وضع داكن
17-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 083 أ - اسم الله المقيت 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى المُقيت:


أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المُقيت.
 

ورود اسم المُقيت في القرآن الكريم في موضع واحد:


سمىّ الله جلّ جلاله ذاته العلية في القرآن الكريم باسم المُقيت، فقد ورد الاسم في موضع واحد في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى:

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)﴾

[ سورة النساء ]

كما تعلمون في آية الكرسي:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

أي لا تتم شفاعة في الكون بين جهتين إلا بإذن الله، فإذا كنت سبباً في عمل صالح فلك من هذا العمل الصالح نصيب، مثلاً أعنت إنساناً على نفسه فتاب إلى الله، كل أعمال الخير التي فعلها هذا الإنسان لك منها نصيب، وإذا دللت إنساناً على عمل سيئ أو على معصية، كل هذه المعاصي التي يفعلها عليك منها وزر، شيء خطير،  ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ فأنت أي عمل تكون وسيطاً به، إن كان خيّراً فلك منه نصيب، وإن كان شريراً عليك منه وزر، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تكون وسيطاً، قبل أن تكون سبباً، قبل أن تقنع إنساناً بمعصية، أو بعمل، أو بسفر، أو باختلاط، أو بتأسيس تجارة أساسها محرم، قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تُرَوِّج، قبل أن تحبب، قبل أن تمدح، انتبه، هذا العمل الذي نتج عن توجيهك وتبيينك إن كان خيّراً لك منه نصيب، وإن كان شريراً عليك منه وزر.
فالله عز وجل من فوق عرشه مُقيت، له الكمال المطلق في إقاتة خلقه، ورزقهم، فإذا أضيف إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو كان هذا من كمال الكمال.
 

المُقيت في اللغة:


أما في اللغة المّقيت اسم فاعل للموصوف بالإقاتة، فعله أقات، هذا الرباعي، أصل الفعل قات، يقوت، قوتاً، والقوت هو ما يُمسك الرمق من الرزق، أي الحد الأدنى من الطعام والشراب، قوت، قات الرجل وأقاته أي أعطاه قُوْتَه، والمصدر هو القوت، المدخر المحفوظ الذي يُقتات به حين الحاجة.
أي امرأة قالت لزوجها: ما عندنا شيء، هذا الزوج بكى، سبب بكائه تذكر أنواع القوت التي في بيته، أنواع منوعة، وكثيرة، وكافية، كلمة ما عندنا شيء كلمة لا يوجد فيها أدب مع الله عز وجل، عندك كل شيء.
 

كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ:


لذلك المدخر المحفوظ الذي يُقتات به حين الحاجة هذا هو القوت،

(( وعند أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضيِّعَ مَن يقُوتُ. ))

[  أبي داود: أخرجه في صحيحه ]

من يقوت من يطعم، أي أولاده، أطعمهم، سقاهم، ألبسهم، كساهم، لكن ما أدبهم، ما علمهم، ما عرفهم بربهم، ((كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضيِّعَ مَن يقُوتُ)) لذلك أي أب في الأرض يرتاح إذا شبع أولاده، ولبسوا، وكانوا في بحبوحة، لكن الأب المؤمن يتميز على بقية الآباء أنه يقلق لحال ابنه الإيماني، يتمنى أن يكون ابنه مؤمناً، يدعوه إلى الصلاة.

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾

[ سورة طه ]

إذا جاء الأب مساء لا يكتفي بأن يسأل زوجته: أأكل الأولاد؟ يقول لها: أأكلوا؟ هل صلوا العشاء؟ سيدنا عمر حينما طُعن رضي الله عنه، وكان على وشك مفارقة الحياة، الشيء الذي أقلقه أنه قال: هل صلى المسلمون الفجر؟ فأنت كأب ما الذي يقلقك على أولادك؟ يا ترى صحتهم؟ كسوتهم؟ تفوقهم الدراسي؟ أم يقلقك دينهم وصلاتهم واستقامتهم؟ ((كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ)) هناك آباء يعتنون بحاجات أولادهم المادية، لكنهم يغفلون عن حاجاتهم الروحية.
 

الله عز وجل خلق الأقوات وتكفّل بإيصالها إلى الخلق:


الله عز وجل هو المُقيت، ماذا يعني أن الله جلّ جلاله هو المُقيت؟ بكلمة مختصرة المُقيت هو المُقتدر، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ المقتدر، الذي خلق الأقوات، أنت تصور في اليوم الواحد كم دابة تُذبح في العالم في الخمس قارات؟ كم طن قمح يحتاج البشر يومياً؟ كم طن شعير؟ كم طن قمح؟ كم طن؟ كم طن؟ تجد أحياناً شخصاً يذهب إلى السوق، سوق الخضار يرى جبالاً من الفواكه، جبالاً من الخضراوات، من صنع هذا؟ المقتدر.
نهر الأمازون بالثانية الواحدة كثافته وغزارته ثلاثمئة ألف متر مكعب، بالثانية الواحدة، هذا الماء من أين؟ بالثانية الواحدة يهطل من ماء السماء ستة عشر مليار طن بكل ثانية، مجموع التهطال في الأرض ستة عشر مليار طن بكل ثانية، رزق من؟ رزق المُقيت، المُقتدر الذي خلق الأقوات، وتكفّل بإيصالها إلى الخلق.
حفيظ عليها، يوجد بآسيا جبال هملايا، في قمم هذه الجبال يعيش الوعول، والوعل يحتاج إلى ماء، يوجد هناك ينابيع ماء في القمم، معنى ذلك أن مستودعات هذه الينابيع في قمم أعلى، بإندونيسيا هناك ثلاثة عشر ألف جزيرة، كل جزيرة لها نبع ماء، ونبع الماء لابدّ من تمديدات تحت الأرض إلى اليابسة، أحياناً يكون هناك نبع ماء بجزيرة، كل أمطار الجزيرة لا تكفي لهذا النبع، فلابدّ من أن هذا النبع موصول بمستودع إلى جبل خارج هذه الجزيرة.
قال: هناك سحابة بالفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾

[ سورة الحجر ]

 

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:


لذلك أيها الإخوة، تقنين الله عز وجل إذا قنن تقنين تأديب لا تقنين عجز.

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾

[ سورة الشورى ]

إذاً الله عز وجل هو المُقيت، هو المُقتدر الذي خلق الأقوات وساقها إلى العباد، وتكفّل بإيصالها إلى العباد، هو حفيظ عليها، مثلاً لماذا بعض الحبوب تصاب بالسوس؟ من أجل ألا تخزنها، لو لم تصب بأي آفة يكون احتكار لا يحتمل، فكل مادة غذائية لها خصائص.
فالله عز وجل معنى مُقيت أنه يعطي كل مخلوق قوته ورزقه على ما حدده سبحانه وتعالى من زمان، أو مكان، أو كمٍّ، أو كيف، بمقتضى المشيئة والحكمة، فربما يعطي المخلوق قوتاً يكفيه لأمد طويل، أو قصير كيوم، أو شهر، أو سنة، وربما يبتليه لحكمة أرادها فلا يحصل عليه إلا بمشقة وكلفة، هناك أرزاق سهلة، هناك أرزاق صعبة.
أحياناً إنسان يعمل عشرين ساعة وهو يصيح ليُحَصّل رزق يومه، هناك إنسان يعمل عملاً بسيطاً يأتيه رزق وفير، هذا من فضل الله على الإنسان، لذلك يقولون: الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أحد أسباب اتجاهه إلى طلب العلم أنه قرأ: من طلب العلم تكفّل الله له برزقه، ليس معنى هذا أنه يجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، معنى ذلك أن الله يسّر له عملاً مريحاً وله دخل معقول.
 

على الإنسان أن يؤدي زكاة ماله عن الأشجار المثمرة بعد قطف الثمار وإجراء الحساب:


الله عز وجل خلق الأقوات على مختلف الأنواع والألوان، ويسّر أسباب نفعها للإنسان والحيوان، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)﴾

[ سورة الأنعام ]

الزكاة، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ دقق: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ لا تأكل فاكهة فجة، إنها تؤذي، ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ إذا أينعت الفاكهة كُلْها، لا تأكلها قبل أن تكون يانعة، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ لو كان الله عز وجل كلفك بأداء الزكاة عن هذا الإنتاج الزراعي بشكل مطلق هناك عبء كبير جداً، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أما كل شيء أُكِل قبل هذا الوقت ليس فيه زكاة، يوم قطف الثمار تجري الحساب الدقيق، تدفع العشر، أو نصف العشر كزكاة هذا المحصول الزراعي.
 

الله عز وجل مُقيت يُوَفِّي كامل الرزق للناس:


بعض العلماء قالوا: المُقيت هو المُقتدر، فيرجع معناه إلى صفة القدرة، والمُقيت هو الذي يُوَفِّي كامل الرزق للناس، أنا للتوضيح أضرب هذا المثل، يوجد بستان في منطقة معينة، نحن في الشام هنا عندنا الزبداني مثلاً، في الزبداني يوجد بستان، الشجرة السابعة، الغصن الثالث، التفاحة السادسة، هذه لفلان، فلان يمكن أن يأكلها وقد اشتراها بماله شراء، يمكن أن يأكل هذه التفاحة وقد قُدِّمت له هدية، يمكن أن يأكلها وقد قُدِّمت له ضيافة، يمكن أن يتسولها، يمكن أن يسرقها، سرقها، أو تسولها، أو أكلها ضيافة، أو قُدِّمت له هدية، أو اشتراها بماله، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، لذلك:

(( عن حذيفة بن اليمان: هَلُمُّوا إِليَّ . فأَقبَلُوا إليه فجَلَسُوا، فقال: هذا رسولُ ربِّ العالمِينَ؛ جِبريلُ نَفَثَ في رُوعِي إنَّه لا تَموتُ نفسٌ حتى تسْتكمِلَ رِزْقَهَا وإنْ أبطأَ عليهَا، فاتَّقُوا اللهَ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يحْمِلَنَّكم اسْتِبْطاءُ الرِّزقِ أن تَأخذُوهُ بِمعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عِندَه إلا بِطاعتِه. ))

[ صحيح الترغيب: أخرجه البزار: حسن صحيح  ]

واستجملوا مهنكم.
 

أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار حرفته وزوجته:


ألصق شيء بالإنسان حرفته وزوجته، فالبطولة أن تختار حرفة فيها نفع للناس، لا تختر حرفة تبث الرعب في قلوب الآخرين، إياك أن تختار هذه الحرفة، لا تختر حرفة فيها ابتزاز لأموال الناس، لا تختر حرفة فيها إفساد لأخلاقهم، لا تختر حرفة فيها تشتيت لجمعهم، إياك، اختر حرفة فيها عطاء، فيها بثّ الأمن في قلوب الآخرين.
فلذلك حجمك عند الله من نوع حرفتك، أخطر شيء بحياة الإنسان أن يُحسن اختيار حرفته، أحياناً إنسان في وظيفة تقتضي أن يفتح مسجداً، وأن يعين خطيباً، هذه وظيفة، وهناك وظيفة أخرى تقتضي أن يفتتح ملهى، وأن يُعَيّن راقصة، فرق كبير، يوجد إنسان عنده مدرسة، يوجد إنسان عنده ملهى، فرق كبير جداً، فالبطولة أن تُحسِن اختيار حرفتك، لأنها ألصق شيء بك، وأن تُحسِن اختيار زوجتك، لأنها أم أولادك.
 

الكسب والرزق:


المُقيت هو المقتدر، فيرجع معنى هذا الاسم إلى صفة القدرة، وقيل: المُقيت الحفيظ، وهو معطي القوت، فيكون من صفات الفعل، إما اسم ذات أو اسم فعل، أما في صحيح مسلم حديث دقيق جداً دعائي، يقول عليه الصلاة والسلام من أدعيته:

(( عن أبي هريرة: اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا. ))

[ صحيح البخاري: حسن صحيح ]

في رواية: كفافاً، ليس معنى هذا أنه فقير أبداً، لكن معنى هذا أن رزقه يغطي كل حاجاته، من دون أموال طائلة يحار في إدارتها، تشغله عن الله عز وجل، أي ما قلّ وكفى خير مما كَثُر وألهى، وهذا مكان مناسب للتوضيح أن هناك فرقاً بين الرزق وبين الكسب، الرزق ما انتفعت به فقط، هذه من الرزق، هذه الطاولة، هذه الوجبة التي أكلتها، هذا السرير الذي تنام عليه، هذه المركبة التي تركبها، هذه الثياب التي ترتديها، هذا رزق، ما انتفعت به مباشرة، أما الكسب حجمك المالي، الرصيد، الأموال المنقولة، وغير المنقولة، هذه لم تنتفع بها أبداً لكنك محاسب عليها، فرق كبير بين الرزق وبين الكسب.
 

محاسبة الإنسان على الكسب مع عدم انتفاعه به:


لذلك في الحياة الدنيا الرزق له سقف، لو معك مئة مليار ماذا تأكل؟ وجبة طعام، كم ثوباً ترتدي؟ ثوباً واحداً، على كم سرير تنام؟ على سرير واحد، كم مركبة تركب في وقت واحد؟ مركبة واحدة، هذا هو الرزق، ما تنتفع به مباشرة، لكن الكسب ما حصّلته في عمر مديد، وجعل لك حجماً مالياً كبيراً، هذا الكسب محاسباً عليه كيف اكتسبته؟ وكيف أنفقته؟ مع أنك لم تنتفع به، لذلك إذا شخص سألته وقال لي: والله الحمد لله، الله كافيني، أي حاجتي مؤمنة، رزقي يغطي حاجاتي، أقول له مداعباً: إذاً أصابتك دعوة رسول الله، ((اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً)) كفافاً، لا أقول فقيراً، ولا أقول: معه أموال طائلة لا تأكلها النيران، لا، أقول: هذا الذي آتاه الله رزقاً يغطي كل حاجاته من دون أن يجعله هذا الرزق غارقاً في الدنيا، بعيداً عن الله، غارقاً في إدارة أمواله، ((اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً)) والدعاء في صحيح مسلم: ((اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا)) .
 

مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية:


روى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( عن ابن عباس: مَن أَطْعَمَهُ الله طعاماً فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعِمنا خيراً منه، ومن سَقاهُ الله لبنا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِدْنَا منه، فإنه ليس شيءٌ يُجْزئ من الطعام والشراب إلا اللبنُ. ))

[ صحيح ابن ماجه: حسن ]

يكفي، هذه مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية.

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾

[ سورة النحل ]

هل تملّون مشتقات الألبان؟ يومياً، يومياً تأكلها ولا تملّها، بخلاف أي طعام آخر، أي طعام آخر تَمَلّه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا شرب اللبن يقول: اللهم زدنا منه،

(( وروى الإمام البخاري من حديث أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. ))

[ صحيح البخاري ]

 

الحكمة من فقر النبي عليه الصلاة والسلام:


هناك سؤال: لماذا شاءت حكمة الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً؟ هو هو، لو كان غنياً لقالوا: هذه الثروة الطائلة هي هدفه من هذه الدعوة، لكن أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن هذه المتاعب، وهذه الجهود، وهذا الجهاد، ودنياه خشنة محدودة، محدودة جداً، لما سأله سيدنا جبريل،

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: جلس جبريلُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فنظر إلى السماءِ فإذا ملَكٌ ينزلُ فقال جبريلُ: هذا الملكُ ما نزل منذ خُلِق قبلَ الساعةِ فلما نزل قال: يا محمدُ أرسَلَني إليك ربُّك أفملكًا نبيًّا أجعلَك أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريلُ: تواضعْ لربِّك يا محمدُ، قال: بل عبدًا رسولًا.  ))

[ رجاله رجال الصحيح: مجمع الزوائد: أخرجه أحمد ]

أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره،  فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَت: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي -لا يوجد شيء-فَقَالَ: هيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً -وعشاؤهم لا يكفي الأنصاري وزوجته والضيف، يكفي الأولاد فقط- فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ -وأوهمت الضيف أنهما يأكلان معه-فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ -وضعت لهذا الضيف طعام أولادها-فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: 

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

[  سورة الحشر ]

 

الشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية:


إخواننا الكرام؛ كيف الإنسان لا سمح الله ولا قدر يصاب بورم خبيث؟ مرض عضال؟ مرض مميت؟ مرض قاتل؟ والشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية، الشح مرض، هذا الشحيح يعيش فقيراً ليموت غنياً، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)﴾

[ سورة الإسراء ]

يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن المقدام بن معدي كرب: ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم ثلاث أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه. ))

[ الترمذي: حسن  ]

وقالوا: إن عشر ما نأكله يكفي لبقائنا أحياء، وتسعة أعشار ما نأكله يكفي لبقاء الأطباء أحياء، نحن أكثر متاعب الناس من طعام يزيد عن حاجتهم.
فلذلك أيها الإخوة؛ موضوع الرزق موضوع دقيق جداً، أهم شيء أن تُفَرِّق بين الرزق الذي تنتفع به مباشرة، وبين الكسب الذي تُحاسب عليه ولا تنتفع به.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور