وضع داكن
15-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 049 أ - اسم الله العفو 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

مِن أسماء الله الحسنى العفو:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم العفو، ولكن لابد من مقدمة كي نفهم حقيقة هذا الاسم.
 

الإنسان من بين كل الخلائق تصدّى لحمل الأمانة:


الله سبحانه وتعالى خلق الخلائق، وفي عالم الذر عَرَض عليهم حمل الأمانة، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

فالإنسان من بين كل الخلائق تصدّى لحمل الأمانة، وكأن لسان حاله يقول: أنا لها، لكن بقية الخلائق أشفقوا من حملها واكتفوا أن يكونوا طائعين لله، من هنا يقول الإمام علي رضي الله عنه: رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فالإنسان قَبِل حمل الأمانة، أي قَبِل أن تكون نفسه أمانة بين يديه. 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾

[ سورة الشمس  ]

 

تكريم الله الإنسان عندما قَبِل حمل الأمانة:


قَبِل الإنسان حمل الأمانة، فلما قَبِل حمل الأمانة سخر له الله ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأعطاه مقومات حملها، أعطاه كوناً ينطق بوجود الله وكماله ووحدانيته، أعطاه عقلاً أداة فعّالة لمعرفته، أعطاه فطرة تكشف له عن خطئه، أعطاه شهوة تدفعه إلى الخير، أعطاه حرية تُثَمّن عمله، أعطاه وقتاً هو غلاف عمله، أعطاه قوة فيما يبدو ليحقق اختياره، فالإنسان كائن متميز، يوجد معه قبضة من تراب الأرض، يوجد شهوات:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[  سورة آل عمران  ]

ويوجد عنده ومضة من نور الله، خلقه من نوره ومن تراب الأرض، يوجد دوافع علوية، يوجد دوافع سفلية، يوجد مبادئ، يوجد قيم، يوجد شهوات، وهو بينهما.
 

الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان:


الحيوان شهوته أصله ولا يُحاسب، وليس مكلفاً ولا مخيراً، والملك عقله أصله ولا يُحاسب، ولا يُخيّر ولا يشقى، إلا الإنسان-دققوا-إما أن يفوق الملائكة المقربين وإما أن يهوي إلى أسفل سافلين:

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

[ سورة التين ]

إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان، الدليل: 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾

[ سورة البينة ]

أي خير ما برأ الله: 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾

[ سورة البينة ]

في نهاية الآية: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ لا يوجد حلّ وسط، أب عنده أولاد عَرَضَ عليهم أن يعملوا في معمله بدخل معقول، وبيت، ومركبة، لكنه قال: من يقبل أن يأتي بأعلى شهادة في إدارة الأعمال أمنحه نصف المعمل؟ أحد أولاده الأذكياء تنطح لذلك، قال: أنا، هذا إذا ذهب إلى هناك ونسي مهمته، وانغمس بالملذات، وملاحقة الفتيات، يعود إلى بلده محتقراً لا يملك شيئاً، أما إذا وفى بعهده ودرس نال نصف المعمل، فـ ﴿إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ .
 

من لم يحمل الأمانة كما أرادها الخالق سبحانه كان ظلوماً جهولاً:


الآن يوجد كلمتان دقيقتان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ المعنى استفهامي، هل كان ظلوماً جهولاً حينما تنطح لحمل الأمانة؟ لا، كان طموحاً، فإن لم يحملها المعنى تقريري: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أنت إن وفيت بما عاهدت الله عليه أنت لست ظلوماً ولا جهولاً، أما إذا لم توفِ بما عاهدت الله عليه فالإنسان الذي لم يحمل الأمانة كما أراد الله عز وجل كان ظلوماً جهولاً. 
 

التوبة النصوح يقبلها الله عز وجل ويعفو عن صاحبها:


الآن الله عز وجل أرحم الراحمين وهو رب العالمين، الإنسان غلبته شهوته، أي انتهى؟ لا، للشقاء الأبدي؟ لا، أمامه مليار فرصة ليُصحح، من هنا كان اسم العفو، الشهوة غلبت تتوب، لذلك أجمل كلمة قرأتها: ما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك الله أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك: 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)﴾

[ سورة النساء ]

لذلك أيها الإخوة؛ كان اسم العفو، هناك إنسان المخلوق الأول، المُكرّم، المكلف بعبادة الله؛ والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تُفضي إلى سعادة أبدية، هذا الإنسان المُكلّف العفو له، يا عبدي إن قلت: يا رب لقد تبت إليك، يقول الله لك: وأنا قد قبلت، إذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو ساجد، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاص، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك، أنا أنتظرك.
 

باب التوبة مفتوح على مصراعيه لكل إنسان:


لذلك لله أفرح بتوبة عبده من الضّال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، أنت حينما تتوب إلى الله يفرح الله بك بنص الحديث، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام له وصف دقيق جداً، الوصف الدقيق أن أعرابياً امتطى ناقته ليقطع الصحراء بها، عليها طعامه وشرابه، نفذ طعامه وشرابه، بل جلس ليستريح فأخذته سِنَة من النوم فأفاق فلم يجد الناقة، أيقن بالموت المحقق فبكى حتى كاد يموت من البكاء ثم استيقظ فرأى الناقة، فاختلّ توازنه فقال من شدة فرحه: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، دققوا الآن يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ  : أَنَّهُ حَدَّثَ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، ثُمَّ قَالَ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ». ))

[ صحيح البخاري ]

لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته، لا تعلم كم يفرح الله إذا عُدْت إليه، واصطلحت معه، وتبت إليه، واستغفرته، وسألته العفو، والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح على مصراعيه، لو جئتني بملء الأرض والسماء خطايا غفرتها لك ولا أبالي. 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

باللغة الدارجة الصلحة بلمحة، والذي تاب إلى الله يعرف معاني ما أقول، أنت حينما تتوب إلى الله تنزاح عنك هموم كالجبال، تشعر براحة ما بعدها راحة، مالك الملوك، ملك الملوك، قيوم السماوات والأرض معك، وإذا كان الله معك فمَن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
 

العفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه:


الآن اسم العفو ورد في قوله تعالى:

﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)﴾

[ سورة النساء ]

أنت حينما تعفو تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ .
آية ثانية: 

﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)﴾

[ سورة النساء ]

كان الله أي كمالاته مع وجوده، كان الله ولم يكن معه شيء، ومنذ أن كان الله هو عفو غفور، لا يوجد صفات طارئة. 

﴿ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)﴾

[ سورة الحج ]

(( عند الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأَيْتَ إنْ علِمْتُ أيَّ ليلةٍ ليلةَ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ تُحِبُّ العفْوَ فاعْفُ عنِّي. ))

[  الترمذي: خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح ]

العفو هو الله، مِن العفو، والعفو من صيغ المبالغة، والعفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه.

المؤمن إنساني يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده:


أيها الإخوة؛

(( عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ! كم نعْفو عنِ الخادمِ؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلامَ فصمَت، فلما كان الثالثةَ قال: اعفُ عنه كلَّ يومٍ سبعينَ مرةً. ))

[ أبو داود: السنن الكبرى للبيهقي: خلاصة حكم المحدث: أصح رواية ]

إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم أطعموهم مما تأكلون، ألبسوهم مما تلبسون، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، وإذا كلفتموهم أعينوهم على ذلك، أي لابد من توضيح فكرة؛ أنا أرى أن الإنسان إما أن يكون إنسانياً أو عنصرياً، معنى عنصري أي يرى لنفسه ما ليس بغيره، ويرى على غيره ما ليس عليه، فهذا الخادم إنسان له مشاعر، له كرامة، له حاجات، فما دمت تعامله كإنسان فأنت إنساني ولو كان خادماً، الخادم عبد من عباد الله جعله الله تحت يديك، وما لم يُعامَل الخادم كما يُعامَل الابن-أنا أعني ما أقول-وما لم يُعامل الخادم كما يُعامل الابن فأنت عنصري.
قال لي شخص: عندي شاب يتيم ذكي جداً، طلب مني ساعة قبل الدوام يغادر ليتابع دراسته ليلاً، قال لي: ما قبِلت، أخاف أن يتعلم فيترك العمل، يضع لابنه مليوني ليرة دروس خاصة ليكون طبيباً، أما هذا اليتيم طلب منك ساعة قبل الدوام ليأخذ كفاءة ما قبِلت، عنصري، حينما ترى لنفسك ما ليس لزوجتك زوج عنصري، حينما تُعامِل زوجة ابنتك في البيت معاملة لا ترضاها لابنتك عنصري، لما تُميز نفسك على غيرك فأنت عنصري، المؤمن إنساني يعرف للناس حقهم، يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده.
فهل تصدقون قبل بعثة النبي عنده سيدنا زيد بن حارثة جاء أبوه وعمه ليعطوا النبي عليه الصلاة والسلام ما يريد، قال: لا، هو ابنكم خيّروه، فاختار أن يكون عند النبي، هل هناك إنسان يختار رجلاً غريباً عن أبيه وأمه وعمه؟ ماذا لَقِي منه؟ ماذا لَقِي من معاملة؟ من كرم؟ من لطف؟ فلذلك إن لم تُعامِل من حولك وكأنهم أولادك فهناك مشكلة، الإيمان ما تغلغل إلى أعماق النفس.

معاني العفو:


من معاني العفو أنه يعطي معنى الكثرة والزيادة والدليل: 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾

[ سورة البقرة ]

ما فَضَل عن نفقتكم، وعفا القوم أي كثروا، وعفا النبت أي نما وطال، معان أخرى للعفو، لكن العفوَّ سبحانه وتعالى هو الذي يعفو ويستر، ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها، ويستر العيوب ولا يحب إظهارها، يعفو عن المسيء كرماً وإحساناً، ويفتح واسع رحمته فضلاً وإنعاماً، حتى يزول اليأس من القلوب، وتتعلق بعلّام الغيوب.
الإمام القرطبي من كبار العلماء والمفسرين يقول: العفو أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن خلقه، وقد يكون هذا العفو بعد العقوبة أو قبلها، أي هذا الذنب يستحق عقاباً معيناً، هذا المذنب يتحمل وزر هذا الذنب، العفو هو الذي لا يُعاقِب على هذا الذنب، أو يُعاقِب في الدنيا ويعفو في الآخرة، من أُقيم عليه حدّ يُعد إقامة الحد عليه سبباً لعفو الله عنه في الآخرة، إذاً أما المغفرة لا يوجد معها عقاب، المغفرة أوسع من العفو، المغفرة لا عقاب معها، أما العفو قد يكون عفواً في الدنيا قبل العقاب، وقد يكون عفواً في الآخرة بعد العقاب.
 

تبديل السيئات حسنات مع الإقبال على الله:


أيها الإخوة؛ الله عز وجل يقول:

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾

[ سورة الفرقان ]

أي أتمنى أن أنوه هناك مفهوم لا أقبله إطلاقاً أن السيئات مهما كانت كبيرة تنقلب يوم القيامة إلى حسنات كبيرة، معنى ذلك بقدر ما تستطيع افعل سيئات كبيرة حتى تصبح يوم القيامة حسنات كبيرة، هذا المعنى مرفوض، لكن الإنسان كان غضوباً صار حليماً، كان بخيلاً صار كريماً، كان قاسي القلب صار رحيماً، تبديل السيئات حسنات مع البعد عن الله هناك سيئات، هناك حمق، هناك حقد، هناك قسوة، هناك ظلم، هناك إجحاف، لكن مع الإقبال على الله هناك عدل، هناك رحمة، هناك حلم، هناك تواضع، هذا المعنى الذي يليق بالمؤمن ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
 

العفو والمغفرة:


أيها الإخوة؛

(( روى الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: قالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عُمَرَ كيفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: في النَّجْوَى؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يقولُ: يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حتَّى يَضَعَ عليه كَنَفَهُ، فيُقَرِّرُهُ بذُنُوبِهِ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُ؟ فيَقولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قالَ: فإنِّي قدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وإنِّي أَغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فيُنَادَى بهِمْ علَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علَى اللَّهِ. ))

[ صحيح البخاري ]

ويدخل الجنة، أي الله عز وجل في الدنيا يعفو عنك، أي لا يُعاقبك بعقاب الذنب الذي ارتكبته، لكن في الآخرة يغفر لك، فالمغفرة لا يوجد معها عقاب، أما العفو قد يأتي بعده عقاب، وقد لا يأتي، وقد يسبقه عقاب، أي يوجد وزر تحمّله المذنب من هذا الذنب، العفو ألا يُعَاقب على هذا الوزر أما الفعل قائم.
 

كل إنسان سيرى عمله يوم القيامة عملاً عملاً:


أيها الإخوة؛ يوجد عندنا نقطة دقيقة أن الإنسان أعماله كلها سوف يراها، تُعرَض عليه، قال تعالى:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾

[ سورة الكهف ]

الآن أحدث طريقة بالتحقيق أن تريه خطأه، يوجد مخالفة سير يرى الصورة، يوجد أجهزة الآن تلتقط المخالفات لا يستطيع أن يتكلم، لا يوجد حوار إطلاقاً، هذه مخالفتك، فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يُري الإنسان عمله، في بعض الآثار أنه قد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة، تقول الأم لابنها: هل من حسنة أنتفع بها من حسناتك؟ لقد كان بطني لك وعاء، وصدري لك سِقاء، وحِجري لك وطاء، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم؟ يقول: يا أمي، إنما أشكو مما أنت منه تشكين،

(( عن عائشة رضي الله عنها: يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا، الأمرُ أَشَدُّ من أن يَنْظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ. ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]

والله بزلزال وقع في مدينة عربية حدثني صديق بيته أصابه هذا الزلزال، زوجته من شدة خوفها حملت ابنها الرضيع وانطلقت إلى الشارع، ثم اكتشفت أن الذي حملته ليس ابنها بل هو حذاء زوجها. 

﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[ سورة الحج ]

الله عز وجل يقول: 

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

[ سورة البقرة ]

 

بطولة الإنسان أن يعدّ العدة لمثواه الأخير:


أنا أقول يا إخوان؛ نحن أحياء، والقلب ينبض، ويوجد بالعمر بقية، لمَ لا نتوب إلى الله؟ ورد في بعض الآثار: لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي في المُعرضين فكيف بالمقبلين؟ كنت أقول مرة: شخص ناجى ربه قال له: يا رب إذا قلت لنبي كريم ولأخيه: 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

[ سورة طه ]

إذا كانت رحمتك بمن قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

[ سورة النازعات ]

هكذا فكيف رحمتك بمن قال سبحان ربي الأعلى؟ إذا كانت رحمتك بمن قال: 

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[ سورة القصص ]

فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الهِ؟ يقول عليه الصلاة والسلام وكان مع أصحابه وقد مرّ على قبر:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: رَكْعتانِ خَفيفتانِ بِما تَحقِرُونَ وتَنفِلُونَ يَزيدُهما هذا في عملِهِ أحَبُّ إليه من بقيَّةِ دُنياكُمْ. ))

[ صحيح الجامع: خلاصة حكم المحدث: صحيح ]

البارحة حدثني أخ قال لي: فلان راتبه بالشهر خمسمئة ألف، مدير مطعم بفندق خمس نجوم، يوجد إنسان أرباحه اليومية ملايين، اليومية، يوجد إنسان اشترى أرضاً تضاعفت مئة ضعف مثلاً، صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم، فالبطولة أن نُعِدّ لهذه الساعة التي لابد منها، أن نُعِدّ إلى مثوانا الأخير، بيوتنا مثوى مؤقت، البطولة أن نُعِدّ لمثوانا الأخير.
 

قضية الدين قضية مصيرية:


أيها الإخوة الكرام؛ قضية الدين قضية مصيرية، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، أنت حينما ترى جنازة هل تعلم مصير هذا الإنسان؟ إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها، والإنسان حينما يأتيه ملك الموت إن كان من أهل النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصُعقوا. 

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾

[ سورة الفجر ]

نحن أحياء الآن الله يجعلنا من المؤمنين الصادقين.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور