الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم العلي، واسم الله العلي مشتق من العلو، والعلو الذي يقابل السفل، علوي وسفلي، والعلو من الارتفاع، والعلو بالمعنى المجازي ارتفاع المنزلة، أي دائرة حكومية فيها تسعة طوابق، الموظفون جميعاً في الطوابق العليا، والمدير العام في الطابق الأرضي، ومع ذلك هو أعلى منهم جميعاً، هناك علو مكاني، هناك علو مكانة، هناك علو مكان، هناك علو مكانة.
أيها الإخوة؛ علو المكانة هذا اسم من أسماء التنزيه، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، تعالى عن كل صفة لا تليق به، بل كل ما خطر ببالك فالله سبحانه وتعالى بخلاف ذلك، العلي هو الذي علا فلا تُدرك ذاته، ولا تُتَصور صفاته، العلي هو الذي تاهت الألباب في جلاله، العلي هو الذي عجزت العقول عن أن تُدرِكَ كماله، كل هذه المعاني علو المكانة من أسماء الله الحسنى، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
إذاً الله عز وجل عليّ علو تنزيه، عليّ علو عزة، أي أن أحداً لن يدرك ذاته ولن يحيط بصفاته، والعلي رفيع القدر، الله سبحانه وتعالى قال عن ذاته العلية:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
والله عز وجل متعالٍ، والمتعالي هو الذي جلّ عن إفك الأفاكين، وافتراء المفترين، وعن توهم المتوهمين، وعن وصف الجاهلين، الله متعالٍ عن كل هذه الصفات.
الله سبحانه وتعالى عليّ بذاته لا يزيده تسبيح عباده وتعظيمهم علواً:
الآن يوجد معنى دقيق من معاني العلي، العلي لا يزيده تعظيم العباد وإجلالهم له شيئاً.
(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))
أما إنسان قد يكون بمستوى معين، إما مالياً، أو أخلاقياً، أو سلوكياً، أو رُتبياً، له مستوى، لكن الناس يُعَظّمونه كثيراً، هذا التعظيم يرفعه، هو ليس في هذا المكان، هو في هذا المكان لكن التعظيم الشديد والتأليه رفعه إلى مكان ليس فيه هو، لكن الله سبحانه وتعالى لو أن كل الخلق سبّحوه، وعظّموه، وبجّلوه، هذا التسبيح، والتعظيم، والتبجيل لا يزيده علواً، هو عليّ بذاته، الإنسان أحياناً يعلو بمديح الخلق، يعلو بثناء الخلق، لكن الله سبحانه وتعالى عليّ بذاته، لا يزيده تسبيح عباده وتعظيمهم علواً.
مرة شخص قال-هو دعاء لفيلسوف هندي-: اللهم آتني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا تؤتني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ.
أحياناً الله يمنح إنساناً حظاً من حظوظ الدنيا، فإذا منحه هذا الحظ كل العقول التي تحته بخدمته، فالله عز وجل عليّ بذاته، بينما الإنسان إذا علا قد يعلو بعقول غيره، قد يعلو بمستشاريه، كل إنسان بموقع حساس يوجد عنده مستشارون، عنده علماء كبار، ينصحونه، يُقدمون له المشورة، والخطة، والحل الذكي، إذاً هذا علا بقراره لا بذكائه، ولا بخبرته، ولا بكماله، بل علا بمستشاريه.
لذلك الفرق كبير جداً بين علو الله عز وجل وبين علو البشر، الإنسان إذا علا قد تخدمه بهذا الحظ العظيم أصحاب العقول، من هنا الدعاء: اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ.
الله عز وجل هو المؤثر واجب الوجود كماله كمال مطلق:
بعض الأئمة قالوا: لا تُفترض مرتبةٌ شريفة إلا والحق جلّ جلاله في الأعلى، إذا شكرت فالله سبحانه وتعالى أصل الشكران، إذا سخوت فالله سبحانه وتعالى أصل السخاء، إذا تكرمت فالله سبحانه وتعالى أصل الكرم، أية صفة كمال في بني البشر هي من الله عز وجل، هو مانحها، هو أصلها، هو مصدرها، بعضهم قال: الكون بكل ما فيه لا يزيد عن أن يكون مُؤَثراً أو أثراً، أنا حينما أمسك ورقة وأمزقها، هذا الفعل مؤثر، وهذا المنظر-الشق-أثر، الله عز وجل هو المُؤثر، والكون كله أثر، والمؤثر أقوى وأعلى وأعظم من الأثر.
أيها الإخوة؛ شيء آخر: الموجود إما واجب أو ممكن، أي مركبة، سيارة، هناك أشياء تُعَدّ واجباً أن تكون فيها، الوقود، المحرك، العجلات، المقود، وهناك أشياء لو لم تكن تبقى المركبة مركبة وتسير، قضبان النيكل التي على أطرافها لو نُزعت تسير المركبة، نقول: المحرك والوقود والعجلات والمقود هذه أشياء واجبة، أما التزيينات التي حول السيارة؛ لونها، طلاؤها، القضبان الرائعة التي على أطرافها هذه يمكن ألا تكون، ممكنة، فالله عز وجل واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، وواجب الوجود هو العلي، ممكن الوجود ليس علياً، لأنه يمكن أن يوجد، ويمكن ألا يوجد، وإذا وُجد يمكن أن يكون على ما هو عليه، أو على خلاف ما هو عليه.
أيها الإخوة الكرام؛ شيء آخر: الموجود إما أنه كامل كمالاً مطلقاً، أو كمالاً نسبياً، الله عز وجل كماله مطلق، إذا قلنا: الله عادل، أي منذ أول الخليقة وحتى نهاية الدوران في كل العصور والأمصار لا يمكن أن يظلم عصفوراً، ولا نملة، هذا معنى العدل المطلق، أما القاضي من بني البشر قد يصدر ألف حكم، وعشرة أحكام غير عادلة، ليس عن قصد، ولكن عن ضعف، يسمى عند الناس قاضياً عادلاً، فهناك كمال مطلق هو كمال الله وحده، وهناك كمال نسبي، فالكامل كمالاً مطلقاً هو العلي، والذي كماله نسبي هو الأقل علواً.
إذاً الله جلّ جلاله هو العلي، هو المؤثر، وما سواه أثر، هو واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود، هو الكامل كمالاً مطلقاً، إذاً حدثنا هن ذاته ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
علاقة المؤمن باسم الله العلي التواضع له:
الآن كما ألِفنا ما علاقة المؤمن بهذا الاسم؟ طبعاً من أدب المؤمن مع اسم العلي لا أن يتخلق بهذا الكمال، هذا كمال في الله، أما في الإنسان نقص، المؤمن يتواضع، هو في الأصل فقير، في الأصل جاهل، في الأصل ضعيف، فإذا ادّعى ما ليس له فهو يكذب، إذا ادّعى ما ليس له فهو يغش الناس، فالإنسان من شأنه مع هذا الاسم العلي التواضع، لذلك لما فتح النبي الكريم مكة المكرمة دخلها مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عُنُق بعيره تواضعاً لله عز وجل، من شأن المؤمن أن يتواضع، لا أن يتعاظم، اتّضع لا ترتفع، اتّبع لا تبتدع، الورع لا يتسع، قال: نصائح ثلاثة تكتب على ظفر؛ اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع.
أي الإنسان ليس مما لا يليق به كإنسان أن يقول: أنا، أنا قوي، أنا غني، أنا أحمل الشهادة الفلانية، شأن المؤمن مع هذا الاسم أن يتواضع، أي بين أن تقول: أنا عالم، والله كلمة قاسية جداً، قل: أنا طالب علم، كلمة لطيفة، المؤمن صادق فيما يقول، الله وفقني، الله أكرمني، الله منحني، الله تفضّل عليّ بهذا البيت، تفضّل عليّ بهذه الزوجة، تفضّل عليّ بهذه الخبرة، بهذه الشهادة، بهذا البيت، لأن أدب المؤمن مع هذا الاسم العلي عكس ما كنتم تتوقعون، هنا العلاقة عكسية، هو العلي وحده، أما أنا من شأني التواضع، من شأني التذلل، من شأني أن أضع خدي على الأرض تواضعاً لله عز وجل.
تواضع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
يروى أن سيدنا عمر لما تولى الخلافة قال: أيها الناس إن الناس خافوا شدتي، كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ والحمد لله وأنا بهذا سعيد، ثم كنت خادم أبي بكر، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي عني وهو عني راضٍ، الحمد لله كثيراً وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إليّ، أيها الناس اعلموا أن هذه الشدة قد أُضعِفت، لأنه كان يوجد واحد رحيم أنا أُمَثِّل دور الشدة، كنت مع رسول الله أمثل دور الشدة، هو رحيم، ومع الصّدّيق كذلك، أما الآن الأمر بيدي، أي بحياة الأب الأم رحيمة، والأب قاسٍ، دوران متكاملان، أما إذا ماتت الأم يصبح الأب أماً وأباً، يأخذ دور الأم الرحيمة، اعلموا أن هذه الشدة قد أُضعِفت، وإنما تكون على أهل الفجور والعصيان، أما أهل الإيمان والصلاح فأضع خدي لهم على الأرض ليطئوه، أيها الناس خذوا عني خمس خصال، لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولكم عليّ ألا أنفق من هذه الأموال شيئاً إلا بحقه، ولكم عليّ ألا أُجمِّركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث-أي في الجهاد-فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليّ أن أزيد عطياكم إن شاء الله تعالى، ولست خيراً من أحدكم، لكنني أثقلكم حِملاً، أرأيت إلى التواضع؟ شأن العبد مع هذا الاسم التواضع، وأنت إذا تواضعت لله يرفعك الله.
من دعا إلى الله تعالى عليه أن يُنوِّع في خطابه الديني بين التعظيم والحب والخوف:
والله أيها الإخوة؛ ما من إنسان على وجه الأرض رفعه الله كرسول الله.
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
لأنه ما من إنسان على وجه الأرض خضع لله وتذلّل له كرسول الله، فشأن العبد مع هذا الاسم التواضع، ورد في بعض الآثار أن أحدهم ناجى ربه وقال: يا رب إني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، أحبّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يُعَظِّموني، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، ذكرهم ببلائي كي يخافوني، معنى ذلك أنه لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، وهذا درس بليغ للدعاة، إن دعوت إلى الله يجب أن تُنَوِّع في خطابك الديني بين التعظيم وبين الحب، وبين الخوف، أما يوجد دعاة تخويف، تخويف، تخويف، إلى أن يقع الناس في اليأس، يوجد حديث موضوع وضعته الزنادقة للتيئيس، كل الناس هلكى إلا العالمون-لابأس-والعالمون هلكى إلا العاملون-لابأس-والعاملون هلكى إلا المخلصون-لابأس-والمخلصون على خطر عظيم.
هذا حديث وضعته الزنادقة من أجل التيئيس، إذا خاطبت الناس خطاباً دينياً يجب أن تُنَوّع بين تحبيب الناس بربهم، بيان فضله، بيان نعمه، بيان عطفه، بيان رحمته ، بيان توبته، وأن تخوفهم من عقابه، مرة قلت لشخص بمكان حساس جداً: الله يوجد عنده ورم خبيث، عنده خثرة بالدماغ ، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، وكل هؤلاء الخلق عباده ويحبهم، فإذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً عن كل فعل تفعله معهم، الله كبير، لا يوجد إلا الله، والله كبير.
أيها الإخوة؛ الإنسان إذا عرف الله يتواضع، يتذلل، يجده عزيزاً على أهل الدنيا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾
من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، عزيز، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسه.
أيها الإخوة؛ الإنسان كل مكانته، وحجمه المالي، وهيمنته، منوطة باتساع شريانه التاجي، قطره ميليمتر وربع، إذا ضاقت هذه المسافة بدأت المتاعب، أولاً: يحتاج إلى تخطيط، بعد ذلك فحص جهد، بعد ذلك قسطرة، بعد ذلك زرع شريان أو ستاند، كل نشاطك مبني على ميليمتر وربع قطر شريانك التاجي، وكل نشاطك وهيمنتك وقوتك على سيولة الدم، فإذا تجمد الدم في بعض الأماكن بمكان فقد ذاكرة، بمكان فقد بصر، بمكان فقد حركة، إلى آخره، وكل مكانتك، وهيمنتك على نمو خلاياك، إذا نمت نمواً عشوائياً انتهى الإنسان.
لذلك الله عز وجل عليّ عظيم، أما الإنسان مفتقر إلى الله عز وجل، أي درسان بليغان، درس بدر قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾
مفتقرون، افتقاركم كان أحد أسباب انتصاركم، أما في حنين أنتم أنتم وفيكم سيد الخلق قلتم:
(( عن عبد الله بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيرُ الصحابةِ أربعةٌ، وخيرُ السرايا أربعمائةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولا يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ.))
اعتددتم بعددكم فتخلى الله عنكم.
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
يُستنبط أنك أمام امتحانين، إذا قلت: الله، تولاك، ونصرك، وأيدك، ووفقك، ألهمك الصواب، ألهمك الحكمة، وإذا قلت: أنا، بعلمي، باختصاصي، بخبراتي المتراكمة ، أنا ابن فلان تخلى الله عنك، وأوكلك إلى نفسك، فأنت بين التولي والتخلي، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك، من باب الطرفة: دخل ملك لبستان، رأى حصاناً معصوب العينين، يدير الرحى -أي بئر-وقد وضع صاحب البستان في عنقه جُلجلاً-جرساً-فالملك ذكي جداً، وعقله راجح جداً، استدعى صاحب البستان قال له: لِمَ عصبت عينيه؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار، حتى لا يدوخ لأنه يدور، ولِم هذا الجلجل؟ قال له: هذا الجُلجل ما دام يدور أعلم ذلك من طنين الجُلجل، فإذا وقف ولم يدر أعلم ذلك، فالملك ذكي جداً، وعاقل جداً، فكر، قال له: فإذا وقف وهزّ رأسه؟ قال له: وهل له عقل كعقلك؟! هذا الحصان له عقل كعقلك؟!
اهتزاز المثل الأعلى أخطر شيء في حياة المؤمن:
الله العلي مهما تصورت الله عز وجل فهو بخلاف ذلك، هذا معنى الله أكبر، أكبر مما عرفت، كل ما خطر ببالك عن عظمة الله فهو بخلاف ذلك، حُكِي أن رجلاً-أحد الأشخاص-قال لمالك بن الفضول: اتقِ الله، إذا قلت لإنسان: اتقِ الله، وكان غافلاً أخذته العزة بالإثم، أما قيل لعالم جليل: اتقِ الله، فألصق خده بالتراب وقال: سمعاً وطاعة، أقبل الكلام ولو كان من صغير.
هناك رواية عجيبة تدل على فطانة الغلام، غلام أمامه حفرة، رآه أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، قال له: يا غلام إياك أن تسقط في الحفرة، فقال له الغلام: بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم، أي أخطر شيء بحياتنا أن يهتز المثل الأعلى، إني إن سقطت سقطت وحدي، يوجد حفرة، لكنك إن سقطت سقط معك العالم.
إن الله كريم يُحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها:
من لوازم هذا الاسم الله عز وجل عليّ، شأنه العلو وشأنك التواضع، لكن يوجد معنى استثنائي، يحبك الله أن تُحِبّ معالي الأمور، أن تُحبّ الله، لا أن تُحبّ امرأة تموت في حبها، وتنسى ربك، أن تُحبّ الآخرة لا أن تُحبّ الدنيا، أن تُحبّ رضوان الله لا أن تُحبّ المال،
(( عن سعد بن أبي وقاص: إنَّ اللهَ كريمٌ يُحبُّ الكُرَماءَ، جوادٌ يُحبُّ الجَوَدَةَ، يُحبُّ معاليَ الأخلاقِ، ويكرَهُ سَفْسافَها. ))
[ صحيح الجامع: خلاصة حكم المحدث: صحيح ]
لذلك المؤمن يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، كلام فارغ، مزاح رخيص، كلام لا يُقدم ولا يُؤخر، تفاخر بالآباء، بالأجداد، الحديث عن بيته، وعن زوجته، وعن أولاده المتفوقين، هذا لا يعني الناس، يعنيهم أن تُعَرِّفهم بالله عز وجل، إن الله
((يُحبُّ معاليَ الأخلاقِ، ويكرَهُ سَفْسافَها)) وأنت إذا تواضعت أنت الرابح الأول، سأل ملك وزيره: من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا، الملك رجل، لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه،
(( عن سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ-وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. ))
[ رواه البخاري في "الأدب المفرد" ]
أيها الإخوة الكرام؛ ملخص الملخص كن مع العلي ولا تكن مع الدني، كن مع السرمدي ولا تكن مع الفاني، كن مع القوي ولا تكن مع الضعيف، كن مع الرحيم ولا تكن مع القاسي، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق