- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (039) سورة الزمر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآياتُ الثانيةُ و الستُّون و الثالثةُ و الستُّون و الرابعةُ و الستُّون و الخامسةُ و الستُّون و السادسةُ و الستُّون من سورة الزمر توضِّح أن للإنسانِ في الحياةِ مهمَّةً، يقول الله عز وجل
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
ما من مخلوقٍ إلا في قبضةِ الله عز وجل، وما من مخلوق في الكون إلا وفي يدِ الله عز وجل، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
لذلك اطْمئِن، القوى الشريرةُ لا تتحرَّك إلا بمشيئة الله، و لن تُسلَّط على مخلوق إلا بأمر الله، و لن يُسمحَ لها أن تصل إليك إلا إذا شاء الله لها، هذه الآيةُ تدخِل في قلب الإنسان الطمأنينةَ، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
الأفعى حركتُها بيد الله و العقرب و الفيروساتُ ومُسبِّباتُ الأمراض و الكائناتُ التي لا تُرَى بالعين كلُّ أنواع الجراثيم و الفيروساتِ و الأمراض القوى المخيفة والزلازلُ و الفياضاناتُ و الأعاصيرُ، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
الأشخاصُ الشريرون المجرمون العتاةُ الأقوياءُ الطُّغاةُ، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
لو أن الله عز وجل خلقَ الخلقَ و أطلقهم و ليس وكيلا عليهم لأكلَ القوِيُّ الضعيفَ، عندئذٍ لا حُجَّةَ لله علينا، يقول العبدُ: يا ربُّ ملَّكتَه أمري و أنا في قبضته، و أنا مضطرٌ أن أعبده من دونك، يقول الله عز وجل
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
و قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
في قبضته و لا يتحرك إلا بمشيئته، ولا يصل إليك إلا إذا شاء اللهُ له أن يصل، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾
قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
إذا كان كلُّ شيءٍ في قبضة الله فأنت كإنسانٍ عاقلٍ ينبغي أن تخاف من الشيءِ أم مَن بيده هذا الشيءُ ؟ قال تعالى:
﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
و قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾
قال تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
المقاليدُ أمرٌ، أي أمرُ السماوات و الأرض له و لو أن اللهَِ تعالى قال: مقاليد السماوات و الأرض له،لا يمنع أن تكون لغيرِه، أما حينما عُكِستْ الصيغةُ، قال تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
صار في ذلك قصرٌ، أي له وحدَه، نعبد إياك، و نعبد غيرَك، أما قال تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾
فهنا قصرٌ و حصرٌ، و مفاتح الغيب عنده و عند غيرِه، أما قال تعالى:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)﴾
قصرٌ و حصرٌ، واللغةُ تعين على فهم كتاب الله، تقديمُ الخبرِ شبه الجملة على المبتدأِ يدلُّ على القصرِ، له جارٌّ و مجرورٌ، قال تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾
كفروا بآيات الله الكونيةِ الدالَّةِ على وحدانيته و كفروا بالآيات التكوينية الدالَّةِ على وحدانيته و كفروا بالآيات القرآنيةِ الدالَّةِ على وحدانيته، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾
لأنهم حين توهَّموا أن جهةً بيدها كلُّ شيءٍ و توجَّهوا نحوها لم يجدوها شيئًا، قال تعالى
﴿:كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾
فلما جاءه لم يجده شيئا، فلما يتجِّه الإنسانُ لغير الله يتوهَّم أنه قويٌّ غنيٌّ يعطي و يمنع و يرفع و يخفض، توجَّه إليه، فلما وصل إليه، قال تعالى:
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾
قال تعالى:
﴿وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾
الدالَّةِ على وحدانيته، و على أنه وحدَه المتصرِّف و أنه وحدَه الإلهُ و أنه وحده المعطِي وحدَه المانعُ وحده القابضُ وحده الباسطُ وحده المعِزُّ وحده المذِلُّ وحده الرازق وحده المُفقِرُ وحده المُكرِّمُ وحده المُهينُ، قال تعالى:
﴿وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾
بعد هذه المناقشةِ الأمرُ بيد الله عز وجل، و مادام اللهُ عز وجل له مقاليدُ السماوات و الأرض و مادام اللهُ خالقَ كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيء وكيل، و ما دام اللهُ لا إله غيرُه و لا معطِي و لا مانعَ إلا هو، قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)﴾
مضطَرٌّ للسفر و تعلٌِّ على السفرِ أهمِّيةً كبيرةً، و قد تعقِد صفقةً بمليار ليرةٍ، لكن لا بدَّ من أن تأخذ تأشيرةَ الخروجِ، أو موافقةً على السفرِ دخلتَ إلى الهجرةِ و الجوازاتِ، أربعُ طوابقَ، في كلِّ طابق خمسين موظَّفًا، لا يمكن أن يوقِّعَ لك إلا واحدًا، أتبذُلُ ماءَ وجهك أمامَ شرطيٍّ أمام حاجبٍ، فإذا ترجَّيْت شخصًا لا يملك أمرَ الموافقة شيئًا، ألا يكون الإنسان أحمقَ، قال تعالى:
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾
ما دام أن الأمر يرجع إليه كلُّه و ما دام أنه خالق كلّ ِشيءٍ، قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)﴾
قل أفغير..الجاهلون " و معنى ذلك أن كلَّ من يعبد غيرَ الله فهو جاهلُ، غبيٌّ أحمقُ عدوُّ نفسه، لأنه سوف يتجِّه إليه و لن يجده شيئا، قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ﴾
هذه حقيقةٌ أبديةٌ سرمديةٌ، قال تعالى
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾
عملُك لم يصبح صالحا، لماذا لأنك توجَّهت به إلى إنسانٍ، و الإنسانُ ضعيفٌ و فقيرٌ و لئيمٌ، الواحد علَق أهميَةً على شخصٍ فخيَّب ظنَّه، لذلك قال الله تعالى
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾
إحباط العمل له معنيان، إما أن يسقط العملُ من حيث قيمتُه، و إما أن تسقط نوعيَّتُه، فإذا عبدَ الإنسانُ المالَ و بنى ملهى، هذا أحبط اللهُ عملَه لأنه أشرك بالله و جعل المالَ إلهًا، هذا نوعٌ من الإحباطِ، حبط العملُ بمعنى سقط، من حيثُ النوعيةُ، و صار يعيش على إفساد أخلاقِ الآخرين، يعيش على إبداء العورات على إفساد النفوسِ و على إقامةِ المعاصي ورعايتها، وواحد بنى مستشفى و لكنَّه أراد المالَ فقط، فإنما العملُ يسقط من حيث القيمةُ لأنك أردتَ به غيرَ اللهِ أو أن يسقط من حيثُ النوعيةُ، و أنك أردتَ يع غيرَ الله، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾
لهذا قال اللهُ عز وجل:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾
يا ربي أنا عملتُ مشروعا ضخما ـ لنقل الفساد ـ قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)﴾
الحلُّ، قال تعالى:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
هذه مهمَّةُ العبدِ، عليك أن تعبده و عليك أن تشكره، و كلُّ شيءٍ سِوى ذلك على اللهِ، دعْهُ يتصرَّفُ، و عليك أن تعبده، قال سيِّدٌ لعبدٍ: بلغني أن سيِّدك سيبيعك، قال: يعرف شغلَه، قال له: بلغني أيضا أنه في نيتي أن أشتريك، قال له: تعرفُ شغلَك، قال له: أنصحُك أن تهرب، قال: أعرف شغلي، فكلًّ إنسانٍ يعرف شغلَه، أنت مهمَّتُك كعبدٍ تطيعه و عليك أن تعبده و تشكره وانتهتْ مهمَّتُك، قال تعالى:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
" بل " حرفُ إضرابٍ تنفي ما قبلها و تثبت ما بعدها قال تعالى:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
من جعل الهمومَ همًّا واحدا كفاه اللهُ الهمومَ كلَّها، اِعملْ لوجهٍ واحدٍ يكفِك الهمومَ كلَّها. في الدرس القادم إن شاء اللهُ نمرُّ إلى قوله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾