وضع داكن
15-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 048 ب - اسم الله السميع 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الله عز وجل لا يعزبُ عن إدراكه مسموع وإن خفي:


أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم السميع، والسميع لا يعزبُ عن إدراكه مسموع وإن خفي، وقد يكون صوتاً في الرأس، وقد يكون حديثاً في النفس، وقد يكون خاطرةً تَرِد على الخاطر، وقد يكون تساؤلاً يَرِد على الفكر، أي شيء يخفى على الناس لا يخفى على الله، لا تخفى عليه خافية، هو السميع بغير جارحة، وسع سمعه كل شيء، يسمع نداء المضطرين، يجيب دعاء المظلومين، يسمع حمد الحامدين، يسمع خطرات القلوب، يسمع هواجس النفوس، يسمع مناجاة الضمائر، هو السميع، أي إنسان في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، سيدنا يونس:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

[ سورة الأنبياء ]

أيها الإخوة؛ لكن نحن كبشر، أو كمؤمنين، ماذا يعنينا من اسم السميع؟ الله عز وجل يقول على لسان سيدنا زكريا:

﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)﴾

[  سورة آل عمران ]

يعنيك من اسم السميع أنك إذا دعوته يسمعك، إذاً الله عز وجل يقول يصِف نفسه على لسان سيدنا زكريا: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ النبي عليه الصلاة والسلام يبين لك متى يستجيب لك، ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي مجيب الدعاء، الآن أنت لو سألت إنساناً: قال لك: سمعت، العبرة أن يسمع؟ لا، أن يجيب، لذلك فسر المفسرون قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي مجيب الدعاء.
 

التعامل مع الله عز وجل تعامل مقنن بقوانين:


لكن الله له قوانين، والتعامل مع الله تعامل مُقنن بقوانين، متى يستجيب دعاءك؟ دقق، قال: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، أي كُلْ طعاماً طيباً، والطعام الطيب الذي اشتري بمال حلال، والمال الحلال الذي تكسبه وفق منهج الله، ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي مجيب الدعاء، جاء النبي الكريم وهو الذي بيّن ما في القرآن الكريم قال: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والله أخ له والد زرته في العيد، والده عمره ست وتسعون سنة، قال لي بالحرف الواحد: أجرينا البارحة تحاليل كاملة فكانت النسب جميعها طبيعية، ست وتسعون سنة، قال لي: والله ما أكلت درهماً حراماً في حياتي كلها، ولا أعرف الحرام حرام النساء.
عالم آخر عاش للسادسة والتسعين سأله إخوانه: يا سيدي ما هذه الصحة؟ كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، أما عامة المسلمين-ولا أعمم إلا من رحم ربي-مأكله حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب له؟!
 

كل إنسان يدعو الله عز وجل ولكن للدعاء شروط منها:

 

1 ـ الإيمان بالله واحداً وموجوداً: 

الآن:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)﴾

[ سورة الأنعام ]

والله حدثني أخ: مجموعة خبراء من بلاد ترفع شعار لا إله، ملحدة، مجموعة خبراء تركب في طائرة، دخلت في سحابة مكهربة فاضطربت وكادت أن تسقط، فإذا بهؤلاء الخبراء الملحدين يرفعون أيديهم إلى الله، ويسألونه النجاة، أي إنسان بأي ظرف، مؤمن، غير مؤمن، عند الحاجة، وعند الضرورة، وعند البلاء يسأل الله عز وجل، ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
لكن الدعاء له شروط، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

[ سورة البقرة ]

طبعاً يوجد بالقرآن عشرات الآيات:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)﴾

[ سورة البقرة ]

أكثر من عشر آيات تبدأ بيسألونك، ويأتي الجواب بقل، وبينهما كلمة هي قل، إلا في هذه الآية اليتيمة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لا يوجد قل، بما يزيد عن عشر آيات يسألونك، قل الجواب، أي النبي وسيط بين السائل وبين الإجابة، إلا في هذه الآية الوحيدة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ليس بين العبد وربه واسطة، لكن: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ تبين من هذه الآية أن شروط الإجابة أن تؤمن بالله أولاً، أن تؤمن به موجوداً، وواحداً، وكاملاً.

 2 ـ الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى:

أن تؤمن بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى. 

3 ـ أن تؤمن أن الله يعلم وسيحاسب:

أن تؤمن أنه معك، أن تؤمن أنه يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب. 

4 ـ أن تدعو الله مخلصاً وأن تراه قريباً:

أن تدعوه مخلصاً، وأن تراه قريباً، هذا شروط الدعاء، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من أي شيء يحول بينك وبين قلبك، أي خاطرة جاءت إلى القلب يعلمها، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ ليستقيموا على أمري، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ إلى الدعاء المجاب.
 

استثناء المضطر والمظلوم من شروط الدعاء لرحمة الله وعدله:


إلا أن العلماء استثنوا إنسانين، استثنوا المضطر من شروط الدعاء، فالمضطر يستجيب الله له، ولو لم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب الله له لا بأهليته، ولكن برحمته، والمظلوم يستجيب الله له ولو لم تتحقق به شروط الدعاء، يستجيب له لا بأهليته، ولكن بعدله، دققوا، إنسانان مستثنيان من شروط الدعاء، المضطر يستجيب الله له برحمته، والمظلوم يستجيب الله له بعدلهِ، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عن عبد الله بن عباس: أن رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بعَثَ معاذَ بنَ جَبلٍ إلى اليمَنِ، فقالَ: اتَّقِ دَعوةَ المظلومِ؛ فإنَّهُ ليسَ بينَها وبينَ اللَّهِ حجابٌ. ))

[ صحيح الترمذي ]

وإن كان كافراً، الرجل الأول بعد هارون الرشيد خالد البرمكي، هذا فجأة رأى نفسه في السجن، زاره أحد أقربائه، قال له: لعل دعوة مظلوم أصابتنا، عُدّ للمليار قبل أن تظلم، ((اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) في رواية:

(( عن أنس: اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً. ))

[ رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والضياء ]

طبعاً الآية الكريمة:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)﴾

[ سورة النمل ]

﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)﴾

[ سورة القمر ]

 

الدعاء مخ العبادة:


الآن هل تصدقون أن العبادة كلها هي الدعاء؟ الدليل:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾

[ سورة غافر ]

بالسياق: عن دعائي، جاءت الآية: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فاستنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن الدعاء هو العبادة، وفي رواية قيل: الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ، أي الصلاة دعاء، والحج دعاء، والصيام دعاء، أي اتصال العبد بالله عز وجل، بل إن الدعاء سلاح المؤمن، الآن أضعف دولة بالعالم حينما تستقوي بأقوى دولة تغدو هذه الدولة الضعيفة دولة قوية كما ترون، أضعف دولة حينما تستقوي بأقوى دولة تغدو هذه الدولة الضعيفة قوية.
وأنت أيها المؤمن-ولله المثل الأعلى-حينما تدعو الله عز وجل أنت أقوى الناس، قال: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.

  من دعا الله معه أربع شهادات شهادة إيمانه بالله موجوداً وسميعاً ورحيماً وقديراً:


لكن الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى لا يعبأ بنا إطلاقاً إذا لم ندعُه، والدليل:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾

[ سورة الفرقان ]

لكن بالتحليل الدقيق ماذا يعني أن تدعو الله بالضبط؟ أي أنك مؤمن بوجوده، هل تصدق أن إنساناً يدخل لمكان فارغ يخاطب إنساناً إلا أن يُتَّهم في عقله؟ أنت حينما تدعو الله أنت مؤمن بوجوده، وفضلاً عن ذلك أنت مؤمن أنه على كل شيء قدير، والآن يوجد عندنا حالة، أو عندنا بحث في الطب اسمه: الشفاء الذاتي، يستعصي على أي تفسير، ورم خبيث من الدرجة الخامسة يتراجع لوحده، أنت حينما تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأن قدرته تعلقت بكل ممكن، ولو أن الأطباء أجمعوا أن هذا المرض وبيل، عضال، لا شفاء منه، قال الطبيب لأهل مريضة: انتهت اكتبوا النعوة، عاشت بعد هذا الكلام ستة وأربعين عاماً، اكتبوا النعوة، يقسم لي بالله أحد أقربائها سمع كلام الطبيب بأذنه وعاشت بعد كلام الطبيب ستة وأربعين عاماً.
إذاً أنت حينما تدعو الله مؤمن بوجوده، ومؤمن أيضاً أنه على كل شيء قدير، ومؤمن أنه يسمعك، ومؤمن أنه يحب أن يرحمك، أنت لن تدعو عدواً، تدعو جهة، تؤمن بوجودها، وبأنها تسمعك، وبقدرتها، وبمحبتها، فالذي يدعو الله معه أربع شهادات، معه شهادة إيمانه بالله موجوداً، وشهادة إيمانه بالله سميعاً، درسنا السميع، وشهادة إيمانه بالله رحيماً، وشهادة إيمانه بالله قديراً، معه أربع شهادات.
 

المعصية حجاب بين العبد وربه:


لذلك: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ لكن بالتحليل العلمي لن تستطيع أن تدعوه إذا كنت في معصية، المعصية حجاب، أما إذا كنت على طاعة تدعوه كل دقيقة، اسأله ملح طعامك، اسأله شسع نعلك إذا انقطع، اسأله حاجتك إذا أضعتها، اسأله عن كل شيء:

(( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يدع الله يغضب عليه. ))

[ أخرجه الترمذي ]

 إن الله يحب الملحين بالدعاء.
 

دعاء الإنسان بينه وبين ربه من أقوى أنواع الأدعية فمن تذلل لله رفعه:


لكن أحياناً تكون بظرف صعب، ولا تحتاج إلى أن تحرك شفتيك.

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)﴾

[ سورة مريم ]

وأنت ساكت، شفتاك منطبقتان تماماً، لم تنبس ببنت شفة، بإمكانك أن تدعو الله، يا رب انصرني، يا رب وفقني، يا رب خذ بيدي، يا رب ألهمني الصواب، يا رب أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، يا رب كن لي ولا تكن عليّ، اهدني واهدِ بي، ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً، وفق أولادي لما تحب وترضى، هيئ لبناتي أزواجاً صالحين، بإمكانك أن تدعو الله وأنت مُطبق شفتيك، وأنت ساكت، هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ بل إن الله سبحانه وتعالى يحبك أن تدعوه سراً، إذا شخص له مشكلة بالجمرك غرامتها عشرة ملايين، والثاني عنده امتحان شهادة ثانوية، ومعلق آمالاً يكون بعلامات تُدخِله كلية الطب، وامرأة عاقر عملت طفل أنبوب تنظر النتيجة الإيجابية، هؤلاء الثلاثة هل هناك دعاء يجمع بينهم؟ لا يوجد، فلابد من دعاء شخصي بينك وبين الله وهو من أقوى أنواع الأدعية.

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي تذللاً، المؤمن عنده عزة، لو وزِّعت على أهل بلد لكفتهم، عزيز، لكن بين يدي الله ذليل، وكلما تذلّل لله أعزه الله، كلما مرّغ جبهته في أعتاب الله أعزه الله، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً﴾ أي تذللاً، ﴿وَخُفْيَةً﴾ الدعاء لا يحتاج إلى صوت عريض، دعاء منمق، ودعاء موزون، وعلى القوافي، لا،

(( عن أبي موسى الأشعري  كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بالتَّكْبِيرِ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهو معكُمْ قالَ وَأَنَا خَلْفَهُ، وَأَنَا أَقُولُ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، فَقالَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ قَيْسٍ: أَلَا أَدُلُّكَ علَى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، فَقُلتُ: بَلَى، يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قُلْ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ. ))

[ متفق عليه ]

 

لابدّ من أن يكون في قلب كل مؤمن محبة لله وخوف منه وتعظيم له:


لكن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال علماء التفسير: الذين اعتدوا في عدم تحقق شروط الدعاء، بصوت مرتفع، بفصاحة ما بعدها فصاحة، بقلب ساهٍ ولاهٍ، بكبر وإعجاب، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لكن لو وسعنا كلمة معتدين أي إنسان اعتدى على حقّ أخيه الإنسان الله عز وجل لا يستجيب دعاءه، المؤمنون، والمتقون، والأنبياء، والمرسلون:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)﴾

[ سورة الأنبياء ]

﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ قال: يا رب أيّ عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، من هذا النص في الأثر يتضح أنه لابدّ من أن يكون في قلب المؤمن محبة لله من خلال نعمه، وخوف من الله من خلال بلائه، وتعظيم له من خلال آلائه.
 

المحسن إنسان مستجاب الدعوة:


ادعوه أيضاً:

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة الأعراف ]

المحسن مستجاب الدعوة، دروسنا المديدة والعديدة إن شاء الله.

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

تعرّفوا إلى أسمائه الحسنى، وتقرّبوا إليه بكمال مشتق من كمالاته.
 

الله عز وجل  يدعو كل إنسان إلى السعادة الحقيقية والحياة الأبدية:


الآن يوجد عندنا شيء معاكس، دعانا أن ندعوه، الآن هو يدعونا إلى ماذا؟ قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

دعاكم إلى حياة حقيقية، دعاك إلى حياة أبدية، دعاك إلى حياة القلب، دعاك إلى الأمن، دعاك إلى السعادة، دعاك إلى التوازن، دعاك إلى العزة، ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .

ليس من مات فاستراح بميت                  إنما الميت ميت الأحياء

[ صالح بن عبد القدوس ]

* * *

يا بني مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
 

حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة:


الآن:

﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)﴾

[ سورة إبراهيم ]

دققوا من للتبعيض، ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ بعض ذنوبكم التي بينكم وبينه، أما التي بينكم وبين العباد هذه لا تغفر لا بحج، ولا بصيام، ولا بتوبة ما لم تؤدَّ الحقوق، ما كان بينك وبين العباد لا يُغفر إلا بالأداء أو المسامحة فقط، أما الشرك ذنب لا يُغفر، وأما ما كان بينك وبين العباد ذنب لا يُترك، وأما ما كان بينك وبين الله فهو الذنب الذي يُغفر بكل بساطة حينما تقول له: يا رب لقد تبت، يقول لك: عبدي وأنا قد قبلت.
 

دعوة الله عز وجل كل إنسان إلى جنة عرضها السماوات والأرض:


إذاً: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي بعض ذنوبكم.

﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)﴾

[ سورة يونس ]

إلى ماذا يدعونا؟ قال: ﴿إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ إلى جنة عرضها السماوات والأرض، إلى جنة لا تعب فيها ولا نصب، إلى جنة لك فيها ما تشاء، إلى جنة فيها:

(( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ . قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))

[ متفق عليه ]

 

الخاسر يوم القيامة إنسان غافل لم يستجب لما دعاه الله إليه:


قل:

﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)﴾

[ سورة الشورى ]

أما الشركاء:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة فاطر ]

لا يوجد إمكانات، لا يوجد شواغر، الأمر ليس بيدي أخي، هذا من فوق، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ .
 

الإشراك بالله ذنب لا يُغفر وعذابه من أشدّ أنواع العذاب:


﴿  فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

[ سورة الشعراء ]

أحد أكبر أسباب العذاب أن تشرك بالله شركاً خفياً، أن تتوهم أن إنساناً بيده ضرك ونفعك، قل لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً.

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)﴾

[ سورة يونس ]

﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)﴾

[ سورة يونس ]  


سخرية الشيطان من الإنسان الخاسر يوم القيامة:


آخر شيء:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾

[ سورة إبراهيم ]

أي ضحكت عليكم، ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ لا أملك سلطة إطلاقاً عليكم، ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ .
إخوتنا الكرام؛ إذا ذكرت اسم السميع لا تنسى أنه سميع الدعاء، ومعنى سميع الدعاء أي مستجيب للدعاء بشرط أن تحقق شروطه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور