وضع داكن
08-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 072 أ - اسم الله الغفور 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الغفور:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الغفور، وكما أن اسم المجيب من أقرب الأسماء إلى المؤمن، كذلك اسم الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن.
 

ورود اسم الغفور في القرآن الكريم والسنة الشريفة:


اسم الله الغفور ورد معرفاً ومنوناً، ورد معرفاً بالألف واللام في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

[ سورة الحجر ]

هناك من يُغفل تتمة الآية:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

[ سورة الحجر ]

غفور رحيم إذا تبت إليه، أما إذا لم تتب فعذابه عذاب أليم، وفي قوله تعالى:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)﴾

[ سورة الكهف ]

الله عز وجل خاطب النبي الكريم وهو أرحم الخلق بالخلق، قال له:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فإذا تراحم الخلق فبرحمة من الله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ تنكير تقليل برحمة ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ .
 وورد في اثنتين وسبعين آية في القرآن الكريم منوناً كما في قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)﴾

[ سورة البقرة ]

أما في السنة فعند البخاري

(( من حديث عبد الله بن عمرو أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ الله عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ. ))

[ صحيح البخاري ]

هذا دعاء علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصديق.
وعند أبي داود

(( من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أنه قال: عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على رجل من المسلمين-كان قد مات-فقال: اللهم إن فلاناً ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فأعذه من فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم. ))

[ أبو داود: إسناده جيد ]

هذا دعاء النبي للميت، هذا فيما ورد في الكتاب والسنة عن اسم الغفور.
 

معاني اسم الغفور في اللغة:


الغفور في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعول، غافر فاعل، اسم فاعل، غفور من صيغ المبالغة، أي كثير المغفرة، ولا تنسوا أيها الإخوة؛ أن الاسم إذا جاء على صيغة المبالغة يعني المبالغة كماً ونوعاً، يغفر مليار ذنب، ويغفر أكبر ذنب، معنى غفور، التي تدل على الكثرة والقوة، الكم والنوع في الفعل، طبعاً الفعل من هذا الاسم غفر، يغفر، غفراً، ومغفرة، وغفراناً، أصل الغفر التغطية والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، أي كأن الله عز وجل حينما يغفر الذنب يستره عن صاحبه لئلا يتعذب به، فطرة الإنسان فطرة سليمة، فإذا أخطأ الإنسان أو سبب إيذاء لمخلوق يتعذب.
فالمغفرة أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمِغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها، وعند البخاري

(( من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال-دققوا-: عن ابن عمر: يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه-أي ستره- فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ-مرتين- فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون-أو الكفار أو المنافقون-فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين. ))

[ صحيح البخاري ]

كما قلت لكم قبل قليل: إن اسم الغفور من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مُذنب توّاب، والله عز وجل غفور.
 

الله عز وجل غفور يستر العيوب والذنوب:


الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق؟ قال: الغفور هو الذي يستر العيوب ويغفر الذنوب، مهما بلغ الذنب، مهما بلغ الذنب من الكِبَر، ومهما تكرر من العبد، وأراد الرجوع إلى الرب فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس، قال تعالى:

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)﴾

[ سورة النساء ]

عند الغرغرة لا تُقبل التوبة، أو تطلع الشمس من مغربها، وقد ذكرت لكم من قبل أن من معاني طلوع الشمس من مغربها أن المسلمين حينما يستصغرون دينهم، ويرون أن الغرب بما فيه من فسق، وفجور، وانحلال، وتطاول، وغطرسة، وكبرياء، هم القوم، هم المتحضرون، هم الأخلاقيون، إذا أغفلنا ديننا، وتطلعنا إلى الغرب على أن الحضارة منه، والقيم منه، والحسن ما فعله، والقبيح ما قبحه، أي لا تُعطى رخصة في أي مكان في العالم لفندق من نوع الخمس نجوم إلا إذا كان فيه الخمر، هكذا، حينما نرى الغرب مصدر الحضارة، مصدر الرقي، الغرب هم الأناس الذين عرفوا كيف يعيشون، من هوي الكفرة حُشِر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، حينما نرى الغرب كل شيء ونحن لا شيء، نحن على ما نحن عليه عندنا وحي السماء، عندنا دين القّيمة، عندنا سيد الأنبياء والمرسلين، عندنا منهج الخالق، حينما لا نرى أنفسنا شيئاً، ونرى الغرب كل شيء، عندئذٍ يُغلق باب التوبة، لماذا يتوب الإنسان؟ هذا أخطر شيء بالإنسان أن تهتز مبادئه وقيمه من الداخل.
لذلك باب المغفرة مفتوح في كل وقت ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، طبعاً من معاني طلوع الشمس من مغربها أن نرى الغرب في أعلى درجات الرقي على ما هم فيه من إباحية، من تفلت، من انحلال، لكن هناك تقدم مادي مذهل.
 

الاستغفار نوعان عام وخاص:


اسم الله الغفور يدل على دعوة العباد للاستغفار بنوعيه، هناك استغفار عام واستغفار خاص، ما الاستغفار العام؟ هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وقبائح العيوب، وما يدور من خواطر السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان؛ منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، وأنت ساكت هناك حديث داخلي، وهناك حديث ذاتي.
شخص راكب بمركبة إلى حلب لوحده، طوال الطريق يُحدِّث نفسه، قلت يا فلان زرهً؟ لا، لا أريد أن أزوره، هذا حوار ذاتي، يسمونه كتّاب المسرح: مونولوج، حوار الذات، فهناك منطقة الحديث حديث النفس، قد يأتيك خاطر لا يرضي الله، قد تفكر بإيذاء إنسان، قد تستصغر إنساناً مؤمناً لكن فقير، أي كل خاطر، كل حديث ذاتي لا يرضي الله ينبغي أن تستغفر الله من هذه الخواطر، هذا الاستغفار العام، أي الله عز وجل تفضّل علينا، وكأنه عفا عنا فيما حدثنا به أنفسنا، ما لم ينقلب هذا الحديث إلى عمل، أما إذ انقلب إلى عمل صار هناك استغفار خاص، هناك ذنب ارتكبته، هناك سلوك فعلته، هناك موقف وقفته، هناك نظرة نظرتها، هناك استعلاء استعليت به، مادام هناك سلوك، انتقلنا إلى منطقة أخرى منطقة الكسب، يوجد خواطر، خطرات، أفكار قد لا ترضي الله، تحتاج إلى استغفار عام، وفي منطقة الكسب يوجد سلوك، وقفت موقفاً عنيفاً، وقفت موقفاً فيه استعلاء، من أنت؟

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾

[ سورة فصلت ]

الموقف الذي فيه استعلاء، الذي فيه خطأ، الذي فيه كِبر، الذي فيه تجاوز، الذي فيه مخالفة، هذا يستدعي استغفاراً خاصاً، أن تستغفر الله من هذا الذنب بالذات.
 

من نعم الله الكبرى على الإنسان أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:


أيها الإخوة؛ قال تعالى:

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]

أي أيضاً من نعم الله الكبرى أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه، وعند البخاري

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» .  ))

[ صحيح البخاري ]

إلا أن توبة النبي هناك من أعطاها معنىً آخر، أي كلما أقبل على الله انكشفت له بالحقيقة الذات الإلهية ما رأى أن رؤيته السابقة ذنباً تستحق الاستغفار، هذا الكلام في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ((والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ أكثر من سَبعينَ مَرة)) وعند مسلم

(( من حديث الأغر المُزَني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنه لَيُغَانُ على قَلبي-ليغطى على قلبي-حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة. ))

[ صحيح مسلم ]

وقال بعض العلماء: كلمة مئة تدل على الكثرة لا على العدد المحدد، هذا الاستغفار العام، أما الاستغفار الخاص هذا كما قلت قبل قليل: متعلق بمنطقة الكسب بعد تعمُّد الفعل، أي سخر، اغتاب، نمّ، احتقر، ضرب، استكبر، استعلى، بعد تعَمُّد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)﴾

[ سورة الفرقان ]

أي قبل التوبة كان بخيلاً، بعد التوبة أصبح كريماً، قبل التوبة كان غضوباً، بعد التوبة أصبح حليماً، قبل التوبة كان قليل الورع، بعد التوبة أصبح كثير الورع.
 

الله عز وجل خلق الإنسان بإرادة حرة تميز بين الحق والباطل:


أيها الإخوة الكرام؛ الله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة، أنت حر، أنت مخير، لولا أنك مخير لا معنى للجنة ولا للنار، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للسعادة ولا للشقاء، أنت مخير.

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾

[ سورة الإنسان  ]

فالله عز وجل خلق البشر وأعطاهم إرادة حرة.

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾

[  سورة البقرة  ]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

[ سورة الأنعام  ]

إذاً خلقهم بإرادة حرة، مخيرة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، وأعلمهم أنه غفور رحيم، وتوّاب كريم، ليُظهر لهم الكمال في أسمائه، وليحقق فيهم مقتضى أوصافه، لتعود المنفعة عليهم لأنه الغني عنهم أجمعين، روى الترمذي

(( من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ. ))

[ الترمذي: صحيح ]

 

العاقل من حاسب نفسه حساباً عسيراً قبل لقاء الله عز وجل:


عند مسلم

(( من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لَوْ أنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لهمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا لهمْ.  ))

[ صحيح مسلم ]

هذا الحديث يحتاج إلى شرح، له رواية أخرى:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ. ))

[ صحيح مسلم ]

الحقيقة ليس معنى الحديث أن تسارع إلى الذنب، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن معنى الحديث أن الذي لا يشعر بذنبه هالك، منتهٍ، لا يعبأ الله به، يفعل الكبائر، يقول لك: ماذا فعلت؟ لم أفعل شيئاً؟ هذا الذي لا يرى ذنبه إطلاقاً ((لَو لَم تُذنِبُوا)) ، بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، يسهر سهرة كلها غيبة ونميمة، يقول لك: ماذا فعلت؟ نتسلى! لا، كل كلمة ذكرتها فيها حساب شديد، ((لَو لَم تُذنِبُوا)) أنتم هالكون عند الله، لا يعبأ بكم، يأتي بقوم إذا أخطأ بكلمة لا ينام الليل، إذا أكل قرشاً حراماً يحاسب نفسه حساباً عسيراً، رأى النبي تمرة على السرير قال: يا عائشة! لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها، يُحَاسِب نفسه حساباً عسيراً، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مُخلِّط.
 أيها الإخوة، إذاً ((كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ)) ، ((لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ)) بمعنى يشعرون بذنوبهم، يتألمون منهم، هناك حياة، إذا إنسان حي ضربته يتألم، إذا ميت لا يتألم.

ليس من مات فاستراح بميت                إنما الميتُ ميت الأحياء

[ عدي بن الرعلاء الغساني ]

* * *

فالذي لا يشعر بذنبه إطلاقاً، ولا يعبأ به، يقول لك: ماذا فعلنا؟ الناس كلهم هكذا.
 

الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن لأن الله أعطى الإنسان أملاً بالمغفرة:


أيها الإخوة؛ مرة ثانية: هذا الاسم من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن العبد من شأنه أن يُذنب، وأن الله سبحانه وتعالى من شأنه أن يغفر، شأن العبد أنه يذنب، وشأن الرب أنه يغفر، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تستغفره إلا لأنه علِم ضعفك وغفلتك أحياناً، هناك ضعف أمام بعض الشهوات، وهناك غفلة، فالمغفرة علاج الضعف البشري، أو الغفلة، ولولا أن الله جلّ جلاله غفور رحيم ماذا حلّ بنا؟ وما نفعل بذنوبنا؟ وكيف نواجه ربنا؟ لكن الله سبحانه وتعالى غفور، أي يستر ذنبك عن الخلق، ويعفو عنك، ويحول بينك وبين العقاب.
تصور لا يوجد مغفرة، ولا يوجد توبة، الإنسان من أقل ذنب يفجر، لا يوجد أمل، أحياناً الطغاة لا يرحمون، ولا يغفرون، فالإنسان لما ييأس يرتكب أكبر الكبائر، لا يوجد أمل، أما الله عز وجل أعطاك أملاً.

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾

[ سورة طه ]

 

شروط المغفرة العودة والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب:


لكن هناك فهم ساذج أن الله غفور رحيم، لا، غفور رحيم إذا تبت إليه، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إذا رجعت إليه تائباً، مستقيماً، مقلعاً عن الذنب، الله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

تتمة الآية:

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[ سورة الزمر ]

أي غفور رحيم إذا عدت إليه، غفور رحيم إذا تبت إليه، غفور رحيم إذا أنبت إليه، غفور رحيم إذا استغفرته، أما غفور رحيم على إطلاقها، الآية واضحة جداً، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ غفور بشرط العودة، والتوبة، والإنابة، والإقلاع عن الذنب.
 

العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً:


أيها الإخوة؛ أحياناً الإنسان لضعفه يقول لك: سامحته، لأنك ضعيف، لأنك لا تملك أن تحاسبه، لا تملك أن تعاقبه، ضعيف، لكن أنت حينما تعفو عن عدوك وهو في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه، وبإمكانك أن تذيقه ألوان العذاب، وتعفو عنه، هذا العفو يرقى بك عند الله، لذلك حينما ائتمرت قريش على رسول الله عشرين عاماً، ونكّلت بأصحابه، وحاربته مرات عديدة، ثم وقعوا في قبضته عند فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة ينتظرون كلمة من فمه الشريف، قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، لذلك العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً، وقد قيل: العفو عند المقدرة، أحياناً يقول لك: أنا أديت الحق، أنت مُوَقِّع سنداً، مُوقِّع إيصالات، وأعطيت مكان إقامتك، وخصمك ليس سهلاً، يقيم دعوى، يأخذ المبلغ كاملاً منك، أنت إذا أديت هذا المبلغ ما فعلت شيئاً، أما حينما لا تكون مداناً في الأرض، أقسم لي إنسان بالله أودع معه إنسان عشرين مليوناً ليستثمرها عنده، ولم يُعلِم أحداً، ولا أخذ وصلاً، ومات بحادث، في الأرض ليس مُداناً، توجه إلى الورثة، وقدّم لهم المبلغ، هذه الأمانة، أنت تؤدي ما عليك، ولست مُداناً في الأرض.
لذلك هناك صفات أخلاقية يجب أن تكون معها صفات أخرى، أداء الأمانة ألا تكون مُداناً، العفو أن تكون مُقتدراً، العفو عند المقدرة.
أيها الإخوة؛ لهذا الاسم العظيم شرح طويل إن شاء الله نُتمه في لقاء آخر.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور