وضع داكن
11-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 081 ب - اسم الله الحكم 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

رفض الناس أحياناً التفسير التوحيدي للأحداث وإيثارهم التفسير الشركي الأرضي:


أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم الحَكَم، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)﴾

[ سورة غافر ]

الحقيقة أن الناس أحياناً يرفضون تفسيراً للأحداث توحيدياً، ويؤثرون عليه تفسيراً شركياً أرضياً، أي لا شك أن الزلزال اضطراب بقشرة الأرض، هذا التفسير العلمي القريب، ولكن من هو مسبب الأسباب؟ لابدّ من أن نفهم الأحداث فهماً علمياً وفهماً توحيدياً في آنٍ واحد، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ إن كان الطرح أن الله وحده المتصرف بيده كل شيء.

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾

[ سورة هود ]

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾

[ سورة الزخرف ]

يسوق للعباد ما يصلحهم أو يؤدبهم، هذا التفسير التوحيدي مرفوض، أما صراع الحضارات، والقوى، والمصالح الكبرى، وما إلى ذلك من تفسيرات أرضية شركية هذا المقبول.
 

الحكم لله العلي الكبير في كل شيء:


﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ كيف الحكم لله؟ طبعاً أضرب أمثلة بسيطة، يموت الأب ويترك أولاداً وثروة طائلة، أكبر الأولاد يستأثر بهذه الثروة، ويجعل إخوته تحت جناحه، لكن الله عز وجل كيف يحكم على هذا الابن الأكبر الظالم الذي استأثر بالثروة وحده ولم يعطِ إخوته منها شيئاً؟ تتراجع أحواله، ويُوَفِّق الله الآخرين إلى أن يعمل عندهم موظفاً، فالله حكم، هو ظالم، الله عسّر أموره ويسّر أمور الصغار، وكم من حادثة يشيب لهولها الولدان المغتصب أصبح أجيراً عند إخوته الصغار الذين اُغتصبت أموالهم وظُلموا فوفقهم الله عز وجل.
أحياناً يكون طلاق بين زوجين، الظالم تأتيه زوجة تريه النجوم ظهراً، والزوجة المظلومة يأتيها زوج يعرف قيمتها، ويحسن إليها، الله حكم، شريكان، زوجان، أخوان، ورثة:

﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)﴾

[ سورة ص ]

 

أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فهو محقق جزئياً:


هناك حكم في الآخرة شيء واضح تمام، الله عز وجل أسماؤه الحسنى-دققوا-كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل، محقق جزئياً، أي الله عز وجل يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويُعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

[ سورة آل عمران ]

نحن في دار عمل، لسنا في دار جزاء، هناك في هذه الدنيا عمل ولا جزاء، وفي الآخرة جزاء ولا عمل.

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾

[ سورة الروم  ]

﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

[ سورة طه ]

 

عدل الله عز وجل محقق كلياً يوم القيامة:


لذلك في بعض الآيات:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)﴾

[ سورة مريم ]

قالوا: ورود النار غير دخولها، ورود النار كإنسان شخص مهم جداً يؤخذ إلى السجن ليطّلع على هذا السجن، يُستقبل على مدخل السجن، يرى الزنزانات، يرى المساجين، جاء زائراً ليَطّلع، فالله عز وجل حينما يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال علماء التفسير: ورود النار غير دخولها، ورود النار لا يتأذى واردها ولا بوهجها، لكن ليرى عدل الله في الأرض، ليرى هؤلاء الطغاة ما مصيرهم، ليرى المؤمن مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً.
لذلك عدل الله عز وجل محقق كلياً يوم القيامة، وفي الدنيا محقق جزئياً، فالحكم بالآخرة شيء بديهي، أما الحكم في الدنيا، الله يوفق المظلوم أحياناً، ويعاقب الظالم.
 

بطولة الإنسان أن يكون على حقٍّ لأن الله عز وجل سينصره لا محالة:


آية ثانية:

﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)﴾

[ سورة غافر ]

أي يوجد بالأرض صراعات، ويوجد مذاهب، ويوجد طوائف، ويوجد أديان، ويوجد أعراق، ويوجد أنساب، ويوجد تقسيمات:

وكلٌّ يدّعي وَصْلاً بِلَيلَى               وَلَيلَى لا تُقِرُّ لَهُم بِذَاكا

[ قيس بن الملوح ]

* * *

يوم القيامة يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)﴾

[ سورة الحج ]

كل جهة بالأرض تدّعي أنها على حق، أحياناً ترتكب جرائم باسم قيم ليست محققة، يقول لك: من أجل الحرية والديمقراطية، تُقتل الشعوب، تُستباح الحُرمات، تُنهب الثروات، تحت شعار الحرية والديمقراطية، هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان، لكن الله سبحانه وتعالى يقول، دققوا:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[ سورة يس ]

أي لا يسمح الله لهذا المجرم أن يقول كلمة، اسكت، انظر إلى عملك، هو أحقر من أن يستطيع أن يقول كلمة، كان كاذباً في الدنيا، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ الله عز وجل يقول:

﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)﴾

[ سورة يونس ]

أي بطولتك أن تكون على حق لأن الله سوف ينصرك، لأن الله سوف يكشف الحق، البطولة أن تكون على حق.
 

 أنواع الاختلاف بين الناس:

 

1 ـ الاختلاف الطبيعي:

لكن الله سبحانه وتعالى يرخي الحبل للظالم أحياناً، وفي أية لحظة هذا الظالم في قبضة الله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء:

(( عن عائشة أم المؤمنين: اللَّهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغيبِ والشَّهادةِ أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيهِ يختلِفونَ اهدِني لما اختُلِفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنِكَ إنَّكَ تهدي من تشاءُ إلى صِراطٍ مستقيمٍ. ))

[ صحيح مسلم ]

(( وعند مسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ ابنِ عَوفٍ، قال: سَألتُ عائِشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ: بأيِّ شَيءٍ كان نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفتَتِحُ صَلاتَه إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ؟ قالت: كان إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ افتَتَحَ صَلاتَه: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرائيلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ، فاطِرَ السَّمَواتِ والأرضِ، عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تَحكُمُ بينَ عِبادِكَ فيما كانوا فيه يَختَلِفونَ اهدِني لما اختُلِفَ فيه مِنَ الحَقِّ بإذنِكَ؛ إنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ. ))

[ صحيح مسلم ]

العلماء قالوا أيها الإخوة؛ هناك اختلاف طبيعي، صاحبه ليس محموداً ولا مذموماً، أي نحن في التاسع والعشرين من شعبان مثلاً يا ترى غداً رمضان؟ لا ندري، سمعنا صوتاً صوت مدفع يا ترى مدفع رمضان أم تفجير في الجبل؟ يُشق طريق هناك صخرة كؤود ففجرت، يا ترى تفجير أم مدفع رمضان؟ صار هناك اختلاف، هذا الاختلاف بسبب نقص المعلومات، لكن يوجد مدفع ثانٍ، وثالث، ورابع، إذاً رمضان، نفتح الإذاعة يقول المذيع: غداً أول أيام رمضان، القضية حُسمت، أحياناً الاختلاف سببه نقص المعلومات، ثم يُحسم الخلاف، هذا اختلاف طبيعي، صاحبه ليس محموداً، ولا مذموماً. 

2 ـ الاختلاف القذر:

لكن هناك اختلاف قذر.

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)﴾

[ سورة البقرة ]

أي حسداً بينهم، هناك اختلاف حسد، المسلمون إلههم واحد، ونبيهم واحد، وقرآنهم واحد، هم مختلفون اختلاف مصالح، اختلاف أهواء، اختلاف حسد، هذا الاختلاف القذر. 

3 ـ الاختلاف المحمود:

وهناك اختلاف آخر اختلاف محمود ((اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ)) الاختلاف المحمود إنسان يرى أن أفضل عمل بناء المساجد، إنسان آخر يرى أفضل عمل تأليف الكتب، إنسان ثالث الدعوة إلى الله، إنسان رابع إنشاء ميتم، فأحياناً المؤمنون يتنافسون، وتختلف وجهات نظرهم في الأعمال الصالحة، هذا اختلاف محمود، اختلاف تنافس.

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

[ سورة المطففين ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

[ سورة الصافات ]

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾

[ سورة آل عمران ]

يوجد مسارعة، ويوجد تنافس، هذا محمود.
 

من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:


التنافس على فعل الخيرات محمود، والتنافس على مصالح الدنيا بسبب اختلاف الأهواء والمصالح هذا تنافس قذر، والاختلاف بسبب نقص المعلومات هذا اختلاف طبيعي،

(( من حديث عبد الله بن مسعود روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عن عبد الله ابن مسعود:  ما أصاب أحدًا قط همٌّ و لا حزنٌ، فقال: اللهمَّ إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا قال: فقيل: يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها؟ فقال بلى، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها. ))

[ أحمد: صحيح  ]

في بعض الآثار: من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، الهم مصيبة، هناك كآبة، هناك قلق، هناك إحباط، هناك ضيق، هناك شدة نفسية، من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((ما أصاب أحدًا قط همٌّ و لا حزنٌ، فقال: اللهمَّ إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ، وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا قال: فقيل: يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها)) .
 

أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة التهجد:


لا زلنا في الآيات والأحاديث التي تتحدث عن أن الله هو الحكم،

(( وعند البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد. ))

[ صحيح البخاري ]

ألم يقل الله عز وجل:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾

[ سورة الإسراء ]

(( عن عبد الله بن مسعود: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهم لك الحمد، أنتَ نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، اللهم بك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخَّرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك. ))

[ صحيح مسلم وابن خزيمة ]

هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة التهجد.

علاقة المؤمن باسم الحَكَم:


أنت كمؤمن ما علاقتك باسم الحَكَم؟ أولاً: ينبغي ألا تتخذ حكماً من دون الله، من هو صاحب القلب السليم؟ الله عز وجل حينما قال:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]

من صاحب القلب السليم؟ قال: الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يُصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يقبل إلا حكم الله، لذلك من صفات المؤمن أنه لا يتخذ من دون الله حَكَماً.

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾

[ سورة يوسف ]

ثم يقول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)﴾

[ سورة الأنعام ]

 

من لا يقبل حكم الله عز وجل وحكم نبيه فليس بمؤمن:


إخواننا الكرام؛ كلام خطير، أنت حينما تختلف مع أخٍ، أو مع زوجةٍ، أو مع شريك، أو مع وريث، والذي يحكم بينكما يقدم لك حكم رسول الله ولا تقبل به، أقسم لكم بالله أن هذا ليس مؤمناً، الدليل:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)﴾

[  سورة الأحزاب  ]

الله عز وجل ورسوله من خلال الكتاب والسنة حكما للمرأة المطلقة بمهرها، في بلاد تقيم فيه هذه المرأة المسلمة القاضي هناك يحكم بنصف أموال الزوج، لا تقبل حكم رسول الله، بأن تأخذ مهرها حينما تُطَلّق، ترفع أمرها إلى قاضٍ غير مسلم ليحكم لها بنصف أملاك زوجها، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الحقيقة أن المؤمن علاقته بهذا الاسم ألا يقبل حكماً إلا الله، إلا الله في قرآنه، وإلا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته.

بطولة الإنسان إذا كُلِّف بالحكم أن يحكم بالعدل:


لكن قد يغيب عن الناس أن كلمة قاضٍ هو إنسان بقصر العدل، يعتلي منصة القضاء، ويحكم بين الناس، من قال لك ذلك؟ أنت في مئات الحالات قاضٍ، أنت أب عندك بنت متزوجة، جاءت البنت إليك تشكو زوجها، فأنت أردت أن تكيل صاعاً صاعين لزوجها، أبقيتها عندك، ومنعت الاتصال به، سألته أنت؟ هل سألت زوجها ما الذي يزعجه منها؟ أبداً، انحاز إلى ابنته انحيازاً كاملاً، فهو الأب حكم الآن، لكن ما كان حكماً عادلاً، ما سمع من الطرفين.
شخص قال له: سيدي، سأل شيخاً قال له: إنسان تلقى ضربة من إنسان، فردّ عليه بضربة ثانية، قال له: لا شيء عليه، المضروب كان الأب، قالوا: الفتوى على قدر الوصف، فالبنت تكلمت لك، أنت ما قبلت أن تلتقي بزوجها كي تستمع منه أيضاً، لست أباً عادلاً، أحياناً الأب يكون حكماً بين ولدين، أو بين زوجين، يكون حكماً بين شريكين أحياناً، فأنت شئت أم أبيت في مئات الحالات أنت حكم، فالبطولة إذا آمنت باسم الحكم، وكُلِّفت أن تحكم أن تحكم بالعدل، أما الانحياز صفة ناقصة بالإنسان،

(( يقول عليه الصلاة والسلام عند مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كَتَبَ أبي، وكتبتُ له إِلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسِجِسْتان أن لا تَحْكُمَ بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان. ))

[ صحيح البخاري ]

العلماء حملوا على هذا النهي ثلاثاً وثلاثين حالة، أحياناً شخص جائع جداً، الجائع جداً ليس أهلاً أن يحكم، كيفما كان يريد إنهاء الموضوع لأنه جائع، أحياناً يكون متألماً، أحياناً يوجد عنده مشكلة، العلماء بتفاصيل الأحكام الفقهية قاسوا ثلاثاً وثلاثين حالة على هذا النهي لا تحكم وأنت غضبان.
 

ما من قضية يُتنازع عليها إلى يوم القيامة إلا فيها حكم الله بالقرآن والسنة:


المؤمن إذا حُكِّم يحكم بالعدل، وإذا احتكم لا يحتكم إلا لله، دقق، إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل، ولا يقبل أن ينحاز إلى ابنه أو إلى من يلوذ به.
تجد هناك أشخاصاً يوجد عنده حاسة سادسة وذكي جداً، له مشكلة، هذه لا تُحَل عند العلماء، تُحل في القانون، لذلك يلجأ إلى المحاكم، وقد يكون القانون غير شرعي، لكن مشكلته تُحَل في القانون، يقول لك: نحن بلد يوجد محاكم، يوجد قانون نخضع له، هو نفسه في قضية أخرى كبيت مستأجر على النظام القديم لا يُحَل في القانون، المستأجِر قوي القانون حاميه، يأتي لعند العلماء، سيدي نريد شرع الله، لماذا أنت هنا تريد حكم القانون؟ هنا تريد شرع الله؟ هذه المزاوجة، والتقلب، والتنوع وراءه يوجد خبث، فأنت إما أن تقبل بحكم الله، أو بحكم القانون، أما مرة بالقانون، مرة بحكم الله عز وجل، النقطة الدقيقة قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾

[ سورة النساء ]

تنازعت مع جهة أرضية، من هو الحكم؟ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ في القرآن الكريم، وإلى ﴿وَالرَّسُولِ﴾ في سنته، والآية فيها ملمح دقيق جداً، أي ما من قضية يُتَنازع عليها إلى يوم القيامة إلا فيها حكم الله في القرآن وفي السنة، أيعقل أن يحيلك الله على شيء غير صحيح؟ قال لك: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ مرة طائرة فيها حوالي أربعين أو خمسين خبيراً بأعلى مستوى من دولة عربية، هؤلاء الخبراء ذهبوا إلى بلد أجنبي، وتلقوا علومهم العسكرية لتطوير الأسلحة وما إلى ذلك، وعادوا جميعاً في طائرة واحدة، هذه الطائرة أُسقطت، بالقرآن:

﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[ سورة يوسف ]

كان الأولى أن يأتي كل واحد برحلة، كل واحد، فلما اجتمع أربعون خمسون خبيراً بطائرة واحدة، هذه الطائرة أُسقطت، أي لو دققت تجد كل قضايانا لها حلول في القرآن وفي السنة.
 

علامة إيمانك أن ترضى بحكم الله ورسوله:


شيء آخر وهذا كلام خطير، يقول الله عز وجل:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾

[ سورة النساء ]

هذه علامة الإيمان أن ترضى بحكم الله ورسوله، فكل إنسان يكون حكماً، فإذا حكم أن يحكم بالعدل، وكل إنسان قد يحتكم، فإذا احتكمت فاحتكم إلى الشرع، وإذا كنت حكماً اجعل هذه الآية منهجاً لك:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

[ سورة النمل ]

حقق، لا تقبل كلاماً من طرف واحد، هناك قاضٍ أراد أن يُعفى من منصبه، فسأله الخليفة: لماذا؟ قال له: قبل أيام قُدِّم لي طبق من الرطب، وأنا معروف في البلدة أنني أحبّ الرطب في بواكيره، فسأل غلامه: من جاء بهذا الطبق؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي؟ قال: كيت وكيت، إذا هو أحد المتخاصمين عنده، قال له: رده، في اليوم التالي يقول للخليفة: والله في اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قَدّم الطبق مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته؟ وجد نفسه غير مؤهل أن يكون قاضياً، في اليوم التالي تمنى أن يكون الحق مع الذي قَدّم الطبق مع  أنه لم يأخذه فكيف لو أخذه؟ وكيف لو طلب منه مبلغاً معيناً الآن؟ يقول له: هذه تحتاج نصف مليون، أحكم لك، لكن تحتاج إلى نصف مليون، لذلك إن كنت حكماً فاحكم بالعدل، وأي واحد منا شاء أم أبى يكون قاضياً آلاف المرات في حياته دون أن يشعر، وإن احتكمت فاحتكم إلى الشرع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور