وضع داكن
27-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 088 أ - اسم الله الرحمن 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الرحمن:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الرحمن.
 

ورود اسم الرحمن في القرآن الكريم والسنة النبوية:


عدّ بعض العلماء هذا الاسم اسم الله الأعظم لقوله تعالى:

﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)﴾

[ سورة الإسراء ]

وقد قال بعضهم: اسم الله الأعظم متعلق بكل مؤمن، فالمؤمن الفقير اسم الله الأعظم بالنسبة إليه المغني، والمؤمن المريض اسم الله الأعظم بالنسبة إليه الشافي، والمؤمن الضعيف اسم الله الأعظم بالنسبة إليه القوي، هذا اجتهاد.
أيها الإخوة؛ اسم الله الرحمن ورد في القرآن والسنة كما في قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

[ سورة الرحمن ]

والترتيب في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى علم القرآن خلق الإنسان، ولا يعقل أن يُعَلّم الإنسان القرآن قبل أن يُخلق، لكن العلماء قالوا: هذا الترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، فقدّم الله المنهج على وجود الإنسان لأهميته.
 

اقتران اسم الرحمن باسم الرحيم في ستة مواضع:


في قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد ورد هذا الاسم في خمسة وأربعين موضعاً من القرآن الكريم، ورد هذا الاسم في خمسة وأربعين موضعاً في القرآن الكريم، اقترن في ستة منها باسم الرحيم، بست آيات اقترن اسم الرحمن باسم الرحيم، ولم يقترن بغيره في بقية المواضع، قال تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)﴾

[ سورة الحشر ]

وقال تعالى:

﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)﴾

[ سورة فصلت ]

ومما ورد في السنة المُطهرة ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود،

(( عن عبد الله ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخَيلُ ثلاثةٌ: ففَرَسٌ للرَّحمنِ، وفَرَسٌ للإنسانِ، وفَرَسٌ للشَّيطانِ، فأمَّا فَرَسُ الرَّحمنِ فالذي يُربَطُ في سَبيلِ اللهِ، فعَلفُه ورَوثُه وبَولُه   وذكَرَ ما شاء اللهُ، وأمَّا فَرَسُ الشَّيطانِ فالذي يُقامَرُ أو يُراهَنُ عليه، وأمَّا فَرَسُ الإنسانِ فالفَرَسُ يَرتبِطُها الإنسانُ يلتمِسُ بَطنَها، فهي تستُرُ مِن فَقرٍ. ))

[ أخرجه أحمد: صحيح  ]

 

الخيل ثلاثة؛ لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر:


طبعاً حينما قال الله عز وجل:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[  سورة آل عمران  ]

الخيل المُسومة تطورت الآن المركبة، السيارة، أي نوع الركوب، في وقت نزول الوحي ما كان هناك إلا الخيل المسومة، أما هي رمز الآن لكل شيء يركبه الإنسان، فالمركبة الحديثة الآن تأتي في بنود الشهوات تحت بند: ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ لكن هناك حديث آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هريرة: الخيلُ ثلاثةٌ هي لرجُلٍ أجرٌ، ولرجُلٍ سِترٌ، وعلى رجُلٍ وِزرٌ. ))

[  صحيح البخاري ]

أي إنسان يقتني مركبة يستر بها أهله، له أهل ملتزمون، مطبقون لمنهج الله عز وجل فيسترهم بها، ستر، وهناك إنسان يُسخر هذه المركبة لخدمة الناس، أجر، وهناك إنسان يرتكب فيها المعاصي والآثام، وزر، والآن المركبة إما أنها ستر أو أنها أجر أو أنها وزر،

(( وفي المسند أيضاً من حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقولُ اللَّهُ تعالى: أنا الرَّحمنُ خلَقتُ الرَّحِمَ وشققتُ لها اسمًا مِنَ اسمي، فمَن وصلَها وصلتُهُ، ومن قطعَها بتَتُّهُ. ))

[ مجموع الفتاوى: صحيح ]

وكذلك من حديث عبد الرحمن في دعائه:

(( عن عبد الرحمن بن خنبش جاءَتِ الشياطِينُ إلى رسولِ اللهِ مِنَ الأوْدِيَةِ، وتَحَدَّرَتْ عليهِ مِنَ الجبالِ، وفيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ من نارٍ يُرِيدُ أنْ يَحْرِقَ بِها رسولَ اللهِ، قال: فَرُعِبَ، قال جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ قال: جعلَ يَتَأَخَّرُ. قال: وجاء جبريلُ فقال: يا محمدُ! قُلْ. قال: ما أَقُولُ؟ قال: قُلْ: أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ التي لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فَاجِرٌ، من شرِّ ما خلقَ وذَرَأَ و بَرَأَ، ومن شرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومن شرِّ ما يَعْرُجُ فيها، ومن شرِّ ما ذَرَأَ في الأرضِ، ومن شرِّ ما يخرجُ مِنْها، ومن شرِّ فِتَنِ الليلِ والنَّهارِ، ومن شرِّ كلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يا رَحْمَنُ! فَطَفِئَتْ نارُ الشَّيَطانِ، وهَزَمَهُمْ اللهُ عزَّ وجلَّ. ))

[ أحمد: خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن ]

هذه نماذج من الآيات والأحاديث التي ورد فيها اسم الرحمن منفرداً أو مقترناً بالرحيم.
 

الرحمن في اللغة:


الآن الرحمن في اللغة صفة مشبهة، وهي أبلغ من الرحيم، الرحمة في حقنا بني البشر رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتكون بالمسامحة واللطف أو المعاونة والعطف، والرحمة تستدعي مرحوماً فهي من صفات الأفعال، هذا في اللغة.
أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو الرحمن، الرحمن اسم يختص بالله عز وجل، ولا يجوز إطلاقه في حقّ غيره، هذه خصيصة، والرحمن سبحانه هو المتصف بالرحمة العامة الشاملة، حيث الخلق كلهم عباده، يرزقهم، ويهديهم سبلهم، ويمهلهم فيما استخلفهم وخوّلهم، ويسترعيهم في أرضه، ويستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإن رحمة الله في الدنيا وسعتهم جميعاً، الله يرحم المؤمن وغير المؤمن، أي يطعمهم، ويسقيهم، ويحفظهم، والرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، أي للتقريب أب عنده أولاد، واحد بار والآخر عاق، لكنه يطعمهم جميعاً، وفي مناسبة العيد يكسوهم جميعاً، لكن قلبه مع من؟ مع الابن البار، أما فِعله سواء مع كل أولاده.
 

الله جلّ جلاله رحيم سبقت رحمته غضبه:


الرحمة أيها الإخوة؛ تفتح باب الرجاء والأمل، وتثير ممكنون الفِطر، وتبعث على صالح العمل، وتدفع أبواب الخوف والنقم، وتُشعر الشخص بالأمن والأمان، الله رحيم، والله جلّ جلاله سبقت رحمته غضبه، سبقت رحمتي غضبي، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً، أي الله عز وجل يقول: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران  ]

رحمة نكرة، تنكير تقليل، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، ومع ذلك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أما الله عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)﴾

[ سورة الكهف ]

إذاً سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا، يتراحم به الناس، ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها.
 

الله عز وجل أرحم بالعباد من الأم بولدها:


هناك حيوان اسمه البطريق، يجتمع بالقطب الجنوبي، يجتمع حوالي عشرة آلاف بطريق في قارة متجمدة، الرياح الباردة سرعتها مئة كيلو متر في الساعة، والحرارة خمسون تحت الصفر، يجتمعون وهناك في هذا الوقت العصيب الأنثى تلد، تلد بيضة، يضعها الذكر على قدميه، ويبقى واقفاً أربعة أشهر لا يأكل، ولا يشرب، لأن هذه البيضة لو وقعت من على رجليه وقعت على الثلج لفسدت، لذلك يُحافظ عليها ويغطيها بفروه أربعة أشهر ولا يأكل شيئاً، ولا يشرب شيئاً، وفي حوصلته كمية غذاء تكفي هذه البيضة حينما تفقس، فإذا فقست وضع هذه الكمية من الغذاء في فم البطريق الصغير، إلى أن تأتي الأم من البحر وتتولى متابعة العناية لهذا البطريق، شيء لا يصدق أن كائناً يرعى هذه البيضة أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب شيئاً، لذلك سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا يتراحم به الناس، ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه،

(( روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جَعَلَ اللهُ الرَّحمةَ مِئةَ جُزءٍ، فأمسَك عِندَه تِسعةً وتِسعينَ جُزءًا، وأنزَلَ في الأرضِ جُزءًا واحِدًا، فمِن ذلك الجُزءِ يَتَراحَمُ الخَلقُ، حتَّى تَرفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عن ولَدِها خَشيةَ أن تُصيبَه. ))

[ صحيح البخاري ]

(( وقد ورد عند البخاري أيضاً من حديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسبْيٍ، فإذا امرأةٌ من السَّبيِ تسعَى، إذ وجدت صبيًّا في السَّبيِ فأخذته وألصقته ببطنِها وأرضعته، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أترون هذه طارحةً ولدَها في النَّارِ؟ قلنا: لا واللهِ، وهي تقدرُ ألا تطرحَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللهُ أرحمُ بعبادِه من المرأةِ بولدِها. ))

[ صحيح البخاري ]

حديث بليغ، تصور امرأة على التنور كلما وضعت رغيفاً تأخذ ابنها تضمه وتشمه، هل يعقل أن تطرح هذه المرأة ولدها في التنور؟ الله عز وجل فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام: ((اللهُ أرحم بعبده من هذه بولدها)) .
 

الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة بالناس أجمعين:


أيها الإخوة؛ الرحمة التي دلّ عليها اسمه الرحمن رحمة عامة، تُظهر مقتضى الحكمة في أهل الدنيا، فمن رحمته أن الله عز وجل أنعم علينا لنشكره، ولكن كثيراً منهم جاحدون، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)﴾

[ سورة القصص ]

نعمة الليل والنهار لا تُقدر بثمن، الإنسان إذا لم ينم اضطربت حياته، وجعل الله الليل سكناً:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)﴾

[ سورة الفرقان ]

الرحمة التي دلت عليها هذه الآيات رحمة عامة بالناس أجمعين.
 

اقتران اسم الرحمن باستوائه سبحانه على العرش:


هذا الاسم خصّه وقرنه باستوائه على العرش في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)﴾

[ سورة طه ]

أيها الإخوة؛

(( ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن آمَنَ باللهِ ورَسولِه، وأقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رَمَضانَ، كان حَقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجَنَّةَ، هاجَرَ في سَبيلِ اللهِ، أو جَلَسَ في أرضِه التي وُلِدَ فيها، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نُنَبِّئُ النَّاسَ بذلك؟ قال: إنَّ في الجَنَّةِ مِئةَ دَرَجةٍ، أعَدَّها اللهُ للمُجاهِدينَ في سَبيلِه، كُلُّ دَرَجَتَينِ ما بينَهما كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، فإذا سَألتُمُ اللهَ فسَلوه الفِردَوسَ؛ فإنَّه أوسَطُ الجَنَّةِ، وأعلى الجَنَّةِ، وفَوقَه عَرشُ الرَّحمَنِ، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ. ))

[ صحيح البخاري ]

 

عدم استغناء المؤمن والكافر عن الله عز وجل:


الله جلّ جلاله فوق الخلائق أجمعين سواء أكانوا مؤمنين أو كافرين، حياتهم قائمة بإذنه، أرزاقهم مكنونة في غيبه، بقاؤهم رهن مشيئته وأمره، وأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك وهو الرحمن الذي استوى على عرشه، ودبّر أمر الخلائق في ملكه، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن أو كافر، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)﴾

[ سورة الفرقان ]

هل سألت خبيراً عن الله عز وجل؟ ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ هل من علم يعلو على أن تعرف الله؟ أن تعرف خالق السماوات والأرض؟ أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى؟ ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ هذا أمر وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أمر إلهي، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
 

من عرف قدره وعبوديته وافتقاره ارتقى عند الله عز وجل:


أيها الإخوة؛ اسمان مشتقان من الرحمة، الرحمن والرحيم، الرحمة تستدعي مرحوماً، كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً بل هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير، ولأن قيامه ليس بذاته، بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، أي العبد عبد، والرب رب، العبد مرحوم، نحن جميعاً ضعاف وفقراء وجهلاء، بالله نعلم، وبالله نقوى، وبالله نغتني، فالعبد مفتقر إلى سيده، فكلما عرف الإنسان قدره، وعرف عبوديته، وعرف افتقاره ارتقى عند الله، وكلما تألّه، وتكبّر، واستعلى، واستنكف سقط من عين الله، الرب راحم لأنه رب، والعبد مرحوم لأنه ضعيف، وأي إنسان خرج عن دائرة العبودية في ساعة غفلة ينسى أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله، مرة شخص قال عندما أنشئ سد: استغنينا به عن رحمة الله، كلام فيه غباء ما بعده غباء، نحن جميعاً في أمس الحاجة إلى رحمة الله.
أنا أقول لكم: المعجزة أن تستيقظ سليماً من أي مرض، الإنسان تركيبه بالغ التعقيد، أي نقطة دم لا تزيد عن رأس الدبوس لو تجمدت في أحد شرايين الدماغ أصيب بالشلل، فقد ذاكرته، فقد سمعه، فقد بصره، شريان القلب التاجي إذا ضاق دخل في متاعب لا تنتهي، شعر بآلام في صدره، الذبحة الصدرية، شعر بوهن في قوته، أي الإنسان بألطاف الله، لا يوجد إنسان يقول: أنا، إلا في غباء، من أنت؟ قل: الله، نحن في لطف الله وفي رحمة الله.
 

إنما الأعمال بالنيات:


أيها الإخوة؛ الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمحتاج هذا الشيء لا يسمى رحيماً، الرحمة مقصودة، أنت حينما ترحم إنساناً تريد أن تنقذه، تريد أن تُسَلِّمه من عطب، تريد أن تحفظه، فإذا أردت ورحمت فأنت قد اشتققت من اسم الله الرحمن الرحمة، أما أحياناً إنسان ما أراد ولا قصد، أنا أقول دائماً: لا يسمح الله لطاغية في الأرض أن يكون طاغية إلا ويُوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب، للتقريب لو كان أب منحرف انحرافاً شديداً عقيدة وسلوكاً، وعنده ابن صالح وهو يُعنفه ليلاً نهاراً على صلاحه، وعلى صلاته، وعلى تدينه، ويتهمه بالتزمت والتخلف والحمق، هذا الابن لو أن الله جعله داعية كبير هل لأبيه أجر؟ لا والله، ولا شيء له، لأنه هو ما أراده هكذا، الفكرة دقيقة لا تسمى راحماً إلا إذا أردت أن ترحم، فإن لم تُرِد وجاءت رحمة منك دون أن تقصد للناس، أنت موظف بدائرة وقعت على قرار بعثات، وذهب طالب تعلّم علم الغرب، وعاد إلى بلده ليقوي المسلمين، أنت بحكم وظيفتك أرسلت هذه البعثة، ليس لك أجر، فإن لم تكن مؤمناً ولم تُرِد هذا الخير لا أجر لك، لا يسمى الرحيم رحيماً إذا جاءت الرحمة عن غير قصد منه، وعن غير إرادة، وعن غير نية طيبة، هذا ليس من باب التضييق على الناس ولكن من باب:

(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ   قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». ))

[ صحيح البخاري ]

لذلك

(( ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من استعاذ باللهِ فأعيذوه، ومن سألكم باللهِ فأعطوه، ومن استجار باللهِ فأجيروه، ومن أتَى إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتَّى تعلموا أن قد كافأتموه. ))

[ النسائي: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما ]

 

من رحم الناس استحق رحمة الله عز وجل:


الذي أتمنى أن يكون واضحاً الله عز وجل قال:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

[ سورة هود ]

دقق الآن في كلام الله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليكرمهم، خلقهم ليسعدهم، لكن هذا الذي نراه في الأرض من مشكلات بسبب انحرافهم وتقصيرهم وبعدهم عن الله عز وجل، وأنا ألخص حال المسلمين بكلمتين؛ هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.
يا أيها الإخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أنت بإمكانك أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، اسم الرحمن عند بعض العلماء اسم الله الأعظم، بإمكانك أن ترحم الناس فتستحق رحمة الله، إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي،

(( عن عبد الله بن عمرو: الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ اللَّهُ، ارحَموا أَهْلَ الأرضِ يرحمُكُم مَن في السَّماءِ. ))

[ صحيح أبو داود ]

 

أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة:


أيها الإخوة الكرام؛ لا يوجد صفة لها شمول كصفة الرحمة، أنت لطيف لأنك رحيم، كريم لأنك رحيم، مُنصف لأنك رحيم، أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة، لذلك قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غِلظة، فانفضوا من حولك، هذه الآية يحتاجها كل أب، كل معلم، كل داعية، كل مدير، كل إنسان له منصب قيادي، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة تنعكس الرحمة ليناً، يلتف من حولك حولك، فإذا انقطع الإنسان عن الله امتلأ القلب قسوة وانعكست القسوة غِلظة فانفضوا من حولك: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ .

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور