الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الرازق:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الرازق.
ورود اسم الرازق في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
هذا الاسم ورد في السنة،
(( ففي حديث أنس رضي الله عنه الذي ورد في الأسماء الثلاث السابقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: عن أنس بن مالك: غلا السِّعرُ على عَهدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سعِّر لنا، قالَ إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ، القابِضُ، الباسطُ، الرَّزَّاقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقى ربِّي وليسَ أحدٌ منْكم يطلُبني بمظلِمةٍ في دمٍ ولا مالٍ.))
وهذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقيداً في قول الله عز وجل:
﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114)﴾
الرازق في اللغة اسم فاعل، رزق، يرزق، رزقاً فهو رازق، والرزق-دققوا-ما يُنتفع به.
لذلك فرّق العلماء بين الرزق والكسب، الشيء الذي تأكله، والثياب التي تلبسها، والبيت الذي تسكنه، هذا هو الرزق الذي انتفعت به، أما الرصيد الحجم المالي هذا كسب لن تنتفع به، الذي تنفع به مباشرة هو الرزق، والذي لا تنتفع به وهو من كسبك هو الكسب، أما الكسب تحاسب عليه من أين اكتسبته؟ وماذا فعلت فيه؟ مع أنك لم تنتفع به، أي الذي معه ألف مليون، ماذا يأكل؟ يأكل وجبة محددة، ويرتدي ثياباً واحدة، وينام على سرير واحد، وطاقته في الاستمتاع بالحياة لها سقف، مهما كنت غنياً كم تأكل؟ وجبة محدودة، كم ثوب ترتدي؟ ثوب واحد، على كم تنام بليلة واحدة؟ على سرير واحد، فالرزق ما انتفعت به فقط، والكسب حجمك المالي، حجمك المالي لم تنتفع به إطلاقاً لكنه أعطاك كِبْراً، وهيمنة، وسيطرة، وكل قرش اكتسبته تُحَاسب عليه، مع أنك لم تنتفع به، لذلك ورد في بعض الآثار: إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا ولدي! يا أهلي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرُم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
الرزق هو العطاء، استرزقه، أي طلب منه الرزق، وزن استفعل في اللغة يفيد معنى الطلب، استغفر: طلب المغفرة، استرحم: طلب الرحمة، استرزق: طلب الرزق، وقد يسمى المطر رزقاً، لأن المطر يُنبِت النبات، يُنبِت القمح، يُنبِت الخضراوات، فالرزق من آثار المطر.
على المؤمن أن يعزو الرزق إلى الله لا إلى غيره:
أما قوله تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)﴾
تهطل أمطار كثيرة، نستمع إلى من يقول: هناك منخفض متمركز فوق قبرص في طريقه إلينا، لأن هذا رزق الله، هذا فضل الله، هذه رحمة الله، نعزو الرزق إلى أسباب أرضية،
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب ليلة مطيرة قال:
(( عن زيد بن خالد الجهني: صلَّى لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صلاةَ الصُّبحِ بالحُديبيَةِ في إِثْرِ سماءٍ كانت مِن اللَّيلِ فلمَّا انصرَف أقبَل على النَّاسِ فقال: هل تَدرونَ ماذا قال ربُّكم؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: قال: أصبَح مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأمَّا مَن قال : مُطِرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِه فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكواكبِ، فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي، مؤمنٌ بالكواكبِ. ))
أي كتعليق على هذا الحديث هناك من ينسب ما يجري إلى أسباب أرضية فقط، أي زلزال دمّر كل شيء يقول لك: اضطراب بالقشرة الأرضية فقط، لمَ وقع هنا ولم يقع هنا؟ مع أن الله تعالى يقول:
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾
على الإنسان أن يعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب كي يصطلح ويتعامل معه:
لمَ لا تقبل التفسير الأرضي القريب وتعزو التفسير البعيد إلى الله عز وجل؟ فالإنسان أحياناً يرفض التفسير العلوي، الإلهي، التوحيدي، ولا يقبل إلا التفسير الأرضي الشركي المحدود، أي ما يعانيه المسلمين اليوم يُعزى إلى الاستعمار فقط، والصهيونية العالمية فقط، أين الله؟ كيف سمح لهؤلاء أن يسيطروا على العالم، ألسنا عباده؟ فلابد من أن تعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب، إلى خالق السماوات والأرض، كي تتعامل معه، كي تصطلح معه، لذلك لا ينبغي أن تفسر ما يجري فقط بأسباب أرضية شركية، لابدّ من أن تفسر ما يجري بأسباب أرضية، ومُسبب الأسباب هو الله، ولحكمة بالغةٍ بالغة.
الأرزاق نوعان؛ أرزاق ظاهرة وأرزاق باطنة:
أيها الإخوة؛ الأرزاق نوعان، أرزاق ظاهرة كالأقوات للأبدان، انظر إلى سوق الخضر، كميات من الفواكه، كميات من الخضروات، المحاصيل، القمح، الغنم، أرقام فلكية، كلها رزق العباد، أقوات للأبدان، وهناك أرزاق باطنة هي المعارف والإيمان، إنسان الله عز وجل رزقه فهماً بكتاب الله، هذا رزق، بالمناسبة العلم هو أعلى أنواع الرزق، الدليل:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾
الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، حتى نكون موضوعيين، أعطى المال لقارون وهو لا يحبه، وأمره:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾
وأعطاه لسيدنا عثمان وهو يحبه، أنفق على جيش العسرة، وقال النبي الكريم:
(( عن عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمانُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بألفِ دينارٍ في كُمِّه –حينَ جهز جيشَ العسرةِ– فنثَرها في حِجرِه، فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُقلِّبُها في حِجرِه، ويقولُ: ما ضَرَّ عثمانَ ما عمِل بعدَ اليَومِ، مرتينِ.))
[ أخرجه الترمذي: خلاصة حكم المحدث: رجاله موثقون ]
رضي عنه من أعماق أعماقه، أعطى المُلك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، لكن الذين يحبهم ماذا أعطاهم؟ المُلك ليس مقياساً، والمال ليس مقياساً، لكن الذين يحبهم الأنبياء، قمم البشر، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ فإذا وهبك الله رزقاً من نوع الرزق الذي وهبه لأحبابه فاشكر الله عز وجل، أي يوجد بالأرض هناك من يعبد الجرذان في آسيا، هناك من يعبد ذكر الرجل، هناك من يعبد موج البحر، هناك من يعبد البقر، هناك من يعبد الشمس والقمر، هناك من يعبد الحجر، والله سبحانه وتعالى أكرمنا أن نعبد خالق السماوات الأرض.
الله عز وجل الرازق تكفّل باستكمال الرزق ولو بعد حين:
أما الله جلّ جلاله هو الرازق، هو الذي يرزق الخلائق أجمعين، وهو الذي قدّر أرزاقهم قبل خلق العالمين.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)﴾
أي ترسل ابنك إلى بلد أوروبي ليدرس، حتى يطمئن ترسل له مصروفه لست سنوات دفعة واحدة، حتى يطمئن، فالله عز وجل قال:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فعل ماض،
﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ما قال: ثم يرزقكم،
﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ والله عز وجل رازق تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين، كل إنسان له عند الله رزق لكن بحين معين، قالوا: من تعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه، فلن تموت نفس حتى تسوفي رزقها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ. ))
هناك راوية: ((استجملوا مهنكم)) اختر حرفة شريفة، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها ابتزاز لأموالهم، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها إلقاء الرعب في قلوبهم، اختر حرفة ينتفع بها من حولك، ولا تختر حرفة تبني دخلك على أنقاض الناس، لأن ألصق شيء بحياة الإنسان رزقه، حرفته، وزوجته، المركبة تُبَدل، البيت يُبدل، أما زوجته أم أولاده، وحرفته، فإن كانت الحرفة مخالفة لمنهج الله يوجد مشكلة، أنت محجوب عن الله دائماً.
أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تُعَدّ ولا تحصى:
حديث آخر؛
(( عن حذيفة بن اليمان: هَلُمُّوا إِليَّ فأَقبَلُوا إليه فجَلَسُوا، فقال: هذا رسولُ ربِّ العالمِينَ؛ جِبريلُ نَفَثَ في رُوعِي: إنَّه لا تَموتُ نفسٌ حتى تسْتكمِلَ رِزْقَهَا وإنْ أبطأَ عليهَا، فاتَّقُوا اللهَ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يحْمِلَنَّكم اسْتِبْطاءُ الرِّزقِ أن تَأخذُوهُ بِمعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عِندَه إلا بِطاعتِه. ))
[ أخرجه البزار: حسن صحيح ]
والآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)﴾
أيها الإخوة؛ قال بعض العلماء: الرزق اسم لكل ما يُتغذى به من إنسان وغير إنسان، لكن هذه الكلمة تعم رزق الدنيا والآخرة، دخول الجنة رزق، النجاة يوم القيامة رزق، العلم في الدنيا رزق، اشتقاق الكمال من الله رزق، الحلم رزق، الورع رزق، نحن هكذا ببساطة أي كلمة رزق نتصورها المال فقط، قد تجد إنساناً دخله محدود، لكن يتمتع بعلم غزير، يتمتع بسمعة طيبة، يتمتع براحة نفسية، يتمتع بتوفيق من الله عز وجل، أو يتمتع بدعوة كبيرة، حجم المال صغير جداً، لكن حجمه عند الله كبير جداً، فنحن ينبغي ألا نتوهم أن كل كلمة رزق تعني مالاً، لا، أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تُعدّ ولا تحصى، وقد قال الله عز وجل:
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
إلزام الله عز وجل ذاته العلية برزق العباد:
أحياناً الله عز وجل يرزق إنساناً مكانة، بهذه المكانة تُحَلّ بهذه المكانة مشكلات كثيرة، هذا رأسمال، أي الناس يهابونك، ينصاعون لأمرك، استخدم هذه الهيبة في خدمة الناس، في حلّ مشكلاتهم، في إنقاذ من يحتاج إلى إنقاذ، والآية الكريمة:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)﴾
﴿عَلَى﴾ على، متى جاءت على مع لفظ الجلالة معنى ذلك أن الله ألزم نفسه ذاتياً برزق العباد، ﴿عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ثم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ من تفيد استغراق أفراد النوع، لو دخل معلم إلى صف وقال: أيها الطلاب لكم عندي هدية، أي لهؤلاء الذين أمامه، أما لو قال: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تشمل حتى الغائب، حتى الذي لم يتح له أن يأخذها الآن، ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع، ما قال: ما دابة إلا على الله رزقها، قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي نملة تمشي على صخرة صماء، في الليلة الظلماء، على الله رزقها، وعل يعيش في قمم الجبال، هناك ينابيع مياه في قمم الجبال، في القمم، أي مستودع بجبل أعلى، تمديد مذهل من أجل الوعول، هناك وعول تعيش في قمم الجبال هناك ينابيع ماء لها، معنى ذلك أن هذه الينابيع تمديداتها تحت الجبال إلى جبال أعلى، يوجد بأرواد نبع، هذا النبع لا تكفي أمطار أرواد لهذا النبع، هذا النبع مستودعه في طرطوس وممدد تحت البحر، يوجد بإندونيسيا ثلاثة عشر ألف جزيرة، ما من جزيرة إلا وفيها نبع ماء عذب، من آيات الله الدالة على عظمته، إذاً: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى﴾ أي ألزم الله ذاته العلية برزق العباد.
بطولة الإنسان أن يأكل رزقه الذي كتبه الله له من طريق مشروع:
حتى الطعام الحرام الذي يتناوله الإنسان هو رزق من الله، أي أضرب هذا المثل الذي أردده كثيراً، بستان فيه شجر تفاح، الشجرة السابعة، الفرع الثالث، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، هذه له، فلان قد يشتريها بماله، وقد يأكلها ضيافة، وقد يأكلها هدية، وقد يسرقها، وقد يتسولها، التسول، والسرقة، والهدية، والضيافة، والشراء اختياره، أما هي له، فالبطولة أن تأكل رزقك الذي كتبه الله لك من طريق مشروع، هنا جاء الحديث مرة ثانية: ((جِبريلُ نَفَثَ في رُوعِي إنَّه لا تَموتُ نفسٌ حتى تسْتكمِلَ رِزْقَهَا وإنْ أبطأَ عليهَا، فاتَّقُوا اللهَ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ)) لا تُذِلّ نفسك، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي، اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير.
والله مرة زارني أخ متقدم بالسن، قدمتُ له ضيافة متواضعة، فقطع أول لقمة من هذه الضيافة، وقبل أن يأكلها قال: سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحداً، اعتقد هذا الاعتقاد، الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، هو خلقك، تكفّل لك بالرزق، تكفّل لك بالزواج، تكفّل لك بالعمل، لا تضجر، لا تقلق، لا تيأس، لا تتشكى، سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحداً، أي حتى أهل الدنيا الذين يسرقون، هو رزق الله عز وجل اختاروا أن يأخذوه سرقة، يُحاسبون عليه، أما هو لهم.
إحباط الأعمال في آخر الزمان نتيجة:
إخواننا الكرام؛ أحياناً الإنسان يعجب، الأمور تجري لخلاف صالح العالم الإسلامي، هم يعيشون على ثروات هائلة، يحتلون موقعاً استراتيجياً مذهلاً، ومع ذلك هذه الثروات ليست لهم، يأتي من يأخذها منهم عنوة، أما أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام كأنه معنا في هذا الحديث،
(( روى ابن ماجه والبزار والبيهقي عن عبد الله بن عمر: يا معشرَ المهاجرين خصالٌ خمسٌ إن ابتُلِيتم بهنَّ ونزلنْ بكم أعوذُ باللهِ أن تُدرِكوهنَّ، لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنوا بِها إلَّا فشَا فيهم الأوجاعُ الَّتي لم تكنْ في أسلافِهم، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّةِ المُؤنةِ وجَورِ السُّلطانِ، ولم يَمنعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنعوا القَطْرَ من السَّماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا، ولا نقضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط عليهم عدوًّا من غيرِهم فيأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ إلَّا جُعِل بأسُهم بينهم. ))
[ ابن ماجه إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما ]
الآن الشاذون في العالم لهم منظمات، ولهم قيادات، ولهم مرجعيات، ومعهم بطاقات، ويطالبون الحكومة بأن يعاملوا كغيرهم من المواطنين، وهناك حكومات كثيرة جداً استجابت لهم، أحياناً يكون هناك سفير دولة عظمى يُقام له حفل وداع في العاصمة، يحضر معه شريكه الجنسي، وبقانون ببعض البلاد الغربية الشريك الجنسي يُمنح الجنسية، لو شخص معه شريك جنسي من بلد متقدم جداً شريكه الجنسي يستحق الجنسية، وهناك تعويضات، الآن قال: ((حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا)) الشذوذ انحراف خطير، يتناقض مع الفطرة، في بلاد كثيرة وضمن القوانين معترف به، وصاحبه محترم، وله كل ميزات المتزوج.
قال: ((لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ)) أي الإيدز، كان قديماً إذا إنسان سافر وطُرِق بابه ليلاً يقشعر جلده خوفاً من الله ولا يفتح الباب، والآن يقشعر جلده لكن خوفاً من الإيدز.
﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)﴾
((وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ)) الغش، أنوع الغش، ((وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا)) دققوا الآن: ((وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ)) بأول حرب سبعمئة مليار نُقلت من بلادنا إلى بلاد الغرب، وكل حرب تُنقَل ألوف المليارات من بلادنا إلى بلاد الغرب.
4 ـ عدم الحكم بكتاب الله:
((وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ)) الحروب الأهلية، ((وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ)) عدو يتسلط عليهم، يأخذ ما في أيديهم، ((مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ)) هذه كلها من الأخطاء الذي يرتكبها المسلمون في آخر الزمان.
المعرفة أشرف الرزقين رزق الأبدان ورزق الأرواح:
العلماء قالوا: رزق الأبدان بالأطعمة، ورزق الأرواح بالمعرفة، المعرفة رزق، والمعرفة أشرف الرزقين، فإذا خصك الله بدخل وفير أكلت به أطيب الطعام، وخصّ عبداً آخر برزق المعرفة فاعلم علم اليقين أن العبد الآخر أكثر حظوة عند الله منك، لأنه منحه رزق النفوس، ورزق الأرواح، وهي المعارف، قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: نَهَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الوِصالِ، قالوا: إنَّك تُواصِلُ، قال: إنَّكم لَسْتُم كَهَيْئَتي، إنَّ اللهَ حِبِّـي يُطْعِمُني ويَسْقِينِ، وقال يَزيدُ: إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني. ))
والله أحياناً يكون بعض الإخوة في مجلس، مجلس مبارك فيه تجلٍّ، فيه نور، فيه سرور، فيه مودة، فيه محبة، فيه ذكر لله، يقول لك: جلست جلسة لا أنساها مدى الحياة، قُدِّم كأس شاي فقط، لا يوجد شيء، وأحياناً طعام نفيس، ألوان، أنواع منوعة، يقول لك: ما ارتحنا، ما سررنا، وقال بعض العلماء: الرازق من غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وحلّ قلوب الأخيار بتصديقه، الرزق رزقان؛ رزق الأبدان، ورزق النفوس، نحن بحاجة إلى رزق الأبدان، لكن لا تنسوا حاجتكم العظمى إلى رزق النفوس، إلى العلم بالله، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ .
الملف مدقق