وضع داكن
19-06-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 085 ب - اسم الله الوارث 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها:


أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا في اسم الوارث، فقد روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ   قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.  ))

[ صحيح البخاري ]

إن كنت صحيحاً فاستغل هذه النعمة، وأطع ربك، وبادر إلى الأعمال الصالحة، واملأ وقتك وأنت صحيح بالأعمال التي تنفعك بعد مضي الوقت، وخذ من حياتك لموتك، عند الموت يقف العمل، ويبدأ الجزاء، ونحن في الدنيا عمل ولا جزاء، وبعد الموت جزاء ولا عمل، ((وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) .
الحقيقة إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، أنت حينما تعرف حقيقة الدنيا في أنها دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لإنسان، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، لأنه مؤقت، ولم يحزن لشقاء لأنه مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، حينما تعرف حقيقة الدنيا تسعد بها، وحينما تظنها حياة مستقرة هي محط الرحال ومنتهى الآمال تشقى بها.
 

كل شيء على سطح الأرض سيؤول إلى الله وهو خير الوارثين:


أيها الإخوة؛ هذا من معاني اسم الوارث، كل شيء بيدك سوف يزول، سألوا أعرابياً معه قطيع إبل، سألوه: لمن هذه الإبل؟ قال: أجاب إجابة رائعة قال: لله في يدي، هي لله لكنها الآن في يدي، فبيتك لله في يدك، ومركبتك لله في يدك، ومكتبك التجاري لله في يدك، وثروتك لله في يدك،

(( وعند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: نام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حصيرٍ، فقام وقد أثَّر في جَنبِه، قلنا: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخذنا لك وِطاءً، فقال: ما لي وللدُّنيا؟ ما أنا في الدُّنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شَجرةٍ ثم راحَ وتَرَكَها. ))

[ صحيح الترمذي ]

وطاء أي فراش وثير.
يوجد للحديث روايات عديدة، بعض هذه الروايات أن سيدنا عمر بكى قال له: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟ وهناك إجابات متعددة، قال له: يا عمر! إنما هي نبوة وليست ملكاً، أنا لست ملكاً، إنما هي نبوة وليست ملكاً، هناك رواية ثانية: قال يا عمر! أفي شك أنت؟ أي من نبوتي، هكذا النبي قدوة، وهناك رواية ثالثة: يا عمر! أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ اسم الوارث أن كل شيء بيدك ليس لك، سيؤول إلى غيرك، وكل شيء على سطح الأرض سيؤول إلى الله، وهو:

﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)﴾

[ سورة الأنبياء ]

 

علاقة المؤمن باسم الوارث:


أيها الإخوة؛ الآن علاقة المؤمن بهذا الاسم.
أولاً: أن يتقي الله في حقوق الإرث، والله أيها الإخوة؛ هناك حديث يقصم الظهر،

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إِنَّ الرجلَّ ليعملُ والمرأةُ بطاعَةِ اللهِ ستينَ سنة ثُمَّ يحضرُهما الموتُ فيُضَارَّان في الوصِيَّةِ فتَجِبُ لهما النارُ، ثُمَّ قرأَ أبو هريرَةَ مِنْ بعدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غيرَ مضارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ.. إلى قولِهِ ذَلِكَ الفوزُ العظيمُ.  ))

[ سنن الترمذي: حسن صحيح غريب ]

صائم، مصلّ، مطبق لكل العبادات، لكن حرم البنات، كتب هذا المحل العملاق الضخم لابنه، وعنده أربع بنات، توهم أنه إذا أعطى البنات انتقل المال إلى أُسر أصهاره، لا، هل أنت مُشَرِّع؟ قضية توزيع الإرث ما سمح الله لنبيه أن يوزعها، تولى الله بذاته توزيع الإرث، والله معظم الأسر المسلمة يحرمون البنات، الأخ الأكبر يأخذ وكالة عامة من أخواته البنات، ويتولى الثروة بأكملها، وتحت سمع الأب وبصره، ((إِنَّ الرجلَّ ليعملُ والمرأةُ بطاعَةِ اللهِ ستينَ سنة ثُمَّ يحضرُهما الموتُ فيُضَارَّان في الوصِيَّةِ فتَجِبُ لهما النارُ)) أخرجه أبو داود والترمذي.
فلذلك علاقتك بهذا الاسم الوارث أن تتقي الله في الإرث، أن تعطي كلاً حقه، الابن البار يأخذ كالابن العاق، والعاق كالبار، شأنهما مع الله، لو حرمت العاق لزدته عقوقاً.
لذلك علاقة المؤمن بهذا الاسم أن يتقي الله في حقوق الإرث، ولا يظلم أحداً مما فرض الله له بحسب الآيات الكريمة، ولا سيما إذا كانوا إناثاً، المرأة مظلومة فيما يفعله المسلمون من سلوك لا يرضي الله عز وجل.
 

تطبيقات اسم الوارث:


أيها الإخوة؛ هذا أهم تطبيق لهذا الاسم، أن تتقي الله فيما تدع من مال بين بناتك وبين أولادك.
يوجد عندنا تطبيق آخر، علاقة المؤمن بهذا الاسم الوارث أن تشعر أن الذي بين يديك ليس لك، بل هو صائر إلى غيرك، يدك عليه يد الأمانة، وأنت مستخلف فيه، وعليك أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً، لأن الله ملكك ما ملكك لينظر ماذا ستفعل.
أيها الإخوة؛ كنت في الكويت مكتوب على قصر الأمير عبارة رائعة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، اجعل هذا شعاراً لك، لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، يدك على ما تملك يد الأمانة، الملكية مؤقتة، أنت ممتحن في هذا المال، ممتحن في هذا المنصب، ممتحن في هذا البيت، ممتحن في هذه المركبة، قيل: الخيل إما أن يكون نعمة، أو نقمة، أو ستراً، ستراً أركبت أهلك بها، والنعمة إذا سخّرتها للأعمال الصالحة، والنقمة إذا سخّرتها لمعصية الله.
 

الإرث الحقيقي الذي ينبغي أن تتركه لأولادك هو العلم والأدب:


ينبغي أن يوقن المؤمن من أجل أن تتوضح علاقته بهذا الاسم الوارث أن الله هو الذي يقسِم الأرزاق، وأن الميراث الحقيقي هو ميراث العلم والأخلاق، أكبر شيء تقدمه لأولادك أنك عرفتهم بالله، وحملتهم على طاعته، والله في هذه البلدة إنسان ترك أموالاً فلكية، صديق المتوفى رأى ابنه بعد أيام، سلّم عليه، قال: إلى أين أنت ذاهب؟ هكذا قال والله! أنا ذاهب لأشرب الخمر على روح أبي، ترك له أموالاً طائلة، لكن ما ترك له علماً، ولا خُلقاً، ولا ديناً، ولا ورعاً.
لذلك هذا المال الذي بين يديك هل تعلم ما مصيره بعد وفاتك؟ ماذا سيفعل أولادك به؟ هل عرفتهم بربهم؟ هل حملتهم على طاعة الله؟ هل بثثت فيهم الإيمان والورع؟ إذاً ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الإرث الحقيقي إرث العلم والأدب، لذلك يكتبون على بعض الأبنية في بلدنا: الملك لله، كلمة طيبة، الملك لله.
 

عطاء الله عز وجل ابتلاء وحرمانه دواء:


حينما تشعر أن يدك على ممتلكاتك يد الأمانة، وأن يدك على مالك يد الأمانة، هذا الشعور يجعلك بنفسية رائعة، نفسية من سيُحاسَب، هذا المال وُضِع بين يدك مؤقتاً لينظر الله كيف تفعل؟ ماذا تعمل بهذا المال؟ الآية الكريمة:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

[ سورة الفجر ]

جاء الجواب ردعاً ونفياً:

﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾

[ سورة الفجر ]

أي ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
 

المال موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه:


أقول لكم أيها الإخوة؛ أنت حينما تعلم أن المال ليس نعمة، وليس نقمة، المال موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، فإذا كان كسبه حلالاً وإنفاقه حلالاً كان المال نعمة، وإذا كان كسبه حراماً وإنفاقه حراماً كان المال نقمة، أية نعمة تتمتع بها، أي حظّ من حظوظ الدنيا مكنك الله منه ليس نعمة، وليس نقمة، ولكنه موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، الله عز وجل قال:

﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)﴾

[ سورة الحديد ]

أنت مستخلف، أنت خليفة الله في هذا المال، أنت أمين على هذا المال، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مرة حدثني أخ: رجل عنده مكتبة ضخمة جداً، وفيها كتاب ثمين، صديقه الحميم رجاه أن يُعيره هذا الكتاب لليلة واحد، اعتذر، أقسم بالله صديق هذا الرجل الذي عنده المكتبة رأى الكتاب بعد موته في الحاوية، عندك مكتبة ضخمة لكن ما علّمت أولادك، ما ثقفتهم، فهانت عليهم فألقوها في الحاوية، شيء دقيق، حتى مرة شخص على فراش الموت عنده مكتبة ضخمة جداً، فقال: يا أولادي إياكم أن تعيروا كتاباً منها، قالوا: لِمَ؟ قال: لأن كل هذه الكتب كتب استعرتها بزماني ولم أردها لأصحابها، أي هناك إنسان يستعير كتاباً لا يرده أبداً.
هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا كان يُقرض الدولة البريطانية، فخزانة المال عبارة عن غرفة، غرفة كبيرة، هو كثير الأسفار، يتناول طعام الإفطار في باريس، العشاء في لندن، رجل ملياردير، اسمه روتشيلد، فدخل إلى غرفة أمواله، أُغلق الباب خطأ عليه، وبدأ يصيح إلى أن وافته المنية فجرح يده وكتب على الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعاً، هذا المال الذي بين يديك ليس لك، أنت مستخلف عليه والله ناظر كيف تنفقه.
 

المؤمن في الدنيا والآخرة يرى أن الأمر بيد الله دائماً:


أيها الإخوة؛ الآية الدقيقة:

﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾

[ سورة الشورى ]

هناك سؤال دقيق: بيد من كانت حتى آلت إلى الله؟ العلماء قالوا: هي بيد الله دائماً، لكن العوام عوام الناس يرون الأمور بيد هذا الطاغية، الذي يقبع في بلاد بعيدة، ويتحكم بمصائر الشعوب مثلاً، هذه نظرة ساذجة، الأمر بيد الله أولاً وآخراً، ولكن جميع الخلق يوم القيامة يرون أن الأمر بيد الله، في الدنيا يرونه بيد الطغاة لا بيد الله، لذلك يعبدون الطغاة من دون الله، من ضعف الإيمان، من ضعف التوحيد يتوهم المتوهم أن هذا القوي بيده الأمر، بيده العطاء والأمر، بيده الحرب والسلم، بيده كل شيء، هذا من ضعف الإيمان وضعف التوحيد، لذلك عامة الناس يرون الأمر في الدنيا بيد الطغاة، لكن يوم القيامة يرون أن الأمر بيد الله، أما المؤمن في الدنيا وفي الآخرة يرى الأمر بيد الله، الآية الكريمة:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)﴾

[ سورة الحديد ]

أي المال بيدك، أنا أقسم لكم بالله عندي في مكتبتي عشرات الوصايا من أناس كرام أوصوا ببعض أموالهم للأعمال الصالحة، والله لم تُنفذ ولا وصية، لا تكن تحت رحمة الورثة، أنفق المال في حياتك، ولا وصية نُفذت، والله ترك لهم أربعة أبنية ضنوا عليه بخمسة وعشرين ألفاً صدقة، وعد بدفعها قبل أن يموت فلم يُنَفذوها، لا تكن تحت رحمة الورثة، أنفق مالك في حياتك، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف يُنفق بعد مماتك، لأنه قد لا ينفق.
 

الإرث الحقيقي إرث العلم والحكمة:


الآن المعنى الدقيق أن الإرث الحقيقي إرث العلم والأدب، الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحب، ولمن يحب، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، أعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، إذاً الملك ليس مقياساً، أعطى المال لمن لا يحب؛ أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب؛ لسيدنا عثمان، إذاً المال ليس مقياساً، لكن الذي أحبه ماذا أعطاه؟ قال:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[ سورة القصص ]

أنا دائماً أذكر هذا المثل، لو أن طفلاً صغيراً قال لك عقِب العيد-أنت صديق والده-قال لك: أنا معي مبلغ عظيم، أبوه مدرس، أي معه مبلغ يقدر بمئتي ليرة فقط، عند الطفل مبلغ عظيم، لو قال مسؤول بالبنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، نقدره بمئتي مليار دولار، نفس الكلمة قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير بالبنتاغون فقدرناها بمئتي مليار دولار.
 

من تعرّف إلى الله استقام على أمره وانصاع له:


إذا قال ملك الملوك:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾

[ سورة النساء ]

أنت حينما تجلس بمجلس علم وتتعرف إلى الله عز وجل هذا أكبر عطاء على الإطلاق، لأن هذا العلم ينعكس استقامة، ينعكس عطاءً، ينعكس تواضعاً، ينعكس حباً لله، ينعكس انصياعاً لأمره، ينعكس إحساناً لخلقه، لذلك يقولون عن العلماء: هذا وارث محمدي، وارث أي ورث عن النبي صلى الله عليه وسلم العلم والحكمة والعمل.
لذلك ينبغي لكل واحد منا أن يكون وارثاً محمدياً، يرِث عن رسول الله العلم والعمل والأدب والأخلاق، لذلك ورد في بعض الأحاديث:

(( عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ. ))

[  صحيح أبي داود   ]

 

أكبر عطاء أن تتعرف إلى الله عز وجل:


أكاد أقول لكم أيها الإخوة؛ إن أكبر عطاء على الإطلاق أن تعرف الله، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء.
مرة كنت في مدينة في الشمال أروني قصراً، أنا أتصور الآن ثمنه قريب من خمسمئة مليون، على النمط الصيني، جيء بمهندسين كبار، فيه بذخ، وفيه مواد بناء بأعلى مستوى، الوصف طويل، وصِف لي هذا البناء رأيته من الخارج، وصاحبه كان طويل القامة، مات في الثانية والأربعين، ولحكمة أرادها الله القبر كان أقصر من قامته، فلما وُضِع في القبر دفعه الحفّار بصدره فصار رأسه هكذا، أي زاوية قائمة، قلت: سبحان الله! القصر الذي كان يسكنه الآن قيمته تساوي خمسمئة مليون، ماذا أصبح؟ أصبح بهذا القبر.
فالله عز وجل هو الوارث، لا تقل: هذا البيت لي، إنسان جهِد حتى اشترى بيتاً فخماً جداً، وأعاده على الهيكل، كساه كسوة على ذوقة، بقي سنتين يُشرف على إكسائه من الداخل، ولم يسكن فيه، ما سمح الله له أن يسكن به، والله ﴿خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ .
 

بطولة المرء إذا حقق نجاحاً في الدنيا أن يكون هذا النجاح مستمراً بعد وفاته:


الآن هناك معنى دقيق جداً، سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ أي أنت عندما تفكر أن عملك الصالح يستمر بعد وفاتك تهيئ من ينوب عنك، هذا يسمونه: عمل مؤسساتي، هناك أعمال عملاقة إذا مات صاحبها انتهت، هذا صار عملاً شخصياً، إن كنت في دعوة إلى الله، أسست مشروعاً، أسست ميتماً، أسست عملاً خيرياً، إذا كنت نجحت بعملك بطولتك هذا العمل أن يستمر، عن طريق أن تهيئ من ينوب عنك، من يحِل محلك، أن تربي بعض أولادك على متابعة هذا العمل، فاجعل في ذهنك أن بطولة المرء إذا حقق نجاحاً في الدنيا أن يكون هذا النجاح مستمراً، أعرف أناساً لهم أعمال كبيرة جداً صالحة، هيؤوا أموالاً جمدوها في حياتهم لتكون سبب الإنفاق على هذه المشاريع بعد موتهم، البطولة أنك إذا عملت عملاً ينبغي أن يستمر بعد مماتك.
 أيها الإخوة؛ الدعاء النبوي الشهير:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا.))

[ صحيح الترمذي ]

أي إنسان يعيش عمراً يتمتع بسمعه، وبصره، ونطقه، ولسانه، وقوته، ((وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا)) .
 

اسم الوارث يجعل يدك على ما تملك يد أمانة:


إخواننا الكرام؛ اسم الوارث يجعل يدك على ما تملك يد أمانة، وقد قيل: أندم الناس من دخل ورثته بماله الجنة، له أولاد صالحون، كسبوا هذا المال من أبيهم حلالاً، ودخل هو بماله النار، هو كسِبه حراماً، أولاده دخلوا الجنة بهذا المال، وهو دخل النار بهذا المال، قضية الأموال، وتوزيع الأموال بين الأولاد، والإرث قضايا دقيقة جداً، أذكركم في نهاية هذا اللقاء: ((إِنَّ الرجلَّ ليعملُ والمرأةُ بطاعَةِ اللهِ ستينَ سنة ثُمَّ يحضرُهما الموتُ فيُضَارَّان في الوصِيَّةِ فتَجِبُ لهما النارُ)) هل عندك استعداد أن تلغي كل عملك؛ صلاتك، صيامك، حجك، زكاتك، استقامتك من أجل أن تحابي ابنك الذكر؟ والله كنت مرة في بلد عربي اتصلت بي امرأة قالت: نحن تسع بنات، حرمنا أبونا كل شيء، وأعطى ابنه الوحيد، ترك له كل الثروة، هكذا، عادات جاهلية، ضيق أفق، جهل فاضح، وزِّع الإرث كما أمر الله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور