وضع داكن
01-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 070 ب - اسم الله الودود 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  المودة بين المؤمنين من خَلْق الله عز وجل:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الودود، والآية الدقيقة التي في القرآن الكريم وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)﴾

[ سورة مريم ]

قال علماء التفسير: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينه وبينهم، فالله عز وجل يتودد إلى عباده، أي يحبهم، ويحفظهم، وينصرهم، ويؤيدهم، ويوفقهم، وأن الله سبحانه وتعالى يحبه عباده فيعبدونه ويطيعونه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ أي إذا كان الإنسان يفتخر ويعتز بعلاقة ودية بينه وبين قوي فلأن يكون اعتزاز الإنسان أكبر إذا كان بينه وبين الله عز وجل علاقة حبّ، وعلاقة طاعة، وعلاقة توفيق، إذاً: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينه وبينهم.
وقال علماء التفسير: للآية معنىً آخر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينهم، فالمودة التي بين المؤمنين من خَلْق الله عز وجل، المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم، قال تعالى:

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾

[ سورة الأنفال ]

 

كلما كثُرت المشتركات بين المؤمنين ازداد الحب بينهم:


الود بين المؤمنين من خَلْق الله عز وجل، وعلامة هذا الود أنك لكل المؤمنين وأن كل المؤمنين لك، يؤلمك ما يؤلمهم، يسعدك ما يسعدهم، وهذا من أوضح علاقات البراء والولاء، توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وتتخلى وتتبرأ عن الكفار والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء.
لكن هل من تفسير علمي للود بين المؤمنين؟ الحقيقة أن لكل شخصية سمات كثيرة، لو أن إنساناً سألناه: ماذا تحب؟ ماذا تكره؟ كيف تحب أن تُنفق مالك؟ أية حرفة تحبها؟ ماذا تحب أن يكون أهلك؟ أولادك؟ هناك مئات الأسئلة، بل بضع آلاف الأسئلة، الإجابة عن هذه الأسئلة تُحدد سمات الشخص، السر الدفين العميق في الود بين المؤمنين أن هناك تقاطعات لا تنتهي في شخصياتهم، أي أنت مؤمن وأخوك مؤمن، أنت تتمتع بحياء، وأخوك يتمتع بحياء، أنت تتمتع بضبط لسان، وأخوك يتمتع بضبط لسان، أنت تنفق مالك في وجوه الخير وهو كذلك، أنت ترحم من حولك وهو كذلك، فكلما كَثُرت المشتركات بين المؤمِنَين ازداد الحب بينهما، بل كلما ازدادت التقاطعات بين شخصيتين تعلق كل منهما بالآخر، فلأن القواسم المشتركة والتقاطعات في سمات الشخصين أو المؤمنين كثيرة جداً إذاً العلاقات متينة جداً، وأنت تحب الآخر بقدر التقاطعات بينك وبينه، بقدر القواسم المشتركة بينك وبينه، بقدر الصفات التي تتصف بها وهو كذلك يتصف بها.
 

علامة إيمانك أن تفرح لفرح المؤمن وتحزن لحزنه:


إذاً أسمى علاقة على وجه الأرض علاقة المؤمنين قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

[ سورة الحجرات ]

ويا أيها الإخوة الكرام؛ كمقياس دقيق لإيمانك أن تحب المؤمنين، أن يُقلقك ما يقلقهم، أن يُسعدك ما يسعدهم، أن يفرحك ما يفرحهم، أن تحمل همهم، أن تفرح لخير أصابهم، وأن تتألم لشرّ أصابهم، هذا الذي يفتقر إليه المسلمون اليوم، هذا الحب.
كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم بأعلى درجات الحب فيما بينهم، كان الصحابي الكريم يودع أخاه بعد صلاة العشاء، ويأتي إلى صلاة الفجر فيعانقه ويقول: واشوقاه يا أخي، هذا الحب الذي كان بينهم هو من علامة إيمانهم وإخلاصهم، وهذا مقياس لنا، كن جريئاً وكن صريحاً، واقبل الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل تفرح من أعماق أعماقك لخير أصاب أخاك؟ هل تتألم من أعماق أعماقك لسوء أصاب أخاك؟ هذه من علامات المؤمنين، والدليل:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)﴾

[ سورة التوبة ]

المنافقون.

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا(120)﴾

[  سورة آل عمران ]

فاجعل هذه الآية شعاراً لك، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ فيما بينهم وبينه، وفيما بينهم بعلاقات داخلية.
 

المودة بين الزوجين من آيات الله الدالة على عظمته:


الآن ننتقل إلى أشدّ العلاقات بين شخصين علاقة الزوج بزوجته، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)﴾

[ سورة الشورى ]

والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾

[ سورة فصلت ]

وكما أن الكون من آياته.

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

[ سورة الروم ]

هذه المودة التي بين الزوجين هي من آيات الله الدالة على عظمته، أنا أعرف إنساناً قريباً لي، تأخر زواجه إلى أمد طويل، وهو يقيم في بلد خليجي، فكلما جاء إلى الشام في الصيف لم يُوَفّق إلى زوجة تناسبه، في العام الخامس وقبل أن يغادر بيوم وجد إنسانة تناسبه فعقد عقده عليها، وفي اليوم التالي غادر إلى بلاد الخليج ليتابع عمله، بكت بكاءً مراً في المطار، عمر هذه العلاقة عشرون ساعة فقط، هذا من خلق الله، الود بين الزوجين من خلق الله، وهذا مقياس لنا جميعاً، ورد: الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة.
 

مهمة الشياطين التفريق بين الرجل وأهله:


كل إنسان يحبّ حليلته، يحبّ زوجته، التي هي أم أولاده، هذه من علامة إيمانه، وكلما أبغض الإنسان أهله، لأن الشيطان أكبر نشاط يمارسه أن يُبَغِّض الرجل بزوجته، قال تعالى:

﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)﴾

[ سورة البقرة ]

آية قرآنية، الشياطين مهمتهم التفريق بين الرجل وبين أهله، لذلك: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ معنى السكنى؛ أن الرجل يُكَمِّل نقصه بزوجته، يُكمِّل نقصه العاطفي بزوجته، وأن المرأة تُكمِّل نقصها القيادي بزوجها، إذاً هما متكاملان، كل طرف يُكَمِّل الطرف الآخر، والحب بين الزوجين لا يخبو كما يتوهم الفسقة، أي الأعمال الفنية التي يصنعها الفسقة تبين أن دفء المرأة لا يكون إلا في العشيقة، لا في الزوجة، وهذا أكبر إضلال يُضَلّ به الناس، دفء المرأة يكون في الزوجة.
 

الزواج الإسلامي شيء عظيم مبني على الود والرحمة:


إذاً: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ يوجد بالآية ملمح دقيق جداً، المودة هنا سلوك يُعبَّر به عن الحب، الحب شعور داخلي، يُعبَّر عنه بابتسامة، يُعبَّر عنه بثناء، يُعبَّر عنه بمعاونة، يُعبَّر عنه بشكر، يُعبَّر عنه بهدية، فالمودة سلوك يُعبَّر به عن الحب، فإذا كانت المرأة ملء عين زوجها وضمن طموحه طبعاً يحبها، وإذا أحبها عبّر عن هذا الحب بسلوك لطيف، ابتسامة، محبة، معاونة، هدية، وكذلك المرأة إذا كان زوجها ملء عينها، قوي، وكريم، يدافع عنها تحبه، وتُعبر عن حبها له بالمودة، بخدمته، والبحث عما يرضيه.
لكن لا سمح الله ولا قدر لأن هذه المؤسسة العلاقة الزوجية وهي أقدس علاقة على وجه الأرض هذه العلاقة وُجِدت لتبقى، فإن لم يكن سبب بقائها المودة تأتي الرحمة لتكون سبباً آخر لبقائها، كم من امرأة افتقر زوجها فعملت وأنفقت عليه؟ وكم من زوج أصيبت زوجته بمرض عضال فخدمها أعلى خدمة حتى آخر لحظة في حياتها؟ فهذا الزواج الإسلامي شيء عظيم مبني على الود والرحمة، على الود أو على الرحمة أو عليهما معاً، لذلك الحب شعور، الود سلوك.
 

الكون كله مظهر لمودة الله للإنسان:


شيء آخر؛ كيف نفسر محبة الله لعباده؟ من دلائل هذه المحبة أنه سخر لعباده:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

[ سورة الجاثية ]

كل ما في السماوات وما في الأرض مسخر لهذا الإنسان، الشمس، القمر، الليل، النهار، الهواء، الماء، الينابيع، الأسماك، الأطيار، الأزهار، الورود، المحاصيل، الفواكه، الخضراوات، الزوجة، الأولاد، الزوج والأولاد، كل ما في الكون مسخر لهذا الإنسان، وهذا دليل مودة الله لعباده، لأنه يحبهم، أي الكون كله مظهر لمودة الله للإنسان.
شيء آخر؛ من يصدق أن هناك بضع عشرات من آلاف أنواع النباتات نباتات الزينة، بضع آلاف من أنواع نباتات الزينة، هذه لا تؤكل، ولكن من أجل أن تستمتع بها، أنواع العصافير التي لها ألوان تأخذ بالألباب، أنواع الفراشات، أنواع الورود، أنواع الأبصال، أنواع الأوراق، يوجد بالطبيعة جمال أخاذ، هذا الجمال تقوم حياتنا من دونه، لكنه تعبير عن محبة الله لنا.
الطفل يملأ البيت فرحة بجماله، بذاتيته، بعفويته، الزوجة خُلِقت من أجل الرجل، والرجل خُلِق من أجل زوجته، وكل واحد يكمل الآخر، حينما تختلق هذه النعم إلى المنعم ترى أن كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي نوع من الود.
 

الله عز وجل مع المؤمنين بالتوفيق والتأييد والنصر والحفظ:


أيها الإخوة؛ علماء التوحيد قالوا: الميل، الحب يعني الميل، فالميل من شأنه الضعف والتحسر والألم، لكن الله عز وجل إذا قلنا إنه يحب عباده، معنى الحب البشري لا ينطبق على الذات الإلهية، فالله عز وجل إذا أحبّ أحسن، إذا أحبّ أعطى، إذا أحبّ وفق، إذا أحبّ حفِظ، وهذا معنى الآيات الكثيرة التي تقول: إن الله مع:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾

[  سورة الأنفال  ]

﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

[ سورة البقرة ]

أي معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، معهم بالحفظ، قال تعالى:

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]

 

علاقة الحب هي العلاقة التي أرادها الله أن تكون بينك وبينه:


الإنسان إذا أحبّ خضع، وإذا أحبّ تذلل، وإذا أحبّ مال، لكن الله عز وجل إذا أحبّ وفّق، إذا أحبّ أحسن، إذا أحبّ أعطى، إذا أحبّ حفِظ، إذا أحبّ وفّق، الله عز وجل يقول دققوا في هذه الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[ سورة المائدة ]

لا سمح الله ولا قدر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي العلاقة التي أرادها الله أن تكون بينك وبينه هي علاقة حب، لذلك قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

[ سورة البقرة ]

الله ما أرادنا أن نأتيه مكرهين، بل أرادنا أن نأتيه طائعين، أن نأتيه بمبادرة منا: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[  سورة المائدة ]

وبدأ بحبه لهم، أحبك منحك نعمة الإيجاد، أحبك منحك نعمة الإمداد، أحبك منحك نعمة الهدى والرشاد، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ بالطاعة، والخضوع، والميل، وأداء العبادات.
 

من علامة إيمان المؤمن أنه يخضع لأخيه:


دققوا الآن: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ من علامة إيمان المؤمن أنه يخضع لأخيه، والله عز وجل يقول:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾

[ سورة الإسراء ]

ثم يقول:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]

 

من علامات المحبين لربهم أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين:


الآن دققوا:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

[ سورة الشعراء ]

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ والعياذ بالله المنافق قاسٍ، وقوي على الضعيف، أما القوي ينبطح أمامه، أما الضعيف يتجبر عليه، المؤمن بالعكس، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
 

علامة حبّ الإنسان لربه أن يُذكّر الناس بعفوه وغفرانه وتوبته:


أيها الإخوة؛ حبّ الإنسان إلى الله يعني أن تعرفه، أو أن تزداد معرفة به، وأن تحمل نفسك على طاعته، وأن تتقرب إليه بالأعمال الصالحة، بخدمة الخلق، وأن تدعو إليه، وأن تُحَبب الناس به، علامة حبك له أن تعرفه، أو أن تزداد معرفة به، أن تطيعه، أن تعمل الأعمال الصالحة تقرباً إليه، أن تدعو إليه،

(( عن عبد الله بن عمر: بلِّغوا عنِّي ولو آيةً وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ ومن كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَهُ من النَّارِ. ))

[ صحيح البخاري ]

وأن توالي أحبابه، أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ فقال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، لذلك أنا أقول: هناك دعاة إلى الله صادقون، وهناك مُنفّرون، بقسوة، بغلظة، بعنف، بفظاظة، بكبر، باستعلاء.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

علامة حبك له أن تدعو إليه، أن تحببه بخلقه، أن تذكر لهم رحمته، وعفوه، وغفرانه، وتوبته.
 

تقرّب العبد إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة:


إذا قلنا: الله ودود، الذي يتودد إلى خلقه، أي لا يوجد كلمة أراها أنسب من هذه الكلمة، المؤمن يخطب ود الله، كيف الخطيب إذا خطب فتاة أعجبته وتعلق بها يخطب ودها باتصال يومي؟ ساعتان ثلاث الاتصال، بهدية، كلما دخل بيت أهل خطيبته معه هدية، فالهدية ود، فالمؤمن يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، والله عز وجل يخطب ودّ عباده بنعمه العظيمة.
أنا أرى أن أكبر ودّ من قِبَلك للذات الإلهية أن تنصح عباده، أن تخدمهم، أن ترحمهم، أن تُنصفهم، أن تعطيهم، أن تطعم جائعهم، أن تكسو عاريهم، ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، أي خدمتك لعباد الله، بل خدمتك لكل البشر من دون استثناء، بل خدمتك لكل المخلوقات أحد مظاهر مودتك لله عز وجل، أن تكون في خدمة الخلق، ألا تأكل أموالهم بالباطل، ألا تعتدي على أعراضهم، ألا تلقي الرعب في قلوبهم، ألا تبتز أموالهم، إذا كنت منصفاً ومحسناً هذا أكبر شاهد على مودتك لله عز وجل.
 

أول هدية من الله عز وجل للإنسان ثدي أمه:


أول هدية من الله عز وجل للإنسان ثدي أمه، حليب، معقم، ساخن في الشتاء، بارد في الصيف، تتبدل تركيباته أثناء الرضعة الواحدة.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

[ سورة البلد ]

هذه أول هدية، الأم أكبر هدية للطفل، تشقى ليسعد، تجوع ليشبع، تخاف ليأمن، الحقيقة قلب الأم من آيات الله الدالة على عظمته، فالأم هدية، والأب هدية، انظر إلى الناس  جميعاً ونحن جميعاً كل أعمالنا في الحياة من أجل أولادنا، أنت حظك من الدنيا قليل، لكن تعمل وتعمل وتناضل وتجاهد بالمصطلحين القديم والحديث من أجل أن يسعد أولادك، فالأب هدية، والأم هدية، ما الذي يدعونا جميعاً إلى تربية أولادنا؟ ما أودع الله من حبّ في قلوبنا لهم، ولو نزع الله هذا الحب من قلوبنا ما ربّى إنسان إنساناً.
 

محبة الآباء والأمهات لأولادهم هي محبة الله:


أنا أرى أن محبة الآباء والأمهات لأولادهم هي محبة الله.

﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾

[ سورة طه ]

لو الله عز وجل نزع هذه الرحمة وهذا الحب ما ربّى إنسان ابنه، والقصة الشهيرة أرويها كثيراً هي مُعبّرة رمزية لكنها مُعبّرة، أن أماً تخبز على التنور، مرّ أحد أولياء الله الصالحين، كلما وضعت رغيفاً في التنور أمسكت ابنها وضمته وشمته وقبّلته، قال: يا رب ما هذه الرحمة! قال: وقع في قلبه أن هذه رحمتي يا عبدي، أودعتها في قلب أمه، وسأنزعها-قصة رمزية طبعاً-فلما نزع الله الرحمة من قلب أمه وبكى ألقته في التنور، انتهى.
 

رحمة الله عز وجل هي أحد أسباب التراحم فيما بيننا:


نحن نتراحم برحمة الله، فرحمة الله عز وجل هي أحد أسباب التراحم فيما بيننا، لذلك قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ .
أيها الإخوة الكرام؛ اسم الودود أقرب اسم إلى قلب الإنسان، هو يحبك وينبغي أن تحبه، هو يخطب ودك أيها الإنسان بهذه النعم، وينبغي أن تخطب وده بالطاعة، وخدمة عباده، والخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور