وضع داكن
30-08-2025
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 097 - أعلى مرتبة أن تكون عبد الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

طائفة من الآيات تبين أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان:


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السابع والتسعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ونحن على وشك الانتهاء من هذه الدروس، فإذا وصلت إلى المئة بتوفيق الله عز وجل ننتهي من هذه المجموعة من الدروس، أردت أن تكون الدروس الأخيرة تلخيصاً لهذه المجموعة من دروس مدارج السالكين، في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.
أعظم كتاب بين أيدينا كلام الله عز وجل، إليكم طائفة من الآيات الكريمة التي تبيِّن أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان، خُلق ليعبد الله، والعبادة تشمل كل أوقاته، وكل أحواله، وكل حركاته وسكناته، بل إن أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان على الإطلاق أن يكون عبداً لله، يقول الله عز وجل: 

﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)﴾

[ سورة النساء  ]

هذا مقام الأنبياء، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)﴾

[ سورة الأعراف ]


  الإنسان المتأله نموذج يتناقض مع العبودية لله:


يوجد بهذا العصر مفهوم التأله، هذا المفهوم جاءنا من الغرب، الإيمان بالإنسان المتجبر القوي المتغطرس، الذي يعيش على أنقاض الآخرين، الذي يبني مجده على تدمير الآخرين، هذا الإنسان المتأله الذي جاءنا نموذجه من الغرب يتناقض مع العبودية، المسلم عبد لله، له مرجعية، له منهج، له كتاب، له سُنة، مقيَّد بالشرع، يعتقد ما في القرآن ويرفض ما يناقضه، يطبق ما جاء به النبي العدنان ويرفض ما يخالفه. 
أي أنا أؤكد في هذا الدرس على مفهوم العبودية، أنت لأنك مسلم فأنت عبد لله، ليس معنى أنك عبد لله أنك ضعيف، قد تكون قوياً بقوة الله، وقد تكون عليماً بعلم الله، وقد تكون شجاعاً بمدد من الله عز وجل، هؤلاء الذين عبدوا الله هم في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الحكمة، وفي أعلى درجات الشجاعة، أما حينما يعبد المرء شهوته، أو يعبد جهة دون الله عز وجل، يُذلّ أيّما إذلال، ويضعف أيما ضعف، لأنه ترك الله عز وجل فأوكله الله إلى نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ وقال تعالى: 

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)﴾

[ سورة الأنبياء ]

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ عنده ماذا تعني؟ أي في ملكه، هل هناك مخلوق خارج عن ملكه؟ كل المخلوقات في ملك الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ .
 

الأنبياء العظام والمرسلون الكرام عبيد لله عز وجل:


قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾

[ سورة الفرقان ]

عباد الرحمن أضيف العباد إلى الرحمن إضافة شرف، نحن أُضفنا في هذه الآية إلى الرحمن، كأن تقول: هذا من عندي، هذا يخصّني، هذا منتمٍ إليّ، هذا محسوب عليّ، وقال تعالى:

﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)﴾

[ سورة الإنسان ]

عباد الله، وقال تعالى: 

﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)﴾

[ سورة ص ]

عبدنا، وُصف بأنه عبد لله، إذًا الأنبياء العظام والمرسلون الكرام وُصِفوا بأنهم عبيد لله عز وجل، فمن نحن حتى نستنكف؟ وقال تعالى: 

﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)﴾

[ سورة ص ]

وقال تعالى:

﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)﴾

[ سورة ص ]

وقال تعالى: 

﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)﴾

[ سورة ص ]

وقال تعالى: 

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)﴾

[ سورة الزخرف ]

وقال تعالى: 

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)﴾

[ سورة البقرة ]

على محمد عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)﴾

[ سورة الفرقان ]

وقال تعالى: 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)﴾

[ سورة الكهف ]

نبينا عليه الصلاة والسلام، سيدنا إبراهيم، أيوب، موسى، كلّهم عباد لله عز وجل.
 

محبة الناس للمؤمن:


كيف تقول الآن: أعلى مرتبة علمية الدكتوراه مثلاً، فلان حاز لقب الدكتوراه، أنت وصفته بأعلى مرتبة علمية، في الدين إن أردت أن تصف إنساناً بأعلى مرتبة دينية، تقول: هو عبد لله، لماذا يُحَبُّ المؤمن؟ لأنه عبد لله، متواضع، يتواضع لكل الخلق، مُنصِف لا يجحد، شكور لا يكفر، عفيف لا يفجر، صادق لا يكذب، أمين لا يخون، لماذا يُحِبّ الناسُ المؤمنَ؟ لأنه اشتقّ من أسماء الله الحسنى كمالات عاش بها. 

لن تستطيع أن تدعو الله وأن تتصل به إلا بكمال مشتق من كماله:


بل إن الآية الكريمة: 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي أنت لن تستطيع أن تدعو الله عز وجل، ولن تستطيع أن تتصل به، ولن تستطيع أن تُقبِل عليه إلا بكمال مشتق من كمال الله، إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، إن أردت أن تُقبِل على الرحيم وأن يقبلك الرحيم ينبغي أن تكون رحيماً، إن أردت أن تُقبِل على العادل ويقبلك العدلُ ينبغي أن تكون عدلاً، فتجد المؤمن منصفاً، يقول الحق ولو على نفسه، يُكثِر من كلمة أخطأت، اعذروني، لم أكن منتبهاً لهذا الموضوع سامحوني، لا يركب رأسه، لا يكابر، لا يتعنت، لا يبالغ، النفس البشرية تكره الصفات الخسيسة، تُحبّ الكمالات البشرية، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)﴾

[ سورة الجن ]

 

علاقة الترابط بين العبودية لله وبين العزة:


قال تعالى: 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾

[ سورة الإسراء ]

أرايتم أن النبي عليه الصلاة والسلام حيثما وُصِف وهو في سدرة المنتهى، وهو في أعلى مقام وصله مخلوق على الإطلاق، قال تعالى: 

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)﴾

[ سورة النجم ]

ذكرت لكم من قبل أيها الإخوة؛ أن هناك علاقة طردية، وأن هناك علاقة عكسية، العلاقة الطردية أن شيئاً إذا تحرك نحو الأمام تبعه الثاني نحو الأمام، تتابُع، أما العلاقة العكسية الشيء إذا تقدَّم نحو الأمام تقدّم الثاني نحو الخلف، فالعلاقة بين العبودية لله وبين العزة علاقة ترابطية، كلما ارتفع مستوى تعبُّدك لله عز وجل أعزّك الله، والله أيها الإخوة؛ الأنبياء العظام رأوا من العزّ ما لا يوصف، المؤمنون الكرام رأوا من العز ما لا يوصف، قال تعالى: 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾

[ سورة الطور ]

إذا كانت عينُ الله ترعاك من يستطيع أن يتطاول عليك؟ إذا كنت مع الله فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 

مشكلة زوج:


والله أيها الإخوة؛ كان يزورني شخص توفي رحمه الله، ظلم زوجتين اثنتين، تزوج الثالثة فكالت له الصاع عشرة أصوع، يأتي ويبكي من شدة ما تقسو عليه زوجته الثالثة، قال تعالى: 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)﴾

[ سورة الحج ]

قد يتطاول عليك أقرب الناس إليك، قد يتطاول عليك من أنجبته أنت، ومن ربّيته أنت، أما إذا كنت مع الله يأتي عدوُّك اللّدود فيخدمك، إن كنت مع الله خدمك عدوُّك، وإن لم تكن معه تطاول عليك أقرب الناس إليك.

 المؤمن الصادق لا يقبل أن يخضع الناس له خضوع العبيد:


يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السلام، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. ))

[ صحيح البخاري ]

مرة خطيب قال له:

(( عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا، أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ. ))

[ صحيح النسائي ]

ما هذا القول: ما شاء الله وشئت!؟ والمؤمن الصادق لا يقبل أن يخضع الناس له خضوع العبيد، لا يرضى لأخ من إخوانه أن يرفعه فوق مقامه، هذا مقام الله عز وجل، ((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) .
 

ترسيخ الصحابة الكرام لمفهوم التوحيد:


هل تصدق أن كما أعتقد أنا ويعتقد معي أناس كثيرون، هل تصدق أنه ما من علاقة بين اثنين على وجه الإطلاق كالعلاقة بين سيدنا رسول الله وسيدنا الصديق، أعطاه ماله كله، قال: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر، قال عليه الصلاة والسلام: ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر.
وقع تحت يدي كتاب في فضائل الصحابة، مؤلف الكتاب أحصى ثلاثمئة حديث صحيح لرسول الله في الثناء على سيدنا الصديق، يثني فيها النبي على الصديق ومع ذلك حينما مات النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال الصديق؟ أنا أتصور أن قلبه تفطّر، قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، هكذا محمد، لا كلمة نبي الله، ولا رسول الله، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، أراد ترسيخ التوحيد.
سيدنا عمر عزل سيدنا خالدًا، قال له: لِم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ أمير مؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، حينما يعزل قائداً عسكرياً معنى ذلك هناك مشكلة، هناك مشكلة بسيدنا خالد، أراد أن يطمئن على نفسه، قال له: يا أمير المؤمنين لِم عزلتني؟ قال له: واللهِ إني أحبُّك، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: واللهِ إني أحبُّك، للمرة الثالثة قال له: لم عزلتني؟ قال: واللهِ ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، توهَّم الناس أن معركة فيها خالد لا تُهزم، خاف على الناس من الشرك، أراد أن يرسِّخ التوحيد عزل خالداً والنصر مستمر، من هو الذي ينصر إذًا؟ هو الله، أرأيتم إلى أصحاب رسول الله كيف كانوا على أعلى درجة من التوحيد؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يُرَسِّخ هذا المعنى، يقول:

(( عن عائشة أم المؤمنين: آكلُ كما يأكلُ العبدُ وأجْلِسُ كما يجلسُ العبدُ. ))

[ إسناده حسن: كشف الخفاء ]

سيدنا عمر بن عبد العزيز كان عنده ضيف، والسراج انتهى زيته فانطفأ، فقام عمر وأملأ المصباح زيتاً، فالضيف استحيا، قال له: أنا أتمنى أن أفعل هذا عنك، قال له: عندي خادم رأيته نائماً كرهت أن أوقظه، أما أنت ضيف استخدامك من اللؤم، قمت وأصلحت السراج وأنا عمر، وعدت وأنا عمر.  
كان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله، ويحلب شاته، ويرفو ثوبه، وكان يصغي الإناء للهرة، وكانت الجارية-البنت الصغيرة-تأخذ بيده فتمشي فيلحقها إكراما لها، هكذا كان عليه الصلاة والسلام، أنا عبد ((آكلُ كما يأكلُ العبدُ، وأجْلِسُ كما يجلسُ العبدُ)) .
 

الخطاب الرباني لعباد الله الطائعين:


بل إن الله عز وجل بشّر عباده فقال: 

﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)﴾

[ سورة الزمر ]

ثم يخاطب الله عباده الطائعين، قال تعالى: 

﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)﴾

[ سورة الزخرف ]

أما هذا الشيطان الذي أراد أن يُغوي بني آدم قال الله له: 

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾

[ سورة الحجر ]

وقال تعالى: 

﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)﴾

[ سورة النحل ]

 

مصطلحات إسلامية:


بل إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الإحسان أعلى مراتب الإيمان، هناك الإسلام وهناك الإيمان وهناك الإحسان، وهذه مصطلحات النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: 

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾

[ سورة الحجرات ]

الإسلام أولاً، الإيمان ثانياً، ثم الإحسان، ما الإحسان؟ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أعلى درجات القرب أن تكون محسناً، والإحسان أن تعبد الله، أنا أؤكد على هذه المعاني كتلخيص لدروس اقتربت من المئة، ولعلنا بقينا فيها أكثر من سنتين، دروس مدارج السالكين، أساساً محور هذه الموضوعات في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله، قال تعالى: 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات ]

 

وجوب عبادة الله من المهد إلى اللحد:


هناك نقطة دقيقة نحتاجها اليوم، الإنسان له فورة، في البدايات يتألّق، ثم تخبو فورته، وتبرد همته، وتنقلب عباداته إلى عادات، المشكلة أن الله عز وجل يقول: 

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾

[ سورة الحجر ]

أي يجب أن تعبد الله من المهد إلى اللحد، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)﴾

[ سورة المدثر ]

أهل النار:

﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾

[ سورة المدثر ]

ما هو اليقين؟ الموت، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ*حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ اليقين هو الموت بإجماع المفسرين، فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ معنى ذلك هو الموت،

(( سيدنا عثمان بن مظعون بلغ النبيّ أنه توفي، فقال عليه الصلاة والسلام: لما توفي عثمانُ بنُ مظعونٍ وشهدت له بعضُ النسوةِ بالجنةِ، فقال لها النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: وما يدريك؟ إني واللهِ وأنا رسولُ اللهِ ما أدري ما يفعلُ بي، وقال: أما عثمانُ فقد جاءه اليقينُ من ربِّه. ))

[ خلاصة حكم المحدث: صحيح، ابن تيمية: مجموع الفتاوى  ]

 

الحكمة من تسمية الموت باليقين:


هناك تعليق لطيف على سبب تسمية الموت باليقين، لأنك تتيقن عند الموت من كل حقيقة جاء بها الأنبياء، فرعون الذي قال: 

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

[  سورة النازعات  ]

والذي قال:

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[ سورة القصص ]

فرعون نفسه حينما أدركه الغرق أيقن بما جاء به موسى، قال تعالى: 

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

[ سورة يونس ]

أي إنسان يموت تُكشف له الحقائق التي جاء بها الأنبياء، ولكن تُكشف له بعد فوات الأوان، أما المؤمن تُكشف له في الوقت المناسب.
 

مسألة تكفيرية:


لذلك حينما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي من المهد إلى اللحد، أي ما أدري أن الشيء انقرض فيما أعتقد، هناك في بعض العصور من يتوهم شطحاً أنه إذا بلغ اليقين سقطت عنه التكاليف، قال: من يقول بهذا فهو زنديق كافر، أنني أنا بلغت درجة من الرقي لا أحتاج إلى صلاة، ولا إلى غضّ بصر، ولا إلى فعل المعروف، يجب أن تعبد الله حتى يأتيك اليقين، حتى يأتي الموت.
 

رؤيا الإمام أحمد بن حنبل:


يُروى أن الإمام أحمد بن حنبل قبل موته كان يقول: كلا بعد، كلا بعد، من حوله تعجب، ما معنى هذا الكلام؟ فلما توفي رحمه الله تعالى رآه بعضهم في المنام، قال: يا سيدي لِم قلت: كلا بعد؟ قال: جاءني الشيطان، فقال لي: لقد نجوت يا أحمد، قلت: كلا بعد، لا أنجو إلا حينما أموت على الإيمان، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ حتى النهاية، حتى الموت.
 

أنواع العبودية:

 

1-عبودية عامة:

أيها الإخوة الكرام؛ في هذا الموضوع موضوع ثالث هو أن العبودية عامة وخاصة، عامة ما من مخلوق شاء أم أبى، آمن أم كفر، أقبل أم أدبر، صدّق أم كذّب إلا وهو عبد لله، واحد منا هل يدري متى سيموت؟ والله قبل أيام لي صديق، عمره أقل من خمسين سنة، لا يشكو شيئاً إطلاقاً، في أقل من عشر دقائق كان من الموتى، هو عبد لله إذًا، هل يملك حياته؟ أبداً، من منا يملك حياته؟ 
قبل أيام كنا في سهرة وكان أمامي جالساً، قلت: هل يعلم هذا الإنسان قبل يومين أنه بقي له يومان؟ معنى هذا أنت عبد لله، من منا يملك بقاء حركته؟ خثرة من الدم أقل من عشر الميليمتر المكعب، إذا تجمدت في بعض أوعية الدماغ يُشلّ الإنسان، يحتاج إلى حمل، انتهى، لا نملك بقاء حركتنا، لا نملك سمعنا، لا نملك بصرنا، لا نملك نطقنا، لا نملك ذاكرتنا، رجل والله أحسبه صالحاً ضعُفت ذاكرته، دخل عليه ابنه قال له: من أنت؟ لا تملك قوتك، ولا سمعك، ولا بصرك، ولا ذاكرتك، ولا نطقك، ولا دسامات قلبك، ولا الشريان الأبهر، ولا الشريان التاجي، ولا عمل الكليتين، من منا يملك جهازاً من أجهزته إذا تعطَّل؟ وممكن أي جهاز إذا تعطل دخل الإنسان في حياة هي كالجحيم لا يُطاق، إذًا نحن عبيد، نحن عبيد قهر، أي إنسان يتحرك لأن الله سمح له أن يتحرك، يتكلم لأن الله سمح له أن يتكلم، يأكل لأن الله سمح له أن يأكل، ينام لأن الله سمح له أن ينام، وفي أية لحظة يريد الله شيئاً آخر تتعطل أجهزته، انتهى، إذًا هذه عبودية، لكن هذه عبودية القهر، إنسان ملحد ماذا يفعل لو تجمدت خثرة دم في دماغه فأصيب بالشلل؟ إذاً هذا الملحد عبد لله، إذاً هو في قبضة الله، هذه عبودية القهر، كيف عبّر عنها القرآن؟ عبّر عنها بكلمة عبيد، قال تعالى: 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

[ سورة فصلت ]  

2-عبودية خاصة:

أما هذا الذي فكّر في خلق السماوات والأرض فعلم أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، فاستقام على أمره، وأحبه، وأقبل عليه، وعمل الصالحات، وبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، هذا عبد آخر، هذا عبد الشكر، كل مخلوق عبد قهرٍ، أما المؤمن عبد شكر، واضح؟ كلمة عبد الشكر يُجمع على عباد، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ لو تتبعت كلمة عباد في القرآن لوجدت في الأعم الأغلب أن كلمة عباد تعني جمع عبد الشكر، ولو تتبعت كلمة عبيد في أكثر آيات القرآن لوجدت أن كلمة عبيد تعني جمع عبد القهر، فأنت عبد لله شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت، آمنت أم لم تؤمن، رضيت أم لم ترض، أما عبد الشكر شيء آخر.
 

أبواب الله مفتحة والطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق:


مثل بسيط؛ جندي في قطعة عسكرية، طبعاً تحت أمر قائد القطعة، يأمره أن يجلس فيجلس، أن ينام فينام، أن يأكل فيأكل، أن يزحف فيزحف، تحت أمره، أما لو أن جندياً أحبّ قائده حباً جماً، ورأى في بعض الأيام ابنه على وشك الغرق فألقى بنفسه وأنقذه، هذا المجنَّد له مكانة كبيرة جداً عند قائد الثكنة، لأنه قدّم شيئاً، أنقذ ابنه من الغرق وضحّى بحياته، أو كاد يضحي بحياته، فهذا هو في الحقيقة أمر قائد السرية نافذ فيه، لكن هذا العبد له مكانة كبيرة عند قائد السرية.
تعليقاً على هذا المثل، مرة وسعته بتفصيل؛ مجند غرّ التحق بلواء، بآمرية لواء، على رأس هذا اللواء لواء، قائد كبير، بحسب التسلسل العسكري لا يستطيع مجنّد غرّ أن يدخل على اللواء، يوجد فوقه سبعة، يوجد ثمانية، يوجد نجمة، يوجد نجمتان، وثلاث، يوجد تاج، وهناك تاج ونجمة، وتاج ونجمتان، وتاج وثلاث، ثم سيفان، لا يستطيع أن يدخل لعنده، هناك تسلسل، قدَّم طلباً، يرتفع لأعلى منه يمكن بشهرين لا يسمح له بالدخول، أما لو أن هذا المجند رأى ابن قائد هذا اللواء يكاد يغرق فأنقذه، ألا يستطيع في اليوم التالي أن يدخل عليه من دون استئذان؟ قال تعالى: 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

[  سورة الكهف ]

أبواب الله مفتحة، الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أتحب أن تلتقي مع الله؟ أن تتصل به؟ اعمل صالحاً، يا موسى أتحبّ أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا ربي؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني؟
 

الفرق بين عبد القهر وبين عبد الشكر:


أيها الإخوة؛ إذاً هناك عبد القهر وهناك عبد الشكر، عبد القهر تُجمع على عبيد، وعبد الشكر تُجمع على عباد، عبد القهر في قبضة الله، أما عبد الشكر تفكّر في كونه، وآمن به، وأحبه، واستقام على أمره، واصطلح معه، وأقبل عليه فسعد بقربه، لذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أنت بعنايتنا ولطفنا.
 

مراتب العبودية:

 

1-المراتب العلمية:

بقي موضوع ثالث أو رابع حول مراتب إيّاك نعبد علماً وعملاً، للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتبها العلمية فمرتبتان؛ العلم بالله والعلم بأمره، هناك آيتان لعلكم تذكرونهما قال تعالى: 

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)﴾

[ سورة الفرقان ]

من أجل أن تعرف الله فاسأل به خبيراً، من أجل أن تعرف أمره ونهيه: 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

[ سورة الأنبياء ]

إن أردت أن تعرفه فاسأل به خبيراً، لذلك قال العكبري في كتاب إعراب القرآن الكريم، قال: تؤخذ ألفاظه من حُفّاظه-تؤخذ ألفاظ القرآن الكريم من حُفّاظه-وتؤخذ معانيه ممن يعانيه.
لو أن امرأة عاقراً لا تُنجب، وضعها مع زوجها خطِر، على وشك أن يطلقها، كلما رأت أماً تحتضن ابنها تذوب ألماً، لأنها حُرِمت هذه النعمة، هناك قصة لبعض الأدباء اسمها العاقر، فيها وصف دقيق جداً لمشاعر المرأة العاقر، لو أن هذه المرأة العاقر قرأت قصة  العاقر، أنا متأكد أنها طوال القصة تبكي لماذا؟ لأن ما يقوله مُؤلّف هذه القصة تعانيه هي، لأنه يعزف على أوتار قلبها، لأنه يضع يده على جرحها، لأنه يصِف تجربتها، لأنه يُحلل مشكلتها، فتأثُّر هذه المرأة العاقر بقصة العاقر كبير جداً، لأنها تعاني كل شيء يذكره كاتب هذه القصة، لو أن امرأة عندها أولاد كثُر، وهي ضجرة بهم وقرأت هذه القصة لا تتأثر أبداً، إطلاقاً، هذا مثل تمهيدي.
الآن اجلس في مجلس، واستمع إلى كتاب الله، تجد رجلاً يبكي، ورجلاً آخر لا يبكي أبداً، وكأنه حائط، الذي بكى له مع الله تجربة، له مع الله معاناة.
أنا مرة ذكرت حديثاً قدسياً لإنسان له عمل طيب جداً، له أعمال كالجبال في خدمة الناس، إطعام جائعيهم، والعناية بمرضاهم، قلت: ليس كل مصلّ يصلي، إنما تقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يُصرّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، والله بكى بكاء خفت عليه، أن هذا الحديث أشعره بعمله الصالح، إذًا كل هذا لتوضيح أن معانيه تؤخذ ممن يعانيه، إذا كنت تعاني القرب من الله تذوب شوقاً إليه، تبكي إذا سمعت كلامه، تتأثر إذا سمعت كلام نبيه، أما إذا كنت بعيداً فقال تعالى: 

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

[ سورة فصلت ]

 

مراتب العبودية بحسب العلم بشكل تفصيلي:


العبودية لها مراتب بحسب العلم والعمل، مراتب العلم مرتبتان إحداهما: العلم بالله، تغطيها آية كريمة: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ والعلم بأمره: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أما العلم بذاته سبحانه وتعالى فالعلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به، أما العلم بأمره ونهيه، العلم بأمره الشرعي وهو الصراط المستقيم:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

[ سورة الفاتحة  ]

والشيء الثاني العلم بالأحكام الجزائية المتضمنة الثواب والعقاب، أي كل معصية ما عقابها، صار هناك العلم بالله وبأمره ونهيه، العلم بالله بذاته وبأسمائه وصفاته وأفعاله وتنزيهه، والعلم بأمره ونهيه، الصراط المستقيم والجزاء الذي يتوعد كل من يخالف هذا الصراط. 

2-المراتب العملية:

أما المراتب العملية فهناك مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين؛ أما مرتبة أصحاب اليمين أداء الواجبات وترك المحرمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات، هذه مرتبة أصحاب اليمين، أي ناجح مقبول، حول المعدل، أصحاب اليمين يؤدُّون الواجبات ويدعون المحرمات، لكن يتوسّعون في المباحات، وقد يقعون في بعض المكروهات، وقد يتركون بعض المستحبات، من هؤلاء؟ هم أصحاب اليمين، أما المقربون:

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)﴾

[ سورة الواقعة ]

يقومون بالواجبات والمندوبات، ويدَعون المحرمات والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره، قال تعالى: 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

[  سورة المؤمنون ]

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾

[ سورة فاطر ]

هناك مرتبة شرف أولى، جيد جداً، هناك مقبول، فأهل اليمين مقبولون عند الله، أما:

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)﴾

[ سورة الواقعة ]

آخر شيء؛ خاصة هؤلاء المقربين انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية، إذا أكل ينوي بطعامه التقوية على طاعة الله، المباحات عندهم عبادات، بينما المنافقون عباداتهم آثام.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور