الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى المتعال:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المتعال، هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى:
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾
وقد ورد أيضاً في السنة المطهرة
(( بسند صحيح عند الإمام أحمد من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ قرأ هذهِ الآيةَ وهو على المنبرِ فقال:
وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
[ سورة الزمر ]
قال: يقولُ اللهُ: أنا الجبارُ، أنا المتكبرُ، أنا الملكُ، أنا المتعالُ يمجِّدُ نفسَه، قال: فجعل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يُردِّدُها حتى رجف به المنبرُ حتى ظننا أنه سيَخِرُّ به. ))
أيها الإخوة؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عن عائشة قالت: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا فترخص فيه، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك، فقام خطيبا، فقال: ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية. ))
أشدكم لله خشية أنا، المتعالي اسم فاعل من تعالى، تعالى يتعالى فهو متعالٍ، وهو أبلغ من الفعل علا، وفي اللغة العربية أن كل زيادة في المبنى يقابلها زيادة في المعنى، أنا حينما أقول: سأعطيك هذا المبلغ في المستقبل فاستخدمت حرف السين هناك معنى، أما سوف أعطيك مادام هناك سين وواو وفاء، سوف أطول أمداً، أية زيادة في المبنى يقابلها في اللغة زيادة في المعنى.
التعالي؛ الارتفاع، العرب تقول: تعالَ فعل أمر لكن له حالة خاصة، فعل الأمر مبني على السكون، أما هذا الفعل مبني على الفتح، وهناك فعل آخر هاتِ فعل أمر مبني على الكسر، هذا الفعل فعل أمر مبني على الفتح تعالَ، لاثنين تعالا، للرجال:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾
للمرأة تعالَي، للنساء تعالَين.
أيها الإخوة؛ قد يكون الذي تقول له: تعالَ هو في الطابق الأعلى، وأنت في الطابق الأسفل، فهذا العلو علو مكانة، أي ارتفع إليّ.
الله عز وجل متعال على كل شيء بقدرته:
الآن المتعالي سبحانه وتعالى هو القاهر لخلقه بقدرته، فالمتعالي هو المستعلي، المستعلي على كل شيء بقدرته، قال بعض العلماء: المتعالي على كل شيء أي قد أحاط بكل شيء علماً، وقدرةً، وقهراً، وخضعت له الرقاب في كل شيء، ودان له العباد طوعاً وكرهاً.
والمتعالي الكبير، فكل شيء تحت قهره، وسلطانه، وعظمته، ولا إله إلا هو ولا رب سواه لأنه العظيم، وليس هناك من هو أعظم منه، أنت تعبد من؟ تعبد خالق السماوات والأرض، تعبد من؟ تعبد من بيده الأمر، من:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
تعبد من؟ من إذا قال لشيء:
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾
تعبد من؟ من في قبضته السماوات والأرض، إذا عرفت الله زهدت فيما سواه، إذا عرفت الله كنت عزيزاً، كنت قوياً، كنت شجاعاً، إذا عرفت الله عرفت كل شيء.
لكن لعلكم تذكرون أن في القرآن كلمتين، العباد والعبيد، العباد جمع عبد الشكر بينما العبيد جمع عبد القهر، فكل إنسان كائناً من كان، حتى الكافر، حتى الملحد، حتى الفاجر، حتى العاصي في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول، فالإنسان المقهور هو عبد يُجمَع على عبيد.
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾
أما الإنسان الذي تعرّف إلى الله، وأقبل عليه، وأحبه، وتقرّب إليه، نقول: هذا عبد الشكر، وجمعه عباد.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾
فرق كبير بين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ فالعبيد جمع عبد القهر أما العباد جمع عبد الشكر، والواحد منا لا يضمن أن يبقى حياً لساعة واحدة، فنحن جميعاً في قبضة الله، المؤمن تفضّل الله عليه بالإيمان فهو يعلم أنه في قبضة الله، بينما غير المؤمن توهّم أنه قوي، وفي أية لحظة يقبض الله روحه، فإذا هو خبر بعد أن كان شخصاً كبيراً.
الله عز وجل لا غالب ولا منازع له بل كل شيء تحت قهره وسلطانه:
المتعالي سبحانه وتعالى هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب له، ولا منازع له، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾
لكن الناس يتوهمون أن في الأرض قوة جبارة يخافونها، والحقيقة كل هذه القوى الجبارة التي نراها على شبكية العين هي بيد الله، ورد في الأثر القدسي: أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن عصوني حوّلتها عليهم بالسخطة والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك، وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاهم بصلاحكم، لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لا يليق ولا ينسجم مع ألوهية الإله العظيم أن يقع في ملكه ما لا يريد.
فلذلك كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه المقولة على قِصَرها لو عقلناها، وفهمنا أبعادها، تملأ النفس راحة ما بعدها راحة، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ هو قاهر، مسيطر، لكن بحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، وبخبرة ما بعدها خبرة.
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)﴾
في هاتين الآيتين اجتمع علو القهر مع علو الفوقية، أي أن الملك جلّ جلاله من فوق عرشه الذي علا بذاته فوق كل شيء، والذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، أي هذا الإله العظيم ألا يُخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُخشى ناره؟ بطولة الإنسان أن يكون مع الجبار، مع الواحد القهار، مع المتعالي.
الآن أيها الإخوة؛ نحن بحاجة إلى بعض المعاني التفصيلية حول هذا الاسم.
أولاً: ماذا تعتني الربوبية؟ الله رب العالمين، لابدّ من توضيح هذا بمثل، أي أنت عندك مؤسسة، وبحاجة إلى موظف، أعلنت في الصحف عن وظيفة عندك، واشترطت على الموظف أن يُمضي ستة أشهر تحت التدريب والامتحان، المدير في هذه الحالة جهده أن يُحصي على هذا الإنسان أخطاءه، فإذا تراكمت وبلغت حداً لا يُحتمل صرفه أليس كذلك؟ هنا مهمة المدير إحصاء الأخطاء ليرى ما إذا كان هذا الإنسان صالحاً أو غير صالح، هذا المعنى ليس فيه معنى الربوبية، فيه معنى المحاسبة، لكن حينما يكون ابنك في هذا المكان، أنت أب، والأب مربٍّ، أنت حريص أن ترشده إلى الصواب في كل خطأ فالموقف اختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن في هذه الوظيفة، حريص على إرشاده في كل ساعة، على تنبيهه في كل دقيقة، على لفت نظره عند كل خطأ، فأنت الآن مربٍّ، لما أودع الله في قلب الأب من رحمة فلا يحاسب هذا الموظف على أنه موظف، وعلى أن أخطاءه إذا تراكمت صرفه، لا، الوضع مختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن، لذلك تحاسبه على كل خطأ، وفي كل موقف، وعند كل زلل، هذا الموقف موقف التربية.
الله سبحانه وتعالى يحبنا وقد خلقنا ليسعدنا:
يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، كان من الممكن أن يُرسل الأنبياء ويُنزل الكتب ولا يحاسب أحداً في الدنيا، فإذا تراكمت الأخطاء بحيث أصبحت كافية لدخول الإنسان النار أدخله النار وانتهى الأمر، لا، الله عز وجل رب العالمين يُحَاسب على كل خطأ، ويدل إلى الصواب، طبعاً لابدّ من توضيح آخر: تمشي أنت في الطريق رأيت شباباً ثلاث يرتكبون معصية، أحدهم ابنك تغلي، تضطرب، تتألم، تتمزق، والثاني ابن أخيك، الألم أقل، أما الثالث صديقهما، الأول تُعَنفه أشدّ التعنيف، والثاني تُعَنفه قليلاً، والثالث تقول له: انصرف، فمعنى ذلك أنك حينما رأيت ابنك الذي هو جزء منك، الذي هو امتدادك يقترف هذه المعصية تألمت أشدّ الألم، لذلك موقف الأب موقف التربية، موقف العطف، موقف الرحمة، فإذا قرأت:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾
يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يحبنا، وخلقنا ليسعدنا، فإذا تبنا إليه كما ورد في الحديث الصحيح يفرح:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائبِ مِنَ الظَّمآنِ الواردِ، ومنَ العقيمِ الوالِدِ، ومنَ الضَّالِّ الواجدِ. ))
[ حسن لغيره أورده السيوطي ]
فرح يليق بجلاله.
رحمة الله عز وجل تقتضي معالجة الناس وتأديبهم لا تركهم هملاً:
الآن دقق:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾
الآية فيها معنى دقيق، تقتضي رحمته الواسعة ألا ﴿يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي أناس شردوا عن الله، يمكن أن يعالجهم، يمكن أن يسوق لهم بعض الشدائد، يمكن أن يؤدبهم، تقتضي رحمته أن يؤدبهم لا أن يدعهم، الذي عنده يتيم بمحله التجاري وسرق، أيهما أفضل أن يطرده ليتابع السرقة عند غيره أم أن يؤدبه ويُبقيه عنده؟ تقتضي الرحمة أن تؤدِّب لا أن تطرد، تقتضي الرحمة أن تُعَالج لا أن تحكُم عليه بالسقوط.
لذلك القصة التي رويتها لكم سابقاً أن خطيب مسجد في دمشق-والقصة واقعية- هذه القصة قبل أربعين أو خمسين عاماً، رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبلغ جارك فلاناً إنه رفيقي في الجنة، فجاره بقّال، إنسان عادي جداً، هو خطيب تأثر، ليت هذه البشرى له، فذهب إليه، وطرق بابه، وقال له: لك عندي بشرى من سيد الخلق، ولكن لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ دقق في معنى التربية الآن، فاعتذر، وتمنّع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجنا كانت في الشهر التاسع في حملها، فمعنى ذلك أن هذا الطفل ليس ابنه، وقد زلت قدمها، قال له: بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي، وأهلها معي، معي الحق، وأهلي معي، والمجتمع معي، والحكم الشرعي معي، هي خاطئة، قال له: أردت أن أحملها على التوبة، أتيت لها بقابلة ولّدتها في الليل، وحملت هذا الغلام الذي ولِد لتوّه تحت عباءتي، وتوجهت إلى المسجد، وانتظرت حتى قال الإمام: الله أكبر، بدأ بالصلاة، فدخلت إلى المسجد، وضعت هذا الغلام وراء الباب، والتحقت بالمصلين، ولم يرنِي أحد، بعد انتهاء الصلاة تجمّع الناس حول هذا الطفل الصغير لأنه بكى وتألموا، وتحلّقوا حوله، وعجِبوا من وجوده هنا، هو تأخر إلى أن استكمل الناس تحلقهم حول هذا الصغير، فأتى إليهم وقال: ما القصة؟ قال: تعال انظر! قال: أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وتعهّد أن يُربيه، ودفعه إلى أمه، هذا موقف فيه تربية، وتابت على يديه، استحق هذه البشرى من رسول الله، قال له: قل لجارك فلاناً إنه رفيقي في الجنة.
قبل أن تُؤدّب، قبل أن تُعاقب، قبل أن تسحق، قبل أن تفضح، اهدأ، إذا اخترت أن تُربي لك عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالله عز وجل رب العالمين.
الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة:
لذلك ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ تقتضي رحمته الواسعة ألا يَرُدّ بأسه عن إنسان شرد عن الله شرود البعير، والله عز وجل حكيم، والله عز وجل يسوق من الشدائد ما يحمل على التوبة، لذلك في القرآن آيتان، أي العجيب أن كل آية لها معنى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
أي ساق الله لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، مرة شخص أراد أن يُعَلّق تعليقاً لطيفاً على دعوتي، أن دعوتك من ثلاثين عاماً ما فحواها؟ قلت له: كلمتان، بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك راكضاً، الله عنده أساليب، عنده وسائل، عنده مصائب، عنده بلايا، عنده أمراض، يجعل الإنسان الشارد يُسرع إليه، يُسرع إلى بابه.
الآن آية ثانية:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾
تقتضي رحمته أن يعذب، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ أي أب يرى ابنه الطاهر، العفيف، المؤدَّب قد أخذ مبلغاً من صديقه دون أن يدري صديقه، ولا يتصرف؟ ولا يُحاسب؟ ولا يُؤدِّب؟ ولا يُعاقب؟ لو تركه على هذا العمل لتفاقم هذا العمل، لا يوجد أب على وجه الأرض يرى ابنه أخذ مبلغاً ليس له ولا يحاسبه، تقضي الرحمة أن يُحاسب.
تناقض الشر المطلق مع وجود الله تعالى:
أيها الإخوة، اعلموا علم اليقين أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، شر مطلق أي الشر للشر، هذا النوع غير موجود، بل هو يتناقض مع وجود الله، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أما الشر النسبي هو شيء مؤلم لكن موظف للخير المطلق، مثلاً الآية التي تليها:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
بربكم يمكن أن تنهى إنساناً عن أن يطفئ الشمس؟ مستحيل، ليس هذا نهياً، النهي ما كان ممكن الوقوع، لا تتأخر، التأخر قد يقع، لا تكذب، الكذب قد يقع، لا تظلِم، الظلم قد يقع، ليس هناك في اللغة نهي لفعل مستحيل، إياك أيها الإنسان أن تطفئ الشمس، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن تقول له: إياك أن تهمل، إياك أن تتأخر، إياك أن تُخطئ، إياك أن تظلِم، ليس هناك نهي إلا بشيء يمكن أن يقع.
الله عز وجل ليس غافلاً عما يفعل الظالمون ولكن يؤخر حسابهم ليوم القيامة:
الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً﴾ إذاً هناك من يظن أن الله غافل، هناك من يقول: أين الله؟ الطرف الآخر قوي جداً، ويبطش، ويسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويحتل الأراضي، ويتفنن بالقتل، والتدمير، ونهب الثروات، ضِعاف الإيمان يقولون: أين الله؟ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ما دام هناك نهي، هذه اللا لا الناهية، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً﴾ إذاً هناك من يظنه غافلاً، هناك من يقول: أين الله؟ هناك من ترك الصلاة، يقول: لمن أصلي؟ لماذا المسلمون هذا حالهم؟ لماذا قِوى الشر تتكالب عليهم؟ أين الله؟ لذلك هناك غفلة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً﴾ وهناك تغافل، والتغافل شيء لابدّ منه للامتحان.
مرة ذكرت أن صاحب محل تجاري يدخل إلى المحل أول إنسان، يخرج آخر إنسان، يجلس على الطاولة، مكان المال تحت قبضته، يا ترى الموظفون أمناء؟ ما أتيح لهم أن يُمتحنوا، أما إذا خرج صاحب المحل من المحل، وجلس في المحل المقابل، في مكان يَرى ولا يُرى، فصار الموظف وحده في المحل، ومكان المال تحت يده، يراقبه، الآن هذا الموظف يتوهم أن صاحب المحل ليس في المحل، هذا التغافل من صاحب المحل أعطاه فرصة ليمتحنه بها، مدّ يده وأخذ مبلغاً وضعه في جيبه، سقط في الامتحان، أو بقي أميناً، ما فعل شيئاً.
المصائب التي تأتي هي رسائل من الله لعباده:
إذاً الله عز وجل يتغافل أي يظنه الناس غافلاً ولا يغفل، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ .
وضع الناس يشبه إنساناً مربوطاً بحبل لكن مرخى الحبل، فلأنه مرخى يتوهم الإنسان أنه طليق، أما هو في الحقيقة في قبضة الله، بأي لحظة، لذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. ))
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
حدثني قاض قال لي: مشروع ضخم جداً كلفته فلكية، يمكن أن ينتقل من إنسان إلى إنسان بشهادة زور، فالذي أقام الدعوى ليأخذ ما ليس له جاء بشاهد زور، والمبلغ فلكي، بمئات الملايين، قال لي: والله جاء إلى المحكمة وكلفه القاضي أن يضع يده على المصحف الشريف، وأن يُقسِم أن يشهد بالحق، وضع يده، وأقسم أنه يشهد بالحق، وانتهى القسم ورفع يده، فأبقاها مرفوعة، فالقاضي انزعج قال له : أنزل يدك؟ كان ميتاً، يمسك طرف الطاولة، لا تزال يده ماسكة بشدة فبقي واقفاً، بعد دقيقة وقع على الأرض قال لي: والله وافته المنية بعد أن أقسم كذباً ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾.
الآن أدق آية:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
إذاً هذه المصائب التي تأتي هي رسائل من الله، انتبهوا يا عبادي، أنا أعلم ما تفعلون، وسوف تحاسبون.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق