وضع داكن
23-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 076 ب - اسم الله المجيد 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

التوافق بين خصائص النفس وبين كمالات الله جلّ جلاله:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم المجيد، ولابدّ من مقدمة متعلقة باسم المجيد، النفس البشرية فُطرت على حبّ الكمال، وعلى حبّ الجمال، وعلى حبّ النوال، وحينما يؤمن الإنسان بالله الإيمان الصحيح يرى أن أصل الكمال، وأن أصل الجمال، وأن أصل النوال عند الله، لذلك الذات الإلهية كاملة كمالاً مطلقاً، ولن تخضع النفس إلا للكمال، ولن تخضع إلا للإحسان، إلا للجمال، فهناك توافق بين خصائص النفس، وبين كمالات الله جلّ جلاله.
إذاً أنت حينما تؤمن باسم المجيد معنى ذلك أن تُقبل عليه، أن تصل إليه، أن تتوكل عليه، أن تسعد بقربه، توافق عجيب بين خصائص النفس التي لا يملؤها إلا معرفة الله عز وجل، هي مصممة تصميماً لا نهائياً، فأي هدف أرضي محدود أقبلت عليه، واتجهت إليه بعد أن تصل إلى مبتغاها منه تشعر بالسأم، والملل، والضجر، هذا شأن النفس البشرية.
 

السعادة في الدنيا متناقصة لا متنامية من حكمة الله عز وجل:


لذلك بناءً على هذه الخصيصة في النفس لا يمكن للدنيا أن تُمِد الإنسان بسعادة متنامية، ولا مستمرة، بل متناقصة، هذه حقيقة، الإنسان قبل أن يصل إلى الشيء يراه كبيراً، فإذا وصل إليه يراه بحجم أقل من حجمه، فإذا ألِفه يراه صغيراً، شاءت حكمة الله ألا يسمح للدنيا أن تُمِدنا بسعادة لا متنامية، ولا مستمرة، بل متناقصة، فالإنسان حينما يختار هدفاً أرضياً محدوداً يختار أن يكون غنياً مثلاً، أو يختار أن يكون قوياً، أو يضع اللذة نصب عينيه، مثل هذا الإنسان بعد حين يكتشف فراغاً كبيراً في حياته.
وهذا ما يفسر حينما يتجه الناجحون في حياتهم إلى القمار أحياناً، أو إلى الشذوذ لماذا؟ لأن هدفه اللذة، هذه اللذة ألفها، بل ملّ منها، يبحث عن نوع آخر، أو عن شكل جديد، فحياة الإنسان الذي لم يعرف الله عز وجل حياة فيها فراغ كبير، أما هذه النفس البشرية لأن الله سبحانه وتعالى فطرها على طبيعة لا نهائية فلا يقنعها ولا يملأ فراغها إلا أن تتجه إلى المطلق، إلى اللانهائي.
لذلك من خصائص هذه النفس أنها إذا اتجهت إلى المطلق، وإلى اللانهائي، وإلى الآخرة هي في شباب دائم، وهذا شيء ثابت، الإنسان إذا عرف الله في شباب دائم، تقدُّم سنه يُظهر له بعض السلبيات في صحته، هذا شيء طبيعي، أما همته، تطلعاته، نشاطاته، معنوياته في أعلى مستوى.
 

أي تفسير في الدين لا يظهر كمال الله المطلق تفسير باطل غير صحيح:


لذلك النفس البشرية تُحبّ الكمال، وتُحبّ الجمال، وتُحبّ النوال، وأصل الجمال والكمال والنوال عند الله، وحينما تتجه إليه تطمئن.

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

[ سورة الرعد ]

فحينما ترى أن الله مجيد أي متناهٍ في الصفات العَلِية، وفي الفِعال العظيمة، هذا التناهي في الصفات والأفعال ما يعنيه المجيد، فحينما تعرف المجيد تتجه إليه وتزهد فيما سواه، ومن عرف الله زهِد فيما سواه.
أيها الإخوة؛ أي تفسير في الدين لا يُظهر كمال الله المطلق، أي شرح لآية، أي شرح لحديث، أي شرح لواقعة، أي شرح لحادثة، لا يؤكد كمال الله المطلق فهذا الشرح غير صحيح، لأن الله عز وجل يقول: 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي كمال الله عز وجل كمال مطلق.
 

الطرق الكبرى لمعرفة الله:

 

1 ـ التفكر في خلقه:

لكن الآن طريق معرفته يحتاج إلى تأنٍ، أحد طرق معرفته التفكر في خلقه، فنحن أمام كون معجز، أمام كون معجز بمجراته، بكازاراته، بمذنباته، بكواكبه، بنجومه، بشمسه، بقمره، بليله، بنهاره، بمخلوقاته، بالأطيار، بالأسماك، بالنبات، بالحيوان، بالإنسان، بالبحيرات، بالبحار، أي أنت أمام كون لا نهاية لعظمته، هذا الكون يدل عليه، هذا الكون مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أنا أسمي الكون الثابت الأول في الإيمان، أي الله عز وجل خلق هذا الكون، هناك رحمة، هناك حكمة، هناك عظمة، هناك قوة، هناك غنى، أسماء الله الحسنى تظهر في خلقه، لذلك أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تقترب من معرفة الله، والله عز وجل حينما قال: 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

إذاً أحد الطرق الكبرى لمعرفة الله أن تتفكر في خلقه، هذا الطريق سالك وآمن، ولا يوجد فيه أخطار أبداً، وكلما تفكرت في خلق السماوات والأرض ازددت معرفة به، ازددت رؤية لكمالاته. 

2 ـ تدبر كلامه:

هناك طريق آخر أن تتدبر كلامه، الله عز وجل له خلق، وله كلام، وله أفعال، فالتفكر في خلقه طريق، وتدبر قرآنه طريق، قال تعالى: 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)﴾

[ سورة الأحقاف ]

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي القرآن الكريم تعريف بالله، هذا باب آخر.  

3 ـ التفكر في أفعاله:

لكن الطريق الثالث التفكر في أفعاله يحتاج إلى وقفة متأنية، أنت ترى على شبكية العين شعوباً مسلمة فقيرة مضطهدة، تعاني ما تعاني، وترى شعوباً متخلفة دينياً متقدمة حضارياً، أي تسمى شعوباً متطورة لكنها غير متحضرة، متوحشة، وهي قوية، وتفعل ما تقول، هناك مفارقات إذا تأملت فيما يجري في الكون.
  الطريق الثالث ينبغي أن يأتي في المرتبة الثالثة، بالأولى تعرفه من خلقه، وبالثانية تعرفه من كلامه، عظمة خلقه ودقة كلامه تلقي لك ضوءاً على أفعاله، ولن تستطيع أن تُثبت عدل الله بعقلك، إلا بحالة مستحيلة إلا أن يكون لك علم كعلمه، إذاً أنت أمام طرق ثلاث، أن تعرفه من خلقه، ثم من كلامه، ثم من أفعاله.
 

أخطر شيء أن تقول على الله شيئاً لا تعرفه:


الآن يقول بعض العلماء: العوام إذا ارتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، أخطر شيء أن تقول عن الله شيئاً لا تعلمه، أن الله خلقه كافراً، وقدّر عليه الكفر، مستحيل، وألف ألف مستحيل.
إنسان شرب الخمر وجيء به إلى سيدنا عمر، فقال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا! إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فالعوام لئن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
بل إن المعاصي رتبها الله ترتيباً تصاعدياً، فذكر الفحشاء والمنكر، ذكر الإثم والعدوان، ذكر الشرك، ذكر الكفر، وجعل على رأس المعاصي الكبيرة:

﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)﴾

[ سورة الأعراف ]

لا تقبل تفسيراً لا يُظهر كمال الله، لا تقبل تفسيراً لا يُظهر عظمة الله، لا تقبل تفسيراً يتناقض مع الكمال المطلق، الله عز وجل كماله كمال مطلق، فلذلك قال تعالى: 

﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)﴾

[ سورة الفتح ]

 

حُسن الظن بالله ثمن الجنة:


أيها الإخوة؛ آية ثانية: 

﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)﴾

[ سورة المائدة ]

لذلك حُسن الظن بالله ثمن الجنة، حُسن الظن بالله أن توقن برحمته، أن توقن بعدله، أن توقن بحكمته، وهناك مقولة لو فهمنا أبعادها فهماً دقيقاً وعميقاً لأحسنّا الظن بالله، هذه المقولة: كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، معنى الحكمة المطلقة أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة القصص ]

وما من مصيبة في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بما قدمت أيدي الناس، ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا﴾ يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ .
 

المصائب رسائل من الله عز وجل:


لو أصبتنا بمصيبة، وهنا جاءت المصيبة بكلمة مقابلة، رسالة، إذاً اعلموا علم اليقين أن المصائب رسائل من الله، رسالة إلهية: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، لكن هناك شر نسبي بالنسبة للإنسان، شر نسبي موظف للخير المطلق، وهذا من حُسن الظن بالله عز وجل.
 

التفكر في خلق السماوات والأرض يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله تعالى:


أسماء الله الحسنى هي الأسماء التي تخضع لها النفس، لذلك أصل الدين معرفته، كنت أقول لكم دائماً: إن التفكر أحد أقصر المسافات إلى الله، أو أحد أقصر الطرق إلى الله، والتفكر أحد أوسع الأبواب التي ندخل منها على الله، مثل بسيط وسريع: هذا الأنف؛ تتنفس من خلال الأنف، ما الذي يحصل في هذا الأنف؟ هناك سطوح متداخلة، هذه السطوح مزودة بأوعية دموية لها عضلات، هذه العضلات توسعها، فأنت إذا كنت في يوم بارد، ونظرت إلى أنفك بالمرآة رأيته أحمر اللون، لماذا صار أحمر اللون؟ لأن الأوعية الدموية في البرد تتوسع، لتأتي كمية دم أكبر، والدم حرارته سبع وثلاثون، فيُسخن هذا الأنف، حتى الهواء الذي بدرجة صفر يدخل منه من هنا، يصبح هنا سبعاً وثلاثين، حتى نضمن تسخين الهواء لئلا تؤذى الرئة، فصار يوجد بالأنف سطوح متداخلة، هذه السطوح المتداخلة مزودة بأوعية ذات خاصة تتميز بها، فيها عضلات تتوسع.
إذاً الهواء البارد إذا دخل في طرق طويلة وملتوية يسخن، لذلك الذي يتنفس من فمه يُصاب برشوحات كثيرة جداً، خطأ كبير الإنسان يتنفس من فمه، يكون عطّل الجهاز، هذه السطوح عليها مادة لزجة، فإذا كان هناك هواء مع غبار، هواء مع دخان، المواد العالقة بالهواء تعلق على السطوح اللزجة، هذه الخاصة الثانية، لو أن ذرة غبار تمكنت أن تمشي في الفراغ لا أن تقتنصها السطوح، هناك أشعار تصطادها، أصبح هناك سطوح متداخلة والطريق طويل حتى يسخن الهواء، وسطوح لزجة حتى تصطاد الغبار، ويوجد بالفراغات أشعار كي تقتنص هذه الذرات، صُنع من؟ حكمة من؟ عظمة من؟ أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تجد نفسك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، لذلك الآية التي هي أصل في التفكر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
 

المجيد متناه في صفاته الكاملة وأفعاله العظيمة:


الآن اسم الله المجيد، العظيم، المتناهي في صفاته الكاملة، المتناهي في أفعاله العظيمة، اسم الله المجيد يملأ النفس، من هنا قيل: إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، أنت حينما تؤمن باسم الله المجيد تتجه إليه، وإذا اتجهت إليه تسعد بقربه، هو الدين كله-دققوا-تعرفه، تطيعه، تسعد بقربه، ثلاث كلمات، تعرفه، تطيعه، تسعد بقربه، أو بالتعريف المفصل: العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، أي هناك جانب معرفي، جانب سلوكي، جانب جمالي.
للتقريب: لو وضعت قطعة حديد تحت أشعة الشمس، لابدّ من أن تشتق هذه القطعة من الشمس الحرارة، ضع قطعة حديد تحت أشعة الشمس في أيام الصيف الحارة ثم أمسك هذه القطعة، لا تستطيع، اكتسبت حرارة، إذا كانت قطعة الحديد قد تعرضت لأشعة الشمس تأخذ من هذه الأشعة الحرارة، فنفس بشرية تعرضت لأنوار الله عز وجل.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)﴾

[ سورة الأنفال ]

 

الاتصال بالله شيء ثمين لكنه مشروط بمعرفته:


يوجد بقلبك نوراً ترى به الخير خيراً والشر شراً: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾

[ سورة الحديد ]

أنت قد لا تعرف أبعاد الاتصال بالله، تتصل بالحكيم، تشتق منه الحكمة. 

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة ]

تتصل بالرحيم، تشتق منه الرحمة، فأنت رحيم. 

﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)﴾

[ سورة الزمر ]

تتصل بالقوي تقوى بقوته، تتصل بالعليم يُلقي الله في قلبك النور، إذاً الاتصال بالله شيء ثمين جداً، لكن السبب أن تعرفه.
أيها الإخوة؛ أنت بعد أن تتصل بالحكيم، بالرحيم، بالعظيم، بالمجيد ما الذي يحدث؟ تشتق منه الكمال، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن الحسين بن علي بن أبي طالب: إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها. ))

[  صحيح الجامع: خلاصة حكم المحدث: صحيح ]

 

المؤمن تطلعاته مقدسة يسعى لنشر الهدى وغير المؤمن يعيش في وحول الشهوات:


إخواننا الكرام؛ المؤمن يعيش بأفق عالٍ:

﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7)﴾

[ سورة النجم ]

 همومه مقدسة، رغباته مقدسة، تطلعاته مقدسة، يحمل همّ الأمة، يسعى لنشر الهدى، يسعى لحلّ مشكلات الناس، يعيش بآفاق عليا، وهناك أناس يعيشون بالوحل، بالغيبة، والنميمة، والكيد، والافتراء، والعدوان، والزنا، وشرب الخمر، وأكل المال الحرام، فالمؤمن يعيش بالأفق الأعلى، بينما غير المؤمن يعيش في وحول الشهوات، والدعاء الذي أبدأ به كل درس: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، لذلك

(( عن زيد بن ثابت: من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ. ))

[ السلسلة الصحيحة: خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد رجاله ثقات ]

ومن جعل الهموم هماً واحداً، هناك آلاف الهموم فجعلها هماً واحداً، كفاه الله الهموم كلها، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، مَن شَغَلَهُ ذكري عن مسألتي أعطيتُهُ فوق مَا أُعْطِي السائلين.
الصفة الرائعة في المؤمن أنه ترك الخلق واتجه إلى الحق، ترك وحول البشر واتجه إلى جنات القرب مع رب العالمين.
 

القرآن الكريم يُسعِد كل إنسان لأنه شفاء للنفوس والعقول:


القرآن الكريم ما دمنا في اسم الله المجيد وُصِف بأنه مجيد، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم وُصِف بأنه قرآن مجيد، بمعنى أنه مُسعد، إذا قرأته حُلت كل المشكلات، لأنه شفاء للنفوس، هناك شيء دقيق قال تعالى:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

[  سورة طه  ]

لا يضِلّ عقله، ولا تشقى نفسه. 

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

[ سورة البقرة ]

اجمع الآيتين؛ من يتبع هدى الله عز وجل، والأصل فيه القرآن، لا يضِلّ عقله ولا تشقى نفسه، عقله مستنير، ونفسه سعيدة، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، لا يضِلّ عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟
 

خمسة أشياء من فعلها فقد تلا القرآن حقّ تلاوته:


أيها الإخوة؛

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)﴾

[ سورة البقرة ]

لأنه قرآن مجيد، ما حقّ تلاوته؟ قال بعض العلماء: حق تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة العربية، تعلموا العربية-كلام سيدنا عمر-فإنها من الدين، أن تتلوه وفق قواعد اللغة، ثم أن تتلوه وفق قواعد التجويد، ثم أن تفهمه، ثم أن تتدبره، الفهم شيء والتدبر شيء آخر، التدبر أن ترى أين أنت من هذه الآية؟ أن تسأل نفسك السؤال المتكرر: أين أنا من هذه الآية؟ هل أنت مطبق لها؟ هل أنت في مستواها؟ هل تنطبق عليك صفات المؤمنين؟ التدبر، ثم التطبيق.
 قراءة وفق قواعد اللغة العربية، قراءة وفق قواعد علم التجويد، فهم لآيات الله، تدبر لها، عَمَل بها، خمسة أشياء إن فعلتها فقد تلوت القرآن حقّ تلاوته، والقرآن الكريم وُصِف في القرآن الكريم بأنه قرآن مجيد.
لذلك اسم الله المجيد من أجل أن تتجه إليه، من أجل أن تطيعه، من أجل أن تُقبل عليه، من أجل أن تسعد به، من أجل أن تبدأ سعادتك بمعرفته وتستمر إلى أبد الآبدين.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور