الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرحمة العامة والرحمة الخاصة:
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم الرحمن، ولابد من مقدمة كي نُفرِّق بها بين الرحمة الخاصة والرحمة العامة، أي عندك ابن في البيت، هذا الابن أودع الله فيك محبته ابتداءً من دون كسب منك، فأي أب في الأصل، وأية أم ترحم ابنها، لكن الإنسان لا يرقى بهذه الرحمة الخاصة، لأنها ليست كسبية، بل وهبية، الإنسان يرقى بالرحمة العامة، أنت حينما ترحم طفلاً ليس ابنك، حينما ترحم موظفاً في محلك التجاري ليس ابنك، ترقى بالرحمة العامة،
(( وفي بعض الآثار يقول عليه الصلاة والسلام: عن أبي موسى الأشعري: لَنْ تُؤْمِنُوا حتى تراحمُوا قالوا: يا رسولَ اللهِ! كلُّنا رَحِيمٌ. قال: إنَّهُ ليس بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صاحبَهُ، ولَكِنَّها رَحْمَةُ العَامَّةِ. ))
[ أخرجه الطبراني: حسن لغيره. ]
أي أنت حينما ترحم زوجة ابنك التي في البيت كما لو أنها ابنتك، وحينما ترحم شاباً في محلك التجاري كما لو أنه ابنك، هنا ترقى عند الله بالرحمة العامة لا بالرحمة الخاصة، الرحمة الخاصة أودعها الله فينا كي تستمر الحياة، ولولا هذه الرحمة الخاصة التي أودعها الله فينا لأولادنا الحياة تقف، طبعاً هناك دليل رمزي أن أحد الصالحين رأى أماً تُقَبِّل ابنها وهي على التنور، فكلما وضعت رغيفاً ضمت ابنها وشمته وقبّلته، فتعجب من هذه الرحمة، فالله نزعها، فلما بكى ألقته في التنور، أي الرحمة الخاصة ليست كسبية إنما هي وهبية من أجل أن تستمر الحياة، من أجل أن يربي الأب المؤمن، والكافر، والفاسق، والمستقيم ابنه، وأوضح مثل اذهب إلى مستشفى الأطفال، الأم المتعلمة تبكي، والجاهلة تبكي، والمُحجبة تبكي، والسافرة تبكي، أي شيء طبيعي، الذي يرقى بنا عند الله الرحمة العامة لا الرحمة الخاصة، هذه واحدة.
رحمة الله تقتضي أن يُعالج عباده الشاردين ليحملهم على طاعته:
الآن كلمة الرحمن تعني الإله العظيم الذي يُؤدِّب عباده، يسوقهم إلى بابه، يحملهم على طاعته، أي هناك رحمة ساذجة، لو فرضنا أماً جاهلة تُحِب ابنها، والطعام الذي طبخته رائع جداً، لكنه يؤذي معدة ابنها، ابنها يوجد معه التهاب معدي حاد، فالأم الجاهلة تُطعمه هذا الطعام، وتُسَبب له الأذى دون أن تشعر، لكن الأم الواعية لا يمكن أن تُطعم ابنها هذا الطعام ولو بكى، تمنعه أن يأكل، وفي الظاهر أنها ظالمة له، لأن وعيها حملها على أن تمنعه من هذا الطعام، فلذلك الله عز وجل يقول دقق بهذه الآية:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
تقتضي رحمته أن يعالج عباده الشاردين، الله رحمن ومع أنه رحمن يسوق لعباده من الشدائد ما يحملهم على طاعته: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة.
أي شيء خلقه الله عز وجل هو تكريم للإنسان ينتفع به:
كلمة رحمن لا تعني أن حياة مريحة، وصحة، ودخل كبير، ومعاصٍ، وآثام، لا، رحمن طبيب، رحمن يعالج، الآية واضحة: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ تقتضي رحمته الواسعة ألا يَرُدّ بأسه عن القوم المجرمين:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾
إذاً هو يعذبكم كي تؤمنوا، يعذبكم كي تؤمنوا وتشكروا، فإذا آمنتم وشكرتم حققتم الهدف من وجودكم، لأن الله سبحانه وتعالى سخّر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، فأي شيء خلقه الله عز وجل يدلك على الله، وأي شيء خلقه الله عز وجل هو تكريم لك تنتفع به، فهناك هدف نفعي وهناك هدف إرشادي، فالذي عرف الله من خلال هذا الكون حقق الهدف الإرشادي، والذي انتفع بهذا الذي خلقه الله عز وجل حقق الهدف النوعي.
من آمن بالله وشكره حقق الهدف من وجوده:
لذلك أنت حينما تؤمن وحينما تشكر حققت الهدف من وجودك، حينما تؤمن وحينما تشكر، أي ردّ فعل التعريف أن تؤمن، الله عز وجل نصب لك هذا الكون، كل شيء في هذا الكون يدل على الله، نصب لك هذا الكون ليدلك عليه، وأكرمك بهذه النعم كي تشكره، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، آية ثالثة سيدنا إبراهيم:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾
الله عز وجل أنعم على الإنسان بنعم ظاهرة وباطنة ليؤمن به ويشكره:
لذلك:
﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)﴾
هناك نعم ظاهرة، المألوفة؛ الصحة، والمال، والباطنة؛ المصائب، لأن الله عز وجل عن طريق هذه المصائب يسوقنا إلى بابه عبّر عن هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: عَجِبَ اللهُ مِن قَومٍ يَدخُلونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ. ))
آية أخرى:
﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)﴾
وأحياناً تقتضي حكمة الله عز وجل أن يُمِدّه مداً، برحمة، بعلم، بحكمة، وآية أخرى:
﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾
آية أخرى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾
من رحم الناس ارتقى عند الله عز وجل بالرحمة العامة:
الآن اسم الله الرحمن أي الرحمة العامة، أي الله عز وجل يُطعم المؤمن، والكافر، والملحد، والفاسق، والمنحرف، والمجرم، كلهم يطعمهم، كلهم يستنشقون الهواء، كلهم يشربون الماء، كلهم يتزوج وينجب أولاداً، هذه الرحمة العامة، الله عز وجل-هذا موضوع ثانٍ-كلفك أن ترحم كل الناس ترقى عند الله بالرحمة العامة، لأنه هو رحِم كل الناس، الدليل:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)﴾
معنى ذلك رحِم كل عباده مؤمنهم وكافرهم، مستقيمهم ومنحرفهم، وقال تعالى:
﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42)﴾
يكلؤكم جميعاً، معنى يكلؤكم أي يحرسكم ويحفظكم.
آية ثالثة:
﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)﴾
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ معنى ذلك الرحمن أي أنه يرحم جميع خلقه مؤمنهم وكافرهم، مستقيمهم ومنحرفهم.
آية رابعة:
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)﴾
الناس بالقرآن تعني كل الخلق، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ والخطاب لجميع المُكلفين.
من كان مؤمناً بالله مطيعاً له فله معاملة خاصة وسكينة تُلقى في قلبه:
إذاً فهمنا أن الله باسم الرحمن يرحم خلقه رحمة عامة، كالأب تماماً عنده عدد من الأولاد، أحدهم بار، أحدهم عاق، أحدهم لطيف، أحدهم قاسٍ في كلامه، يُطعمهم جميعاً، يكسوهم جميعاً، يسكنون في البيت جميعاً، يأخذون المال من أبيهم جميعاً، يُقَدم لهم في العيد الحلويات جميعاً، لكن قلبه مع من؟ مع الابن البار، فأن يتجلى الله عليك شيء وأن يطعمك شيء آخر، يطعم كل خلقه، يسقيهم، يكسوهم، كل خلقه، ولكن إذا كنت معه، إذا كنت مؤمناً به، إذا كنت مطيعاً له، لك معاملة خاصة، لك سكينة تُلقى في قلبك تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
أفضل أنواع الدعاء أن تطلب من الله رحمته:
الآن أيها الإخوة؛ من أفضل أنواع الدعاء أن تطلب من الله رحمته، لأن الله خلقنا ليرحمنا، قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
خلقهم ليرحمهم، فمريم ابنة عمران دعت باسم الرحمن عندما تمثّل لها جبريل بشراً سوياً، وبشرها بعيسى قال تعالى:
﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا(18)﴾
أي إن كنت تقياً تتقي الله، وتخشى الاستعاذة، وتُعَظّمها، فإني عائذة منك بالرحمن، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله كما يقول علماء النحو، أي إن كنت تقياً فأنا أستعيذ بالله منك، إن كنت تعرف معنى الاستعاذة، ومعنى أن الله موجود، ويجيبني أستعيذ بالله منك.
من كان صادقاً لأداء دين عليه الله عز وجل يوفقه في عليائه ليقضي هذا الدين:
النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:
(( عن أنس بن مالك: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمعاذٍ: ألا أُعلِّمُك دعاءً تدعو به لو كان عليك مثلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدَّاه اللهُ عنك؟ قُلْ يا معاذُ: اللَّهمَّ مالِكَ الملْكِ تُؤتي الملكَ من تشاءُ، وتنزِعُ الملكَ ممَّن تشاءُ، وتُعِزُّ من تشاءُ، وتُذِلُّ من تشاءُ، بيدِك الخيرُ إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَهما تعطيهما من تشاءُ، وتمنعُ منهما من تشاءُ، ارحَمْني رحمةً تُغنيني بها عن رحمةِ من سواك. ))
[ المنذري :الترغيب والترهيب: أخرجه الطبراني إسناده جيد ]
هذا الدعاء لوفاء الدين، وبالمناسبة ورد في بعض الأحاديث:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ. ))
فأي إنسان عليه دين إذا كان صادقاً في أداء الدين، إذا كان مريداً أن يؤدي هذا الدين الله جلّ جلاله في عليائه يوفقه لأداء هذا الدين ((قال: يا معاذ ألا أُعلِّمُك دعاءً تدعو به لو كان عليك مثلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدَّاه اللهُ عنك؟ قُلْ يا معاذُ: اللَّهمَّ مالِكَ الملْكِ تُؤتي الملكَ من تشاءُ، وتنزِعُ الملكَ ممَّن تشاءُ، وتُعِزُّ من تشاءُ، وتُذِلُّ من تشاءُ، بيدِك الخيرُ إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَهما تعطيهما من تشاءُ، وتمنعُ منهما من تشاءُ، ارحَمْني رحمةً تُغنيني بها عن رحمةِ من سواك)) هذا دعاء الدين، وفي الآية الكريمة:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
لذلك يا الله برحمتك نستغيث.
كلمة رحمة أوسع كلمة فيها عطاء الله عز وجل:
كلمة رحمة كلمة واسعة جداً، يا ترى الرحمة صحة؟ صحة، زواج ناجح؟ زواج ناجح، أولاد أبرار؟ أولاد أبرار، يا ترى الرحمة كفاية؟ كفاية، مكانة اجتماعية؟ مكانة اجتماعية، راحة نفسية؟ راحة نفسية، سعادة؟ سعادة، رضا؟ رضا، حكمة؟ حكمة، أمن؟ أمن، كلمة رحمة أوسع كلمة فيها عطاء الله عز وجل، بدءاً من صحتك إلى حاجاتك إلى رزقك، وانتهاء بسعادتك في الدنيا والآخرة، لذلك من الأفضل أن نسأل الله رحمته: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾
كلمة يا رب ارحمني، أو يا رب ارحم فلاناً كلمة واسعة جداً، تبدأ من صحتك، إلى زوجة صالحة، إلى أولاد أبرار، إلى سلامة، إلى راحة نفسية، إلى ثقة بالله، إلى حكمة، إلى سعادة، إلى رضا، واسعة جداً، أي عطاء الله المطلق يسمى رحمة الله، فاسأل الله عز وجل أن يرحمك.
الله عز وجل وسعت رحمته كل شيء:
قال الله في وصف عباده الموحدين:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)﴾
﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ وهناك آية أخرى:
﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)﴾
لذلك يا رب نستغيثك برحمتك:
﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)﴾
وأنت شيء، أنت أيها الإنسان شيء على كل ما عندك من ذنوب: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ رحمتي سبقت غضبي، الذين قالوا: إن اسم الرحمن لعله اسم الله الأعظم ليسوا بعيدين عن هذا التصور.
المتصل بالرحيم يمتلئ قلبه رحمة والمنقطع عن الرحيم يمتلئ قلبه قسوة:
قال تعالى:
﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾
لأنه أعطى الخلق جميعاً رحمة واحدة، وعنده التسعة والتسعون.
الآن السؤال: علاقة المؤمن بهذا الاسم؟ علاقته، أولاً: ينبغي أن يمتلئ قلب المؤمن بالرحمة، الدليل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
ينبغي أن يمتلئ قلبك بالرحمة من خلال اتصالك بالله، المتصل بالرحيم يوجد بقلبه رحمة، والمنقطع عن الرحيم يوجد بقلبه قسوة، لذلك:
﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)﴾
من صفات المؤمن أن قلبه رحيم، ومن صفات المنقطع عن الله أن قلبه قاسٍ:
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)﴾
لذلك من علامات آخر الزمان أن يُنزع الحياء من وجوه النساء، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تُنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا يوجد بالنساء حياء، ولا يوجد بالرجال نخوة، ولا يوجد بقلوب الأمراء رحمة، لذلك أنت كمؤمن علاقتك بهذا الاسم أن يمتلئ قلبك بالرحمة، والحب، والحرص على ما ينفع عموم الخلق.
بطولتك كمؤمن أن ترحم كل الخلق أما كل الناس يرحمون أولادهم:
مرة ثانية إخواننا الكرام؛ لا ترقى عند الله إلا بالرحمة العامة، والله مرة كنت بمحل تجاري، لكن حالة غريبة جداً، يبيع أقمشة، فحمّل الموظف في المحل وهو شاب صغير أول ثوب، الثاني، الثالث، الرابع، قال له: لم أعد أتحمل، قال له: أنت شاب، ابنه إلى جانبه بسن موحد، حمل ثوباً واحداً، قال له: بابا انتبه لظهرك.
لا ترقى عند الله إلا إذا كانت الرحمة عامة، أقول لكم كلمة أرجو أن تعذروني بها: إن لم ترحم الخادمة في البيت كما لو أنها ابنتك أنت مقصر جداً في الإيمان، إن لم ترحم زوجة ابنك في البيت كما لو أنها ابنتك أنت عنصري، لذلك: ((ولَكِنَّها رَحْمَةُ العَامَّةِ)) بطولتك كمؤمن أن ترحم كل الخلق، أما كل الناس يرحمون أولادهم.
توحيد العبد لاسم الرحمن في سلوكه يقتضي الرحمة العامة بعباد الله:
توحيد العبد لهذا الاسم في سلوكه يقتضي-دققوا-يقتضي الرحمة العامة بعباد الله سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، فالمؤمنون يُحِب لهم ما يُحِب لنفسه، فيوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويجعل رحمته موصولة إليهم، يسعد بسعادتهم، ويحزن لحزنهم، أما رحمته بالآخرين فيحرص على دعوتهم، ويسهم في إخماد كفرهم، والنار التي تُحرقهم، ويجتهد في نصحهم، والأخذ على أيديهم، فلذلك ينبغي أن تكون الرحمة عامة، يقول الله عز وجل:
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)﴾
لذلك
(( روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ اللَّهُ، ارحَموا أَهْلَ الأرضِ يرحمُكُم مَن في السَّماءِ. ))
والله لا يضيع عند الله شيء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء،
(( وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: عن عبد الله بن عمرو: ارْحَموا تُرْحَموا، واغفِروا يغْفِرِ اللهُ لكم، وويلٌ لأقماعِ القولِ، وويلٌ للمُصِرِّينَ الذين يُصِرُّون على ما فَعلوا وهم يعلَمون. ))
[ البخاري في الأدب المفرد: إسناده صحيح ]
كلام دقيق، من هم الأقماع؟ هم الذين يسمعون القول ولا يعملون به، شبّه النبي أذانهم بالأقماع، القمع تَصُبّ فيه السائل لا يمسكه، قمع ممر، فهناك إنسان آذانه كالقمع يدخل الكلام منها ويخرج ولا يتأثر.
المُقَرّب من الله عز وجل من كانت الرحمة في قلبه رحمة عامة:
أيها الإخوة الكرام؛
(( في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أحبّ أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن. ))
هذا من جهة التسمية، فقد تسمّى به كثير من المسلمين، وعلى رأسهم عبد الرحمن ابن عوف، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، هاجر الهجرتين، وشهِد بدراً وأحداً، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً البطولة أن ترحم كل الخلق، وأن تكون الرحمة التي أودعها الله في قلبك رحمة كسبية فضلاً عن الرحمة الوهبية، بالوهبية ترحم أولادك، أما بالكسبية ترحم جميع الخلق، ولن تكون عند الله مُقرباً إلا إذا كانت الرحمة التي في قلبك رحمة عامة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق