الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
التوكيل يحتاج إلى علم وحكمة:
أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الوكيل.
قالوا: من توكل عليه تولاه وكفاه، ومن استغنى به أغناه وأرضاه، وإذا تولى الله عبده بجميل العناية كفاه، كفاه كل شغل، وأغناه عن كل غير، أي هو التوكل يحتاج إلى معرفة، لن تتوكل عليه إلا إذا عرفته، أنت في حياتك الدنيا إذا سافرت تُسَلِّم محلك التجاري لإنسان تثق به، تثق بعلمه، بكفاءته، بحكمته، بأمانته، لن تضع إنساناً مكانك في عمل له شأن كبير إلا إذا وثقت بصفات كثيرة، فالتوكل ليس كلمة تقولها، وليس وهماً تتوهمه، التوكل حقيقة، أنت لن تتوكل إلا على القوي، العليم، الحكيم، الذي يحبك، الذي لا يخونك، المخلص لك، فأنت في حياتك الدنيا لن تُسَلِّم عملك، شأنك، بيتك أحياناً، تُوَكِّل أخا زوجتك الذي يحبك، وحريص على سمعتك، وحريص على مالك في غيابك، إذاً التوكيل يحتاج إلى علم.
الضعف في أصل خلق الإنسان لحكمة من الله تعالى:
لكن يوجد نقطة دقيقة، لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً، إن خلقه قوياً لن يتوكل عليه، إن خلقه قوياً لن يلجأ إليه، إن خلقه قوياً لن يتوب إليه، إن خلقه قوياً لن يطيع أمره، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة خلقه ضعيفاً، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فإذا افتقر في ضعفه سَعِد في الدنيا والآخرة، لم يخلقه قوياً، لأنه لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، السعادة أن تكون معه، السلامة أن تكون معه، فالضعف في أصل خلقك لصالحك، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده الرضا، عنده التفوق، خلقك ضعيفاً كي تلجأ إليه، بعض العارفين قال:
إذا كنت في كل حـال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هم الــحق لا غيــركم فيـا ليت شعري أنـا من أنا؟
وقالوا:
وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهـن أمـــــان
[ عبد الرحيم بن علي البيساني ]
قرأت قصة عن طائرة تحطمت فوق جبال الألب، مكان انشقاق جسم الطائرة هناك راكب وقع، نزل بعد ثلاثة وأربعين ألف قدم على غابة في جبال الألب، الثلج فوق الأشجار خمسة أمتار، هذا الثلج والأغصان المرنة امتصت هذه الصدمة فنزل واقفاً، من أندر الحوادث في التاريخ أن إنساناً يقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم ينزل واقفاً؟
وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهـن أمـــــان
[ عبد الرحيم بن علي البيساني ]
إذا توكلت على الله خدمك أعداؤك مقهورين، وإذا اعتددت بنفسك قد يتطاول عليك أبناؤك، آخر رحلة للكونكورد من باريس إلى واشنطن، في المطار حديدة صغيرة، هذه الحديدة الصغيرة سببت احتراق الطائرة بأكملها، مع أربعمئة وخمسين راكباً، أحياناً الله عز وجل يهلك على أتفه سبب، وأحياناً يحفظ لأتفه سبب، الأخطار قائمة إذا كنت معه نجاك من هذه الأخطار.
بطولة الإنسان أن يأتي ربه طائعاً وبمبادرة منه:
إخواننا الكرام؛ مرة ثانية نحن نعاني من متاعب، طبيعة الحياة الدنيا متعبة، هناك قلق على الصحة، هناك أمراض لا تُعدّ ولا تحصى، وبعض هذه الأمراض يُحيل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هناك أمراض وبيلة، أمراض، هناك نقص مياه، هناك غلاء أسعار، هناك عدو متسلط أحياناً، هناك شبه مصيبة، هناك شبح حصار، شبح حرب أهلية، هناك فرص عمل قليلة جداً، طرق مسدودة، لو أن أحدنا سأل هذا السؤال: يا رب لماذا هذه المتاعب؟ لأنك في دار العمل، فإذا قصرت بالعمل ابتلاك الله بالهم، أي الله عز وجل يسوقنا إلى بابه،
(( عن أبي هريرة: عجِبَ اللهُ من قومٍ يدخلونَ الجنةِ في السلاسلِ. ))
هو البطولة أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه بمبادرة منك، مرة إنسان أراد أن يسألني سؤالاً، أنك أنت تدعو إلى الله من خمس وثلاثين سنة، قلت له: نعم، قال لي: ما ملخص هذه الدعوة؟ قلت له: بالتعبير الدارج إما أن تأتيه ركضاً، أو أن يأتي بك ركضاً، اختر إحدى الحالتين، لأنه يحبنا، لأنه خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، إذا غفلنا عنه، وانشغلنا بالدنيا، ولم نطعه، وأقمنا حجاباً بيننا وبينه، هو رب، يسوقنا إلى بابه.
أنا أقول دائماً: لو دخلت إلى مسجد، رأيت فيه عشرة آلاف مثلاً، اعتقد يقيناً أن تسعة آلاف من هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، هذا بمشكلة، هذا بمصيبة، هذا بمرض، الله عز وجل رب العالمين، يعالجنا في الدنيا، يسوق لنا بعض الشدائد، والله الذي لا إله إلا هو وهذا إيماني يوم القيامة إذا كشف الله لك عن حكمة الشدائد التي ساقها إليك، إن لم تذب كالشمعة محبة له فهذا الدين باطل، هذا إيماني، والدليل:
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾
تعلق إرادة الله عز وجل بالحكمة المطلقة:
أيها الإخوة؛ دققوا في هذه الآية:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه الشدائد لو لم تكن لكان الله ملوماً يوم القيامة، هذه الشدائد لو لم تكن لكان نقصاً في حكمة الله عز وجل، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، إذاً سعادتك بالإقبال عليه، أمنك بالاتصال به، راحتك بمعرفته، فإذا قصّرت بمعرفته ساق لك من الشدائد ما يدعوك إليه.
والله إنسان أصابته أزمة قلبية، وكان مُفرِطاً في المعاصي، لما شعر بدنو أجله وهو في العناية المشددة قال لي: ناجيت ربي، قال له: يا رب أتحب أن آتيك عارياً ولا عمل صالح لي؟ أمهلني؟ أي أعطيني فرصة، أعطاه فرصة، بعد أيام تحسن وضعه وخرج، فبدأ يحضر دروس علم، قال لي: في إحدى ساعات النشوة مع الله، قلت له: يا رب كل هذه السعادة بالإقبال عليك، لمَ لم تأتني هذه الأزمة من عشر سنوات؟ لا أحد يعرف ما عند الله من سعادة لو اصطلح معه وأقبل عليه.
فأحياناً يسوق لك الشدائد من أجل أن تُقبل عليه، من أجل أن تصل إليه، من أجل أن تتوكل عليه، التوكل على الله شيء مسعد، لكن قلّما يفعله الناس، التوكل يحتاج إلى استقامة، والتوكل يحتاج إلى معرفة، تعرفه وتستقيم على أمره، الآن:
وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهـن أمـــــان
[ عبد الرحيم بن علي البيساني ]
لكن إنسان معرفته بالله ضعيفة جداً كيف يتوكل عليه؟ الآن الناس يحتاجون إلى سند أرضي، يريد مالاً يهبه الأمن، يريد إنساناً قوياً يعتمد عليه، يقيم علاقة مودة بينه، يريد راحته بأسباب أرضية، لكن قلّما تجد إنساناً مؤمناً ثقته بالله وحده، ليس له سند أرضي إلا أن الله عز وجل يطمئنه.
من أحبه الله ألقى هيبته في قلوب الناس:
أيها الإخوة؛ يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ قُلوبَ بَني آدَمَ كُلَّها بينَ إصبَعَينِ مِن أصابِعِ الرَّحمَنِ كَقَلبٍ واحِدٍ يُصَرِّفُه حَيثُ يَشاءُ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ، صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعَتِكَ. ))
هل تعلم أن هذا الحديث وحده يهبك الأمن، هؤلاء الأقوياء الذين حولك، الأقوياء الذين لا تستطيع أن تواجههم، قلوبهم بيد الله، فإذا أحبك الله ألقى هيبتك في قلوبهم، وإذا لم يحبك الله ألقى القسوة في قلوبهم عليك، أي إنسان يعاملك معاملة اعلم علم اليقين أن قلبه بيد الله، إما أن يقسو هذا القلب، أو أن يرق هذا القلب، إما أن يمتلئ قلب عدوك هيبة منك، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً. ))
وحينما تركت أمته منهجه هُزِمت بالرعب مسيرة عام، هذا الذي تخافه قلبه بيد الله، ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصَرِّفُه حيث يشاء)) .
في بعض الآثار أن عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ بالآخرة لا يوجد كذب، يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، الله عز وجل يقول له: إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك، أناس كثيرون ما تركوا لأولادهم شيئاً، لكن تركوا لهم سمعة طيبة، يقول أحد الآباء وقد عاتبته امرأته ما ترك لأولاده شيئاً، يقول لها: أنا ما أكلت مالاً حراماً فاطمئني الله عز وجل سوف يرزقهم.
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله:
قالوا: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، دقق في هذه الآية:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)﴾
والله إنسان يُوَكِّل محامياً لامعاً جداً له هيبة بقصر العدل ينام مرتاحاً، وكلت فلاناً، فإذا وكلت الواحد الديان، فإذا وكلت قيوم السماوات والأرض كيف تكون راحتك؟
مشاعر المتوكل على الله مُسعدة لأن علاقته مع الله فقط:
إخواننا الكرام؛ مشاعر المتوكل على الله مُسعدة، أي علاقته مع جهة واحدة يرضيها، ويتقي أن يسخطها، وعلى الله الباقي، أنا لا أجد آية أشعر أنها حاسمة كهذه الآية:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
فقط، مهمتك أن تعبده: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ، ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ تنتهي مهمتك أن تعبده وعلى الله الباقي، يتولاك، يدافع عنك، ينصرك، يقربك، يلقي محبتك في قلوب الخلق، ويلقي هيبتك في قلوب الأعداء، ألا تكفينا هذه الآية؟
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾
من خرج في سبيل الله توكل الله بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى بيته:
أيها الإخوة؛ دققوا في هذا الحديث الصحيح
(( رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه قال: تَكَفَّلَ اللهُ لمَن جاهَدَ في سَبيلِه لا يُخرِجُه إلَّا الجِهادُ في سَبيلِه، وتَصديقُ كَلِماتِه بأن يُدخِلَه الجَنَّةَ، أو يَرجِعَه إلى مَسكَنِه الذي خَرَجَ منه، مع ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنيمةٍ. ))
إنسان خرج في سبيل الله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، توكل الله بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى بيته، أو من حيث خرج:
﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)﴾
إما أن نستشهد، أو أن ننتصر، أبداً، أي الأحاديث التي وردت عن الشام بعضها فيه كلمة رائعة، فإن الله توكل لي بالشام وأهله،
(( الحديث رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عن عبد الله بن حوالة: سيصيرُ الأمرُ إلى أن تَكونوا جُنودًا مجنَّدةً جُندٌ بالشَّامِ، وجندٌ باليمنِ وجُندٌ بالعراقِ قالَ ابنُ حوالةَ: خِر لي يا رسولَ اللَّهِ إن أدرَكْتُ ذلِكَ، فقالَ: عليكَ بالشَّامِ، فإنَّها خيرةُ اللَّهِ من أرضِهِ، يَجتبي إليها خيرتَهُ من عبادِهِ، فأمَّا إن أبيتُمْ، فعليكُم بيمنِكُم، واسقوا من غُدُرِكُم، فإنَّ اللَّهَ توَكَّلَ لي بالشَّامِ وأَهْلِهِ. ))
بلاد الشام طبعاً التي حول بيت المقدس.
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾
أحياناً تحس أنه يوجد حفظ إلهي، يوجد رحمة، يوجد عناية، أنا لا أقول بهذا المعنى لا يوجد عندنا مشكلات، لكن يبدو أن هذه البلاد الإقبال على الدين فيها متميز.
قوة المؤمن تأتي من توكله على رب العرش العظيم:
الدعاء القرآني قال:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)﴾
هذا التوكل، ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ .
آية ثانية:
﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)﴾
كلمة توكل كلمة كبيرة جداً، عفواً أحياناً طفل لا تستطيع أن تكلمه كلمة، هو لا يخيفك، هو طفل صغير، تخاف من أبيه، يكون أبوه إنساناً قوياً، طفل صغير لا تستطيع أن تتكلم كلمة معه، المؤمن كذلك، الله عز وجل معه:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)﴾
هذه الآية دقيقة، إن أردت أن تنال مؤمناً هل تعلم من وراءه؟ فأحياناً إنسان يتقي أن يؤذي موظفاً، يقول لك: الدولة كلها وراءه، قد يكون ضعيفاً لكن قوته بقوة من ينتمي إليه، كذلك المؤمن مع الفارق طبعاً، المؤمن:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».))
فالمؤمن تأتي قوته من الذي تَوَكَّل أمره، إنه الله.
من آمن بالله وتوكل عليه حفظه الله من كل مكروه:
الآية الثالثة:
﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)﴾
أعتقد الذي يعيش الظروف الصعبة يعرف معنى هذه الآية؟ فرعون، فرعون قتْل الإنسان أهون عليه من قتْل ذبابة، كيف يقول له السحرة؟ الآن بالقصة القضية سهلة، أما أنت عش الظرف، هم أمام فرعون، قالوا:
﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾
ما هذه القوة؟ من يستطيع أن يواجه أقل موظف بفرع قوي؟ أقل موظف:
﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾
أيها الإخوة؛ لذلك دعوات المكروب:
(( قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في دعاء المضطَرِّ: اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عَينٍ وأصلِحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلَّا أنت. ))
[ ابن حجر العسقلاني: الفتوحات الربانية: حسن ]
بالمناسبة أيها الإخوة؛ هذا قانون، تقول: أنا، يتخلى عنك، يكِلك إلى نفسك، تقول: الله، يتولاك، أنت في كل دقيقة بين التولي والتخلي، تقول: أنا قوي، خبراتي متراكمة، اختصاصي نادر، أنا أعرف كيف أتصرف، يكِلك إلى نفسك، تقول: الله عز وجل يحفظني، نحن مفتقرون إليه يتولاك، من أنت ؟ الصحابة قمم البشر، وفيهم سيد البشر لما اعتمدوا على كثرتهم في حنين تخلى الله عنهم، قال:
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
هم، هم، لما افتقروا إلى الله في بدر تولاهم الله، فأنت بين التولي والتخلي تحتاج لهذا الدرس كل يوم وكل دقيقة، تقول: أنا لي حجم مالي كبير، لي سمعة طيبة، أنا أستطيع أن أقنع فلاناً ينتقم من عدوي، عندما تعزو الأمر إليك يتخلى الله عنك، فإذا عزوته إليه مُوحداً تولاك، فأنت بين التولي والتخلي، دعوات المكروب: ((اللَّهُمَّ رحمتَك أرجو فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفةَ عَينٍ، وأصلِحْ لي شأني كُلَّه، لا إلهَ إلَّا أنت)) .
والنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب فاطمة يقول:
(( عن أنس بن مالك: ما يمنعُكِ أن تسمَعي ما أُوصيكِ به؟ أن تقولي إذا أصبحْتِ وإذا أمسَيتِ: يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِك أستغيثُ، أَصلِحْ لي شأني كلَّه، ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَيْنٍ. ))
أبداً.
1 ـ أن توقن بعلم الله وبقدرته وبرحمته وبمحبته:
إخواننا؛ بقي فكرة دقيقة جداً، المتوكل، ما أركان التوكل؟ أو ما مراحل التوكل؟ أو ما خصائص التوكل؟ ثلاثة أركان، ثلاث مراحل، ثلاث خصائص، أول شيء أن توقن بعلمه، وبقدرته، وبرحمته، وبمحبته، هذا التوكل، واثق أن الله بيده كل شيء، وأن الله قادر على كل شيء، وأن الله يحب أن يرحمك، وأن الله يحبك، عليم، قدير، حكيم، رحيم، مُحِب، شرط التوكل أن تعرفه، فاجتهد أن تعرفه من أجل أن تتوكل عليه، هذه مرحلة إيمانية، آمنت به الإيمان الذي يحملك على التوكل عليه.
اثنان: أن تأخذ بالأسباب، هنا المشكلة الكبرى في العالم الإسلامي، توكل بلا أخذ بالأسباب، الجماعة في غاية الراحة، توكلنا على الله، المسلمون ينتظرون معجزة يقضي الله بها على عدوهم، هذا مستحيل، لابد من أن تُعِدّ للأعداء عدتهم.
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾
فالتوكل الحقيقي إيمان بالله، إيمان بقدرته، برحمته، بعلمه، بحكمته، بمحبته، ثم أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، هذا الأخذ بالأسباب برع به الغربيون، واعتمدوا على الأسباب وألهوها، وقعوا في الشرك، وتركه المسلمون، تركوا الأخذ بالأسباب، وقعوا في المعصية، يجب أن تتوكل عليه بعد أن تعرفه وأن تأخذ بالأسباب.
المرحلة الثالثة، وأن تستسلم للنهاية، أنت توكلت عليه ثقة وعلماً، وأخذت بالأسباب، الآن الله عز وجل يسر أو لم ييسر، سمح أو لم يسمح، أجاب أو لم يُجِب، أنت راض عن الله عز وجل، العلم أولاً، والأخذ بالأسباب ثانياً، والرضا بقضاء الله وقدره ثالثاً.
على الإنسان ألا يقول حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن يأخذ بالأسباب:
الحقيقة هناك نقطة دقيقة جداً جداً: عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم-دققوا-قضى بين رجلين:
(( عن عوف بن مالك: فقال المقضيُّ عليه لَمَّا أدبر: حَسْبيَ الله ونعم الوكيل. ))
[ رواه أبو داود والنسائي فيه سيف الشامي لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي ]
هذه كلمة فيها سوء أدب، إنسان ما درس أبداً فلم ينجح، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، لم تنجح جزاء تقصيرك، فالنبي مُشَرِّع، فلما قال هذا الرجل الذي حكم عليه حينما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، قال النبي الكريم له: ((فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ردوا عليّ الرجل، فردوه عليه فقال: ما قلت؟ قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال عليه الصلاة والسلام: إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر فقل: حَسبيَ الله ونعم الوكيل)) أي طالب ما درس أبداً فإذا رسب ينبغي ألا يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ينبغي أن يرى عدم النجاح جزاء طبيعي لعدم الدراسة، أما حينما يدرس دراسة متقنة، ويأتيه مرض لا سمح الله يحول بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقل: حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تأخذ بالأسباب.
ولحكمة بالغةٍ بالغة الله عز وجل يقرر ألا يُستجاب دعاؤك، هذا موضوع ثان، فهذه كلمة إما أن تقال بأدب جم، وبحكمة بالغة، وإما أن تقال بسوء أدب مع الله، مثلاً طالب ما درس إطلاقاً فلم ينجح، كلما سألوه يقول: والله هكذا الله كاتب لي، أنا توكلت عليه، هكذا كاتب لي، هذه زعبرة وهذا دجل، أنت ما درست وما نجحت، بحسب قوانين ربنا ينبغي ألا تنجح، أما درست وأصبت بمرض منعني من أداء الامتحان، تقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
تاجر ما درس الصفقة، اشتراها ببساطة، ما ربحت، خسرت، هكذا الله كاتب لي، لا، أنت مقصر، هذه أن كل أخطائنا نردها للقضاء والقدر، هذا كذب ودجل، لا يُرَدّ للقضاء والقدر إلا شيء أخذت بكل أسبابه، وشاءت حكمة الله ألا تناله، عندئذٍ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقال هذه الكلمة حينما لا تأخذ بالأسباب، إن لم تأخذ بالأسباب هناك نظام عند الله عز وجل، هناك أسباب ومسببات، ذو القرنين:
﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق