وضع داكن
19-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 084 ب - اسم الله الحسيب 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الاعتماد على غير الله مذلّة:


أيها الإخوة الكرام؛ بشكل ملخص الحسيب معناه المكافئ، المثيل، الند، هذا معنى، والحسيب معناه الكافي، يعطي فيكفي، قال تعالى: 

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة الأعراف ]  

لكن الله سبحانه وتعالى إذا أعطاك كفاك، يعطيك من كل شيء لأن بيده كل شيء، إذا أردت الدنيا من وجهها الصحيح فاسأل الله ذلك، إن أردت الآخرة فاسأله ذلك، إن أردت زواجاً ناجحاً فاسأله ذلك، إن أردت رزقاً حلالاً فاسأله ذلك، إن أردت نصراً فاسأله ذلك، إن أردت توفيقاً فاسأله ذلك، إذا أعطى أدهش، إذا أعطى كفى، إذا أعطى كان عطاؤه عطاءً كاملاً وتاماً، ولا تحتاج مع هذا العطاء إلى سؤال غيره، هو الكافي، حسبي الله يكفيني، يعطيك من خير الدنيا والآخرة، يعطيك التوفيق، يعطيك الحكمة، يعطيك السلام، يعطيك الرضا، يعطيك السعادة، يعطيك السكينة، يعطيك الدنيا من الوجه الصحيح.
المعنى الأول: الحسيب المكافئ، المعنى الثاني: الحسيب الكافي.
الاعتماد على غير الله، من اعتمد على ماله ضل، من اعتمد على من حوله ذل، من اعتمد على الله لا ضلّ ولا ذلّ، مرة إنسان-أحسبه مؤمناً ولا أزكي على الله أحداً-لكنه أخطأ، فقال: الدراهم مراهم، أي أنت بالمال تصنع كل شيء، يقسم لي بالله وهو عندي صادق أنه بعد حين اتُّهم تهمة هو بريء منها، هذه التهمة أودت به إلى المنفردة لأربعة وستين يوماً، وفي هذه الأيام الطويلة التي مضت عليه كالسنوات الطويلة يأتيه هذا الخاطر؛ الدراهم مراهم؟! 
الذي يُوَفِّق هو الله، الذي يحفظ هو الله، إن اعتمدت على المال هناك مشكلة، إن اعتمدت على من حولك قد يُخَيبون ظنك،

(( عن عبد الله بن مسعود: لو كُنْتُ متَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخَذ اللهُ صاحبَكم خليلًا.  ))

[ صحيح مسلم ]

 

الله عز وجل مُحاسب ومُكافئ كل إنسان على عمله:


أيها الإخوة؛ الحسيب المحاسب، يوجد أخ مرة التقيت به في لقاء خاص فحدثني عن القصة التالية: كان محامياً بجريمة قتل، قال لي: بعد سنوات عديدة صدر الحكم على هذا المتهم بالإعدام، قال لي: لما أبلغته الحكم تلقاه بأعصاب باردة، وهو يؤكد لي طوال هذه المحاكمة أنه بريء من هذه الجريمة، قال لي: هذا الوضع أثار فضولي فأردت أن أحضر إعدامه، الآن بدأت القصة، صعد إلى الخشبة التي سوف يُعدم عن طريقها وقال: أنا بريء من هذه الجريمة، ولكنني قتلت رجلاً قبل ثلاثين عاماً، كنت رئيس مخفر في أحد أحياء دمشق في الميدان، وجاء ضابط فرنسي أيام الاستعمار الفرنسي، أعطاني رجلاً ليُحكم غداً بالإعدام، أودعته في الإسطبل وقفلت الباب، صباح ذلك اليوم افتقدته، هرب، من شدة خوفه من هذا الذي أعطاه هذا الإنسان أخذ بدوياً من الطريق وباع ناقته وأودع ثمنها في جيبه، ووضعه محل هذا الرجل، في اليوم الثاني أخذوه وأعدموه، مضى على هذا الحادث ثلاثون عاماً، واتُّهم بجريمة هو منها بريء، وانتهت هذه التهمة بإعدامه، والقصة طويلة.
الله عز وجل حسيب أي محاسب، حسيب أي مكافئ، حسيب أي كافٍ، حسيب أي محاسب.
 

من أكبر أفضال الله على الإنسان أنه سمح له أن ينتسب إليه:


الآن الله حسيب أي ذو شرف، عظيم معنى رابع، لذلك من أكبر أفضال الله علينا أنه سمح لنا أن ننتسب إليه. 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

أنت عبد من؟ عبد خالق السماوات والأرض، ما قولك أن هناك أناساً في العالم يعبدون الشجر؟ أن هناك أناساً يعبدون الشمس والقمر؟ أن هناك أناساً يعبدون النار؟ أن هناك أناساً يعبدون بعض الحيوانات؟ هناك جماعات كثيرة جداً في آسيا يعبدون الجرذان، والحديث طويل، في اليابان يعبدون ذكر الرجل، وقد شرّفنا الله عز وجل بأن نعبد الله، بأن نعبد خالق السماوات والأرض، بأن نعبد من بيده ملكوت كل شيء، أن نعبد من إليه يُرجع الأمر كله، من:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾

[ سورة الزخرف ]

 أن نعبد خالقنا، الرحمن، الرحيم، القوي، الغني، الحكيم. 
 

عبد القهر وعبد الشكر:


أيها الإخوة؛ لذلك قال العلماء: فرق كبير بين العباد وبين العبيد، العبيد جمع عبد القهر، والعباد جمع عبد الشكر، العبد الذي عرف الله ابتداءً، وأقبل عليه، وأحبه، واستسلم لأمره، وسعى لخدمة خلقه، وتقرّب إليه بالعمل الصالح، هذا عبد الشكر يُجمع على عباد. 

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾

[ سورة الحجر ]

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾

[ سورة الفرقان ]

أما العبد الذي قلبه بيد الله، وحركته بيد الله، وسمعه بيد الله، وبصره بيد الله، ومن فوقه بيد الله، ومن تحته بيد الله، وهو في قبضة الله، وفي أية لحظة سكتة دماغية، في أية لحظة احتشاء في القلب، في أية لحظة من أهل القبور، هذا العبد المقهور ببقائه، وباستمرار بقائه، المقهور بصحته، المقهور بأجهزته، هذا اسمه عبد القهر ويُجمع على عبيد. 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

[ سورة فصلت ]

فشتان بين أن تكون عبد القهر وبين أن تكون عبد الشكر، بين أن تكون عبداً أحبّ الله. 
 

إرادة الله عز وجل في أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حبّ لا علاقة إكراه:


لذلك الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى ما أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة قهر، ولا علاقة إكراه، قال تعالى:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

[ سورة البقرة ]

أراد الله جلّ جلاله أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب، قال: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[ سورة المائدة ]

 

من اعتمد على غير الله فقد أشرك:


أيها الإخوة؛ الآن لو دخلنا في بعض التفاصيل، من الشرك أن تعتمد على غير الله، أي صحابة رسول الله وهم قمم البشر، ومعهم سيد البشر، في حنين اعتمدوا على كثرتهم، فقالوا: لن نُهزم من قلة، فتخلى الله عنهم، ولو أنه نصرهم لسقط التوحيد، وفي أحد عصوا رسول الله، هم قمم البشر، وفيهم سيد البشر ولم ينتصروا، لأنهم لو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، فإذا كان الصحابة الكرام هكذا فما بال المسلمين اليوم وهم واقعون في مئات المعاصي والآثام؟ فلذلك من الشرك أن تعتمد على غير الله، لا تعتمد لا على مالك، ولا على مكانتك، ولا على منصبك، ولا على صحتك، ولا على من حولك، ولا على من يلوذ بك، اعتمد على الله وحده.
أما إذا قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، أي يكفيني الله عز وجل، يرزقني، يُوَفقني، ينصرني، يحفظني، يكفيني الله عز وجل، يعطيك الدنيا والآخرة، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له ومالنا، أي الله يكفيني لأنه قوي. 
 

الله سبحانه وتعالى إذا أعطى وفّى وكفى:


إخواننا الكرام؛ لا يجوز إعطاء الزكاة لابن الغني، الابن فقير، لكن العلماء قالوا: هو غني بغنى أبويه، غني بغنى أبيه، والمؤمن قوي بقوة الله، وغني بغنى الله، وحكيم بحكمة الله، أي يكفيني الله لأنه قوي، ولأنه رزاق، ولأنه غني، ولأنه عليم، ولأنه كريم، ولأنه سميع، ولأنه مجيب، ولأنه رؤوف، ولأنه رحيم، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل.
لذلك حسبي الله ونعم الوكيل أي أن الله يكفيني، هو الحسيب، لا تحتاج مع سؤاله إلى سؤال أحد، أحياناً إنسان يتكرم عليك بوظيفة، دخلها قليل، لا يكفي، مع أنك بذلت ماء وجهك له، ورجوته أعطاك هذه الوظيفة، الدخل قليل جداً، تبحث عن وظيفة أخرى، عن عمل بعد الظهر، عن عمل قبل الدوام، عن محاسبة أحياناً، لأنك سألته وأعطاك العطاء غير كافٍ، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى وفّى، إذا أعطى كفى، لأنه هو حسيب.
لذلك العلماء قالوا: حسبي الله ونعم الوكيل هذه الكلمة من أفضل الأذكار، حسبي الله ونعم الوكيل يكفيني، وهي من أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، والسنة أن تذكر الله بأذكار النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أبرز أذكار النبي حسبي الله ونعم الوكيل. 
 

عدم قبول كلمة حسبي الله ونعم الوكيل منك إلا إذا بذلت ما في وسعك:


لكن النقطة دقيقة جداً الآن، النقطة الدقيقة أن هذه الكلمة قد تقال في غير موضعها، أي طالب ما درس أبداً فما نجح، يقول للناس: حسبي الله ونعم الوكيل، هذه مشيئة الله ماذا أفعل؟ هكذا أراد الله! لا، هذا كذب، أنت لم تدرس لذلك لم تنجح، فعدم النجاح جزاء التقصير، لا تُقال كلمة حسبي الله ونعم الوكيل، معنى ذلك كل كسول، كل مُقصّر، كل مهمل، كل مرجئ يُغطَّى بهذه الكلمة؟ لا، تقول: حسبي الله ونعم الوكيل إذا درست الدراسة التي في وسعك ولم تُقَصِّر، ولم تضيع الوقت إطلاقاً جاء عارض صحي حال بينك وبين الامتحان، عندئذٍ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
إنسان فقير لأنه كسول، لا يتقن عمله، لا يؤدي واجبه، لا ينجز وعده، لا يعتني بعمله، لا يطوره فأصبح فقيراً، هذا الإنسان ليس له الحق أن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، هذا الذي يعيشه جزاء التقصير، أما إذا بذل كل وسعه، ولم يدع مجالاً إلا فعله، وشاءت حكمة الله أن يكون بدخل محدود الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، المؤمن من علامة إيمانه أنه يرضى بقضاء الله وقدره، إذا كان مستقيماً على أمر الله، وسلك طريقاً وهو مستقيم، وأخذ بالأسباب وتوكل على رب الأرباب، ورأى الطريق مسدوداً، عندئذٍ يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، أنت حينما تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وتقتضي حكمة الله ألا تكون في مصاف من نجح في هذا الموضوع، هذه حكمة الله، عندئذٍ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. 
 

حسبي الله ونعم الوكيل تقال لمن بذل كل الجهد وشاءت حكمة الله ألا يحقق مراده:


لذلك مرة قضى النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فالذي عليه الحق، والذي قضى النبي لخصمه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فعاتبه النبي، لا تقل هذه الكلمة، أنت مقصر، كأن حسبي الله ونعم الوكيل ينبغي أن تُقال لمن بذل كل الجهد، وشاءت حكمة الله ألا يحقق مراده، يقول عندئذٍ: حسبي الله ونعم الوكيل تأدباً مع الله عز وجل، أما الذي يُقصِّر، لا يأخذ بالأسباب، لا يعتني، مثلاً، طبيب إسعاف يأتي المريض الخَطِر، يُجري حديثاً مع ممرضة، يحتسي كأس شاي، يقول: دعوه الآن، بعد حين مات، هذا الطبيب المقصر الذي ما أسعفه، والذي آثر على إسعافه حديثاً ممتعاً مع ممرضة، إذا قال: حسبي الله ونعم الوكيل، تُعَد هذه الكلمة ذنباً من ذنوبه، لا تقل: حسبي الله ونعم الوكيل، انتهى أجله، سبحان الله! مات بأجله، لا، أنت قصرت في إسعافه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن جد عمرو بن شعيب: مَنْ تَطَبَّبَ ولا يُعْلَمُ منه طِبّ فهو ضامِن. ))

[ أبو داود: حسن ]

يوجد عليه مسؤولية جزائية، علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا جاءت الأمور كما تتمنى فاشكر الله عز وجل، وإذا جاءت الأمور بعكس ما تريد فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، إذا جاءت الأمور بعكس ما تريد وقد بذلت كل الجهد، وأخذت بكل الأسباب، عندئذٍ لك أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. 
 

من ابتعد عن الله عز وجل فهو في فقر دائم:


الحقيقة لا يوجد على وجه الأرض جهة غير الله تغني، غير الله يعطيك شيئاً، يعطيك منصباً، يعطيك مساعدة، يعطيك دفعة، أما يغنيك؟ يكفيك؟ لا تحتاج معه إلى أحد؟ هو الله وحده، فإما أن تكون مع الله فأنت المكتفي، وإما أن تبتعد عنه فأنت في فقر دائم، لذلك أنت من خوف الفقر في فقر، خوف الفقر فقر، أنت من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، لذلك قل: حسبي الله ونعم الوكيل، وليس في الوجود حسيب سواه.
يروى أن امرأة سألت أميراً أن يعطيها من ماله، أعطاها وأجزل، أعطاها فوق ما تتمنى، فقال له من في حضرته من أتباعه: أيها الأمير لقد كان يكفيها القليل وهي لا تعرفك، فقال هذا الأمير: إذا كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا إنسان كريم هذه أخلاقه فكيف بأكرم الأكرمين؟ إذا أعطى أدهش، لذلك لا تقل: يا رب ارحمني إن شئت، يشاء لك الرحمة، يا رب ارحمني، يا رب وفقني، يا رب أغنني عمن سواك. 
 

عطاء الله عز وجل يبدأ بعد الموت:


إخواننا الكرام؛ بساعة غفلة عن الله نتوهم أن الدنيا كل شيء، هي ليست بشيء، لأن عطاء الدنيا ينقطع عند الموت، ولا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءً ينقطع عند الموت، هذا ليس عطاء إله، هذا عطاء إنسان، يعطيك بيتاً، ما دمت حياً تستمتع به، فإذا وافته المنية انتهى هذا البيت، يعطيك منصباً، أما الإله يعطيك الآخرة، يعطيك سعادة الدنيا والآخرة. 

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

[ سورة الرحمن  ]

لا تُصَدق أن يكون عطاء الله منقطعاً، لا تُصَدق أنه يليق بعطاء الله أن ينتهي عند الموت، هذا عطاء أهل الدنيا، لكن عطاء الله عز وجل يبدأ بعد الموت، لذلك:

(( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ. ))

[ صحيح الترمذي  ]

الدنيا هينة على الله.
 

عطاء الله عز وجل عطاء أبدي لا ينتهي:


﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام ]

ليس باباً واحداً، بل ﴿أَبْوَابَ﴾ ليس باب شيء، بل ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ لذلك هناك كلمة رائعة جداً للإمام علي رضي الله عنه يخاطب ابنه يقول له: يا بني!-دقق-ما خير بعده النار بخير، قد تصل إلى أعلى منصب، قد تمتلك أكبر ثروة، قد تتمتع بأعلى مكانة، قد تقترن بأجمل زوجة، قد تبلغ أموالك مبلغاً لا يُصدق، يا بني! ما خير بعده النار بخير، وما شرّ بعده الجنة بِشَر، قد تكون فقيراً، ضعيفاً، قد يموت الإنسان في السجن كبعض العلماء الكبار ماتوا في السجن، لكن لأن هذه الحياة المتعبة انتهت إلى جنة عرضها السماوات والأرض فهذا الذي كانوا فيه ليس شراً، ما خير بعده النار بخير، وما شرّ بعده الجنة بشَر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية.
لما إنسان الله يعطيه الدنيا وهو لا يحبه هذا العطاء منوط بدقات قلبه، إذا توقف القلب انتهى كل شيء، هذا العطاء منوط بقطر شريانه التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاهات لا تنتهي، هذا العطاء منوط بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً ورم خبيث، انتهى، لكن الله سبحانه وتعالى يعطيك جنة عرضها السماوات والأرض، فيها:

(( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))

[ متفق عليه ]

 

من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً:


أيها الإخوة؛ دقق في هذه الآية، الله عز وجل حدثنا عن قارون قال: 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

[ سورة القصص ]

الإنسان أحياناً يُدهشك بمركبته، ببيته الواسع، بإطلالته الرائعة، بدخله الوفير، بحجمه المالي، بمكانته الاجتماعية، بمنصبه الرفيع، يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علم معنى مسؤول كبير لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير. 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر  ]

فاطمة دخلت على زوجها رأته يبكي، مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال: ويحك يا فاطمة، إني رأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذا العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وابن السبيل، وأضرابهم، وأمثالهم في طول البلاد وعرضها، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي. 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

[ سورة القصص ]

 

العاقل من حاسب نفسه قبل أن يلقى الله عز وجل:


الآن هناك معنى فرعي من معاني اسم الحسيب أن الله هو المحاسب، فإذا كنت بطلاً حاسب نفسك قبل أن تُحاسب، زنْ عملك قبل أن يُوزن عليك، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
أيها الإخوة؛ كان سيدنا عمر يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا،

(( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ. ))

[ صحيح الترمذي ]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور