- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (047) سورة محمد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
قال تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ..............
أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الأولى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
أما الذين كفروا فهؤلاء الذين كذبوا الحقَّ وأعرضوا عن الحقِّ، لكنَّ الكفرَ كما قلتُ دائما يتسّع ليشمل انكار آية ، أو انكار حكم من التشريع ، أو انكار موعظة، ويضيق ليشمل انكار أصل الدين وأصل العبادات، فليس كلّ كافر يُشْبهُ كافِرًا آخر، فالإنسان الذي يُصلِّي ويصوم، ويُؤدِّي العبادات ولكنَّهُ يتعامَل بالرّبا، فآية:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
لم يعْبأ بها، ولم يُصَدِّق، فهذا واقِع في نوعٍ من الكُفْر، فحينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
فحينما يختار الأب الشاب الغَنِيّ الفاسِق على شابِّ مؤمنٍ فقير، هذا نوعٌ مِن الكُفْر، ولكنَّه بِالمعنى المُوَسَّع، وبالمعنى ضَّيِّق أن تُنْكِر أصْل الدِّين ، وأن تُنْكِر أنَّ هذا القرآن كلام الله وأن تُنْكِرَ نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تُنْكِر العبادات، ولا تعْبأ بها، فهذا الذي قال: لو أنَّ محمَّدًا صادِق فيما يقول لَكُنَّا شرًّا مِن الحُمُر ! قال عنه الله في القرآن الكريم:
﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
حتَّى إنّ بعض العلماء يقول: مَن أمْسَكَ المُصْحَف، وألْقاهُ إهانةً فقد كفَر فنحن عندنا كُفر اعْتِقادي، وهم أن تَعْتَقِدَ أنَّ مع الله إلهًا آخر، أو أن تَعْتَقِد أنَّ الله ليس إلهًا، وأنَّ آلِهَة الأرض فلان وفلان ! وأنَّ القرار بِيَدِهِم، ولهم أن يرفعوا ويخفضوا، فهذا هو الكُفر، فالإنسان حينما يُنْكِر أصْل الدِّين وأصْل الوَحي والقرآن، والأمر والنَّهي، فهذا كافر بالمعنى الضَّيِّق، وهذا خالدٌ مُخلّدٌ في النار، أما حينما لا تفْعَلُ أمرًا لا غلبَةً بل إنكاراً، فلو أنّ شَخصان من الناس عصيا الله، أحدهم يعْصيهِ غلبَةً، والآخر يعْصيهِ اسْتِكبارًا، ويقول لك: هذا الأمر غير منطِقي، وغير معقول، وأين أذْهَبُ بِعُيوني، أنكر آية غضِّ البصَر، فَفَرْقٌ كبير بين مَعْصِيَة الغَلَبَة، ومعْصِيَة الكِبْر، فإبليس عصى ربَّهُ فلم يسْجُد اسْتِكبارًا، أما آدم، فالله تعالى قال عنه:
﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾
ففَرْقٌ كبير بين أن تعْصي الله مَغْلوبًا، وبين أن تَعْصِيَهُ اسْتِكبارًاوعِنَادًا ، وعلى كلٍكُلِّ أنواع الكُفْر الواسِعُ منها والضَّيِّق، والكُفْر بالأصول والفروع ، وكُفْر الاعْتِقاد والسُّلوك، وسواء كفر الاعْتِقاد، أو كُفْر السُّلوك، أو كُفْر الأقوال، فالإنسان الساكت لا يتكلَّم أيَّ كلمة، إلا أنَّهُ يعْلمُ عِلْمَ اليقين أنَّ الذي يُعْطي ويَمْنَعُ هو زَيْد، فهذا كافر وأنَّ هذا الإنسان القَوِيّ إذا رضِيَ عن إنسانٍ أعْطاهُ كلّ شيء، ومن غضِبَ عليه حرَمَهُ كلّ شيء، فهذا كافر، وعبَدَ إلهًا آخر من دون الله وربُّنا عز وجل يقول:
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
أنْكرَ أنَّ الله عز وجل بِيَدِهِ كُل شيء، فحينما تُنْكِرُ أنَّ الأمر بيَدِ الله، بِكُلّ أحداث الكَون، بالزَّلازِل والبراكين، وبالاجْتِياحات، وكلّ شيءٍ تَسْمَعُهُ أُذُنُك إذا أنْكرْتَهُ أنَّهُ مِن فِعْل الله فهذا نوعٌ من الكُفْر، وسواءٌ كان بِمَعناه الواسِع أو الضَّيِّق وسواءٌ أكان الكُفْر بالأُصول أو الفروع، وسواء أَكان الكُفْر كُفْر اعتِقاد أم أقوال أو كُفْر أفعال، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
هنا محطُّ شاهِد، وقال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
لا بدّ مِن أن يرْتَكِب الحماقة، ولا بدّ مِن أن يرْتَكِبَ عملاً يحْتَرق عليه، ومع الله لا يوجد ذَكِي أبدًا، وإذا أراد الله إنْفاذ أمْرٍ أخَذَ من كلّ ذي لُبٍّ لبَّه، وهذا يَجري كلّ يوم، إنسان في أعلى درجات الذَّكاء، ولكنَّه بعيد عن الله ؛ يرْتَكِب حماقات لأتْفَهِ الأسباب، يُطَلِّق زوْجته لأتْفَهِ الأسباب ومعها خمسة أسباب، ويتكلَّم كلمة غير مَعقولة فيَخْسِرُ منْصِبَه، أما إذا كنتَ مع الله فأنت مُسَدَّد رشيد، ومعك مِن الله تعالى حافِظ، ومُلْهَم، ومُوَفَّق، ومَنْصور، ويَهديك إلى سواء السَّبيل، ويُلْهِمُكَ الخَير، ويُلْهمُك الحِكمة في الأقوال والأفعال، وأن تكون أبًا ناجحًا، وزوْجًا ناجحًا، وتاجرًا ناجحًا، ومُوظَّفًا ناجحًا، وطبيبًا ناجحًا، ومُحامِيًا ناجحًا .
بالمناسبة الإنسان مُخَيَّر، ومع أنَّه مُخيَّر مُسيَّر، حينما يَختار الكُفْر الآن يُسَيَّر لِدَفْع ثَمَن الكُفْر والحماقات، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
معنى أضَلَّ أعمالهم ؛ إمَّا أنَّ عملهم يسْقُط أو أنَّ عملهم يوم القيامة لا يجِدونه شيئًا يقول يا رب، تعلَّمتُ العِلم، فيُقال له: تعلَّمْتَ العِلْم لِيُقال عنك عالم ؛ خُذوه إلى النار ! وقد قيل !! فإمَّا أنَّ عملهُ يسْقُط لأنَّه عمله للدُّنيا، ولِمَكاسِب أرْضِيَّة، أو أنَّ عملَهُ أصْلاً يُصْبِحُ تافِهًا حقيرًا، والله عز وجل قال:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
فهذا الذي اختَرَع هذا الجِهاز الذي ترى به كلَّ الدنيا وأنت في بلَدِك تنطَبق عليه هذه الآية، وكذا الذي اخْترَع الدِّيناميك، فلِذلك العمَل إن كان من كافر قد يكون له بُهْرُج، هناك أناسٌ أشادوا أبنِيَة كبيرة جدًّا، وجعلوا فيها برامج مُهْلِكة للشَّباب، قال تعالى عنهم:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
فالإنسان لا بدَّ أن يعلَم نوعَ عَمَلِهِ في الدُّنيا ؛ بنائي أم تَخْريبي ؟ هناك مَن عَمَلُهُ تَخريبي، يخَرِّب الأخلاق والدِّين، أحيانًا كاتب قِصَّة يكتُب قِصَّة مِن أجل أن يُثير شَهوة الشباب فهذا الكاتب دمَّر أخلاق الشَّباب بِكِتابِهِ، وبدَلَ أن يُعطيهم القِيَم والبطولات أعطاهم الخراب، قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
فأنت عليك أن تُراقِبَ عَمَلَكَ ؛ هل هو بنائي أو تَخريبي ؟ إصلاحٌ أم إفساد ؟ وأنت كَتَاجِر ؛ ماذا تبيع ؟اخْتار مِهنة شريفة، ومِهْنة عطاء، فَهُناك أعمال أساسها تحطيم البيوت، فلِذلك إن أرَدْتَ أن تعرف مقامَك فانْظر فيما اسْتَعملَك أذكُر أنَّني كنتُ مرَّةً في حَفل افْتِتاح مسْجِد فجلسَ لِجانبي مدير أوقاف الرِّيف فقلتُ له: اُشْكر الله، على تيسيره لك افتِتَاح هذا المسْجِد، فالبارحة افْتَتَح أحدهم مَلْهى !قال تعالى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾
المعنى المُخالف أنَّ الذين آمنوا ودَعَوا إلى الله سدَّدَ الله خُطاهم، ووفَّقَهم، والإنسان يضَعُ اللُّقْمة في يَدِ الفقير يراها يوم القيامة كَجَبل أُحُد ؛ هذا أنشأ معْهَد، وذاك مسْجِد، وهذا دعا إلى الله، وأعمال البرّ لا تنتهي، فهناك آلاف الأعمال الصالحة التي رْقى بها إلى الله، وقُلْ لي ما تعلم أقُل لك مَن أنت ؟