وضع داكن
30-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 091 أ - اسم الله الكريم 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الكريم:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الكريم، وقد سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم الكريم، حيث ورد هذا الاسم في كثير من نصوص القرآن الكريم، ومن نصوص السنة النبوية الصحيحة كما في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾

[ سورة الانفطار ]

 

عدم نجاح الخطاب الديني إلا إذا اتّجه إلى قلب الإنسان وعقله معاً:


من أدق هذه الآيات أن الله في آية واحدة خاطب قلب الإنسان وعقله، ولا ينجح الخطاب الديني إلا إذا اتّجه إلى قلب الإنسان وإلى عقله معاً، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لُبيت حاجات الإنسان كلها تفوق، أما إذا لبى حاجة ولم يلبِّ الأخرى تطرف، والفرق كبير بين التفوق وبين التطرف ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ يتجه إلى قلبه ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ .

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين ]

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

[ سورة النمل ]

 

اقتران اسم الكريم باسم الغني:


أيها الإخوة؛ واقترن اسم الكريم باسم الغني في قوله تعالى:

﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾

[ سورة النمل ]

في عالم البشر قد تجد الغني شحيحاً، والغني بخيلاً، يُمسك، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾

[ سورة المعارج ]

لا يُنفق، لكن الله جلّ جلاله غني كريم، قد تجد إنساناً كريماً لكنه فقير، وقد تجد إنساناً غنياً لكنه بخيل، فأن يجتمع الغنى مع الكرم هذا من أرقى الصفات، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ .
 

ورود اسم الكريم في السنة النبوية الشريفة:


هذا في القرآن فماذا في السنة؟ عند الترمذي من حديث علي رضي الله عنه أنه قال:

(( عن علي بن أبي طالب: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ألَا أُعلِّمُكَ كَلِماتٍ إذا قُلتَهُنَّ غُفِرَ لكَ على أنَّه مغفورٌ لكَ؟ لا إلهَ إلَّا اللهُ العَليُّ العظيمُ، لا إلهَ إلَّا هو الحَليمُ الكريمُ، سُبحانَ اللهِ رَبِّ العَرشِ العظيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ. ))

[ النسائي: حسن لغيره ]

(( وعند أبي داود من حديث سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ ربَّكم حييٌّ كريمٌ يستحيي من عبدِه أن يرفعَ إليه يدَيْه فيرُدَّهما صِفرًا، أو قال: خائبتَيْن. ))

[ أبو داود: صحيح  ]

 

الدعاء مخ العبادة:


لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾

[ سورة الفرقان ]

الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة، لأن الذي يدعو الله عز وجل مؤمن بوجوه، ومؤمن بأنه يسمعه، ومؤمن بأنه قدير على إجابته، ومؤمن بأنه يحبه، فإذا آمنت أن الله موجود، وسميع عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه أرحم الراحمين، فهذا أعلى درجات الإيمان، لذلك إن الله يحب الملحين بالدعاء، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها، أي الدعاء هو العبادة، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾

[ سورة المعارج ]

﴿دَائِمُونَ﴾ أي في الدعاء.
وعند الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها في الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليلة القدر: 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

[ سورة القدر ]

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[ سورة الزمر ]

الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أن تدعو به ليلة القدر:

(( عن عائشة أم المؤمنين: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ إن عَلِمْتُ أيُّ لَيلةٍ لَيلةُ القَدرِ ما أقولُ فيها قالَ: قولي اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ كَريمُ تُحبُّ العفوَ فاعْفُ عنِّي. ))

[ صحيح الترمذي ]

من أكثر الأدعية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها: ((اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم)) هذه النصوص التي وردت في القرآن وفي السنة، وقد جاء فيها اسم الكريم.
 

الكريم في اللغة:


أيها الإخوة؛ على المستوى اللغوي، الكريم صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتّصف بالكرم، من اتّصف بالكرم يسمى كريماً، والكرم نقيض اللؤم، لعل فضائل كثيرة جُمعت في الكرم، ولعل نقائص كثيرة جُمعت في اللؤم، الكرم نقيض اللؤم، في اللغة يكون الكرم في الرجل، ويكون الكرم في الخيل، وفي الإبل، وفي الشجر، وغيرها، الفعل كَرُم الرجل كرماً وكرامة، كرُم كرماً وكرامة فهو كريم، والمرأة كريمة، كريمة فلان: ابنته، وجمع الكريم كرماء.
والكريم في اللغة هو الشيء الحسن، أحجار كريمة، الشيء النفيس، الشيء الواسع، الإنسان السخي، والفرق بين الكريم والسخي أن الكريم كثير الإحسان من دون سؤال، وأن السخي كثير الإحسان عند السؤال، السخي إذا سُئل، أما الكريم أرقى من السخي، يعطي قبل أن تسأل، والكرم السعة، والعظمة، والشرف، والعزة، والسخاء عند العطاء.
 

الناس رجلان:


(( عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال-دققوا-كأن الناس رجلان: عن أبي هريرة: الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم. ))

[ صحيح الترمذي: حسن ]

المؤمن على الفطرة، نفسه طاهرة، يُصَدِّق ما يُقال له، يُحسن الظن بالآخرين، غرّ كريم هذه صفة مدح، والفاجر خَبٌ، وفي ضبط آخر خِبٌّ لئيم، ((الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم)) لكن أروع ما قال سيدنا عمر عن نفسه قال: لست بالخِب ولا الخِب يخدعني، أي لست من السذاجة بحيث أُخدع، ولا من الخبث بحيث أخدع، لا أُخدع ولا أخدع، كلام دقيق.
شخص وجد لوزة في موسم الحج في أثناء الطواف، فملأ من حوله صياحاً، من صاحب هذه اللوزة؟ فكان سيدنا عمر أمامه غضب وقال: كُلْها يا صاحب الورع الكاذب، كُلْها وخلصنا.
إنسان سأل سيدنا علي، قال له: لمَ انصاع الناس لأبي بكر وعمر ولم ينصاعوا لك؟ يريد أن يقلل من شأنه، قال له: لأن أصحابهم أمثالي، وأصحابي أمثالك، أي لست بالخِبّ ولا الخِبُّ يخدعني، لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع، هذا الموقف الكامل، هذا في اللغة.
 

من معاني الكريم:

 

1 – الله عز وجل واسع بذاته وصفاته وأفعاله:

أما إذا قلنا: الله كريم، موضوع آخر، الله سبحانه وتعالى هو الكريم الواسع في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لأنكم كما تعلمون هناك أسماء ذات، وأسماء صفات، وأسماء أفعال، من سَعَته أنه:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . 

2 ـ الذي له المجد والعزة والرفعة والعظمة والعلو والكمال:

وصف عرشه بأنه كريم فقال تعالى:

﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[ سورة المؤمنون ]

وصف عرشه بأنه كريم، وهو الكريم الذي له المجد والعزة، الكريم عزيز، الذي له المجد والعزة، والرفعة والعَظَمة، والعلو والكمال، فلا سَمِيّ له، معنى سَمِيّ: مثلاً فلان سميّ فلان، أي اسم فلان كاسم فلان، أو السَّميّ هو الند، المثيل، الله عز وجل لا سَمِيّ له، لا ند له، لا شريك له، لا مثيل له، كما قال رب السماوات والأرض:

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) ﴾

[ سورة مريم ]

هل تعلم له مثيلاً؟ مشابهاً؟
 

مفهومات العبادة:

 

1 – عبادةُ الهوية:

﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ والعبادة كما تعلمون هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، بل إن العبادة علة وجودنا لقوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات ]

وهناك عبادة الهوية، من أنت؟ أنت غني؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، من أنت؟ أنت قوي؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، من أنت؟ أنت عالم؟ عبادتك الأولى تعليم العلم.

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾

[ سورة الأحزاب ]

من أنتِ؟ أنتِ امرأة؟ العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد، اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حُسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله، هذه عبادة الهوية. 

 2 ـ عبادة الظرف:

هناك عبادة الظرف، عندك أب مريض؟ العبادة الأولى رعايته، عندك ضيف؟ العبادة الأولى إكرامه، عندك ابن عنده امتحان؟ العبادة الأولى تهيئة جو مناسب لدراسته. 

3 – عبادةُ الوقت:

يوجد عبادة الوقت، وقت الفجر وقت عبادة، وقت صلاة، وقت قرآن، وقت طاعة، في النهار وقت عمل، رأى النبي الكريم شاباً يتعبّد الله في وقت العمل، سأله: من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل، فلذلك:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. ))

[ صحيح البخاري ]

(( عن جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فَهوَ في ذمَّةِ اللَّهِ، فانظرْ يا بنَ آدمَ لا يطلبنَكَ اللَّهُ بشيءٍ مِن ذمَّتِهِ. ))

[ الزرقاني مختصر المقاصد صحيح ]

من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح.
 

من معاني الكريم أيضاً:

 

1 ـ الذي كرّم الإنسان عندما حمل الأمانة:

الكريم هو الذي كرّم الإنسان عندما حمل الأمانة، الكريم الذي يُكرِّم، وشرّفه، واستخلفه في الأرض، واستأمنه في ملكه، وفضّله على كثير من خلقه، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾

[ سورة الإسراء ]

لأنه قَبِل حمل الأمانة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة:


بالمناسبة أيها الإخوة؛ الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

والإنسان هو المخلوق المكرم، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ والإنسان هو المخلوق المُكلّف ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ مخلوق أول، ومخلوق مُكلَّف، ومخلوق مُكرَّم، ومن عرف نفسه عرف ربه. 

2 ـ الذي بشّر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع والمغفرة الواسعة:

الكريم هو الذي بشّر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة، والرزق الواسع، الأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة: 

﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

[ سورة النجم  ]

والرزق الواسع:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)﴾

[ سورة الجن ]

لذلك قد يُحْرَم المرء بعض الرزق بالمعصية، وأنا أقول: كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخُص لحم النساء غلا لحم الضأن، إذاً الكريم هو الذي بشّر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة، والرزق الواسع، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾

[ سورة الأنفال ]

هناك رزق حلال، تكسب المال وأنت مطمئن، وتنفقه وأنت مطمئن. 

3 ـ الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه ولا ينقطع سخاؤه:

الكريم هو الجواد المعطي، الذي لا ينفذ عطاؤه، ولا ينقطع سخاؤه، الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء، إذا أعطى أدهش، وكيف يشاء، بسؤال وبغير سؤال، هو الذي لا يمنّ إذا أعطى فيُكدر العطية بالمن، لذلك الإنسان أحياناً يتمنى عطاء من الله مباشرة، الإنسان أحياناً إذا أعطاك من حين لآخر يُذكرك، إن شاء الله هذا البيت مرتاح فيه؟ إذا قدم لك هدية، على الاستعمال جيدة إن شاء الله؟ دائماً الإنسان يمن، الله عز وجل كريم يعطي من دون أن يمُنّ على المعطى، هو سبحانه يعفو عن الذنوب، لأنه كريم، ويستر العيوب، ويجازي المؤمنين بفضله، ويجازي المعرضين بعدله. 

4 ـ الكريم الذي يُكْرِم:

الكريم هو الذي يُكْرِم، كريم أي يُكْرم،

(( فعند البخاري من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أم العلاء رضي الله عنها قالت عند موت عثمان بن مظعون قالت: عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.))

[ صحيح البخاري ]

هذا كلام قالته لزوجها بحضرة النبي، فلو سكت النبي لكان كلامها صحيحاً، لأن سنة النبي الكريم أقواله وأفعاله وإقراره، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟)) هذا سماه العلماء: تألّ على الله.
 

كل إنسان من الأدب مع الله عز وجل ألا يحكم حكماً جازماً:


((فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ)) هذا الكلام العلمي، ((أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ)) قل: أرجو، لا تقل: لقد أكرمك الله، من أنت حتى تحكم حكماً جازماً على المستقبل؟ ((وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟)) ولا بكم، هذا الأدب، نحن على الرجاء نرجو رحمة الله، لكن قطعاً فلان من أهل الجنة، من أنت؟ فقالت بعد كلام النبي: ((فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً)) .
أي سيدنا الصديق لما استخلف سيدنا عمر لامه بعض أصحابه أنه شديد، قال: أتخوفونني بالله؟ لو أن الله سألني يوم القيامة: لمَ وليته؟ أقول: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب، يوجد أدب، قل: والله أعلم، قل: أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، هذا كلام المؤمن.
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا دخل المسجد يقول:

(( عبد الله بن عمرو: أعوذُ بالله العظيمِ، وبوجهه الكريمِ، وسلطانِه القديمِ من الشيطانِ الرجيمِ، قال: أَقَطُّ؟ قلتُ: نعم، قال: فإذا قال ذلك؛ قال الشيطانُ: حُفِظَ مني سائرَ اليومِ. ))

[ صحيح أبو داود ]

وسمع أحد الصحابة الكرام النبي الكريم يدعو لأحد أصحابه الذي توفاهم الله، قال:

(( عن عوف بن مالك: اللهم اغفِر له وارْحَمْه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه. ))

[ صحيح مسلم ]

أي أحد علماء دمشق قبل حين أين توفي؟ وهو في المسجد يستمع إلى خطبة الجمعة، ((عافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الخَطَايا كما يُنَقَّي الثَّوبُ الأبْيَضُ من الدَّنَس)) .
 

أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يُعدّ قرضاً لله عز وجل:


الآن أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، بشر أو غير بشر، تجاه أي حيوان، تجاه النبات، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يُعَدّ قرضاً لله عز وجل، الله عز وجل يقول:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)﴾

[ سورة الحديد ]

لذلك ننتهي من القسم الأول من اسم الكريم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( عن عبد الله بن عمر: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ. ))

[ ابن ماجه: صحيح لغيره ]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور