وضع داكن
21-05-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 079 ب - اسم الله الرقيب 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

حال الأنبياء مع ربهم إقبال دائم ويقظة مستمرة أما حال المؤمنين فساعة وساعة:


أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الرقيب.
تطبيقات هذا الاسم على المؤمن؛ هناك مقام اسمه مقام المراقبة، أي أن العبد يراقب ربه، وكلمة مقام تنقلنا إلى موضوع دقيق، النبي عليه الصلاة والسلام يشرح هذا المقام حينما مرّ أبو بكر رضي الله عنه بصحابي رآه يبكي، هذا الصحابي اسمه حنظلة، سأله الصديق: مالك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة، قال له: ولِمَ يا أخي؟ قال حنظلة: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن والجنة كهاتين، كأننا في جنة، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل-أي دخل في حياته اليومية-ننسى هذا الحال، فظن هذا الصحابي الجليل أنه نافق، فسيدنا الصديق من تواضعه الشديد قال: أنا كذلك يا حنظلة، انطلق بنا إلى رسول الله، فانطلقا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحدثاه بهذا الحال، فقال عليه الصلاة والسلام: لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم، ولكن أنتم يا أخي ساعة وساعة، أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا،

(( عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ، قالَ: ثُمَّ جِئْتُ إلى البَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ المَرْأَةَ، قالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذلكَ له، فَقالَ: وَأَنَا قدْ فَعَلْتُ مِثْلَ ما تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقالَ: مَهْ فَحَدَّثْتُهُ بالحَديثِ، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قدْ فَعَلْتُ مِثْلَ ما فَعَلَ، فَقالَ: يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ولو كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كما تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ ، حتَّى تُسَلِّمَ علَيْكُم في الطُّرُقِ. وفي رواية: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَذَكَّرَنَا الجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَديثِهِمَا. ))

[ صحيح مسلم  ]

من خلال هذا النص الدقيق يتضح أن حال الأنبياء إقبال دائم، اتصال دائم، يقظة مستمرة، هذا حال الأنبياء، أما حال المؤمنين ساعة وساعة، إياكم أن تفهموا أنها ساعة طاعة وساعة معصية، هذا مستحيل وألف ألف مستحيل، ساعة تألق وساعة فتور، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم.
 

المؤمن علاقته باسم الرقيب أنه موقن أن الله معه فوق عرشه يتابعه في كل حركاته:


معنى ذلك المؤمن له حال مع الله، حال التوكل، حال المحبة، حال الإقبال، حال الاستسلام، حال التفويض، حال التفاؤل، أنت لك حال، أي حالتك النفسية، هناك إنسان قلق، هناك إنسان خائف، هناك إنسان يائس، هناك إنسان مُحبَط، هناك إنسان واثق من الله عز وجل، هناك إنسان مستسلم، هناك إنسان راضٍ، هذه المشاعر التي لها أثر كبير جداً في سعادتك، وفي نشاطك، وفي حيويتك، نسميها الآن حالاً، هذا الحال نتيجة طبيعية لمن استقام على أمر الله، ثمرة يانعة لمن أحبّ الله، تحصيل حاصل وهو أنك إذا استقمت على أمره، إن حصّلت هذا العمل فلابدّ من حال ينعكس على قلبك، لك أن تسميه سكينة، لك أن تسميه تألقاً، لك أن تسميه رضا، لك أن تسميه سعادة، أنا لا أصدق أن مؤمناً ما ليس له حال مع الله، أحياناً الإنسان راضٍ عن الله، أحياناً إنسان متفائل، أحياناً إنسان واثق أن الله لن يسوق له إلا الخير، إنسان واثق أن شأنه كله مع الله، هذا الحال مسعد، إذا حلّ محله حال آخر حال القلق، الإحباط، الخوف، اليأس، هذا حال آخر، فالطاعة لها حال، والمعصية لها حال، المعرفة بالله لها حال ينعكس على صاحبه، والجهل له حال آخر، لكن هذا الحال سُمِّي حالاً لأنه يحول، يتغير، قد ينصرف عنك هذا الحال، وقد يأتيك هذا الحال، أما إذا استقر هذا الحال إلى أمد طويل ينقلب إلى مقام.
كيف أن الإنسان في جو معين يكون له حال معين، فإذا انحسر عنه هذا الجو انحسر عنه هذا الحال، فمادام هذا الحال يأتي ويذهب فهو حال، فإذا استقر فهو مقام، هذا سبب شرح مقام المراقبة، المؤمن يراقب الله دائماً، المراقبة المتعقلة بالمؤمن أي تطبيق اسم الرقيب على المؤمن أن النوع الذي ينبغي أن يكون واضحاً من هذا المقام مقام المراقبة مراقبة العبد لربه، بالمحافظة على حدوده وشرعه واتباعه لسنة نبيه، المؤمن علاقته باسم الرقيب أنه موقن أن الله معه، فوق عرشه يتابعه، يراه، يسمعه، كما ورد عند الترمذي من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كنتُ خلْفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا، فقال: يا غلامُ، ألَا أُعلِّمُك كَلماتٍ؟ احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسأَلِ اللهَ، وإذا استَعنتَ فاستَعِنْ باللهِ، واعلَمْ أنَّ الأمَّةَ لو اجتمَعَت على أن ينفَعوك بشيءٍ لم ينفَعوك إلَّا بشيءٍ قد كتَبه اللهُ لك، ولو اجتمَعوا على أن يضُرُّوك بشيءٍ لم يضُرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ علَيك؛ رُفِعَت الأقلامُ، وجَفَّت الصُّحُفُ. ))

[ الترمذي حَسَنٌ صَحِيحٌ ]

 

أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:


أذكر مرة أنني أردت أن أشتري حاجة في متجر فأحالني صاحب المتجر إلى المستودع كي أنتقي ما يعجبني من الألوان، قطعة كهربائية، ذهبت إلى المستودع رأيت محاسباً على طاولة يكتب، وفوقه آلة تصوير، فلما نزلت إلى صاحب المحل وجدت شاشة أمامه تراقب هذا الموظف، تعلمت شيئاً من هذا المثل كثيراً، هذا الموظف تحت المراقبة، أي إذا شرب كأس ماء صاحب المتجر يراه، إن ترك محله وغاب يراه، فكيف أن هذا الموظف الذي تُسَجِّل آلة تصوير كل حركاته وسكناته؟ فهو في حالة مراقبة، فهذا الموظف يعلم علم اليقين أن كل حركة من حركاته يراها صاحب المتجر، للتقريب هكذا حال المؤمن مع الله، يشعر أن الله معه، ويراقبه. 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

[ سورة الفجر ]

﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)﴾

[ سورة الأحزاب ]

وأنه تحت المراقبة إن تكلم فالله يسمعه، وإن سكت فالله يعلم نوياه، وإن تحرك فالله يراه، هذا الشعور الدائم أن الله معك، ويراقبك، ويستمع إلى أقوالك، ويرى أفعالك، ويعلم السريرة، هذا حال اسمه: حال المراقبة، من بعض الأحاديث الشريفة:

(( عن عبادة بن الصّامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إنّ من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن اللَّه عز وجل معه حيث كان. ))

[ البيهقي: حسن ]

 

الشعور بمراقبة الله عز وجل تُوَلِّد الاستقامة على أمره:


من ثمرات هذا الاسم اسم الرقيب أنك تشعر أنك مُراقب من قِبل الله عز وجل، وحينما تشعر أنك مراقب لابدّ من أن تستقيم على أمر الله، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾

[ سورة النساء ]

هذا حال مثمر، دائماً وأبداً تتساءل: هل هذا العمل يرضي الله؟ هل هذا العمل لا يرضي الله؟ هل هذه الكلمة تكلمت بها من رضاء الله أم من سخط الله؟

(( عن أبي هريرة: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً. ))

[ الترمذي: حسن صحيح ]

((يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يَحْفَظْك)) اجعل نفسك تحت المراقبة في كل حركة، وسكنة، وكلمة، وصلة، وقطيعة، وعطاء، ومنع، وغضب، ورضا اجعل نفسك تحت المراقبة تسلم، أي بشكل أو بآخر لو أن إنساناً أبلغوه أنك مراقب، أو أن الهاتف مراقب، أو أن الرسائل مراقبة، أو أن الحركات مراقبة، ينضبط أشدّ الانضباط، أحد أكبر أسباب الانضباط أن تشعر أنك مراقب، يحاسب نفسه على كلمة، على لفتة، على ابتسامة، يقول لك: مراقب.
 

الإسلام والإيمان والإحسان:


أيها الإخوة؛ القصد من هذا الحال الذي ينبغي أن يكون فيك حال المراقبة أن تصل إلى درجة الإحسان، حال المراقبة أي أن تشعر أن الله يراقبك دائماً، هذا الحال يأخذ بيدك إلى درجة عالية جداً اسمها الإحسان، فهناك الإسلام، وهناك الإيمان، وهناك الإحسان، الإسلام أن تخضع جوارحك لمنهج الله، استسلمت، أي أديت الصلوات، صمت رمضان، حججت بيت الله الحرام، أديت زكاة مالك، غضضت بصرك، ضبطت لسانك، ضبطت بيتك، هذا إسلام، أما حينما تتجه بقلبك إلى الله، وتُقبِل عليه، وتسعد بقربه، هذا إيمان، الحل؛ المقام الثالث، مقام الإحسان شرحه النبي عليه أتمّ الصلاة والسلام فقال:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: «الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ». ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ ﷺ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ».  ))

[ صحيح البخاري ]

 

أنواع المراقبة:

 

1 ـ أن ترى أن الله يراقبك وسيحاسبك:

حال المراقبة حينما تتعرف إلى اسم الرقيب ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾  حينما تتعرف إلى اسم الرقيب هذا الاسم يجعلك في حال المراقبة، وحال المراقبة أن ترى نفسك تحت المراقبة الدائمة، وكل إنسان يرى نفسه تحت المراقبة الدائمة يستقيم على أمر الله عز وجل، لذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تعريف مقام الإحسان، الإسلام مقام، والإيمان مقام، والإحسان مقام.

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾

[ سورة الحجرات ]

صار هناك إسلام، هناك إيمان، والمرتبة الثالثة مرتبة الإحسان: ((أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه فإنه يَراكَ)) . 

2 ـ أن تعلم علم اليقين أن الله يراقب عباده:

أيها الإخوة؛ هناك نوع آخر من حال المراقبة، أن تؤمن بمراقبة الله لعباده، وحفظه لهم، وإحصائه لكسبهم، كقول سيدنا عيسى في القرآن الكريم: 

﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)﴾

[ سورة المائدة ]

أي إياك أن تنظر أن هؤلاء البشر لا رقيب عليهم.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم ]

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[ سورة إبراهيم ]

أنت حينما تعلم علم اليقين أن الله يعلم، ويراقب، وبالمرصاد لكل حركات عباده وسكناتهم ترتاح نفسياً، سيحاسبهم، لا تقلق الأمر بيد الله، وهم في قبضته، وليس غافلاً عنهم، لكنه أرخى لهم الحبل لحكمة بالغةٍ بالغة كي يأخذوا أبعادهم، وكي تنكشف حقيقتهم، وكي يُعَاقب من يسيء على بينة، ومن أجل أن يُكافأ المحسن على بينة.
 

من همّ بسيئة وتركها كُتبت عند الله عز وجل حسنة:


﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا نوع آخر من أنواع المراقبة، النوع الأول أن ترى أن الله يراقبك، والنوع الثاني أن تعلم علم اليقين أن الله يُراقب عباده، وهناك آية ثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾

[ سورة النساء ]

(( وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قالت الملائكةُ: ربِّ ذاك عُبيْدُكَ يريد أن يعملَ سيئة، وهو أبْصَرُ به، فقال: ارقُبُوه، فإن عَمِلَها فاكتبوها له بمثلها، وإن تَرَكَها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّايَ. ))

[ صحيح مسلم ]

من أجلي، إذا الإنسان همّ بسيئة، وخاف مقام ربه، وترك هذه السيئة تُكتب له حسنة.
 

أثر اسم الرقيب في المؤمن دوام الملاحظة ودوام التوجه إلى الله ظاهراً وباطناً:


أيها الإخوة؛ أثر هذا الاسم في المؤمن دوام الملاحظة، ودوام التوجه إلى الله ظاهراً وباطناً، لأن الله سبحانه وتعالى خصّ المخلصين بألا يَكِلَهم في جميع أحوالهم إلى أحد سواه، ما أوكل أمرك إلى أحد، أمرك بيد الله، هذا من كرامة الإنسان على الله، أمرك بيد الله، ما أسلم أمرك إلى أحد، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾

[ سورة هود ]

لذلك هناك بدع كثيرة، من هذه البدع أن إنساناً أو إنسانة تسأل إنسانة أخرى أن تُجري لها استخارة، لماذا؟ لا يوجد استخارة بالنيابة، ليس هناك من حجاب بينك وبين الله، لك أن تستخيره مباشرة أنت، أي الله عز وجل مع كل المؤمنين، فلذلك اسم الرقيب يعني ألا ترى بينك وبين الله حجاب، ليس بينك وبين الله وسيط.
 

المراقبة تفضي بالإنسان إلى الانضباط:


المراقبة تعني علم القلب بقُرب الرب، والمراقبة تُكبِّل صاحبها، أنت تصور طُرِق الباب، جاء رجل من وجهاء أقربائك، رجل له قيمة، له مكانة، علم، وفهم، وحكمة، وخبرة، وهو زعيم العائلة، عميد العائلة، طرق بابك، أول شيء ترتدي ثياباً لائقة به، لا تستقبله بثياب مبتذلة، ترتدي ثياباً تليق به، تجلس أمامه جلسة أدب، لا تجلس جلسة فيها استعلاء وفيها كبر، لأنه إنسان من وجهاء القوم، عميد أسرتهم، تستقبله بأدب، ترتدي ثياباً تليق به، تجلس جلسة فيها أدب، تُحدثه بلطف، لأنه يراقبك، لأنه في بيتك، لأنه معك، فشيء طبيعي جداً حينما تشعر أن الله يُراقبك أن تكون منضبطاً، فحال المراقبة يُفضي بك إلى الانضباط.
 

مقام المراقبة دوام علم القلب بعلم الرب:


تعريف آخر؛ مقام المراقبة دوام علم القلب بعلم الرب في سكونك وحركتك علماً لازماً للقلب بصفاء اليقين، أن تشعر أن الله معك، وأنه يراقبك، والله عز وجل قال: ﴿إِنّ الله كانَ عليكُم رقيباً﴾

(( السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عن عائشة أم المؤمنين: يُحْشَر الناسُ حفاة عراة غُرْلاً، قالت عائشةُ: فقلت: الرجالُ والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمرُ أشدّ من أن يُهِمَّهم ذلك. ))

[ صحيح البخاري ]

أي لو أن إنساناً سيق إلى الإعدام، وفي أثناء الطريق رأى امرأة متفلتة، هل منظر هذه المرأة المتفلتة يُثيره؟ ذاهب إلى الإعدام، قال لها: يا أم المؤمنين ((الأمرُ أشد من أن يُهِمَّهم ذلك)) وفي رواية: الأمر أفظع من أن ينظر بعضهم إلى بعض، هو الحديث له تتمة، أنه قد تقع عين الأم على ابنها تقول له: يا بني جعلت لك صدري سقاء، وحضني وعاء، هل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم؟ يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين.

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[ سورة المؤمنون ]

(( عند أبي داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علّمنا خُطبة الحاجة، قال: علّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خُطبَة الحاجة: إِنَّ الحمدَ لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، مَنْ يهد الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إِن الله كان عليكم رقيباً. ))

[ أبو داود: صحيح  ]

 

الله عز وجل معك ومُطّلع على أحوالك أينما كنت:


والله هذه الآية يمكن أن توضع في مكان بارز في البيت، ﴿إِن الله كان عليكم رقيباً﴾ أي أنا أعلم علم اليقين في بعض المدارس يوجد بكل صف آلة تصوير، والمدير بأي لحظة يوجد عنده جهاز يريد أن يرى ماذا يقول الأستاذ في هذه الساعة، فحينما يعلم جميع المدرسين أن مدير المدرسة يراقبهم، أو أي مُدَرِّس أراد المدير أن يرى حاله في الصف يراه، يختلف الوضع اختلافاً كبيراً، أما حينما تعلم أنك مراقب من قِبَل إنسان تنضبط فكيف إذا كنت مراقباً من قِبَل الواحد الديان؟
اسم الرقيب أيها الإخوة؛ مهم جداً، حركاتك وسكناتك، مثلاً الآية الكريمة:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)﴾

[ سورة الشعراء ]

الآن دقق: 

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218)﴾

[ سورة الشعراء ]

مضطجع، في غرفة النوم، وحدك في البيت، تأكل، تشرب، تتابع فيلماً معيناً قد لا يرضي الله، ولا أحد يراك في هذا المكان.

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

[ سورة الشعراء ]

 

مكان المراقبة ينقل الإنسان إلى أعلى درجات المراقبة مع الله عز وجل:


قصة تروى في بعض الكتب، كتاب الرقائق، أن أحد الشيوخ كان له جمع من التلاميذ، وكان قد خصّ واحداً منهم بالعناية الزائدة، فيبدو أن بقية التلاميذ تألموا وحسدوا هذا المتفوق، فسأله بقية التلاميذ عن سبب هذه العناية بسبب غيرتهم من هذا التلميذ الصغير، وقالوا له: لماذا تخصه بهذه العناية؟ قال: سأبين لكم، أعطى لكل واحد منهم طائراً، قال لكل واحد منهم: اذبح هذا الطائر حيث لا يراك أحد، فمضى كل واحد من هؤلاء إلى جهة واختبأ بها، وذبح الطائر، ما عدا هذا التلميذ الصغير، رجع إلى شيخه والطائر في يده، وقال: أنت يا سيدي أمرتنا أن نذبح هذا الطائر حيث لا يرانا أحد، ولم أجد موضعاً في أي مكان لا يراني الله فيه، فالتفت الشيخ إلى بقية التلاميذ وقال: من أجل هذا خصصته بمزيد من العناية، يرى أن الله معه.
إخواننا الكرام؛ لمجرد أن تشعر أن الله معك تستقيم على أمره، هذا الحال حال المراقبة، أو إن صحّ التعبير مكان المراقبة ينقلك إلى أعلى درجات الانضباط مع الله عز وجل، إن مقام المراقبة يُكبلك ويجعلك أكثر انضباطاً.
أي بشكل أو بآخر النبي عليه الصلاة والسلام عدّ المسافر وحده شيطاناً، الثلاثة ركب، الإنسان إذا سافر مع بعض إخوانه، أي الجماعة رحمة، الجماعة فيها انضباط، أحدهم يدعو الآخرين إلى الصلاة، إلى عمل صالح، فالإنسان بالجماعة يزداد انضباطه، من هنا كانت بعض العبادات جماعية، الآن الصلاة في المسجد لها معنى آخر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فَهوَ في ذمَّةِ اللَّهِ فانظرْ يا بنَ آدمَ لا يطلبنَكَ اللَّهُ بشيءٍ مِن ذمَّتِهِ. ))

[ الزرقاني مختصر المقاصد صحيح ]

في جماعة، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح.

(( عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله. ))

[ صحيح مسلم  ]


الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور