الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الوارث:
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم الوارث.
ورود اسم الوارث في القرآن الكريم مطلقاً ومعرفاً:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق أي من دون إضافة، والتعظيم، معرفاً كما في قوله تعالى:
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58)﴾
وفي قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)﴾
وقد ورد هذا الاسم في دعاء سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)﴾
الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:
أولاً: سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع بعض مخلوقاته، فحينما قال الله عز وجل:
﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾
هل من خالق غير الله؟ لكن سمّى الله هذا الإنسان الذي يصنع شيئاً، سمّاه خالقاً مجازاً، ووازنه مع ذاته العلية، كيف؟ أي الإنسان يصنع كلية صناعية، حجم هذه الكلية كحجم هذه الطاولة، ولابدّ من أن يستلقي الإنسان إلى جانبها ساعات ثمانية، ولا تستطيع أن تصفي الدم تصفية كاملة، ويدفع كل أسبوع مرتين أو ثلاث مبلغاً كبيراً، لو وازنت بين هذه الكلية الصناعية ذات الحجم الكبير، والنفقات الباهظة، وتضييع الوقت الطويل، وبين كلية طبيعية أودعها الله في جسمك، لا صوت، ولا حركة، كأنك لا تعرفها، تعمل بصمت، تُصفي الدم تصفية تامة.
الموازنة بين خلق الله عز وجل وخلق الإنسان تبين عظمة الله عز وجل:
حينما قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سمح لذاته العلية أن تُوازَن مع بعض مخلوقاته لبيان أن الله خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وأن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، هذه الموازنة تُبَين عظمة الله عز وجل.
يوجد بالمستشفيات التي تجري عملية قلب مفتوح قلب صناعي، حجمه بحجم الخزانة، ولابدّ من أن توصل الشرايين بهذا القلب، ولو وازنته مع القلب الحقيقي الذي يعمل بلا كلل، ولا ملل، وبلا صوت.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾
لو وازنت هذه العين التي ترى الأشياء بحجمها الحقيقي، بألوان دقيقة، العين البشرية تُفَرِّق بين ثمانية ملايين لون، وفي الميليمتر من شبكية العين مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما في أعظم آلة تصوير رقمية احترافية يوجد بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، من عشرة آلاف إلى مئة مليون، فهذه الموازنة تُبين عظمة الله عز وجل.
لو وازنت بين مُجَسم لامرأة في محلات بيع الأقمشة وبين المرأة الحقيقية من لحم ودم كم هي المسافة؟ لو وازنت بين وردة صنعت من البترول-البلاستيك-وبين وردة طبيعية، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ .
بطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة:
قال الله عز وجل:
﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾
الآن ببعض الحواسيب الراقية جداً ليس هناك مسافة زمنية بين إعطاء الأمر وتلقّي النتيجة، فكيف بالذات العلية إذا حاسبت؟ كن فيكون، زل فيزول، وسمح الله لذاته العلية أن يُوَازَن مع بعض مخلوقاته قال: وهو ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ شخص في هذه البلدة الطيبة توفي أحد أقربائه وترك ألف مليون، نصيبه وحده تسعون مليوناً، أغلق محله التجاري، وتابع الإجراءات القانونية لأخذ هذا المبلغ كي يقيم المشروعات، ويشتري البيت الفخم، والمركبة الفارهة، ستة أشهر ما دخل محله التجاري وهو يتابع هذه المعاملات، ووافته المنية بعد ستة أشهر ولم يقبض من هذا الإرث شيئاً، الله ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ .
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)﴾
﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)﴾
أي الإنسان لما يضع كل أهدافه في الدنيا يكون مقامراً، ويكون مغامراً، لأنه قد ينال الدكتوراه ولا ينتفع بها، والله عشرات الأشخاص الذين أنفقوا في كسوة بيوتهم سنتين متتاليتين ولم يُسْكَن هذا البيت.
في بعض الأبنية سبعة طوابق في أرقى أحياء دمشق، وفي أعلى أسعار البيوت، سبعة طوابق في بناء واحد لم تُسْكن إطلاقاً، اشتُريت، وزُيّنت، ولما انتهت وافت المنية أصحابها قبل أن يسكنوها، هو ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ فالبطولة أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، البطولة أن تَقْدُم على الله، ولك عمل صالح تلقى الله به، البطولة أن تُعَمِّر بيتك في الدار الآخرة لا أن تُعَمِّر بيتك في الدنيا.
العاقل من أعدّ لساعة مغادرة الدنيا العدة اللازمة:
أيها الإخوة؛ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أحياناً من الواجبات الاجتماعية أن تُقدِّم التعزية لقريب وافته المنية، أحياناً يكون بيت هذا القريب في أرقى أحياء دمشق، وثمنه فلكي، أي مئة مليون، مئة وثلاثون مليوناً، وأنا أؤدي واجب التعزية أسأل: من اختار هذا البلاط؟ صاحب البيت، أين هو الآن؟ من اختار هذه المناظر الرائعة؟ صاحب البيت، من اختار هذه الثريات؟ صاحب البيت، من اختار هذا الفرش؟ صاحب البيت، أين هو صاحب البيت؟ تحت أطباق الثرى، فالبطولة أن تُعِدّ لبيت في الآخرة.
أيها الإخوة الكرام؛ كل مخلوق يمـــــوت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــــجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
[ صالح بن محمد بن عبد الله ]
و:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــور جنـازة فاعلم بأنـك بعدهــا محمـول
البطولة أن تُعِد لهذه الساعة ساعة مغادرة الدنيا، أن تُعِدّ لهذه الساعة العمل الصالح، أي الإنسان كل يوم يقرأ عشرات النعوات، لماذا لا يوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن يقرأ الناس نعوته؟ يكون ملقى على فراشه وقد فاضت روحه إلى السماء، والأهل بعضهم يبحث عن قبر، وبعضهم يجري معاملة الدفن، وبعضهم، وبعضهم، ويخرج هذا الإنسان من بيته لا على رجلين بل في نعش، ولن يعود، هذا اليوم العصيب، كل يوم ندخل إلى المسجد لنصلي، لمَ لا نوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن ندخل المسجد لا لنصلي بل ليُصلى علينا؟
مرة كنت في المغرب، هناك بلدة اسمها فاس عاصمة الإيمان، محل تجاري صغير مكتوب على واجهته كلمات لطيفة، هذه الكلمات: صلِّ قبل أن يُصلى عليك.
لذلك كلمة الوارث هذا المال ليس لك، هذا البيت لن تبقى فيه إلى أبد الآبدين، هذه الزوجة الرائعة لن تبقى معها، إما أن تغادرك، أو أن تغادرها، هذا المحل التجاري، هذا المكتب الفخم، هذه السيارة الفارهة، هذا الذي تستمتع به، لا يمكن أن يبقى لك دائماً.
بالمناسبة، هل يستطيع واحد منا وأنا معكم أن يقول: أنا أستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله؟ مستحيل، لابدّ في أحد الأيام من أن يطرأ علينا طارئ، هذا الطارئ لا نعلم، من الدماغ؟ من القلب؟ من الكليتين؟ من الكبد؟ بحادث سير؟ لا نعرف، هذا المرض الذي يُنهي الإنسان أنا أسميه بوابة الخروج، ماذا أعددنا لبوابة الخروج؟
المعنى اللغوي لكلمة الوارث:
أيها الإخوة؛ الوارث اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره، وَرِث فلان أباه يرثه وراثة وميراثاً، ووَرَّث الرجل ولد مالاً، وَرِث ووَرَّثَ، أي أشركه في ماله، والوراثة في حقنا انتقال المال أو المُلك من المتقدم إلى المتأخر.
ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا ولدي يا أهلي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرُم، وأنفقته في حلّه، وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
والله مرة كنت مشاركاً في تشييع جنازة، قريب لأحد إخوتنا، فلما وُضِع النعش وفُتِح غطاؤه وحُمِل الميت ووُضِع في القبر، وُضِعت الحجرة الكبيرة، أُهيل التراب عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى ممن يعمل لهذه الساعة التي لابدّ منها، ماذا أعددنا للقبر؟ ما العمل الصالح الذي تدخره لساعة فراق الدنيا؟ إذا لقيت الله عز وجل، والله عز وجل سألك: يا عبدي خلقتك، وكرّمتك، وأمددتك بكل ما تحتاج، وخلقت لك ما في السماوات وما في الأرض من أجلك، ماذا فعلت من أجلي؟ هل واليت فيّ ولياً؟ هل عاديت فيّ عدواً؟ هل أنفقت من مالك؟ هل أنفقت من وقتك؟ هل أنفقت من صحتك؟ هل أنفقت من جاهك؟ هل أطعمت مسكيناً؟ هل رعيت أرملة؟ هل نشّأت طفلاً صغيراً يتيماً؟ هل أطعمت جائعاً؟ ماذا فعلت؟ يا رب استمتعت بالدنيا، ما شاء الله! هناك أناس ليس لهم عمل صالح، هم الفقراء حقاً.
أيها الإخوة؛ وارث مال الميت الذي يملك تركته، وارث المُلك الذي يرث سلطانه، هذا المعنى اللغوي لكلمة الوارث.
1 ـ الوارث سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق:
أما الوارث سبحانه وتعالى قال: هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه، أحياناً يخطر في بالي حينما أرى سوقاً من أسواق دمشق العريقة وليكن سوق الحميدية، أقول: كل خمسين عاماً يكون هناك أشخاص جدد لهذه المحلات، يكبر الإنسان، يقعد في البيت، يتولّى أولاده العمل من بعده، توافيه المنية، يبيعون المحل كي يقتسموا التركة، يأتي إنسان جديد، هذه البيوت كلها، وهذه الأسواق كلها، كل خمسين عاماً تقريباً هناك أناس جدد.
مرة قرأت كتاباً من أربعة أجزاء عن قصص العرب، اتّعظت بعد قراءته موعظة بالغة، وجدت أن الأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والفقراء ماتوا، والأصحاء ماتوا، والمرضى ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، وكل مخلوق سوف يموت، ماذا بعد الموت؟ هنا البطولة، الوارث سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق، والوارث صفة من صفات الله جلّ جلاله، وهو الباقي الدائم الذي يرِث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، والله ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ وهو ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ هذه المنطقة منطقة الشرق الوسط جاءها الرومان، وجاءتها شعوب كثيرة، أين هي؟ تحت أطباق الثرى، الله يرِث الخلق، بل هو ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ أي يبقى بعد فناء خلقه جميعاً ويفنى من سواه فيرجع ما كان، فيرجع الأمر إلى الله عز وجل وهو ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ .
إذا كان الخلائق يتعاقبون على الأرض فيرِث المتأخر المتقدم، ويرِث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، فإنه لا يبقَ إلا الوارث هو الله مالك الملك، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)﴾
فالوارث إذاً هو الباقي بعد فناء خلقه، أو الوارث لجميع الأشياء بعد فناء أهلها.
2 ـ الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا:
الآن: والوارث-معنى جديد-هو الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)﴾
أي يَرِث ويُوَرِّث.
3 ـ الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة:
ثم إن الله سبحانه وتعالى وهو الوارث أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة، أنا حينما أُعَزّي أحداً، وأدعو له أقول له: اللهم أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه، إذاً الله وارث يبقى بعد فناء خلقه، ومُورِّث يورث المؤمنين بعض ما كان بأيدي الكافرين، وثالثاً: قد يُوَرِّث المؤمن قصراً في الجنة.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾
دقق الآن؛ ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ المعنى دقيق جداً، أحياناً يكون إنسان درس في جامعة، ونال الدكتوراه، وفتح عيادة، وفتح الله عليه دخلاً وفيراً، وعاش حياة في بحبوحة، مسكن فخم، ومركبة، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، إذا مرّ أمام الجامعة ماذا يخطر في باله؟ يقول: لولا هذه الجامعة والتحاقي بها، ودراستي فيها، ونيل الدكتوراه، ما كنت بهذه البحبوحة.
العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمن للآخرة:
الآن الله جعل العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمناً للآخرة، جعل العمل الصالح في الدنيا ثمناً للآخرة، فالإنسان وهو في الجنة يقول: لولا أن الله جاء بنا إلى الدنيا، وفي الدنيا تعرفنا إلى الله، تعرفنا إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، تعرفنا إلى عظمته، أطعناه، عبدناه، أدينا الصلوات الخمس، صمنا رمضان، حججنا بيت الله الحرام، أنفقنا من أموالنا، حضرنا مجالس العلم، لولا أن الله أورثنا الأرض، وفي الأرض تعرفنا إلى الله، وتبنا إليه، واصطلحنا معه، وقدمنا الأعمال الصالحة لما كنا في الجنة الآن، هذا معنى الآية: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ لولا أننا جئنا إلى الأرض، وعرفنا ربنا في الأرض، واستقمنا على أمره في الأرض، وعملنا الأعمال الصالحة في الأرض لما كنا في الجنة، كما يمر الطبيب أمام جامعته، لولا أنني التحقت بهذه الجامعة، وأمضيت سنوات سبعة، أدرس، وأُحضِّر، وأذاكر، وأتابع، وأجرب، لما كنت في هذه الحياة المريحة بعد التخرج.
من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة:
قال تعالى:
﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)﴾
لذلك الإنسان حينما يتقي الله في الدنيا يكرمه الله في الآخرة، من خاف الله في الدنيا أمّنه يوم القيامة، ومن أمِنه في الدنيا أخافه يوم القيامة، بقاء الإنسان في الجنة إلى أبد الآبدين ليس بذاته، بل بإبقاء الله له، هناك فرق، الله عز وجل بقاؤه ذاتي، واحد أحد، فرد صمد، وجوده ذاتي، فالإنسان إذا سمح الله له أن يبقى في الجنة إلى أبد الآبدين هذا إبقاء الله له، وليس هو باق بذاته، والآية التي قال الله عز وجل:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾
أي لما الإنسان يكون مؤهلاً أن يدير الدنيا يعطيه الله الدنيا، فإن لم يكن مؤهلاً لها لا يعطيها إياه، لذلك الدنيا-دققوا-تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، أي أنت مسلم لا سمح الله وظالم لن تُعطى الدنيا، أما إذا كان هناك عدل ولو كان كافراً يملكها، من هنا قال بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة.
أكبر باطل في الأرض زهوق ولو بعد حين:
قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)﴾
أي هذا المعسكر الشرقي الكبير العملاق الذي دام سبعين عاماً، يرفع شعار لا إله أين هو الآن؟ من حاربه؟ تداعى من الداخل، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾
زهوق صيغة مبالغة، أي أكبر باطل في الأرض زهوق، ومليون باطل في الأرض زاهق.
بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته بل أن تستمر دعوته بعد موته:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ بطولة المؤمن لا أن يموت فتنتهي دعوته، بطولة المؤمن أن يكون حوله دعاة على شاكلته، هذا يسمى اليوم: العمل المؤسساتي، العمل المؤسساتي لا يتأثر بموت أصحابه، العمل المؤسساتي حضارة، لا يتأثر بموت أصحابه، وأول من أشار إلى هذا العمل المؤسساتي سيدنا زكريا.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)﴾
﴿لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب، فدعا ربه فقال:
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)﴾
صلاح الدنيا بالكفر والعدل وعدم صلاحها بالإيمان والظلم:
الآية الدقيقة جداً أيها الإخوة؛
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾
قال بعض العلماء: لعل معنى الصالحين هنا غير المعنى المتبادر، معنى الصالحين أي الصالحون لإدارتها، إذا أقاموا العدل يملكونها ولو كانوا كفاراً، وإذا ظلم المسلمون بعضهم بعضاً يخسرونها ولو كانوا مؤمنين.
المعنى الأخير: اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، هو الإنسان يرث سمعه وبصره، يفقد بصره، يفقد سمعه وهو حي؟ لا، اجعل السمع والبصر يرثاني، وانصرني على من يظلمني، وخذ منه بثأري.
أيها الإخوة؛ الوارث معنى دقيق جداً، وفي لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا الاسم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق