وضع داكن
01-08-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 098 أ - اسم الله الرحيم 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الرحيم:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الرحيم.
 

ورود اسم الرحيم في القرآن الكريم والسنة الشريفة:


اسم الله الرحيم ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة، ورد مطلقاً أي غير مضاف، ومعرفاً بأل، ومنوناً، واسم الله الرحيم اقترن مع اسم الله الرحمن في ستة مواضع في القرآن الكريم.
 

اسم الله الرحيم يؤكد رحمة الله الخاصة بالمؤمنين:


اقترن اسم الله الرحيم باسم التواب، والغفور، والرؤوف، والودود، والعزيز، وذلك لأن الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، بينما اسم الله الرحمن رحمة عامة.
للتوضيح؛ يوجد عندنا مدرسة ويوجد عام دراسي، في أثناء العام الدراسي جميع الطلاب من دون استثناء يتمتعون بميزات عامة، كلهم لهم مقاعد، لهم مقاصف خاصة بهذه المدرسة، لهم أُعطيات، لهم تعويضات، العطاءات واحدة، وهناك متابعة، فالمُقصِّر يُحاسب، المُقصِّر يُؤَدب، المُقصِّر يُستدعى والده، العطاءات واحدة للجميع، ويوجد تأديب، ويوجد متابعة، ويوجد عقوبات، لكن بعد أداء الامتحان صار هناك تكريم للناجحين، فاسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق، المؤمن، والكافر، والمُلحد، والمستقيم، والمنحرف، أما اسم الله الرحيم يشمل الذين آمنوا بالله ورسوله، واستقاموا على أمره، وحققوا الهدف الذي من أجله خُلقوا.
لذلك الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، تلحق المؤمنين، التكريم متعلق بالناجحين فقط، أثناء العام الدراسي جميع الطلاب لهم الميزات نفسها، مجتهد، مُقصِّر، كل الميزات مشتركة لكل الطلاب، لكن بعد الامتحان المكافأة، والتكريم، والتعويضات، والحفل الذي يبين تفوق هؤلاء الطلاب هذا خاص بالناجحين، لذلك اسم الله الرحيم يؤكد رحمته الخاصة بالمؤمنين.
ذكرت من قبل أن الأب يُطعم كل أولاده، يكسوهم جميعاً، كل ابن له غرفة خاصة، لكن الابن البار له معاملة خاصة، يوجد ود، يوجد حب.
 

الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق ورحيم في الآخرة بالمؤمنين:


أيها الإخوة؛ الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق، لكن في الدار الآخرة رحيم بالمؤمنين، الآيات؛ قوله تعالى:

﴿ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)﴾

[ سورة فصلت ]

الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)﴾

[ سورة يس  ]

سلام، أما قال:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾

[ سورة مريم ]

باسم الرحمن هناك عذاب، هناك زلزال، هناك فيضانات، هناك اجتياح:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾

[ سورة الأنعام ]

كل هذا من خلال اسم الرحمن، طبيب وجد المريض قد التهبت زائدته، لابدّ من مستشفى، لابدّ من تخدير، لابدّ من فتح البطن، لابدّ ولابدّ بدافع الرحمة، العملية الجراحية بدافع الرحمة.
 

المصائب معالجة إلهية من اسم الرحمن:


كل أنواع المصائب هي في الحقيقة معالجة إلهية من اسم الرحمن، رحمن الدنيا، لكن بعد انتهاء الدنيا ودخلنا في الدار الآخرة الله عز وجل رحيم بعباده المؤمنين الذين استجابوا، وأنابوا، وأقبلوا، وتوكلوا، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ .

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

[ سورة الحجر ]

هذا في القرآن الكريم،

(( أما في السنة فقد روى البخاري من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ اللَّهِ علِّمني دعاءً أَدعو بِهِ في صلاتي؟ قالَ: قُل: اللَّهمَّ إنِّي ظلَمتُ نَفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ فاغفِر لي مغفرةً من عندِكَ، وارحَمني إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ. ))

[ صحيح البخاري ]

(( وعند أبي داود من حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. ))

[ صحيح أبو داود ]

الرحمن في الدنيا، عطاء مُوَحد، شمس، قمر، ليل، نهار، أمطار، نبات، وتأديب للمُقصر، عطاء موحد، وتأديب المقصر هذا في الدنيا، أما في الآخرة تكريم خاص لمن استجاب لله، وأقبل عليه، واستقام على أمره.
 

الرحيم في اللغة:


الآن باللغة؛ الرحيم في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع، قدير بمعنى قادر، وزن فعيل يأتي على معنى فاعل، فالله عز وجل رحيم أي راحم لعباده المؤمنين، إذاً هذا الاسم دلّ على صفة الرحمة الخاصة التي ينالها المؤمنون، فالرحمن الرحيم بُنيت صفة الرحمة الأولى على فعلان رحمن، لأن معناه الكثرة، أي اسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق من دون استثناء، فرحمته وسعت كل شيء، وهو أرحم الراحمين، وأما الرحيم فإنما ذُكِر بعد الرحمن لأن الرحمن مقصور على الله عز وجل، لا يمكن أن يُسمى إنسان باسم الرحمن أما يوجد إنسان اسمه رحيم، فالرحيم قد يكون لله ولغير الله، قد تقول: الله عز وجل عليم، وفلان عليم:

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)﴾

[ سورة الأحزاب ]

لذلك قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر.
 

الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم:


أيها الإخوة؛ والرحمة الخاصة التي دلّ عليها اسم الرحيم شملت عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فقد هداهم إلى توحيده، وعبوديته، وهو الذي أكرمهم في الآخرة بجنته، ومَنَّ عليهم في النعيم برؤيته، ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريماً لهم، قال تعالى في نبأ الخضر والجدار:

﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)﴾

[ سورة الكهف ]

إذاً الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم، والآية الثانية:

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾

[ سورة الطور ]

قال علماء التفسير: ألحقنا بهم أعمال ذريتهم.
 

أفضل كسب الرجل ولده:


أيها الإخوة؛ خير كسب الرجل ولده، إذا وَفَّق الله إنساناً إلى تربية أولاده أعمال أولاده الصالحة، وأولاد أولاده، وأحفاده، وأحفاد أحفاده إلى يوم القيامة في صحيفته، أي كما أن الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، استمرار وجودك بسبب تربيتك لأولادك.
ذكرت لكم مرة التقيت بعالم جليل قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، أكثر من أربعة عشر منهم طبيباً، وأكثر من عشرة أحفاد من حُفّاظ كتاب الله، أي الخير العميم الذي ينال المؤمنين يمتد إلى ذريتهم من بعدهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي أنت تستمر في الأجر، والعطاء، والثواب إلى يوم القيامة إذا ربيت أولادك.
مرة أحد علماء دمشق وهو خطيب من الخطباء الكبار توفي رحمه الله، أُقيم له العزاء في الجامع الأموي، وفي اليوم الثالث وقف ابنه وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي: والله إذاً لم يمت، مادام ترك من يخلُفُه من بعده، فكل إنسان إذا الله وفقه وربّى ابنه، الأجر الذي يناله الأب لا يعلمه إلا الله.
مرة قلت لشخص له ابن صالح جداً، أقسمت له بالله أن هذا الابن الصالح في الميزان المادي أغلى من مليار مليار مليار دولار، هذه تتركها وتموت، أما الابن يبدأ عطاؤه بعد الموت،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ؛ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ. ))

[ صحيح مسلم  ]

هنيئًا لمن كان له ولد صالح.
 

أسباب الرحمة الخاصة:


 1 ـ طاعة الله ورسوله:

الآن الرحمة الخاصة لها أسباب؟ مثلاً إذا شخص عنده حاسوب، وكتب كلمة رحمة، وبحث في مشتقاتها، سيجد بحثاً لطيفاً جداً، مثلاً:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)﴾

[ سورة آل عمران ]

إذاً طريق رحمة الله طاعة الله ورسوله. 

2 ـ المعاملة الطيبة في البيع والشراء:

بالأحاديث:

(( عن جابر بن عبد الله: غَفرَ الله لرجل كان قبلكم سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى. ))

[ صحيح البخاري ]

المعاملة الطيبة في البيع والشراء أحد أسباب رحمة الله عز وجل، أنت افتح بالبحث بالدعاء: رحم الله، بالأحاديث، تجد كماً كبيراً ما هي أسباب رحمة الله؟ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)﴾

[ سورة الأنعام ]

ابحث بــ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، ابحث برَحِم الله عبداً، تجد بحثاً رائعاً مديداً دقيقاً عميقاً يبين لك هذا البحث أسباب رحمة الله عز وجل.
 

اسم الله الرحيم يدل على الذات والصفة معاً:


الآن اسم الله الرحيم من الجهة العلمية يدل على ذات الله، هو اسم ذات، ومن الجهة الوصفية يدل على صفة الرحمة الإلهية، اسم ذات واسم صفة، فهو يدل على الذات والصفة معاً، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)﴾

[ سورة الدخان ]

أيها الإخوة؛ الآية التي ورد فيها الاسم على الوصف آية دقيقة، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين، تَضَمّنها اسمه الرحيم، قالت امرأة العزيز بعد توبتها:

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]

أيها الإخوة؛ والآية التي تقول:

﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)﴾

[ سورة الأنعام ]

أيها الإخوة الكرام؛ الآية التي تقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾

[ سورة الحديد ]

اتقوا الله اتقوا أن تعصوه، اتقوا أن تقعوا في سخطه أو غضبه.
 

في الدنيا جنة القرب من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:


﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يكفل لكم رحمته مرتين، مرة في الدنيا، ومرة في الآخرة، وفي قوله تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

[ سورة الرحمن ]

جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، ويقول بعض كبار العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، والدليل:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

[ سورة محمد ]

يوم القيامة ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ في الدنيا، ذاقوا طعمها في الدنيا.
 

من لم يكن أسعد الناس بمعرفة الله والإقبال عليه فهو لم يذق طعم حلاوة الإيمان:


بشكل أو بآخر إن لم تقل من أعماق أعماقك: ليس في الأرض من هو أسعد مني، فمعنى ذلك أنت لم تذق جنة الدنيا، لو يعلم الملوك-هذا كلام إبراهيم بن الأدهم الذي كان ملكاً، مدفون بجبلة-لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ أين وجد سيدنا إبراهيم الجنة وقد ألقي في النار؟

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾

[ سورة الأنبياء ]

أين وجد أصحاب الكهف الجنة؟ في الكهف، أين وجد سيدنا يونس الجنة؟ في بطن الحوت، أي إذا كان الله معك فمن عليك؟

فَلَيتَكَ تَحلو والحَياةُ مَريـــــــــرَةٌ          وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضــابُ

وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامــــِـرٌ         وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَـــــرابُ

إذا صحّ منك الوصل فالكل هين         وكل الـذي فوق التراب تـــراب

[ أبو فراس الحمداني ]

* * *

إن لم تقل: أنا أسعد الناس على بيت صغير، ودخل محدود، وعدة علل بالجسم، ومتاعب في الدنيا، مع كل هذه المتاعب والحياة الخشنة إن لم تقل: أنا أسعد الناس بمعرفة الله، والإقبال عليه، ومحبته، فأنت لم تذق طعم حلاوة الإيمان، ولم تذق طعم القرب في الدنيا، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة: 

فلو شاهدت عيناك من حسننــــــا           الــذي رأوه لما وليت عنا لــغيرنــا

ولو سمعت أذناك حســـن خطابنا           خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنــا

ولو ذقت من طعــم المـــحبة ذرة           عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنـــا

ولــــو نسمت من قربنا لك نسمـة           لـــمت غريبــاً واشتياقـــــــاً لقربئـا

ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائــحٌ           تركــت جميع الكـائنــــات لأجلنــــا

[ علي بن محمد وفا ]

* * *

 

كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة:


قال الله عز وجل يصف ويتحدث عن نبيه نوح عليه السلام ومن ركب معه السفينة:

﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)﴾

[ سورة هود ]

هؤلاء نجوا، ركبوا السفينة نجوا، ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما الفيضان أصاب القوم الذين استنكفوا عن طاعة الله باسم الرحمن، غرقوا باسم الرحمن، ونجا هؤلاء باسم الرحيم، الرحيم تعني الرحمة الخاصة بالمؤمنين:

﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)﴾

[ سورة يس ]

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾

[ سورة مريم ]

أما ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ .
الرحيم أيها الإخوة؛ في أغلب النصوص وصف بالرحمة الخاصة، نسأل الله رحمته، ونستعيذ به من عذابه، مع أن عذابه عدل، وفيه حكمة ما بعدها حكمة، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 

اجتماع اسْمَي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة:


أيها الإخوة؛ إن اسْمَي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم يجتمعان في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة، فاسم الله الرحمن اقتضى أن يسوق لعباده بعض العذاب، والدليل:

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾

[ سورة الأنعام ]

واسم الله الرحيم يقتضي التكريم، اسم يقتضي التأديب في الدنيا، واسم يقتضي التكريم في الآخرة، يفترق الاسمان الرحمن والرحيم من جهة تعلقهما بالحكمة، الحكمة تقتضي أن يُساق العذاب لمن شرد عن الله في الدنيا، والحكمة تقتضي أن تكون رحمة الله لمن استجاب له في الآخرة.
 

الله عز وجل خلق المؤمن ليرحمه ويسلمه ويسعده:


أيها الإخوة الكرام؛ اسم الله الرحيم خاص بالمؤمنين، فلذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

[ سورة هود ]

دقق: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليُسَلِّمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليعطيهم، الله عز وجل بيده الخير، دققوا في هذه الآية:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

[ سورة آل عمران ]

إعطاء المُلك خير، ونزعه خير، إعزاز الإنسان خير، والإذلال خير، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ نسأل الله رحمته، ونخشى عذابه، نسأل الله السلامة في الدنيا، النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا في الطائف قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، ونحن نقول: رحمة الله الخاصة بالمؤمنين أوسع لنا.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور