الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
حرص الإنسان على وجوده وسلامة وجوده وعلى رزقه:
أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الفتّاح، وقبل أن نتابع الحديث عن هذا الاسم العظيم لابدّ من مقدمة.
الله عز وجل أراد أن يكون الإنسان كائناً متحركاً، ما الذي يبعثه على الحركة؟ حاجات أودعها فيه، حاجاته إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده، وحاجاته إلى الطرف الآخر إلى المرأة، وحاجة المرأة إلى الرجل حفاظاً على بقاء النوع، وحاجات إلى تأكيد ذاته حفاظاً على الذكر، فلأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان هذه الحاجات الأساسية لذلك هو كائن متحرك يبحث عن عمل ليأكل، يبحث عن زوجة لينجب، يبحث عن عمل يرفع ذكره بين الناس.
الشيء الآخر أن هذا الكون تنتظمه قوانين بالغة الدقة، مليارات القوانين، وأن الله سبحانه وتعالى لحكمته البالغة ثبّت كل هذه القوانين تثبيتاً مُطلقاً، فالحديد حديد لا يتبدل، والذهب ذهب، خصائص المعادن ثابتة، خصائص المواد ثابتة، حركة الأفلاك ثابتة، ملايين القوانين ثابتة كي تنتظم الحياة، ولكن لحكمة بالغةٍ بالغة حرك شيئين؛ حرك الصحة، وحرك الرزق، لتكون الصحة والرزق وسيلتين لتأديب الإنسان، فالإنسان حريص حرصاً لا حدود له على بقائه، وعلى وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده ، وعلى استمرار وجوده، وحريص على رزقه، فلذلك هذه القضية الأولى قضية الوجود، وسلامة الوجود، وكمال الوجود ليست ثابتة، والقضية الثانية قضية الرزق ليست ثابتة، تجد إنساناً أموره ميسرة، إنساناً أموره معسرة.
الله عز جل بيده أبواب كل شيء:
أيها الإخوة؛ الآن قد تُغلق أمام إنسان أبواب الرزق، كلما طرق باباً أُغلِق، وكأن الأبواب لن تفتح، وقد يُفتح له باب رزق من طريق غير مشروع، دخل في الامتحان، فاسم الفتّاح يعني أن الله سبحانه وتعالى يفتح لعبده المؤمن باب رزق حلال، هو الفتّاح، يفتح باب الرزق، قد يأتي مرض عُضال مستحكم، يُجمِع الأطباء على أنه لا أمل في الشفاء فيفتح الله لهذا المؤمن باب الشفاء.
أعرف صديقاً أجمع الأطباء وهم قمم على أن الورم الخبيث في الرئة ليس هناك من أمل في الشفاء، والقضية قضية وقت، أي أشهر، القصة طويلة، والله سبحانه وتعالى فتح له باب الشفاء، والقصة من اثنين وعشرين عاماً، والآن حيّ يُرزق يتمتع بأعلى صحة، والذين أجمعوا على أنه لا أمل في شفائه أطباء كبار، من هذا البلد ومن بلد بعيد، فتح باب الشفاء، فتح باب الرزق.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت وكان يُظن أنها لا تفرج
من فتح لك باب الشفاء؟ من فتح لك باب الرزق؟ من فتح لك باب الزواج؟ من فتح لك باب الإنجاب أنجبت أولاداً أبراراً؟ من فتح لك باب العمل؟ من فتح لك باب العمل الصالح؟ من فتح لك باب الدعوة إلى الله؟ من أطلق لسانك؟ من جعلك تعلو عند الناس؟ هو الفتّاح، الفتّاح العليم، العوام يقولون: يا فتّاح يا عليم، يا رزّاق يا كريم، هو يعلم ما أنت عليه، يعلم نواياك، يعلم إخلاصك، الأمر بيده، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
مهمة الإنسان الأولى طاعة الله عز وجل والانصياع لأوامره:
الحقيقة التوحيد مريح، أنت حينما تجمع كل علاقاتك مع جهة واحدة ترتاح:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
المؤمن علاقته بربه، وكأن مهمة المؤمن محصورة في شيئين لا ثالث لهما، والدليل:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
تنتهي مهمتك في طاعة الله، عليك أن تطيعه والله سبحانه وتعالى مُتكفل لك بكل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
ارتباط اسم الفتّاح بالمؤمن أشدّ الارتباط:
إذاً حينما تُغلق أبواب الرزق يفتح الله لك باباً واسعاً من رزق حلال وفير، وحينما تُغلق أبواب الأمل في الشفاء من مرض عضال يفتح الله لك باب الشفاء التام، علاقتك بالله عز وجل، وحينما تحصر علاقتك بالله وحده لا يُخَيّب ظنك، وهذا أدق ما في اسم الفتّاح.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت وكان يُظن أنها لا تفرج
أعرف صديقاً آخر أنجب مولوداً بولادة عسرة، واضطر الطبيب أن يسحبه بآلة شفط، سببت له أذية في الدماغ، فأنا سمعت من أطباء كُثر وكبار هذا الطفل بأذية الدماغ إما أنه سيصاب بالشلل، أو بالعمى، أو بأمراض وبيلة، وتواترت أقوال الأطباء، واستحكم الألم بنفس أبيه، وتمنى أن يأتي ميتاً، أما هذا سيعيش معاقاً، وسيكون عبئاً على والديه، لكن الله سبحانه وتعالى بالدعاء، والثقة بالله فتح له باب الشفاء، والآن يحمل شهادة عليا من الأزهر، ويعمل في عمل طيب.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجت وكان يُظن أنها لا تفرج
حينما تعقد الأمل على الله، وحينما لا ترجو غير الله، ولا تدعو غير الله، ولا تثق بغير الله، أنت حينما تتوجه إلى الله فالله فتّاح عليم، يعلم إخلاصك في الدعاء، ويعلم استقامتك، والأمر بيده، أنت قوي بالله، الله عز وجل بيده كل شيء، الله غني، أنت غني بالله، الله قادر، أنت قادر بالله، الله عليم، أنت تعلم بالله، فلذلك باب الغنى يفتحه الفتّاح، وباب النجاة من الظُّلّام يفتحه الفتّاح، وباب الزواج يفتحه الفتّاح، وباب العمل يفتحه الفتّاح، وباب الدراسة العليا يفتحها الفتّاح، وباب النجاح في العمل يفتحه الفتّاح، هذا الاسم يرتبط أشدّ الارتباط بالمؤمن.
طريق الفرج لا يكون إلا باتقاء الله:
الآن كلمة:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)﴾
يوجد بالآية معنى ضمني، أنه أنت وجدت في مكان ولم تجد مخرجاً، أنت في حيرة، في حيص بيص كما يقال، في قلق شديد، طريق أن يُفتح لك باب يُفَرَّج بهذا الباب عنك أن تكون متقياً لله، هذا الذي عليك.
الإنسان مخير والاختيار يُثمِّن عمله:
الآن نعود للآية مرة ثانية: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ مهمتك أن تطيعه، وأن تعبده، والعبادة كما تعلمون طاعة طوعية، وليست قسرية، الأقوياء يُطاعون قسراً، لكن الله سبحانه وتعالى ما أرادك أن تطيعه قسراً.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
أرادك أن تأتيه بمبادرة منك، أرادك أن تحبه، أرادك أن تكون حراً، تطيعه أو لا تطيعه، تصلي أو لا تصلي، تصوم أو لا تصوم، تصْدق أو لا تصْدق، ترحم أو لا ترحم، أنت مخير، والاختيار يُثَمِّن عملك.
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾
جعلك مُريداً وجعلك مُختاراً ليُثمَّن عملك، ولولا أنك مختار، لولا أنك مُريد، لولا أن الله سبحانه وتعالى منحك إرادة لا قيمة لا لطاعتك، ولا لانضباطك، تطيعه مختاراً، تلتزم منهجه مختاراً، تُقبل عليه مُختاراً، تُصلي له مختاراً، تتقرب له مختاراً، لأن الله سبحانه وتعالى منحك إرادة حرة إذاً عملك له قيمة.
إذاً حينما تثق به يفتح لك ما أُغلِق من الأبواب، بل يفتح لك ما استعصى عليك من الأبواب، بل يفتح لك أبواب كل شيء.
أمور كل إنسان بيد الله عز وجل:
اليوم انتقلنا إلى التوحيد، التوحيد واضح جداً في هذه الآية:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾
أي إذا أرادك الله بخير لو اجتمع أهل الأرض أن يمنعوا عنك هذا الخير لا يستطيعون، وإذا أراد الله أن يعالج إنساناً لحكمة بالغةٍ بالغة لو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوا هذه المعالجة أن تصيبه لا يستطيعون.
دخلت لدائرة، عشرة طوابق، كل طابق فيه عشرات الموظفين، وأمرك لا يوافق عليه إلا من قِبَل المدير العام، هل يُعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ ما بيدهم شيء.
وأنت حينما تؤمن أن أمرك بيد الله، زواجك بيد الله، صحتك بيد الله، من هم فوقك بيد الله، من هم دونك بيد الله، الطواغيت الكبار في الأرض بيد الله، هم عصي بيد الله.
﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
آيات قرآنية تبث الأمن في النفس:
هناك آيات تبث الأمن في نفس الإنسان.
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)﴾
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
إذاً الفتّاح ينقلك إلى التوحيد، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كل علاقتك بيد الله عز وجل.
كل شيء في الحياة فتوح من الله عز وجل:
أيها الإخوة؛ أي سمعنا كثيراً عن السلف الصالح، عن علماء المسلمين السابقين، أنهم إذا رأوا شاباً متفتحاً، متوثباً لطاعة الله، مشتاقاً لقرب الله عز وجل، يقولون له: فتح الله عليك فتوح العارفين، العلم فتح، والتوفيق فتح، والنجاح بالزواج فتح، والنجاح بالعمل فتح، والنجاح بامتلاك ثقة الناس فتح، هذا كله فتح، والله عز وجل فتّاح، كما تحدثنا في الدرس السابق فاتح اسم فاعل، لكن فتّاح صيغة مبالغة لاسم الفاعل، وكان بعض العلماء إن رأوا شاباً ليس صادقاً في طلبه، ليس منضبطاً يقولون له: يا ولدي فتوحك على يد غيرنا.
1 ـ الفتاح يفتح لك أبواب كل شيء:
الآن هناك موضوع آخر، الفتّاح بالمعنى الأول يفتح لك باب العلم، باب الرزق، باب العمل، باب الدراسة، باب الزواج، باب الإنجاب، باب إنجاب أولاد صالحين.
2 ـ الله يفصل بين الصراعات بين الأفراد والصراعات بين الشعوب:
المعنى الثاني في الصراعات بين الأفراد، في الصراعات بين الشعوب، في الصراعات كما هو مصطلح حديث بين الحضارات، الله هو الفتاح، الآية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)﴾
الحياة مفعمة بالصراعات.
كل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
كل جهة تدّعي أنها على حق، وأنها المصيبة، وأنها تعمل وفق المنطق، ووفق المصلحة، هذا ادّعاء، لكن من يفصل؟ أحياناً يختلف زوجان، تستمع إلى كل منهما تؤخذ بكل واحد منهما، الأول معه الحق، والثاني معه الحق.
يروى أن شخصاً عمل قاضياً، فجاءه متخاصمان، تكلم الأول فأفاض، قال له: والله معك حق، تكلم الثاني فأفاض، قال له: معك حق، فيبدو زوجته من وراء الستار تسمع كلامه، قالت له: كيف تقول هذا الكلام لهذا ولهذا معاً؟ قال له: والله معك حق أنت أيضاً.
الله عز وجل يفصل بين الناس في كل ما يختلفون فيه:
تجد كل شخص معه حجج، كل شخص ينظر من زاويته، شيء يحير، من الذي يفصل بين هذه الخصومات؟ هذه الصراعات؟ هذه المنازعات؟ هذا التنطع؟ ﴿اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هناك آية ثانية:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)﴾
هذا المعنى أحياناً له حالات خاصة، أي زوجان يختلفان، يتشاجران، ينتهي الأمر بينهما بالطلاق، الله كيف يفصل بينهما؟ الطرف المظلوم يُوَفّق في زواجه القادم وكـأن هذا حكم الله عز وجل، شريكان يختلفان ثم يفترقان، الشريك الظالم لا يُوَفَّق في عمله القادم، والشريك المظلوم يُوفَّق في عمله القادم، فهذا واضح جداً في حالات الخلافات الزوجية، والخلافات بين الشركاء، الله عز وجل يفصل بمعنى يُوفِّق، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾
من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به:
إذا كان الله معك فمن عليك؟ هذه تعمل قوة شخصية، ما دام أنت مستقيم، ما دام أنت واثق من استقامتك، من التزامك، واثق من نواياك الطيبة، لا تعبأ بكلام الناس، إرضاء الناس غاية لا تُدرَك، لا تعبأ بهم، ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ .
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾
أي من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، أنا أقول: لا يعبأ لا استخفافاً بالناس، ولكن وثوقاً باستقامته، وثوقاً بنيته الطيبة، لا تعبأ، إلا أن هناك معنى فرعياً يقتضي أن يكون واضحاً، لا تضع نفسك موضع التهمة ولو كنت نقياً نظيفاً، لا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، هناك موقف للنبي الكريم رائع جداً، يمشي في الليل مع زوجته صفية،
(( مرّ صحابيان كريمان، فقال عليه الصلاة والسلام: عَنِ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا».))
أي وضح، البيان يطرد الشيطان، يوجد حساب بينك وبين إنسان، لا تقل له: الحساب أصبح واضحاً وصفراً، لا، بيّن له الحساب، بيّن، البيان يطرد الشيطان.
السعيد من أطاع الله عز وجل والشقي من بعد عن الله عز وجل:
إذاً المعنى الأول: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ، ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ولا تقلق إذا كنت على حق، والناس توهموا أنك لست على حق، أنا أضرب هذا المثل: إذا عندك كيلو معدن، وليكن ذهباً خالصاً، واتهمك الناس أن هذا المعدن ليس ذهباً خالصاً، بل هو معدن خسيس، من الرابح؟ أنت، مع أن الناس توهموا أن هذا المعدن الذي بحوزتك ليس ذهباً خالصاً، وهو في الحقيقة ذهب خالص، أنت الرابح الأول، ولو كنت تملك معدناً خسيساً، وبذكاء وطلاقة لسان أوهمت الناس أنه معدن ثمين أنت الخاسر الأول، فالمشكلة معك.
﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾
﴿ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)﴾
أي أنت تكون سعيداً بطاعتك لله، والإنسان يشقى ببعده عن الله، وكلام الناس لا يُقدم ولا يُؤخر، أي بشكل أو بآخر لو أن أهل الأرض ذموك، وأنت لست معنياً بهذه الصفات لا تقلق، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، ولو أن أهل الأرض مدحوك ولم تكن على حق، هذا المديح لا يُقدم ولا يُؤخر، علاقتك مع الله.
الأمر بيد الله فمن تعلق بالدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله:
بعض الآثار القدسية: عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، الأمر بيد الله، أنت تريد يا عبدي، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد،
(( عن أنس بن مالك: من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ، وجمعَ لَه شملَهُ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ، وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ.))
وقد قيل: ما تعلق أحد بحبّ الدنيا إلا أصيب منها بثلاث؛ شغلٍ عناء، وأملٍ لا يدرك منتهاه، وفقر لا يدرك غناه، إذا أصبح وأكبر همه الآخرة تأتيه الدنيا وهي راغمة، أما إذا أصبح وأكبر همه الدنيا تتفلت منه، يخسر الدنيا والآخرة، من بعض الأدعية: اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء-من مرض وبيل-ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
على كل عبد ألا يخافن إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه:
الشيء الأخير أن المؤمن واثق من حفظ الله له، وقد علمنا القرآن الكريم أن نكون لهذه الثقة، قال:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾
لذلك أيها الإخوة؛ آية في كتاب الله وحيدة وهي:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾
لا يُحقق شيء في الأرض إلا بتوفيق الله، وإذا كنت في مشكلة ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ لذلك: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه.
الملف مدقق