الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
على المؤمن أن يستغفر الله لأن الله ما أمره أن يستغفره إلا ليغفر له:
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الغفور.
في هذا الدرس الثاني نتحدث عن علاقة المؤمن بهذا الاسم، أول واجب على المؤمن أن يستغفر الله، فلابدّ من أن تستغفر لأن الله ما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، فدوام الاستغفار حظك من هذا الاسم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عن الأغر المزني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِنه لَيُغَانُ على قَلبي، ليغطى على قلبي، حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة. ))
وقد ننوه إلى أن استغفار النبي له تفسير خاص، فكلما أقبل على الله، وانكشفت له رؤية جديدة، استغفر من رؤيته السابقة، لأنه مهما تعرفت إلى الله فالله أعظم مما عرفت، ولا يعرف الله إلا الله.
أيها الإخوة؛ قال بعض العلماء: الأولى أن يستغفر الإنسان صباحاً لما كان منه في الليل، وأن يستغفر الله مساءً لما كان له في النهار، لكن الحديث البشارة
(( أنه عن جندب بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فَهوَ في ذمَّةِ اللَّهِ فانظرْ يا بنَ آدمَ لا يطلبنَكَ اللَّهُ بشيءٍ مِن ذمَّتِهِ. ))
[ الزرقاني مختصر المقاصد صحيح ]
ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح، أي صلاتا الفجر والعشاء إذا كانتا في مسجد، وفي جماعة، فكل صلاة ضمانة لما بعدها، من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يُمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يُصبح.
مغفرة الله عز وجل للإنسان مرتبطة بالتوبة والإقلاع عن الذنب:
لكن لابدّ من التحفظ حول أن كلمة غفور رحيم لا تعني إطلاقاً أن افعل ما تشاء والله غفور رحيم، لا تعني إطلاقاً هذا المعنى، ولكن تعني أنك إذا أذنبت وأدركت أنك أذنبت، وندمت، واستغفرت، وأقلعت، وأصلحت فإن الله غفور رحيم، أي لو تتبعت آيات المغفرة في القرآن الكريم لوجدت أن هناك كلمة من بعدها:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾
أي قد تُفهَم هذه الآيات فهماً ما أراده الله، ليس المعنى إطلاقاً أن افعل ما تشاء والله غفور رحيم، هذا معنى ساذج، وما أراده الله إطلاقاً، بل هو استخفاف لعظمة الله عز وجل، أنك إذا أخطأت ثم ندمت، ثم أقلعت، ثم تبت إلى الله اعلم يقيناً أن الله غفور رحيم، أما أن تتساهل:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾
إذاً المغفرة تعني أنك إذا طرقت باب الله، وخطبت وده، وتبت إليه، وأقلعت عن الذنب، وأصلحت ما كان قد مضى ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
أفضل أنواع الاستغفار الاستغفار الوقائي:
أيها الإخوة؛ الإنسان ينبغي ألا يغتر بالله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)﴾
الاغترار بالله أن ترتكب الذنب وأن تقول: إن الله غفور رحيم.
أيها الإخوة؛ جاء العلماء بمصطلح لطيف؛ هي المغفرة الوقائية، أنت إذا كنت متصلاً بالله عز وجل، مستغفراً له الاستغفار العام، هذه مغفرة وقائية، أنت تستغفر لا لذنب وقع منك لئلا تقع بالذنب، أنا أقول قياساً على هذه القاعدة: المفروض بالإنسان الواعي قبل أن يُبرم العقد أن يستشير محامياً، هذه الاستشارة استشارة وقائية، في بعض البلاد مهمة المحامي لا أن يدافع عنك، أن يقيك أن تخطئ، أن تتقي بمشورته أن تقع في الخطأ، فيجب أن نُنَمّي مفهوم الاستغفار الوقائي، أنت إذا كنت مع الله واستغفرته على الدوام كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن بعض العلماء يرون استغفار النبي حيث يقول: ((إِني لأستغفرُ الله في اليومِ مئة مَرة)) هو الاستغفار الوقائي، تستغفر لئلا تذنب.
1 ـ دوام الصلة بالله ليكون القلب مستنيراً لئلا يقع الإنسان في الذنب:
بشكل أو بآخر، راكب مركبتك، وبالطريق يوجد أكمات، يوجد حفر، يوجد صخور، معك مصباح شديد، هذا المصباح الشديد يقيك أن تقع في مطب، هي الصلاة، الصلاة نور، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾
دققوا الآن: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ أنت حينما تكون متصلاً بالله يلقي الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)﴾
إذاً يصح أن نقول: أفضل أنواع الاستغفار الاستغفار الوقائي، أي دوام الصلة بالله ليكون القلب مستنيراً لئلا تقع في الذنب .
2 ـ على المؤمن أن يغفر لمن أساء إليه:
أيها الإخوة؛ التطبيق الثاني من تطبيقات اسم الغفور بالنسبة للمؤمن أن تغفر لمن أساء إليك؛
(( أوصاني الله بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبرة. ))
[ مشكاة المصابيح للتبريزي بألفاظ قريبة مما ذكر، وقال: رواه رزين.ويؤيده ما جاء في مسند الإمام أحمد ]
التطبيق الثاني لهذا الاسم أن تغفر لمن أساء إليك، لكن مرّ معي في قصص العرب أن رجلاً يطوف حول الكعبة، ويقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل؟ وراءه رجل، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟! قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً وامرأة وطفلين، قتلت الرجل، وقلت لامرأته: أعطيني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها، فقتلت ولدها الأول، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة، من الذهب، أعجبتني أيما إعجاب، تأملتها، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ، البيتان:
إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويــــل ثم ويـل لقاضي الأرض من قاضي الســماء
من ازداد معرفة بالله ازداد خوفاً منه:
إخواننا الكرام؛ كلما ازدادت معرفتك بالله يزداد خوفك منه، لكن تطبيقات من صحابة رسول الله؛ هل تعتقد أن هناك إساءة أبلغ وأعظم من أن يتهم أحد ابنتك الشريفة الطاهرة العفيفة أنها زانية؟ هذا مسطح، الذي روّج حديث الإفك، الصّدّيق كان من نخبة أصحاب رسول الله، ما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، ما ساءني قط، ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر، كان الصديق يُحسِن إليه، فإذا بمسطح يُرَوِّج حديث الإفك الذي يمس ابنته السيدة عائشة، فأوقف المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، هذا درس، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)﴾
كان الصّدّيق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، بلى، أُحِبّ أن يغفر الله لي، وتابع مساعدته له، وهذه قصة نموذجية، أي كن أكبر من ذنب الآخر، اعفُ عنه فأنت كبير، والإنسان أحياناً يكبر، ويكبر، ويكبر عند الله، ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، الإنسان إذا عفا يكون كبيراً، وإذا انتقم يكون صغيراً.
العفو والمغفرة لمن أساء إليك خُلق يرضى الله عنه:
أيها الإخوة؛ هذا درس من دروس السيرة يعلمنا كيف نعفو عمن أساء إلينا، الله عز وجل قال:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾
شيء دقيق جداً، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ هذه أخلاق الدعوة، المنتقم صغير، والمنتقم لا يحبه الله عز وجل، والعفو والمغفرة لمن أساء إليك خُلُق يرضى الله عنه، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾
من كان نصيبه من الله نصيباً كبيراً يستطيع أن يعفو عمن ظلمه، وأن يعطي من حرمه.
أيها الإخوة؛ أخلاق الجهاد موضوع آخر:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9)﴾
هنا أخلاق الجهاد وأنت في المعركة، أما في السلم، وأنت في الحياة المدنية، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
المؤمن الصادق عليه أن يقبل عذر أخيه إن أتاه معتذراً:
أيها الإخوة؛ استمعوا لهذا الحديث:
(( عن أبي هريرة: مَن أتاه أَخُوهُ مُتَنَصِّلًا، فلْيَقْبَلْ ذلك منه، مُحِقًّا أو مُبْطِلًا فإنْ لم يفعَل لم يَرِد على الحوض. ))
[ السيوطي: الجامع الصغير: صحيح ]
أي معتذراً، إنسان قال لك: أنا أخطأت، سامحني، ما كنت أقصد بكلمتي ما ظننت من معنى، المؤمن الصادق لمجرد أن يأتيه أخ له يعتذر منه، أو يتنصل من ذنبه: ((فليقبل ذلك منه)) اللام لام الأمر، يأمرك النبي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، ولا ينطق عن الهوى، يأمرك أن تقبل منه، الآن دقق: ((محقاً كان أو مبطلاً)) ولو كان مبطلاً أي اعتذر منك، قال لك: أنا ما قصدت، هو قصد، قال لك: ما قصدت المعنى الذي فهمته، هو رأى نفسك قد أخطأ فتنصل من ذنبه، فالمؤمن الكريم: ((مَن أتاه أَخُوهُ مُتَنَصِّلًا، فلْيَقْبَلْ ذلك منه، مُحِقًّا أو مُبْطِلاً فإنْ لم يفعَل لم يَرِد على الحوض)) هكذا كان أصحاب النبي، هكذا كان التابعون، هكذا كان تابعو التابعين، هكذا كان السلف الصالح، أما الأحقاد! والله أيها الإخوة؛ الأحقاد مزقت الأمة، على مستوى البلاد الإسلامية، على مستوى المدن، على مستوى القرى، على مستوى الأسر، تجد عداوات لا تنتهي بين أفراد الأسرة الواحدة.
المؤمن صاحب خلق رفيع يقابل إساءات الآخرين بالغفران إن اعتذروا منه:
قالوا: المؤمن المُتخلِّق بهذا الاسم لا يرى عورة إلا سترها، الله عز وجل ستّير والمؤمن يستر، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من جار سوء إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، واستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر، فالمؤمن المُتخلِّق باسم الغفور، إذاً المؤمن لا يرى عورة إلا سترها، ولا زلة إلا غفرها، وإن اعتذر إليه أخ قَبِل منه، وعامله بالإحسان، بل يُقابل جميع إساءاته بالغفران لأنه صاحب الخُلق الرفيع.
لذلك يصير هذا الإنسان بين الناس كالشجرة الظليلة تُرجم بالحجارة، وتُلقي عليهم الثمار، أي كن كبيراً، الإنسان الكبير عند الله له مكانة عظيمة، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا دعاءً سمّاه سيد الاستغفار، الدعاء أن تقول:
(( فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ. ))
أَبُوءُ لَكَ بِنِعمَتِكَ أي أعترف لك بنعمتك عليّ.
الله عز وجل رحمته وسعت كل شيء:
من رحمة الله بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( عن أبي هريرة: الصَّلاةُ المكتوبةُ إلى الصَّلاةِ الَّتي بعْدَها كفَّارةٌ لِما بيْنَهما، قالَ: ثُمَّ قال بعدَ ذلك: إلَّا مِن ثَلاثٍ: الإشراكِ باللهِ، ونَكْثِ الصَّفْقةِ، وتَرْكِ السُّنَّةِ، أمَّا نَكْثُ الصَّفقةِ فالإمامُ تُعطيهِ بَيعَتَك، ثُمَّ تُقبِلُ عليهِ تُقاتِلُه بسَيفِكَ، وأمَّا تَركُ السُّنَّةِ فالخروجُ مِن الجماعةِ. ))
وقال:
(( عن أبي هريرة: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ. ))
هذا من فضل الله علينا ومن كرمه أن الصلاة تمحو الذنوب التي ما بين الصلاتين، وأن الجمعة في صلاة الجمعة كأنك فتحت مع الله صفحة جديدة تمحو ما كان بين الأسبوعين، وأن رمضان إلى رمضان يمحو ما بينهما، أي كما قالوا: العبد عبد، والرب رب، العبد شأنه الاستغفار، والرب شأنه الغفران، أي من لنا غير الله؟ مهما أذنبنا ليس لنا إلا الله، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ أي الله عز وجل رحمته وسعت كل شيء، وأنت شيء، أنت شيء من الأشياء، ورحمة الله وسعت كل شيء.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)﴾
من ناجى ربه عز وجل لن يخيب الله مُؤمّله:
سيدنا الصديق كما تعلمون-وذكرت لكم ذلك-سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
(( عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: أنَّهُ قالَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أدْعُو به في صَلَاتِي، قالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ، وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. ))
أي الذنب بيني وبينك، أحياناً الإنسان يُذنب والناس يعلمون ذنبه، بعضهم يعفو، بعضهم لا يعفو، قال له:
((فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِكَ)) مباشرة، أي مما روي في الكتب أن أعرابياً وقف أمام الروضة الشريفة، قال: اللهم هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سُرّ حبيبك، وفاز عبدك، وغضِب عدوك، وإن لم تغفر لي غضِب حبيبك، ورضي عدوك، وهلك عبدك، وأنت أكرم من أن تُغضب حبيبك، وأن تُرضي عدوك، وأن تُهلك عبدك، أي إذا الإنسان له مع الله مناجاة الله يحبك بهذه الطريقة، افتح خطاً ساخناً مع الله، والله عز وجل لا يُخَيب مُؤَمّله،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». ))
فليظن بي ما يشاء، أعرابي آخر قال: يا رب! إن العرب الكرام إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين أعتقني وأنا على قبره.
على المؤمن أن يُظهر الجميل ويستر القبيح تخلقاً بأخلاق الله عز وجل:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل من كمالاته أنه إذا غفر يستر، يغفر لك ويسترك، أي يُظهر محاسنك ويُخفي أخطاءك، من هنا علّمنا الصديق أنه إذا مُدِح الإنسان مُدح هو مرة، فقال: اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون-طموح- واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، والله عز وجل يُظهِر الشيء الحسن للناس، ويستر الشيء القبيح، وهذا من فضل الله عز وجل.
وعوّد نفسك أن تبرز أفضل ما عند الناس، وأن تسكت عن أخطائهم، هناك أشخاص قناصون، قناص، إذا عثر على خطأ أذاعه، أما الميزات، والإيجابيات، والكمالات يُعتِّم عليها، هذا إنسان يُبغضه الله عز وجل أنا أسميه قناصاً، أما المؤمن يُظهر الجميل، ويستر القبيح تخلقاً بأخلاق الله عز وجل.
الملف مدقق