الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الإيمان بالله واليوم الآخر يحمل الإنسان على طاعة الله عز وجل:
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم البَر، الله عز وجل يبين لنا ما البِر، البَر هو الله والبِر عطاؤه، فعلاقة المؤمن بهذا الاسم العظيم باسم البَر حرصه على أن يفعل كل أنواع البِر، الله بَر وعطاؤه بِر.
فعلاقة المؤمن بهذا الاسم أن يحرص حرصاً لا حدود له على أن يفعل كل أنواع البِر، فجلّ جلاله يقول:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾
أي أن تكتفي لعبادة شكلية، أن تقول: سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، أن تؤدي ركيعات، والذي يؤديها ساهٍ ولاهٍ، وأن يتحرك حركة بعيدة عن منهج الله، أن يرى الدين طقوساً، حركات، وسكنات، وتمتمات، وإشارات، يفعلها الإنسان وانتهى الأمر، ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي آمن بالله إيماناً يمنعه أن يخرق استقامة الله عز وجل، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن باليوم الآخر إيماناً يمنعه أن يؤذي مخلوقاً، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
المسلم في هذه الأيام له إطار ديني باهت:
الإنسان يصلي ولا تكلفه الصلاة شيئاً، يتوضأ ويصلي، ويصوم، والصيام أصبح عادة من عادات المسلمين، ويحج بيت الله الحرام، وقد يصبح الحج سياحة، فنادق فخمة جداً، تسوق من أعلى مستوى، وقضية سهلة جداً، طواف، وسعي، وقصّ شعرتين، وانتهى الأمر، فهذا الفهم للدين الفهم الطقوسي أنه صلينا وانتهى الأمر، أما حياتنا، كسب أموالنا، علاقاتنا، نشاطاتنا، علاقاتنا بالنساء، أفراحنا، أتراحنا، يعيش المسلم اليوم حياة الغرب، له إطار باهت ديني، الجمعة يرتدي ثوباً أبيض، يتعطر، معه مسبحة، يذهب إلى الجامع، كيف أمضى هذا الأسبوع؟ كيف أمضى ليالي هذا الأسبوع؟ مع من جلس؟ مع من أكل؟ مع من تسامر؟ ماذا قال في كلامه؟
لذلك: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ هذه الأنواع المنوعة من البر لو حللناها لوجدنا أن هناك بِراً عقدياً، يوجد جانب عقدي، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ أركان الإيمان.
العاقل من آمن بيوم الحساب الذي سيحاسب فيه على كل همسة وبسمة:
آمنت بالله واحداً، وموجوداً، وكاملاً، خالقاً، ومربياً، ومسيراً، آمنت بالله، بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، آمنت بأنه على كل شيء قدير، هو القوي، هو الغني، هو الرحيم، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وآمنت أيضاً أن هناك يوماً آخر تُحاسَب فيه على كل كلمة، وعلى كل همسة، وعلى كل بسمة:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
أن تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعة الله، وأن تؤمن باليوم الآخر إيماناً يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ يكتبون عليك كل أعمالك، ﴿وَالْكِتَابِ﴾ المنهج، افعل ولا تفعل، ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ هؤلاء قمم البشر الذين أرسلهم الله عز وجل ليكونوا قدوة لنا، هذا الجانب العقدي.
أما الجانب العبادي ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أقام صلة مع ربه، وصلة مع خلقه، أقام صلة مع ربه طاعة، وإنابة، وإقبالاً، وحباً، وتوكلاً، وأقام صلة مع خلقه إحساناً، كما قال الله عز وجل:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)﴾
هناك حركة نحو الخالق؛ إيمان، وإقبال، وطاعة، وحركة نحو المخلوق؛ انضباط وإحسان، هذا الجانب العبادي.
هناك الجانب الخيري، ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ ينفق.
هناك جانب خُلُقي، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ إذا أديت الجانب العبادي، والجانب العَقدي، والجانب الخيري، والجانب الأخلاقي كنت عند الله صادقاً، لذلك الله هو البَر المحسن، وعطاؤه بِر، والبِر أن تؤمن، وأن تستقيم، وأن تعبد الله، وأن تحسن إلى خلقه، وأن تتخلق بالخُلق الذي أراده الله لك.
أيها الإخوة؛ السنة المطهرة أكدت أن البِر حسن الخلق، وكأن الدين مجموعة قيم أخلاقية، هذا الذي قاله ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان، لذلك
(( روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث النواس رضي الله عنه أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن البِر والإثم، فقال عليه الصلاة والسلام: البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه الناس. ))
كل شيء تستحي منه، تستحي أن تفعله أمام الناس، هذا هو الإثم، كل شيء لا تتمنى أن ينسب إليك، هذا هو الإثم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن سعد: عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ، وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ، وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ. ))
أي موقف، أي كلمة، أي حركة، أي سكنة تُضطر أن تعتذر عنها لا تفعلها.
أفضل الناس إسلاماً وإيماناً وقرباً ومكانة أحسنهم أخلاقاً:
أيها الإخوة؛ الإيمان أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقِوام الضمائر، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في مجموعة من أحاديثه الصحيحة فقال: -دققوا-
(( عن عبد الله بن عمر: خيرُ الناسِ أحسنُهم خُلُقًا. ))
وأن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن من أحبّ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وأن خير ما أُعطي الإنسان خلق حسن،
(( عن أبي الدرداء: ما من شيءٍ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلقٍ حسنٍ وإنَّ اللهَ يُبغضُ الفاحشَ البذيءَ. ))
[ أبو داود: صحيح أو حسن أو ما قابهما ]
(( عن عائشة أم المؤمنين: إنَّ المؤمنَ ليدرِكُ بحُسنِ خلقِه درجةَ قائمِ اللَّيلِ، وصائمِ النَّهارِ. ))
(( عن أنس بن مالك: أنَّ العبدَ ليبلُغُ بحُسنِ خلقِهِ درجاتِ الآخرةِ، وشرفَ المنازلِ، وإنهُ لضعيفُ العبادةِ، وإنَّ العبدَ ليبلغُ مِنْ سوءِ خُلقِهِ أسفلَ درَكِ جهنمَ، وإنهُ لقويُّ العبادةِ. ))
[ إتقان ما يحسن: إسناده جيد ]
وكما قيل عليه الصلاة والسلام:
(( عن عبد الله بن عباس: الخُلُقُ الحسَنُ يُذيبُ الخَطايا كما يُذيبُ الماءُ الجليدَ، والخُلُقُ السُّوءُ يُفسِدُ العملَ كما يُفسِدُ الخَلُّ العسَلَ. ))
[ الطبراني: خلاصة حكم المحدث: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن ميمون ]
كلها أحاديث صحيحة، من أصحّ الأحاديث أن أفضل الناس إسلاماً، وإيماناً، وقُرباً، ومكانة، وثقلاً في الميزان الخُلق الحسن، فإذا ألغيت الخُلق الحسن ألغيت الدين.
الدين ليس طقوساً هو منهج واستقامة والتزام:
أيها الإخوة؛ هذه حقيقة أولى، أتريد عطاء الله؟ تريد توفيقه؟ تريد تأييده؟ تريد نصره؟ تريد قربه؟ تريد السكينة؟ تريد الحكمة؟ تريد الرضا؟ تريد أن يُجري الله على يديك الخير؟ افعل هذه الأفعال،
﴿منْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أنا أحذر من فهْم بدأ ينتشر بين الناس، فهم للدين طقوسي، أي افعل ما تشاء لكن ادعُ لنا أستاذ، لا تكفي هذه،
(( عن ربيعة بن كعب الأسلمي كُنتُ أبيتُ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأتَيتُه بوَضوئِه وحاجَتِه، فقال لي: سَلْ، فقُلتُ: أسألُك مُرافَقَتَك في الجَنَّةِ. قال: أو غيرَ ذلك؟ قُلتُ: هو ذاك، قال: فأعِنِّي على نَفسِك بكَثرةِ السُّجودِ. ))
يريد عملاً لا يكلفه شيئاً، كلمات يقولها وتنتهي مشكلاته، هذا فهم طقوسي للدين، الدين منهج، الدين التزام، الدين استقامة.
أعظم البِر بِرُّ الوالدين:
الآن أيها الإخوة؛ من أعظم البِر بِرُّ الوالدين كما قال تعالى:
﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)﴾
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي هذان اللذان كانا سبب وجودك، إن لم تكن وفياً لهما لن تكون وفياً لأحد، من أعظم الأعمال برّ الوالدين، لذلك قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)﴾
رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ .
أيها الإخوة؛ شيء آخر، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-وهذا في صحيح البخاري-فقال:
(( عن أبي هريرة: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أُمُّكَ، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوكَ، وفي حَديثِ قُتَيبةَ: مَن أحَقُّ بحُسنِ صَحابَتي؟ ولم يَذكُرِ النَّاسَ. ))
لذلك سُئل النبي عليه الصلاة والسلام: من أعظم النساء حقاً على الرجل؟ يوجد بحياتك نساء كثيرات، يوجد بنت، يوجد أخت، يوجد زوجة، يوجد أم، من أعظم النساء حقاً على الرجل؟ قال: أمه، فلما سُئل: مَن أعظم الرجال حقاً على المرأة؟ امرأة لها أب، لها أخ، لها عم، لها خال، لها ابن أخ، ابن أخت، لها زوج، مَن أعظم الرجال حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، فلذلك أحد أكبر أبواب البِر، أحد أكبر أسباب القرب من الله بِرُّ الوالدين، لذلك ورد في بعض الآثار: ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يُغفر له.
الأمن أعظم شعور يناله الإنسان:
الآن هذا البِر عطاء الله، توفيق الله، إكرام الله، تأييد الله، نصر الله، السكينة تُلقى في قلبك، الرضا يفعم بها قلبك، الحكمة؛ تكون في أعلى عليين عند الله وعند الناس بالحكمة، الأمن أعظم شعور يناله الإنسان.
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
هذه العطاءات الكبيرة جداً، هذه العطاءات الكبيرة تحتاج إلى بذل، إلى إنفاق.
المؤمن بنى حياته على العطاء وغير المؤمن بنى حياته على الأخذ:
يوجد بالإسلام استقامة، الاستقامة تودي بك إلى السلامة، أنا ما كذبت، جيد، أنا ما غششت، لم أحتل على أحد، لم أسيء إلى أحد، هذه استقامة، بالاستقامة تسلم، لكن التألق والسعادة والشعور بأنك أسعد الناس هذا يحتاج إلى بذل من مالك، من وقتك، من علمك، من خبرتك، من جاهك.
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
المؤمن بنى حياته على العطاء، وغير المؤمن بنى حياته على الأخذ، والأقوياء يأخذون ولا يعطون، والأنبياء يعطون ولا يأخذون، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يُمدحون في غيبتهم وبعد ألف وخمسمئة عام، والأقوياء يُمدحون في حضرتهم.
الإنسان لن ينال البر حتى يُنفق مما يُحب:
لذلك:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾
لتأبيد النفي: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أحياناً سامحهم الله بعض التجار البضاعة الكاسدة التي لم تبع لعشر سنوات تعتبر زكاة أموالهم، أحياناً الأحذية كل حذاء رقم، اثنان وأربعون وأربعون، تفضل هذه زكاة مالي، هذا على الحاوية، يُقدم زكاة ماله أسوأ بضاعة عنده، البضاعة الكاسدة، ذات الألوان المُنفرة، القياسات غير المعقولة، يقول لك: هذه زكاة مالي، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الشيء الجيد الرائع، أنا والله سمعت عن محسن بالشام يدفع زكاة ماله بطاقة يوجد عليها مبلغ خمسة آلاف ليرة، وهناك أربعة خمسة فروع لمحلات ألبسة من الطراز الأول، صاحب هذه البطاقة يختار أجمل ثياب، أجمل قميص، هو يختار، فيقدم البطاقة، فمجموع الذي اختاره أربعة آلاف وثمانمئة، يعطوه مئتي، مجموع الذي اختاره ستة آلاف، يطلبون منه ألفاً، يختار أجمل شيء، فـــ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أنا لي معاناة كثيرة مع بعض الإخوة الكرام يقدمون زكاة مالهم بضاعة سيئة جداً، أضعها في الحاوية أحياناً، فإذا سألني أقول له: وضعتها في المكان المناسب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ الطعام الطيب أطعمه للمسكين، طعام من ثلاثة أيام لم يعد أحد يأكله، لا تنفق شيئاً تكرهه.
أيها الإخوة؛ البِر، الله بَر، محسن، وعطاؤه بِر، البِر بشرح تفصيلي مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا، إحسانه في الآخرة، كفاية تحفظ للإنسان ماء وجهه، سعادة تملأ قلبه، صحة يحفظ الله بها عبده، هيبة ترفع ذكر الإنسان، كل أنواع الخير تنطوي تحت كلمة البِر، وهذا البِر ثمنه الإنفاق،
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أكبر خطأ أن تتوهم أن الجنة ركعتان، وليرتان، وانتهى الأمر، لا، الجنة منهج لها ثمن باهظ، منهج والله لا أبالغ قد يصل لخمسمئة ألف بند،
(( عن أبي هريرة: من خاف أدلجَ ومَن أدلج بلغ المنزلَ، ألا إن سلعةَ اللهِ غاليةٌ، ألا إن سلعةَ اللهِ الجنةُ. ))
البِرّ صلاح الدنيا وَالتَّقْوَى صلاح الآخرة:
أيها الإخوة، الآن:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
هنا البِر صلاح الدنيا، أي الشباب بحاجة إلى بيوت، هل هناك مشروع لإسكان الشباب وحلّ مشكلاتهم؟ يوجد عنوسة عالية، هل هناك مشروع للتوفيق من أجل الزواج؟ هذا عمل عظيم، يوجد بطالة، ممكن تعمل مشروعاً صناعياً ضخماً تهيئ فرص عمل للناس؟ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ هنا صلاح الدنيا، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ صلاح الآخرة، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ بشارع من الشوارع يوجد تسعون ملهى ليلي، وهناك طرق هي ضفاف أنهار، وعلى ضفاف الأنهار مئات الملاهي، والنوادي الليلية، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ على المعصية ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
البَر أبلغ من البار لأن البَر هو الله:
أيها الإخوة؛ قال: البَر أبلغ من البار، بَرّ يبر، براً وباراً، تقول: علّامة وعالم، العلّامة أبلغ من العالم، البَر أبلغ من البار، لذلك الله عز وجل من أسمائه البَر، البَر تتالى بِره، توالى إحسانه، كثُر عطاؤه، كثُر خيره، البَر أبلغ من البار، البَر هو الله، والبِر الأعمال التي تُقرِّب إليه، بمعنى وعطاؤه، الأعمال التي تُقرِّب إليه وعطاؤه، وقال بعضهم: البَر هو الذي منّ على السائلين بحسن عطائه، وعلى العابدين بجميل جزائه، وقيل: البَر الذي لا يقطع الإحسان بسبب العصيان، وإذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو ساجد، قال الله له: لبيك يا عبديس، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك، لأن الله ينتظره.
تماماً كابنٍ عاق فالأب ينتظره، فعودة العاق إلى أبيه مُسعدة للأب، لبيك ثم لبيك ثم لبيك، والله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق