الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا،
وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الثامن من دروس العقيدة والإعجاز، وهذه الدروس تتحدث عن مقومات التكليف، وفي دروس سابقة تحدثت عن الكون كأحد مقومات التكليف، وتحدثت عنه كأول ثابت من ثوابت الإيمان، ثم انتقلنا إلى العقل كأداة لمعرفة الله عز وجل، وهو مناط التكليف، وبينت أن علاقته بالنقل التأكد من صحة النقل قبل النقل، ثم فهم النقل بعد النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل، ونتابع الحديث عن العقل في هذا الدرس الثاني.
كلكم يعلم من مسلَّمات الإيمان أن الإنسان هو المخلوق الأول، الأول رتبة، لمجرد أنك إنسان أنت المخلوق الأول، لأن الله حينما عرض على الخلائق كلها الأمانة أشفقن منها، وقال الإنسان: أنا لها يا رب، وتصدى لحمل الأمانة:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾
نفسك أمانة لابدّ من تزكيتها:
هل تعلم من أنت؟ أنت المخلوق الأول الذي قَبِل حمل الأمانة، أنت فوق الملائكة إن أديت الأمانة، ولا سمح الله ولا قدر الإنسان دون الحيوان إذا خان الأمانة، ما الأمانة؟ نفسك التي بين جنبيك:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
النجاح كل النجاح، الفلاح كل الفلاح، الفوز كل الفوز، التفوق كل التفوق في أن تزكي نفسك ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ خالق السماوات والأرض يقول لك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ تزكيها بأن تُعرفها بخالقها، تزكيها بأن تُعرفها بمنهج خالقها، تزكيها بأن تحملها على طاعة خالقها، تزكيها بالبذل، بذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، تزكيها بالاتصال بالله، إن زكيتها في الدنيا كانت التزكية ثمناً لجنة عرضها السماوات والأرض، الإنسان مخلوق للجنة.
لذلك يمكن أن يُقسّم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم ومذاهبهم إلى زمرتين:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
أول زمرة صدقت أنها مخلوقة للحسنى أي الجنة، أنت مخلوق للجنة، وأنت في الدنيا من أجل أن تدفع ثمن دخول الجنة، لذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الترتيب معكوس، لأنك صدقت بالحسنى اتقيت أن تعصي الله، ولأنك صدقت بالحسنى، وعلمت علم اليقين أن ثمن الجنة هو العمل الصالح بنيت حياتك على العطاء، هناك فرق صارخ بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن يبني حياته على العطاء، غير المؤمن على الأخذ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، فإن أخذت ولم تعط، أو أعطيت ولم تأخذ فأنت بالحالة الأولى من أتباع الأقوياء، وبالحالة الثانية من أتباع الأنبياء.
لذلك أيها الإخوة الكرام؛ حينما تقرأ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ هذا النجاح الحقيقي، والله الذي لا إله إلا هو لو أن إنسانًا يملك كما يملك بيل غيتس تسعين مليارًا، وإنساناً فقيراً في التعتيم، إن حضر لم يُعرف، وإن غاب لم يُتفقد، وعرف الله، وزكّى نفسه، أفضل مليار مرة من الذي جمع أكبر ثروة في الأرض، لأن الدنيا دار انقطاع، وقف القلب انتهى كل شيء، كل الأموال المنقولة وغير المنقولة تصير إلى غيرك، تسكن بيتاً فخماً، إلى القبر، تتمتع بمكانة كبيرة إلى القبر، لك مركبة فارهة إلى القبر.
والله أيها الإخوة؛ ما وجدت على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنساناً أعقل ممن أعدّ لهذه الساعة، ساعة لقاء الله عز وجل، فلذلك لأنك إنسان المخلوق الأول، أنت مرشح إما أن تكون فوق الملائكة-ولا سمح الله ولا قدر-أو أن يكون الإنسان دون الحيوان:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾
بآخر الآية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
أيها الإخوة؛ دققوا، ابتغوا العزة عند الله، لا يليق بك أن تكون لغير الله، إن كنت لغير الله تحتقر نفسك:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾
إن كنت مُجيّراً لغير الله أنت بهذا تحتقر نفسك، أنت يمكن أن ترفض ملايين الأشياء لأنك تحتقرها، إلا إذا رفضت الدين فإنك تحتقر نفسك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فلذلك لأنك من بني البشر، لأنك إنسان أنت في الأصل عُرضت عليك الأمانة وقلت: أنا لها يا رب، بينما جميع الخلائق أشفقوا منها، لذلك الحيوان رُكِّب من شهوة بلا عقل، المَلَك رُكِّبَ من عقل بلا شهوة، أما الإنسان رُكِّبَ من شهوة وعقل، فإذا سما عقله على شهوته صار فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
أيها الإخوة؛ نحن في موضوع العقل، تصور العقل جهاز حاسوب من أعلى مستوى، لا يزال العقل عاجزاً عن فهم ذاته، مرة قرأت مقالة أنه لو أخذنا حياً من أحياء مدينة عملاقة في العالم الغربي كلها ناطحات سحاب، وكل هذه ناطحات السحاب فيها صمامات من الداخل والخارج لا ترقى إلى مستوى العقل، مئة وأربعون مليار خلية سمراء لم تُعرف وظيفتها بعد حتى الآن، الخلايا القشرية أربعة عشر مليار خلية بمكان لا يزيد عن حبة العدس الذاكرة، فيها سبعون مليار صورة بمكان المحاكمة، بمكان الاستقراء، والاستنتاج، الرؤية، السمع، البصر، قشرة الدماغ فيها كل المدركات، فيها كل المفهومات:
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟
لذلك أيها الإخوة؛ العقل جهاز بالغ التعقيد، عاجز عن فهم نفسه، أداة لمعرفة الله:
﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)﴾
﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾
أفلا يتفكرون.
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154)﴾
﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)﴾
الآيات التي تتحدث عن العقل ولوازمه تقترب من ألف آية.
العقل محدود الإدراك محدود الاستعمال:
عظمة الإسلام أنه وسطي، لم يلغ دور العقل كما في بعض الأديان يقال: الإيمان فوق العقل، ولم يجعل العقل كالعالم الغربي يتحكم بالدين، إن حكمت العقل بالدين فأنت معتزلي، وإن ألغيت العقل أنت ألغيت أداة معرفة الله، فالإسلام وسطي.
أيها الإخوة؛ نحن حينما نبالغ بقيمة العقل نجعله أداة مطلقة للمعرفة، وأداة محدودة.
مرة ثانية؛ ميزان دقيق حساس فيه ميزات هائلة، غالٍ جداً، لكنه محدود الاستعمال، من خمسة غرامات إلى خمسة كيلو، ضمن هذين الوزنين رائع جداً، أما إذا كلفته بعمل فوق هذه الحدود لا يلبيك، العقل كيف هو محدود؟ العقل يجب أن يرى شيئاً مادياً، ويحكم عليه، يجب أن يرى أثراً يصل من الأثر إلى المؤثِّر، يجب أن يرى حكمة يصل من الحكمة إلى الحكيم، يجب أن يرى تسييراً ينتقل من التسيير إلى المُسيِّر، يجب أن يرى نظاماً ينتقل من النظام إلى المُنظِّم، أي العقل مختص بهذه المهمة، شيء غابت عينه وبقيت آثاره، أي أنت دخلت إلى جامعة، في أيام الصيف ليس هناك دوام، تأملت في القاعات، في المدرجات، في الحدائق، في المخابر، في الإدارات، في بيوت الطلبة، في بيوت الأساتذة، في الموقع، في الإطلالة، استنبطت آلاف الحقائق عن مصممي الجامعة، يتمتعون بعلم وبذوق وبجمال في أذواقهم، وبخبرة عالية، وفيها مرافق عامة تلافت كل أخطاء الماضي، يمكن أن تستنبط من بناء الجامعة ما لا نهاية له من المعلومات، لكن لن تستطيع أن تعرف من خلال بناء الجامعة من هو رئيس الجامعة، ولا من هم عمداء كلياتها، ولا نظام القبول فيها، ولا نظام النجاح فيها، ولا قيمة الأقساط فيها، هذه لابد لها من كتاب.
الآن دقق، العقل يتكامل مع الوحي، أي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الوحي به، بعقلك تستنبط أن هذا الكون لابد له من خالق، يأتي الوحي ويقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)﴾
بهذا العقل يرى ملاحظة دقيقة جداً أن الحياة قصيرة، والحظوظ متفاوتة، هناك قوي وهناك ضعيف، وهناك غني وهناك فقير، وهناك وسيم وهناك دميم، وهناك رحيم وهناك قاسٍ، وهناك ظالم وهناك مظلوم، وهناك مُتحكِّم وهناك مُتحكَّم به، وهناك مُستغل وهناك مُستَغل، والحياة قصيرة، ويأتي الموت وينهي كل شيء، العقل لا يقبل ذلك، لابد من حياة أخرى تُسوَّى فيها الحسابات، يأتي الوحي ويقول:
﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)﴾
يأتي بالوحي اليوم الآخر، يوم الدين، يوم تسوية الحسابات:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
لذلك أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، فالعقل والوحي يتكاملان.
ارتباط العقل بالواقع وارتباط الوحي بالحقيقة المطلقة:
لكن مرة ثانية والأمر ضروري جداً ما علاقة الوحي بالعقل؟ العقل مرتبط بالواقع، أما الوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة، وذكرت في لقاء سابق فيما أذكر أن إنساناً مات قبل خمسين عاماً لا يُصَدِّق أن تُجمع سبعة آلاف كتاب في قرص واحد، ولا يقبل، كذلك لا يقبل أن تمسك بجهاز صغير تخاطب أطراف الدنيا، الآن مقبول، العقل مرتبط بالواقع، والوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة، لذلك الأصل هو الوحي، والعقل لفهم الوحي، وللتأكد من صحة النص، علاقة العقل بالنقل؛ قبل النقل للتأكد من صحة النص، وبعد النقل لفهم النص، هذا هو الموقف الكامل.
العقل والنقل فرعان من أصل واحد:
لكن إخواننا الكرام؛ لا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل لسبب بسيط؛ لأن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن النقل كلام الله وبيان المعصوم، فرعان من أصل واحد، فإذا تعارضا فلعدم قطعية أحدهما، قد يتعارض نص موضوع غير صحيح مع العقل، ممكن، وقد تتعارض نظرية لم تثبت بعد مع الوحي، ممكن، أما إذا توافر في الوحي القطعية، وفي العقل القطعية، تلازم العقل مع النقل حتم واجب، لأن العقل والنقل فرعان من أصل واحد، وهذه أعظم ميزة في هذا الإسلام العظيم، إسلامنا علمي، لا يوجد شيء جاء به الدين وقال العقل: لا، أما أيّ دين أرضي، أي مذهب أرضي العقل يقول: ألف لا ولا مع مضي الزمن، هذه واحدة.
الحق دائرة تتقاطع فيه أربعة خطوط:
لكن لو وسعنا هذا الأمر أنا أرى أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، الآن دققوا في كل كلمة أقولها، خط النقل الصحيح، لأن هناك نقلاً غير صحيح، حديث موضوع، إما النص غير صحيح، أو التأويل غير صحيح، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، تحدثت في لقاء سابق عن أن هناك عقلاً صريحاً، وهناك عقلاً تبريرياً، لذلك الخط الأول خط النقل الصحيح، والخط الثاني خط العقل الصريح، والخط الثالث خط الواقع الموضوعي، لأن هناك واقعاً مزوراً، مثلاً شيء من أحداث الساعة، أيّ عمل في الأرض يُشار بأصبع الاتهام إلى المسلمين، أي عمل عنيف في الأرض بادئ ذي بدء يشار بأصبع الاتهام إلى المسلمين، مع أن هناك أخاً كريماً مقيماً في بلد غربي بعيد أجرى دراسة كلفته جهداً كبيراً، أحصى أعمال العنف في هذا البلد الكبير البعيد القطب، فإذا نصيب المسلمين من أعمال العنف ثلاثة بالمئة فقط، هناك واقع مزور، هناك اتهام، والخط الرابع خط الفطرة السليمة.
إذاً ما هو الحق؟ الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبِله العقل الصريح، وارتاحت له الفطرة السليمة، وأيده الواقع الموضوعي، هذا هو الحق.
بالمناسبة كلمة الحق وردت في القرآن مئات المرات، ما هو الحق؟ يُعرَّف الحق إن عرفنا الباطل، الباطل الشيء الزائل والعابث، الحق إذاً الشيء الثابت والهادف، أحياناً تُنصب خيمة سيرك، خيمة لأسبوعين، مؤقت، والسيرك للتسلية، لا يوجد فيه شيء، أحياناً يبنى بناء ضخماً ليكون جامعة، فالجامعة هادفة تخريج قادة للأمة، تعليم الجيل الصاعد العلوم الصحيحة، الجامعة هدفها واضح، وبُنيت لتبقى، هناك جامعات من عام ألف وخمسمئة موجودة الآن في العالم الغربي.
لذلك أيها الإخوة الكرام؛ الحق الشيء الهادف والثابت، عرّفه الله بأنه نفى عن أن تكون أفعاله باطلة:
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾
ونفى اللعب، اللعب عمل عابث بلا هدف، صار الحق الشيء الثابت والهادف، أنت ممكن تعمل تصنيفاً لكل ما ترى عيناك، هناك أشياء لعب ولهو، واللهو أن تلهو بالخسيس عن النفيس، واللعب أن تقوم بعمل بلا هدف، لعب النرد، إذا لعب الرجلُ إلى الساعة الثالثة بالليل هل يصير دكتوراً؟ هل يصير تاجراً كبيراً؟ هل يصير صاحب مؤسسة؟ ومع الأسف الشديد معظم نشاطات الناس في البلاد النامية نشاطات عابثة بلا هدف، تضييع للوقت.
أيها الإخوة؛ الآن ذكرنا في لقاء سابق عن العقل أنه يوجد مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض.
هل يصدق عقلك أن طائرة من أحدث الطائرات، مستودع حديد وضعنا فيه الديناميت وفجرنا الديناميت فإذا بطائرة؟ هل هناك واحد بالمليار وخمسمئة مليون إنسان يقبل هذا؟ الطائرة نتيجة خبرات مئة عام ومهندسين وخبراء، خبراء بالقوانين وبالفيزياء وبالكيمياء، وبالفلك وبالجو وبالآلات، وبالحركة، وبمقاومة الرياح، وأموال طائلة، معقول طائرة تنتج من انفجار لمستودع حديد؟ ائت إلى مطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق، ضع فيها قنبلة، وانتظر أن تجد قاموساً رائعاً جداً ألف صفحة، الأفعال مرتبة، أسماء الأفعال، المضارع، عين المضارع، الأفعال بالأحمر، الشرح بالأخضر، هناك قاموس أعلام، ممكن؟ ممكن أن يحدث انفجار بمطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق ينتج قاموس؟ مستحيل.
إخواننا الكرام؛ في بعض العلماء ألّف كتاباً عنوانه: "الله يتجلى في عصر العلم"، كاتب أمريكي، في فصل منه يقول: ذرة الحمض الأميني لا تكفي ذرات الكون أن تصنعها صدفة، ذرة واحدة من الحمض الأميني في الإنسان لا تكفي ذرات الكون كي تصنعها صدفة، لذلك العقل لا يقبل شيئاً بلا سبب أبداً، سبحان الله! والكون فيه نظام السببية، فكأن الله يأخذك بلطف أن لكل شيء سبباً، وهذا المُسبَّب له سبب، وهذا المُسبَّب له سبب، وهذا المُسبَّب له سبب، إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب، كأن نظام السببية ومبدأ السببية في العقل إله عظيم يأخذ بيدنا إليه، من هو مسبب الأسباب؟ الله جلّ جلاله.
إذاً نظام السببية أساسه أن الله سبحانه وتعالى عن طريق هذا النظام في خلقه، وعن طريق هذا القانون في عقلك يأخذك إليه بلطف، الدجاجة من البيضة، البيضة من الدجاجة، أول دجاجة من خلقها؟ هو مسبب الأسباب.
شيء آخر؛ مرة وجدت قرص بلور مكتوب عليه: إن هذا القرص يمنع فوران الحليب، اشتريته، وضعته في أسفل الوعاء، ملأته بالحليب، فالحليب لم يفر، المشكلة حُلت، لكن في العقل لم تُحل المشكلة، عندك حاجات عقلية أحياناً حاجة عقلية حلت، لكن لم تحل في الفكر، قرص بلور تضعه في قعر وعاء وفيه حليب، والحليب بعد أن يغلي لا يخرج من الوعاء، هذا ليس معقولاً، والله فيما أذكر ظللت أبحث عن السر أسبوعاً تقريباً حتى مع مداولات مع أساتذة في التعليم الثانوي، هذا القرص له مثل قبة صغيرة، وله فتحة واحدة، لما يغلي الحليب تخرج الفقاعات من فتحة واحدة كثيفة جداً تثقب القشدة فيتوقف فوران الحليب، أما في الأصل القشدة مادة كتيمة الفقاعات تصعد من كل الجهات نحو الأعلى فالحليب يفور، أما هذا القرص جمع الفقاعات، وأخرجها من مكان واحد، فالفقاعات أصبحت مثل الصاروخ، ثقبت هذه الطبقة الكتيمة في أعلى الحليب فحُلت المشكلة، أحياناً يكون عندك مشكلات لا تُحَل إلا أن تفهمها على أساس السبب، كيف الحليب لا يفور بهذا الوعاء؟
مثلاً انظر إلى الغائية، لماذا الدماغ في الجمجمة؟ لأنه أخطر جهاز بالإنسان، حساس جداً، ولماذا بين الدماغ وبين الجمجمة يوجد سائل؟ لامتصاص الصدمة، رواد الفضاء ومصممو مركبات الفضاء قلدوا الدماغ، الكبسولة التي فيها الرواد بينها وبين جسم المركبة يوجد سائل، فحينما يكون هناك ارتطام بطبقة الهواء، هذه الصدمة توزَّع على كامل الجسم، والآن طفل يقع على الأرض، تسمع لصوت رأسه مع البلاط رنيناً، ومع ذلك لا يتأثر، هذا السائل المحيط بالدماغ يمتص الصدمة، ويوزعها على كامل مساحة الدماغ، لماذا العين بالمحجر؟ لو أنها هنا العين، أي إنسان وقع على الأرض فقد بصره، هي في حصن حصين، الغاية من وضع العين بالمحجر أن تُحفظ، والغاية من وضع النخاع الشوكي بالعمود الفقري أن يُحفظ، والغاية من وضع معامل كريات الدم الحمراء وهي أخطر معمل بالإنسان بنقي العظام أن تُحفظ، والغاية من وضع الرحم بالحوض أن يُحفظ، الرحم في قرار مكين ضمن عظم الحوض، والنخاع الشوكي ضمن العمود الفقري، والدماغ ضمن الجمجمة، والعين ضمن المحجر، والقلب ضمن القفص الصدري.
الآن التفكير لا بالأسباب بالغاية، ما غاية وضع القلب بالقفص؟ لو شخص تلقى ضربة قوية تتلقاها العظام، القلب في حرز حريز، ما حكمة أن الشعر ليس فيه أعصاب حس؟ من أجل أن تهذب شعرك، وإلا تحتاج إلى عملية في المشفى، لو في الشعر أعصاب حس، كل عملية حلاقة يجب أن تذهب للمستشفى، وأن تجري عملية حلاقة مع التخدير الكامل، أو لا تحتمل، ما حكمة وجود أعصاب حس بالأسنان؟ حتى إذا وصل النخر إلى عصب الحس لا تنام الليل، تذهب وتصلح السن بدل أن تفقده، لو أن فكرك جال جولات لماذا المفصل هنا نحو الداخل؟ لو لم يكن هناك مفصل ما غاية هذا المفصل؟ من أجل أن تأكل، لو لم يكن هناك مفصل يجب أن تنبطح على الأرض، وتأكل مثل الهرة تماماً، لا يوجد حل ثان، لماذا في المثانة عضلات؟ من أجل أن تُفَرِّغ ما فيها بوقت قليل، وإلا تحتاج إلى ربع ساعة أو نصف ساعة لو لم يكن عندك عضلات ضغط، لماذا يوجد مثانة؟ لأن الكلية تفرز بكل عشرين ثانية قطرة بول، لو لم يكن عندك مثانة تحتاج إلى فوط الرجل السعيد، يوجد مثانة تبقى خمس إلى ست ساعات، لما فكرك يجول بخلقك تعرف عظمة الله عز وجل، لماذا أودع الله في طحال الطفل الصغير كمية حديد تكفيه سنتين؟ لأن حليب الأم لا يوجد فيه حديد، طبعاً أنت دون أن تشعر تفكر بالسبب وتفكر بالغاية، مرة شاهدت مسجلة لها أزرار هنا، لها هنا نتوء أعلى من مستوى الأزرار، ونتوء ثانٍ هنا لماذا؟ أريد الغاية، في أصل تصميم المسجلة يوجد نتوءان بارزان أعلى من مستوى الأزرار، لو أنها وقعت الأزرار لا تتحطم، تقي تحطم الأزرار.
حدثتكم في درس سابق أني كنت بالعمرة يوجد مكتبة مصاحف بالحرم النبوي، سقف المكتبة مائل، لماذا؟ قد يأتي معتمر دون أن يشعر يضع شيئاً لا يليق أن يكون فوق المصحف، لذلك جُعل غطاء المكتبة مائلاً، أنت لاحظ نفسك، كل نشاطك الفكري يتحرك وفق السبب والنتيجة، والسبب والغاية، العقل مبدؤه سببي ومبدؤه غائي.
الآن عدم التناقض لو أن إنسانًا متهم بقتل إنسان، والجريمة بدمشق، وهذا الإنسان جاء بتقرير من محافظ حلب أنه كان عنده وقت وقوع الجريمة، ماذا يفعل القاضي؟ يُبرئه، لأن العقل لا يصدق أن إنساناً بآن واحد بدمشق وبحلب، ما دام جاء بتصريح من رجل مسؤول أنه كان عندي الساعة الثانية عشرة، وقد وقعت الجريمة الساعة الثانية عشرة في دمشق، ما دام أثبت أنه كان في حلب في هذه الساعة إذاً هو بريء، أنت أثناء التفكير، التفكير شيء ممتع جداً، هذا العقل أكبر هدية من الله، نشاطه واسع جداً، أنا لاحظت مرة طفلاً أول ما بدأ يمشي هناك قطعة حلويات، والغرفة لها مقاعد على شكل U، فالقطعة هنا، وهو واقف هنا، ليس بإمكانه أن يمشي، فمشى على أطراف المقاعد كلها إلى أن وصل إلى هدفه، أي هو فكر الهدف يجب أن يسير إليه بعكس الاتجاه حتى يصل إليه.
الموقف الكامل من الأسباب:
أيها الإخوة؛ الآن يوجد عندنا شيء، الله عز وجل جعل لكل شيء سبباً، العالم الغربي يتوهم أن السبب خالق النتيجة، هو ليس ذلك، السبب لا يخلق النتيجة، ولكن يأتي قبل النتيجة، من الذي يخلق النتيجة؟ هو الله عز وجل، لذلك قال بعض علماء العقيدة: عندها لا بها، أي عند إرادة الله لا بالأسباب.
الآن يوجد عندنا موقف كامل، وموقف ناقص، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب أيها المؤمن وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كلام دقيق، ويحتاجه الناس جميعاً، عندك سفر بمركبتك، تُجري مراجعة دقيقة جداً، العجلات، المكابح، الزيت، التوصيلات كلها، أخذت بالأسباب، لكن الأخذ بالأسباب لا يعني سلامتك، السلامة يخلقها الله لك، لذلك تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الكامل، لذلك العالم الغربي أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألّهها، ونسي الله، والعالم الشرقي لم يأخذ بها وقع في وادي المعصية، والذي أخذ بها واعتمد عليها وقع في وادي الشرك، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، والذي ينظم هذه الحقيقة الحديث الشريف:
(( عن عوف بن مالك الأشجعي: إنَّ اللهَ تعالى يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقُلْ : حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ. ))
أي أنا أستسلم أقول: انتهينا، ليس بيدي شيء، مرة قرأت قصة عن شيخ الأزهر، كان طالب علم، انتسب إلى الأزهر، ما نجح فترك الدراسة، جالس بقريته رأى نملة صعدت على الحائط، بعد مسافة مترين وقعت، أعادت الكرّة، عدّ محاولاتها ثلاثاً وأربعين محاولة، فاستحى من النملة، وعاد، ودرس، وصار شيخ الأزهر، تقول: انتهيت، ليس بيدنا شيء، العالم الغربي قوي جداً، بيده كل شيء، بيده أسلحة فتاكة، بيده الإعلام، بيده المال، بيده التحالفات، ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ)) قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
((وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ)) خطط، خذ بالأسباب، اسأل، ابحث، دقق، لذلك الإسلام ليس سكونياً، الإسلام حركي، وليس سلبياً، الإسلام إيجابي، ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) متى يحق لك أن تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل؟ إذا بذلت كل المستطاع، بذلت كل الجهد، إنسان درس بأعلى درجة، جاءه مرض مفاجئ قبل الامتحان حال بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لكن ما درس، وما نجح، يقول: هكذا ترتيب الله، الله ما كتب لي أن أنجح، لا، أنت كسلان، هذا كلام غير مقبول، الحديث دقيق جداً: ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ-السعي والتدبير-فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) .
من الإعجاز القرآني ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ :
أيها الإخوة؛ نحن في هذه السلسلة من الدروس تحت عنوان: العقيدة والإعجاز، فيوجد عندنا بعض الدقائق من أجل موضوعين في الإعجاز.
الموضوع الأول هو من أهم الموضوعات في الحقيقة، مواقع النجوم، أي بين الأرض وأقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، بالدقيقة؟ ضرب ستين، بالساعة؟ ضرب ستين، باليوم؟ ضرب أربع وعشرين، بالسنة؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربع سنوات؟ ضرب أربع، يقدر كل واحد منكم على آلة حاسبة مساء ثلاثمئة ألف بستين بستين بأربع وعشرين بثلاثمئة وخمسة وستين بأربع يوجد معنا رقم، هذا الرقم هو المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها، لو أن هناك مركبة أرضية وهناك طريق إلى هذا النجم، وسرعتها مئة كيلو متر في الساعة، إذا قسمنا المسافة على مئة كيلو متر ما هو الناتج؟ الناتج عدد الساعات التي تستغرقها الرحلة، صح؟ لو قسمناه على أربع وعشرين، عدد الأيام، على ثلاثمئة وخمسة وستين، عدد السنوات، من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض نحتاج إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام تقود مركبة أرضية إلى أقرب نجم ملتهب، فحسبنا المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها، ضربنا ثلاثمئة ألف بستين بستين بأربع وعشرين بثلاثمئة وخمسة وستين بأربع قسمنا على مئة كم ساعة، على أربع وعشرين كم يوم، على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة، من أجل أن نصل بمركبة أرضية إلى أقرب نجم ملتهب إلينا نحتاج إلى خمسين مليون عام، من أجل أن تعرف ما معنى أربع سنوات ضوئية؟ أي الرحلة تستغرق إلى هناك خمسين مليون عام، الإنسان عمره سبعون سنة، متى يصل الإنسان إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ متى يصل إلى مجرة المرأة المسلسلة بعدها عنا مليونا سنة ضوئية؟ متى نصل إلى نجم اكتشف حديثاً بعده عنا عشرون مليار سنة ضوئية؟ الآن إذا قال الله عز وجل:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)﴾
وكلمة مواقع تعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع، هذه الكلمة لو تأملها عالم في الفلك لخرّ ساجداً لله، هذا النجم كان في هذا المكان أرسل ضوءاً إلى الأرض، بقي الضوء يمشي بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، بقي يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل ضوءه إلينا، أما هو النجم سرعته مئتان وأربعون ألف كيلومتر بالثانية، أين هو الآن؟ فهذا المكان ليس نجماً، هذا المكان موقع، لذلك أي شيء تراه في السماء غير صحيح، أنت واقف على ساحل البحر، ورأيت الشمس قد نزلت تحت الأفق، هي نزلت قبل ثماني دقائق، لأن بين الأرض والشمس ثماني دقائق ضوئية حتى وصل إشعار النزول بعد ثماني دقائق، أي هي الشمس غابت حقيقة قبل ثماني دقائق، كل شيء تراه في الكون ترى تاريخ السماء، ولا ترى واقع السماء، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ هدف الإعجاز أن تؤمن أن الذي خلق الأكوان هو الذي خلق الإنسان، وأن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾
أيها الإخوة الكرام؛ التفكر في آيات الله عز وجل أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، هذه اللقطات الإعجازية إن شاء الله تكون في كل درس من دروس العقيدة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق