، وإلى مال، وإلى وقت، ودائماً ينقصنا واحدة، أما السعادة شيء آخر.
     لمجرد أن تُقبل على الله، ولا تقول: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني، ذاق هذه السعادة رسول الله في الغار، ذاقها إبراهيم في النار، ذاقها يونس في بطن الحوت، وإذا الإنسان ذاق شيئاً من القرب إلى الله،
 ولم يقل: ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني؛ هناك مشكلة كبيرة.
أثر زيارة المدينة المنورة:
      لذلك، ولعل سر السعادة التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي –صلى الله عليه وسلم-أنه ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما أن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش بالبكاء، وعندئذٍ تصبح 
نفس الزائر صافية من كل كدر، نقية من كل شائبة.
     يعني مع الأسف الشديد، الشديد، تسأل الحاج عن حجه، يحدثك عن كلّ شيء إلا الحج، الطَّائرة، والسَّيارة والفندق بتفاصيل مملة، حسناً، أنت ما شعرت بشيء بالحج؟ ما صار لك إقبال على الله؟ ما كان هناك توبة نصوحة؟ شيء عجيب!!!
      يعني يذكر لك كلّ شيء، إلا الحج، يحكي عن الفندق، عن الطَّائرة عن المواصلات، عن الطَّعام، عن الشَّراب، أنت هنا أحياناً بعرفات حديث عام، هذا يوم أعظم يوم بحياتك، يوم اللقاء مع الله، يوم الإقبال على الله، حديث عادي بالأكل والشرب!!! 
     الله أتى بك من بلادك، بلاد بعيدة لعرفات تتحدث عن الطعام والشراب؟! وعن موضوعات عادية جداً، والله يا إخوان،

(( ولن يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًاً من قِلَّةٍ ))

[ رواه أبو داود والترمذي وأحمد ]

     هذا كلام النبي، وهو الصادق المصدوق، وكلامه ليس من علمه، ولا من فهمه، ولا من رأيه؛ كلامه وحي يوحى، والدليل:

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ(4) ﴾

[ سورة النجم ]

     نحن الآن ملياري مسلم، نملك نصف ثروات الأرض بالتَّمام والكمال، نملك ثلاثة ممرات مائية أصل 
التّجارة الدّولية، نملك، نملك، الكلام طويل جداً، ومع ذلك، كما هو واقع، أمرنا ليس بيدنا، وللطرف الآخر 
علينا ألف سبيل وسبيل.

﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ(55) ﴾

[ سورة النور ]

     والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل نحن الآن مُستخلفون في الأرض؟ (كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ)
     هل هذا الدين العظيم مُمكَّن أم يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت تحت الطاولة، أما اليوم فوق الطاولة، جهاراً نهاراً؟
      أحد أعضاء الكونغرس يقول: بما أن الغرب مُهيمن على الشَّرق، لن نسمح للسُّنة أن يحكموا أنفسهم. كلام واضح، لكن الله موجود (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ ) .
     المفتاح بكلمة (يَعْبُدُونَنِى) فإذا قصّرنا في عبادته، خسرنا هذه الوعود الثلاث (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِى) .
     والعبادة: طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تُفضي إلى سعادة أبدية.
      إذاً ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما إن يبصر الرَّوضة الشَّريفة حتى يجهش بالبكاء، عندئذٍ تصبح نفس الزَّائر صافية من كل كدر، نقية من كل شائبة، سليمة من كل عيب، منتشية بحبها للنبي
-صلى الله عليه وسلم-وقربها منه؛ هذه حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي –صلى الله عليه وسلم-في قوله: 
"مَنْ جاءَني زائرًا لمْ تَنزعْهُ حاجةٌ إلَّا زِيارتي كان حقًّا عليَّ أنْ أكونَ لهُ شفيعًا يومَ القيامةِ"  

[  حديث ضعيف ]

     وإذا شئت الدليل قرآني على ما يشعر به المسلم من سكينة وسعادة حينما يتصل برسول الله -صلى الله عليه 
وسلم-بنحوٍ أو بآخر قوله تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103) ﴾

[ سورة التوبة ]

     قال الإمام الرَّازي في تفسيره: إن روح محمد -صلى الله عليه وسلم-كانت روحاً قوية صافية مشرقة باهرة بشدة قربه من الله، ولأن قلبه الشَّريف مهبط لتجليات الله-جل وعلا-، فإذا ذكر أصحابه بالخير والود، أو ذكره المؤمنون بالحب والتقدير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم، وصفت سرائرهم، وهذه المعاني تفسر قوله تعالى:

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا(56) ﴾

[ سورة الأحزاب ]

     وقد روي أن بلالاً -رضي الله عنه-سافر إلى الشام، وطال به المقام بعد وفاة سيد الأنام -عليه أتم الصَّلاة والسَّلام-ولقد رأى -وهو في منامه-وهو في الشام، رسول الله يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ 

(( من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي ))

 

[  حديث صحيح ]

       أما آن لك أن تزورني؟ فانتبه حزيناً، وركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-فجعل يبكي عنده كثيراً، فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما-، وجعل يضمهما، ويقبلهما، فقالا له: نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن فيه لرسول الله -عليه الصلاة والسلام-وأصرَّا عليه، فصعد وعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقفه، ولما بدأ بقوله: الله أكبر، تذكر أهل المدينة عهد رسول الله -صلى الله
 عليه وسلم-فارتجت المدينة، وخرج المسلمون من بيوتهم، فما رأيتُ يوماً أكثر بكاءً في المدينة بعد وفاة رسول الله من ذلك اليوم، ولقد صدق أبو سفيان -رضي الله عنه –طبعاً، هذا بعد أن أسلم أبو سفيان-قلتُ -رضي الله عنه-بعد أن أسلم، حينما قال: "ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً"
      وهذه الحقيقة التي تنبغي أن تنسحب على كل مؤمن إلى يوم القيامة. 

(( لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدِهِ، والناسِ أجمعينَ ))

[ أخرجه البخاري ]

لطائف من خطبة الوداع:
     ولقد خطب النبي -عليه أتم الصَّلاة والتَّسليم-في حجة الوداع، خطبة جامعة مانعة تضمنت مبادئ إنسانية سيقت في كلمات سهلة سائغة، كيف لا؟! وقد أوتي النبي جوامع الكلم، فلقد استوعبت هذه الخطبة جملة من الحقائق التي يحتاجها العالم، العالم الشارد المعذب الآن، العالم كله يحتاج هذه الحقائق قال:

﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ(123)﴾

[ سورة طه ]

( فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) ، و آية أخرى: 

﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

[ سورة البقرة ]

     اجمع الآيتين، الذي يتبع هدى الله -عز وجل-لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي؟  الذي اتّبع هدى الله -عز وجل-لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
      إن الله -عز وجل-ربّى محمداً -صلى الله عليه وسلم-ليربي به العرب، وربّى العرب بمحمدٍ ليربي العربُ الناس أجمعين، هكذا أراد الله لهم.

﴿ وَجَٰهِدُواْ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ(78) ﴾

[ سورة الحج ]

     من المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي الكريم في حجة الوداع، أن الإنسانية متساوية القيمة في أي إهاب تبرز، وعلى أية حالة تكون، وفوق أي مستوًى تتربع، قال النبي:
   

((   " أيها الناس؛ إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – اللهم ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد". ))

        مد آخر، النفس الإنسانية مالم تكن مؤمنة بربها، مؤمنة بوعده ووعيده، مؤمنة بأنه يعلم سرها وجهرها، لن ينفع إيمانها شيئاً، يعني ملياري مسلم، نحن مليارين، نحتل أهم منطقة في العالم ملتقى القارات الثلاث، نملك ثلاثة ممرات مائية أصل التجارة الدولية، ومع ذلك ما ترون، أمرنا ليس بيدنا، لأن النفس البشرية قبل أن تؤمن تدور حول أثَرتها ومصلحتها، ولا تبالي بشيء في سبيل غايتها، ربما الآن بَنَت مجدها على أنقاض الآخرين، ربما بَنَت غناها على إفقار الآخرين، ربما بَنَت عزها على إذلال الآخرين، ربما بَنَت حياتها على موت الآخرين، قال -عليه الصلاة والسلام-في حجة الوداع:  

((    " أيُّها الناسُ، إِنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ، علَيْكُم حَرَامٌ، إلى أن تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، إنما المؤمنون إخوة، لا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، وإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عن أَعْمالِكُمْ– اللهم ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد".  ))

 يعني الموضوع طويل جداً، لكن نتابع هذا الموضوع بوقت آخر إن شاء الله.

عودة الأمراض مجدداً:


        إلا أنه هناك خبر حقيقة قليلاً مؤلم، عادت هذه الأمراض الآن إلى النمو، فلذلك يوجد أنباء مؤسفة عن ارتفاع نسب الإصابة بهذه الفيروسات المتعددة مؤخراً في بعض البلاد.
      هناك شاعر من سوريا أصيب بهذا الفيروس، وفقد حياته، لكن كان شاعراً، قال هذه القصيدة يخاطب الكورونا:

ألا هُـبِّـي بـكـمّـامٍ يـقـيـنــا               رذاذَ الـعـاطـسينَ وعَـقِّـمـينا

فـنحن اليومَ في قفصٍ كبيرٍ            وكورونا يـبـثُّ الرعـبَ فـينا

إذا ما قد عطسنا دون قصدٍ            تـلاحـقُـنا الـعـيونُ وتـزدريـنا

وإنْ سعلَ الزميلُ ولو مُزاحاً           تـفـرَّقـنـا شــمــالاً أو يمـيـنـا

وبـاءٌ حـاصـرَ الـدنـيا جـميعاً          وفـــيـــروسٌ أذلَّ الـعـالميـنا

تغلغل في دمـاء الناس سـرًا            فبـاتـوا يـائسـين وعاجـزينـا

يقاتلهم بلا سـيف ورمـح                ويـتـركهم ضـحايـا ميـتينـا

أيا كـوفيد لا تعجل علينا                   وأمهلنـا نخبرك الـيقينـا

بأنا الخائفون إذا مرضنا                  وأنا الجازعون إذا ابتلينا

وأنا المبلسون إذا افتقرنا                  وأنا الجاحدون إذا غَنينـا

 وأنـا الباخلـون إذا ملكنا                  وأنا الغادرون بمن يلينـا

وأنـا قد ظلمنـا وافترينـا                  وشوهنا وجوه الصالحينا

 وأنا قد هجرنا كل حـق                  وصافحنا أكف المجرمينا

وأنــَّا مــا شـكرنا اللهَ حـقـاً             عـلى نـعـمٍ أتـتـنا مُـصبحينا

وهـذي صـفعةٌ أولى لنصحو         ونـخـرجَ مــن حـياةِ الـغافلينا

وإلا فالمصـائبُ مطـبقـاتٌ              ونرجـو اللهَ دومـاً أنْ يقينـا

[ خالد جميل الصدقة ]


   الخاتمة:  


     آخر كلمة؛ أنت طبيب جاءك مريضان، الأول معه التهاب معدة حاد، أخضعته لحمية قاسية جداً لمدة ستة أشهر على الحليب فقط، والثاني معه ورم خبيث منتشر، سألك الثاني: ماذا آكل؟ قلت له: كل ما شئت. 

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]

     تجد بلاداً جميلة جداً، أنواع الطعام والشراب يفوق حد الخيال، الطيران، البواخر راقية كأنها مدينة تمشي، 
السيارات، شيء لا يصدق
(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً) .   
     إذا إنسان مارضي يشفى منه وخضع لحمية قاسية، أليس أفضل له أن يقال له: كل ما شئت، والنهاية دمار كامل؛ هذا الواقع.
      أرجو الله أن يحفظ إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، واستقرار بلادكم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.   
الملف مدقق

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور