الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الشكور:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الشكور.
ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور والحليم:
الله جلّ جلاله سمّى ذاته العلية باسم الشكور قال تعالى:
﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)﴾
أي غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدّم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾
وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى:
﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)﴾
﴿لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ، ﴿شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ إن وقعت في الذنب فهو غفور، إن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم، ﴿لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ، ﴿شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ .
علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر:
في آية أخرى:
﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)﴾
يجب أن تكون أيها المؤمن صبّاراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، ينبغي أن تكون صبّاراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون، كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن
﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن صهيب الرومي: عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. ))
أي أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور،
(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا.))
شكور،
((وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)) صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له:
(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ))
[ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات ]
العافية أوسع.
الإنسان مُخيّر لا مُسيّر:
أيها الإخوة؛
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)﴾
الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ لحكمة بالغة بالغة.
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾
الآن دقق:
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)﴾
أنت مخير، اطلب ما شئت.
الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق:
لكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات، يتعامل بالصدق ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ وأصرّ عليها، وألح عليها، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مُصِرّاً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)﴾
أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة:
هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل:
(( عن أبي هريرة: أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، -الله شكور-ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة. ))
أي لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، أن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدّق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيفما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله أمام من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله بفضله، أي هذا الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، فالله عز وجل ينتظرنا، وسمّى كل عمل صالح قرضاً له، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة.
من شكر الله عز وجل ربح الدنيا والآخرة:
الله شكور، أي أقل مؤمن إذا قُدِّم إليه عمل طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يُقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، أي ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تُحسِن إلى عباده، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منه الشكر؟ هو شكور.
أي لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك: ربحنا ثمانية وثلاثين بالمئة، غير معقول، الأرباح اثنا عشر، ثلاثة عشر، تسعة، ثمانية، سبعة، خمسة أحياناً، أي إذا قلنا: ثمانية وعشرون ربح غير معقول! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار.
معاني اسم الشكور في اللغة العربية:
أيها الإخوة؛ الشكور في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة، من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المُحسِن بذكر إحسانه.
وأيها الإخوة الكرام؛ المؤمن شكور، أي شيء قُدِّم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافئة، أي من صفات المؤمن تعظُم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكره، لابدّ من أن تُعبِّر عن شكرك له بأي طريق، أما شكر العبد على الحقيقة، الآن دقق هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه:
من هو الشاكر؟ الذي يُقرّ بنعم الله بقلبه، أي الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك، ولك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد، أكرمتني، هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد، فالمؤمن دائماً يذكر فضل الله عليه من علامة إيمانه، وغير المؤمن يقول لك:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾
أنا درست، يقول لك: خير إن شاء الله! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت، حصّلت هذا بكدي وعرق جبيني، نعم ممكن، هذا كلام إنسان بعيد عن الله عز وجل، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المُنعِم، من هو غير المؤمن؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانته العلية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه.
نعم الله عز وجل على الإنسان لا تُعدّ ولا تحصى:
لكن:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾
بعد ذلك:
﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك: عدها؟ لو أعطيتني كم؟ عدها، كم، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه غلاماً، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية مَن جاء بها حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا أم أن تردها؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه ممَنْ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج إلى أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ العد فقط، ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ .
تمام الصحة والعافية من نعم الله الكبرى على الإنسان:
لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب فقد بصره، يُصيّف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام لا يوجد بصر، أي مكان بارد ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه جالس في سويسرا، لأنه حُجبت عنه المناظر،
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل، لك الشكر، لأن الكليتين تعملان بانتظام، لي قريب أصيب بفشل كلوي، فكان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها؟ إنسان أخرج ما في جوفه، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول:
(( عن أنس بن مالك: كان إذا خرج من الخلاءِ قال: الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني. ))
[ ابن ماجه: خلاصة حكم المحدث: صحيح ]
وأبقى لي ما ينفعني، وكان يقول:
(( عن عبد الله بن عمر: الحمد لله الذي أذاقني لذته-بالطعام-وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه. ))
علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذ سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات، ((أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه)) .
الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن:
رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، أي الله عز وجل وهبه أولاداً لا يعانون من العاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد، مرة قال لي شخص: إذا أنجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: والله اشرحها لي؟ قال لي: لي بنت أنجبت مولوداً، الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة، أي إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تُقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أي أعان الله الذي عنده شكّ بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نِعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لا بأس، عندك مأوى، الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له! إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور.
إذاً شكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله:
هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاثة مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ .
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)﴾
أهلكه الله.
﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾
قوم بلقيس أهلكهم الله.
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾
الشيطان أهلكه الله، إذاً معرفة.
2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله:
الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، المستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله.
3 ـ أن تُقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده:
المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تُقَابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تُحسن إليهم، أن تُخلِص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تُعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى:
﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، أي إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا،
(( عن عبد الله بن عمر: من سأل باللهِ فأعطُوه، ومن استعاذ باللهِ فأَعِيذُوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صَنَع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تكافِئونَه فادْعُوا له حتى تَرَوا أنَّكم قد كافَأْتُموه.))
[ أبو داود: خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح ]
كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية،
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: تهادوا تحابوا. ))
[ البخاري في الأدب المفرد: إسناده حسن ]
تهادوا صيغة مشاركة، أي قَدَّم لك هدية قَدِّم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل.
من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد والإمداد والهدى والرشاد:
عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)﴾
أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده-طبعه-وكان قبل سنة ولادتي أقول: سبحان الله! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ليس له وجود الإنسان، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ مَنْ فلان قبل مئة عام؟ لا يوجد فلان، فالله عز وجل تفضّل علينا بنعمة الإيجاد.
لكن يوجد عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء، والهواء مبذول، تحتاج إلى الماء، والماء موجود، تحتاج إلى طعام، والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى، والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه، والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بنعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد، ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، أي هداك بأساليب لا تُعدّ ولا تحصى، فنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان:
لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾
لو قال لك طفل: معي مبلغ عظيم كم تقدره؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، وتلقّى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك: معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ أي أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
الملف مدقق