وضع داكن
15-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 050 أ - اسم الله اللطيف 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى اللطيف:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم اللطيف، هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد في سبع آيات من القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾

[ سورة الملك ]

وقال تعالى:

﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)﴾

[ سورة الأحزاب ]

ولم يقترن اسم اللطيف إلا باسم الخبير، لطيف خبير، وهذا الاسم ورد مقيداً في قول الله عز وجل:

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾  

[ سورة يوسف ]

وكذلك في قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)﴾

[ سورة الشورى ]

وقد ورد هذا الاسم في السنة في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها:

(( عن عائشة أم المؤمنين: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَعَنِّي؟ قُلْنَا: بَلَى. [وفي رواية] عَنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ بنِ المُطَّلِبِ، أنَّهُ قالَ يَوْمًا: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي؟ قالَ: فَظَنَنَّا أنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتي وَلَدَتْهُ، قالَ: قالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قالَ: قالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتي الَّتي كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِيهَا عِندِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُما عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إزَارِهِ علَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا رَيْثَما ظَنَّ أَنْ قدْ رَقَدْتُ، فأخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ البَابَ فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي في رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ علَى إثْرِهِ، حتَّى جَاءَ البَقِيعَ فَقَامَ، فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فأسْرَعَ فأسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فأحْضَرَ فأحْضَرْتُ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فليسَ إلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ، فَقالَ: ما لَكِ يا عَائِشُ؟ حَشْيَا رَابِيَةً؟ قالَتْ: قُلتُ: لا شَيءَ، قالَ: لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، قالَتْ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فأخْبَرْتُهُ، قالَ: فأنْتِ السَّوَادُ الذي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ قُلتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي في صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسولُهُ؟! قالَتْ: مَهْما يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، نَعَمْ، قالَ: فإنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فأخْفَاهُ مِنْكِ، فأجَبْتُهُ، فأخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لهمْ، قالَتْ: قُلتُ: كيفَ أَقُولُ لهمْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: قُولِي: السَّلَامُ علَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وإنَّا -إنْ شَاءَ اللَّهُ- بكُمْ لَلَاحِقُونَ. ))

[ صحيح مسلم ]

 

اللغة ترقى برقي أهلها وتضعُف بضعفهم:


أيها الإخوة؛ اللطيف في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، كما ذكرت لكم من قبل: اللغة العربية بشهادة علماء اللغة في العالم من أرقى اللغات المتصرفة، معنى المتصرفة نظام اللغة نظام أسر، يوجد جد، يوجد أولاد أحفاد، يوجد مصدر، يوجد فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، صيغ مبالغة لاسم الفاعل، اسم مفعول، اسم زمان، اسم مكان، اسم تفضيل، اسم آلة، صفة مشبهة باسم الفاعل، لكن السؤال ما الفرق بين اسم الفاعل وبين الصفة المشبهة باسم الفاعل؟ الصفة المشبهة باسم الفاعل من أوزانها فعلان وفعيل، طويل، الطول صفة تلازم صاحبها، صفة تلازم الإنسان، طويل طويل دائماً طويل، أما دخل يدخل داخل، الدخول طارئ، تدخل مرة واحدة، فاسم الفاعل يدل على الحدوث والانقطاع، والصفة المشبهة باسم الفاعل تدل على الثبات والدوام، فاللطيف هنا جاءت على وزن فعيل؛ وفعيل صفة مشبهة باسم الفاعل.
إخوة الكرام؛ اللغة ترقى برقي أهلها وتضعُف بضعف أهلها، لو أردت أن توازن بين خصائص اللغة العربية وبين خصائص اللغات الأخرى لوجدت بوناً شاسعاً، لكن ضعف هذه الأمة أضعف معها لغتها.
 

ثبات اللغة العربية بفضل القرآن الكريم:


على كل لا يوجد لغة بتاريخ البشرية يقول قائلها:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِي           بصبح وما الإصباح منك بأمثل

[ امرؤ القيس ]

* * *

هذا البيت قاله امرؤ القيس قبل ألف وخمسمئة عام، وطلابنا في الصف العاشر يقرؤون هذا البيت وهذا الشعر فيفهمونه ببساطة، وبين قائل البيت ومن يفهمه الآن ألف وخمسمئة عام؛ بينما في اللغة الإنكليزية الشعر الذي قاله شكسبير في القرن السادس عشر لا يمكن أن يفهمه أحد في بريطانيا إلا أن يفهموه مترجماً، اللغة الإنكليزية التي قيلت في القرن السادس عشر تترجم إلى اللغة الإنكليزية، ثبات اللغة العربية هذا بفضل القرآن الكريم لأنها لغة القرآن، ولأنه من فضل الله علينا أن جعل لغتنا لغة كلامه، والحديث عن فقه اللغة وعن خصائص اللغة وعن عظمة هذه اللغة حديث طويل، لكن يكفيها شرفاً أن الله خالق السماوات والأرض اختارها لكتابه الكريم.

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)﴾

[ سورة يوسف ]

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾

[ سورة الشعراء ]

 

الله عز وجل خلقه دائم:


الصفة المشبهة باسم الفاعل على وزن فعيل أو فعلان، لطيف، لكن هناك حقيقة دقيقة جداً الأصل في اللغة المعنى، هذه القاعدة الذي ذكرتها قبل قليل الله عز وجل خالق، خالق ليس مرة واحدة:

﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)﴾

[ سورة آل عمران ]

الخلق مستمر، فمع أن علماء اللغة قالوا: اسم الفاعل يدل على الحدوث والتغير بينما الصفة المشبهة تدل على الثبات والدوام، نقول: خالق يدل على الثبات، ما دام هذا الموضوع نُسِب إلى الله عز وجل فالله عز وجل خلقه دائم، لا تنطبق هذه القاعدة على اسم الله الخالق، ولما وصِف سيدنا موسى بأنه غضبان على وزن فعلان، والغضب ليس من صفة الأنبياء، صفة طارئة:

﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)﴾

[ سورة الأعراف ]

فالغضب طارئ، لذلك في مقدمة أصول النحو الذي درسناه في الجامعة المُعَوّل عليه المعنى، هذا من قواعد اللغة العربية.
 

اللطف هو رقة الشيء واستحسانه وخفته على النفس:


الآن لَطُفَ الشيء، ماذا يعني أنه لَطُف؟ اللطف بالشيء رقته، رقيق، واستحسانه، وخِفته على النفس، أو احتجابه وخفاؤه، هذا هو اللطف، رقة الشيء واستحسانه وخفته على النفس أو احتجابه وخفاؤه،

(( وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: حِينَ قالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ ما قالوا، وكُلٌّ حدَّثَني طَائِفَةً مِنَ الحَديثِ، قالَتْ: فَاضْطَجَعْتُ علَى فِرَاشِي وأَنَا حِينَئِذٍ أعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يُبَرِّئُنِي، ولَكِنِّي واللَّهِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ في شَأْنِي وحْيًا يُتْلَى، ولَشَأْنِي في نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِن أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلَى، وأَنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ} العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا. ))

[ صحيح البخاري ]

(( ....ويَرِيبُنِي في وجَعِي أنِّي لا أرَى مِنَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللُّطْفَ الذي كُنْتُ أرَى منه حِينَ أمْرَضُ، إنَّما يَدْخُلُ فيُسَلِّمُ، ثُمَّ يقولُ: كيفَ تِيكُمْ؟ لا أشْعُرُ بشَيءٍ مِن ذلكَ حتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ؛ مُتَبَرَّزُنَا، لا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ، وذلكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وأَمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ.. ))

[ صحيح البخاري ]

فكان النبي عليه الصلاة والسلام رقيق بالسيدة عائشة، لطيف،

(( عن عبد الله بن عباس: خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلِي. ))

[  صحيح ابن ماجه: خلاصة حكم المحدث: صحيح ]

 

مقياس الأخلاق عند الإنسان أخلاقه في بيته:


إخواننا الكرام؛ مقياس الأخلاق أخلاقك في بيتك، مقياس الأخلاق، الإنسان خارج البيت يُحَسّن وضعه، يُلَمع صورته، يعتني بثيابه، يبتسم، يعتذر، يتعطر، هذا لمصلحته، لمكانته، لينتزع إعجاب الناس به، مصلحته تقتضي أن يكون لطيفاً معتذراً مبتسماً أما حقيقته تظهر في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي)) فالسيدة عائشة تقول: ((...ويَريبُني في وجَعي-أي مما يؤلمني في وجعي-أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أمرض)) إذاً هذا منهج: ((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ)) كانت تسأله: كيف حبك لي؟ يقول لها: كعقدة الحبل، عقدة لا تُفك، فأصبحت هذه الكلمة العقدة مصطلحاً بينها وبينه، تسأله من حين لآخر: كيف العقدة؟ يقول: على حالها.
أي ماذا يمنع أن تكون مع أهلك لطيفاً؟ ماذا يمنع أن تكون مع أهلك رفيقاً؟ رحيماً؟ ودوداً؟ مبتسماً؟ السلام عليكم، الزوج اللطيف المؤنس، كان إذا دخل بيته بساماً ضحّاكاً، ورد: أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم-وهناك زيادة ببعض الروايات-ويغلبهن لئيم، وأنا أحبّ أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.
مرة السيدة عائشة حدثته عن قصة طويلة، عن قصة أبي زرع وأم زرع، أشادت بأبي زرع، بشجاعته، بكرمه، ببطولته، برجولته، لكنها تأسفت في نهاية القصة فقالت: غير أنه طلقها، طلق أم زرع، فكان تعقيب النبي عليه الصلاة والسلام: أنا لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك، طمئنها، من أقواله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة، يحمد الله على أن رزقه حبّ عائشة.
 

على كل إنسان أن يتخذ من النبي الكريم قدوة له:


من علامات الإيمان أن تحب حليلتك، أن تحب زوجتك، هذه زوجتك، هذه هدية الله إليك، هذه إنسانة جعلها الله تحت طوعك، عاملها بالإحسان، كان عليه الصلاة والسلام رفيقاً بأهله، كان يخصف نعله ويكنس داره، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً الشاهد أن النبي كان لطيفاً معها، لكن بعد حديث الإفك تغير، شيء مقلق، أي لا يوجد دليل إثبات ولا يوجد دليل نفي، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، وتُتهم زوجته بأثمن ما تملك امرأة، عفتها، امتحان صعب، لماذا قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]

لأن النبي أذاقه الله الفقر، وقف الموقف الكامل، أذاقه الله الغنى فكان سخياً، وقف الموقف الكامل، أذاقه الله القهر في الطائف، وقف موقفاً كاملاً، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أذاقه الانتصار في فتح مكة، وقف الموقف الكامل، أذاقه موت الولد، إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، أذاقه كل شيء، وقف الموقف الكامل، لذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
 

الله عز وجل لطيف يعلم دقائق الأمور ولا يخفى عليه شيء:


الآن الله عز وجل لطيف أي اجتمع له العلم بدقائق المصالح، وأوصلها إلى من قدّرها له من خلقه مع الرفق به، يُقال: لَطُف به وله، فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي لَطُف بهم، وقوله تعالى:

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾

[ سورة يوسف ]

لَطُف لهم، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ رفيق بهم، يرحمهم، قريب منهم، رفيق بهم قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران، مهما بلغ بهم العصيان.
لطيف بعباده رفيق بهم، قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران مهما بلغ بهم العصيان، فهو لطيف بعباده يعلم دقائق أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء مما في صدورهم، أي إنسان أحياناً يبلغه أنه إذا تبرع بأرض لمسجد اضطرت البلدية أن تُنَظِّم أرضه، وأن تُقسمها إلى محاضر، وعندئذ يرتفع السعر أضعافاً مضاعفة، هو أراد من التبرع أن يرتفع سعر أرضه، لو سمع هذا الخبر أن فلاناً تبرع بمسجد، بأرض، ما شاء الله! محسن كبير، من الذي يعلم الحقيقة؟ الله عز وجل، من الذي يعلم خائنة الأعين؟ الله عز وجل، من الذي يعلم البواعث الخفية؟ الله عز وجل، من الذي يعلم المقاصد البعيدة؟ الله عز وجل، لطيف، يعلم دقائق أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء مما في صدورهم.
 

من معاني اللطيف:


كم معنى للطيف؟ رفيق، قريب، رحيم، يدعوك للتوبة مهما كنت عاصياً، ويعلم كل شيء، يعلم ما خفِي عنك، يعلم سرك وجهرك، والدليل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ سيدنا لقمان قال لابنه وهو يعظه:

﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)﴾

[ سورة لقمان ]

دقائق الأمور، أدق التفصيلات، البواعث الخفية، المقاصد البعيدة، النوايا الدقيقة، المشاعر، الخواطر يعلمها، لكنه لطيف.
 

لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله عز وجل:


لو رافقك إنسان لمدة أطول مما ينبغي تضجر منه، أخي ابتعد عني، الله معنا لكنه لطيف، اللطيف هو الذي يُيَسر لعباده أمورهم، من ييسر لك أمورك؟ يوفقك في زواجك؟ بشراء بيت؟ بوصول لمنصب؟ باحتلال وظيفة؟ بتجارة رابحة؟ من يوفقك؟ بطولتك ألا تعزو الفضل إلا إليه، أنت حينما تقول: الله وفقني، الله أكرمني، الله مكنني، الله أعطاني، الله تفضل عليّ، الله يسر لي أمري، هذا ليس من باب التواضع، من باب الحقيقة، لذلك قال تعالى:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾

[ سورة هود ]

لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ .
 

من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد والإمداد والهدى والرشاد:


إذاً اللطيف هو الذي يُيسر للعباد أمورهم، ويستجيب منهم دعاءهم، فهو المحسن إليهم في خفاء وستر، من حيث لا يعلمون، فنعمه عليهم سابغة ظاهرة لا يحصيها العادّون، ولا يُنكرها إلا الجاحدون.
أنت كلك كرم من الله، منحك نعمة الإيجاد، كل شخص منا له تاريخ ميلاد، أنا لما أقرأ كتاباً، وأراجع بعض صفحاته متى نُضّد؟ متى طُبِع؟ إذا كان مطبوعاً قبل ولادتي أقول: أثناء طبع هذا الكتاب كان هناك إنسان بالأرض اسمه: راتب نابلسي؟

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)﴾

[ سورة الإنسان ]

فأنت منحك الله نعمة الإيجاد لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم منحك نعمة الإمداد، أعطاك هواء، أعطاك ماء، أعطاك مأوى، أعطاك علماً، أعطاك طلاقة لسان، زوّجك، عندك أولاد، عندك أصهار، كل هذه النعم من فضل الله عز وجل، إذاً هذا معنى اللطيف، إذاً وهو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، فنعمه سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون، ولا يُنكرها إلا الجاحدون، وهو الذي يرزقهم بفضله، هذا يُتقن الخط، هذا يُتقن قص الشعر، هذا يُتقن التعليم، هذا يُتقن الهندسة، هذا تاجر، هذا مزارع، كل واحد الله مكنه من عمل ويسره له، أي نسهر أحياناً يوجد معنا طبيب جرّاح، يعمل كل يوم عملية قلب، أنا أقول له: كيف تستسيغ الطعام؟ بالمنشار يُنشر عظم القص، بجهاز معين تتباعد هذه العظام، يصل إلى القلب، يوقف القلب يربطه بقلب صناعي، يفتح البطين، يصل للدسام، أربع خمس ساعات الدماء والإنسان مخدر، ويأتي إلى بيته يأكل بشهية، الواحد منا لو رأى الدم لا نفس له ليأكل لقمة، من الله مكّنه من عملية جراحية وهو مرتاح؟ وهذا يلقي خطبة، وهذا يقود مركبة، وهذا يقود طائرة، طائرة ثلاثمئة وخمسون طناً شاب صغير يقودها بالليل، هذا معه علم، شاب صغير يقود طائرة من أكبر الطائرات ليلاً، يحرك ثلاثمئة وخمسين طناً بالهواء، أقل غلط تسقط الطائرة، من مكّنه من ذلك؟
 

الله عز وجل لطيف يُعين كل إنسان على عمله:


لذلك أيها الإخوة؛ الله عز وجل لطيف، أي يُعين كل إنسان على عمله، يسر له عملاً، مكنه من عمل، فنعمه عليهم سابغة ظاهرة، وهو يرزقهم بفضله، كل واحد الله مكّنه من شيء، ويسر له عمله، من حيث لا يحتسبون، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)﴾

[ سورة الحج ]

وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ كما أنه يُحاسب المؤمنين حساباً يسيراً بفضله ورحمته، ويُحاسب غيرهم من المخالفين وفق عدله وحكمته.
 

من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:


الآن من معاني اللطيف أنه خَفِي:

﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)﴾

[ سورة الكهف ]

ينبغي ألا يراه أحد، ألا يعلم به أحد، أحياناً الله عز وجل غير ظاهر، جالس في بيتك مع زوجتك وأولادك الله معك:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾

[ سورة الحديد ]

لكن بلطف من دون أن تشعر أن الوجود مخيف، الله معك، هو القدير، هو العليم، هو الحكيم، هو اللطيف، هو الخبير، هو الجميل، معك، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ .
أيضاً اسم أن الله احتجب عنا ليمتحننا، يبدو لك أول وهلة لوحدك في البيت، لا يوجد معك أحد، هكذا تتوهم، هو معك، إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.
 

الله عز وجل لا يُرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة:


إذاً الله عز وجل لا يُرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة، ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة، احتجب عنا في الدنيا لطفاً وامتحاناً، ورأيناه في الآخرة إكراماً وإحساناً، ورد في بعض الآثار أن المؤمنين في الجنة ينظرون إلى وجه الله الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة، ولو رآه الناس في الدنيا جِهاراً لبطلت الحكمة، وتعطلت معاني العدل، لذلك قال الله عز وجل عن رؤية الناس له في الآخرة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

[ سورة القيامة ]

أيها الإخوة؛ هذه النقطة دقيقة جداً إن شاء الله في درس قادم سأشرحها بالتفصيل، لماذا احتجب الله عنا في الدنيا؟ ليمتحننا، ولماذا نراه في الآخرة؟ ليُكرمنا، إذاً في الدنيا:

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)﴾

[ سورة الشورى ]

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾

[ سورة الأنعام ]

أما في الآخرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هذا الموضوع دقيق جداً، لماذا احتجب عنا في الدنيا؟ ولماذا نراه في الآخرة؟ إن شاء الله في درس قادم أعالج هذا الموضوع.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور