الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
على كل إنسان أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله:
أيها الإخوة الأكارم؛ لازلنا في اسم القابض.
اسم القابض قد يعطي معنى التوحيد بعمق شديد، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( عن رفاعة بن رافع الزرقي: لمَّا كانَ يومُ أُحُدٍ انْكَفأَ المُشْرِكونَ، قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اسْتَوُوا حتَّى أُثْنيَ على ربِّي عزَّ وجلَّ»، فصارُوا خَلفَه صُفوفًا، قالَ: «اللَّهمَّ لكَ الحَمدُ كلُّه، اللَّهمَّ لا قابِضَ لمَا بسَطْتَ، ولا باسِطَ لمَا قبَضْتَ، ولا هاديَ لمَن أضلَلْتَ، ولا مُضِلَّ لمَن هدَيْتَ، ولا مُعْطيَ لمَا منَعْتَ، ولا مانعَ لمَا أعطَيْتَ، ولا مُقرِّبَ لمَا بعَّدْتَ، ولا مُباعِدَ لما قرَّبْتَ، اللَّهمَّ ابسُطْ علينا من بَرَكاتِكَ ورَحمتِكَ وفَضلِكَ ورِزقِكَ، اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُكَ النَّعيمَ المُقيمَ الَّذي لا يَحولُ ولا يَزولُ، اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُكَ الأمْنَ يومَ الخَوفِ، اللَّهمَّ عائذٌ من شرِّ ما أعْطَيْتَنا، وشرِّ ما منَعْتَنا، اللَّهمَّ حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قُلوبِنا، وكَرِّهْ إلينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصْيانَ واجعَلْنا منَ الرَّاشِدينَ، اللَّهمَّ توَفَّنا مُسلِمينَ، وأحْيِنا مُسلِمينَ، وألْحِقْنا بالصَّالِحينَ غَيرَ خَزايا ولا مَفْتونينَ، اللَّهمَّ قاتِلِ الكَفَرةَ الَّذين يُكذِّبونَ رُسلَكَ، ويَصُدُّونَ عن سَبيلِكَ، واجعَلْ عليهم رِجزَكَ وعَذابَكَ إلَهَ الحقِّ آمينَ». ))
[ المستدرك على الصحيحين: خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط الشيخين: الحاكم المصدر ]
أحياناً يمنع عنك فالمنع عطاء، وأحياناً يعطيك والعطاء بلاء، لذلك ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً يعطي الإنسان من الدنيا فتبعد عنه رحمة الله، وأحياناً يمنع إنساناً من الدنيا فتأتيه رحمة الله.
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾
أحياناً تأتي الدنيا من كل أبوابها، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، وتكون حجاباً كثيفاً بين العبد وربه، وأحياناً تأتي الضغوط، تأتي المشكلات، يأتي التضييق، تأتي الشدة، فيكون هذا باعثاً إلى أبواب الله، باعثاً إلى عبادة الله، باعثاً إلى الصلح مع الله، فالمؤمن يستسلم، يستسلم للقضاء والقدر، والقضاء والقدر نظام التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يستسلم بعد أن يأخذ بكل الأسباب، فإذا أخذ بكل الأسباب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أخذ بكل الأسباب ووصلوا إليه إلى غار ثور، فلما وصلوا إليه استسلم، وقال:
(( عن أبي بكر الصديق قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ فقال : يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما. ))
[ سنن الترمذي حسن صحيح حسن ]
أي خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء،
(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. ))
[ أحمد: الهيثمي: مجمع الزوائد: رجاله ثقات ]
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))
المصيبة الكبيرة أن يُفتن الإنسان بالدنيا ثم يُقبض وهو مفتون:
إذاً:
((لا قابِضَ لمَا بسَطْتَ، ولا باسِطَ لمَا قبَضْتَ، ولا هاديَ لمَن أضلَلْتَ، ولا مُضِلَّ لمَن هدَيْتَ، ولا مُعْطيَ لمَا منَعْتَ، ولا مانعَ لمَا أعطَيْتَ، ولا مُقرِّبَ لمَا بعَّدْتَ، ولا مُباعِدَ لما قرَّبْتَ، اللَّهمَّ عائذٌ من شرِّ ما أعْطَيْتَنا)) قد يعطي الدنيا فتبتعد عنا رحمة الله، وشرّ ما منعت عنا، وقد يمنعنا من الدنيا فنقع في اليأس، وسوء الظن بالله،
(( وروى الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: حَديثُ: أتَدري فيمَ يَختَصِمُ المَلَأُ الأعلى يا مُحَمَّدُ؟.. الذي في آخِرِه: اللهُمَّ إنِّي أسألُكَ فِعلَ الخَيراتِ، وتَركَ المُنكَراتِ، وحبّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون. ))
المصيبة الكبيرة أن يُفتن الإنسان بالدنيا ثم يُقبض وهو مفتون، أعرف صاحب مطعم يبيع الخمر من ربع قرن ثم تاب وذهب إلى الحج، فلما عاد انخفضت المبيعات انخفاضاً مريعاً، فعاد إلى بيع الخمر، وبعد عشرة أيام قبضه الله عز وجل، قُبِض مفتوناً بالدنيا.
التطبيق العملي لاسم القابض:
أيها الإخوة؛ اسم القابض ما تطبيقه العملي؟ هناك حقيقة دقيقة هي أن الشيء الذي مُنِعت عنه، الذي منعك عنه أصلاً هو الله، ثم خلق الأسباب كي يبتعد عنك، هناك منع أولي من قِبل الله عز وجل، ثم يوجد تنفيذ لهذا المنع، فأنت كمؤمن تؤمن بالقابض والباسط، لا تحقد على من حرمك، ولا تشكر من أعطاك، المعطي هو الله، والذي منعك هو الله، ولكن الله أمرك أنه إذا ساق لك خيراً على يد إنسان أن تشكر الله أولاً، ومن الأدب الذي ألزمك به النبي أن تشكر هذا الإنسان، فأنت حينما تشكر إنساناً لأن النبي أمرك بذلك، أما الذي أعطى حقيقة هو الله، المعطي الأول هو الله، وألهم هذا أن يعطيك، فأنت في الحقيقة يمتلئ قلبك امتناناً لله عز وجل الذي أعطاك على يد فلان، تشكره كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، هذا هو الأدب، هناك أشخاص عندهم غلظة وفظاظة، أنا لا أحد له فضل عليّ، لكن الله أمرك أن تكون شكوراً للناس، هذا بينك وبين الله، يا رب أنت المعطي، الفضل لك، أنا لولا عطاؤك ما كنت شيئاً.
أما أمام إنسان ساهم بحلّ مشكلتك، قل له: أنا أشكرك، لا أنسى لك هذا الفضل، التوحيد لا يتناقض مع الأدب مع الناس، لذلك المؤمن لا يحمد مخلوقاً على ما أعطاه الله، ولا يذمه على ما منع الله، ولكن الأدب أن أشكر من ساق الله الخير على يديه، وأن أذم من بخِل لأن الله عز وجل قال:
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)﴾
وقال تعالى:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)﴾
التوحيد يُبعد الإنسان عن الحقد والنفاق:
أيها الإخوة؛ هو التوحيد يُبعِدك عن الحقد، لا تحقد ولا تنافق، التوحيد يعطيك شخصية قوية، علاقتك مع الله، اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كلها، لذلك الله عز وجل وكّل ملكين ينزلان من السماء، أحدهما يدعو لكل منفق، والآخر يدعو على كل ممسك،
(( فعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَا مِنْ يوم يُصبِحُ فيه العبادُ إلا مَلَكانِ يَنْزِلان يقول أحدُهما: اللهم أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً. ))
والله أستمع إلى قصص يقشعرّ منها جسم الإنسان، ينفق، ينفق، ينفق، فجمّع الله له هذا الإنفاق، ورزقه رزقاً ببساطة ما بعدها بساطة، والله مئة ضعف عما أنفق، وأنا أقول لكم: الذي يشدك إلى الله ليس أن الدين أعطى تفسيراً عميقاً، ودقيقاً، ومتناسقاً للكون والحياة والإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الله معاملة الله لك، ((اللهم أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)) .
حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم القابض:
الآن حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم القابض.
إخواننا الكرام؛ الله عز وجل ثبت ملايين، ملايين، ملايين القوانين، أراحنا، الحياة منتظمة، هناك استقرار، هناك قوانين، الدوران ثابت، هل هناك يوم هناك احتمال لا يوجد شمس؟ لا، لا يوجد دعاء الشروق، هناك دعاء السقيا، الدوران ثابت، المواد ثابتة، الخصائص ثابتة، الحديد حديد، الذهب ذهب، الفضة فضة، البذور بذور، أقول لكم ولا أبالغ: ملايين، ملايين، ملايين القوانين ثابتة، انتظمت الحياة، لكن حرك قانون الصحة، وقانون الرزق، هذان متحركان ليُؤدّب الله بهما عباده، هؤلاء الذين يفهمون بالنواحي المادية، وهناك مستوى أرقى حرك الانشراح والانقباض، الانبساط والانقباض، أحياناً أنت منقبض، تصلي فلا تشعر بشيء، تقرأ القرآن لا تشعر بشيء، تذكر الله لا تشعر بشيء، هناك انقباض، هناك حجاب، يا رب ماذا فعلت؟! أية كلمة تفوهت؟! أي ظنّ أسأت؟! هذا الوضع يؤكد أن الله يربي عباده، يربيهم بالقبض والبسط.
تجد شخصاً مرتاحاً، سعيداً، متفائلاً، مُشرقاً، يقول لك: أنا سعيد جداً، لا يوجد أسعد مني، يكون وضعه عادياً جداً، الله وهبه زوجة صالحة، ومأوى صغيراً، ورزقاً يكفيه، على هذا المأوى الصغير، وهذا الرزق القليل، وهذه الزوجة الصالحة هو أسعد الناس.
هناك إنسان عنده بيوت لا يعلمها إلا الله، قصور، مركبات، مكانة، قوة، يقول لك: لست مرتاحاً، منقبض، يُقسم لي أحد الإخوة الكرام أنه زار إنساناً حجمه المالي أربعة مليارات، قال لي: شكا لي ضيقه وضَجَره وتأففه من أهله، من بيته، من تجارته، من البلد، قال لي: لم أستطع أن أقف على قدميّ بعد هذا الكلام، من مفارقات الحياة أن امرأة طرقت بابه لمساعدة شهرية، فلما زار بيتهم قال لي: والله البيت تحت درج، أي يوجد درج تحت الدرج يوجد غرفة بالمنطقة العالية، والأقل مطبخ، والأقل حمام، وفسحة صغيرة، لا يمكن لإنسان أن يسكن فيه، وهذا البيت فيه سرور، فيه راحة نفسية، الأولاد ثيابهم نظيفة، صاحب البيت يحمد الله عز وجل، قال لي: مفارقة عجيبة، إنسان حجمه أربعة مليارات شكا لي لدرجة أنني لم أستطع أن أقف على قدمي، والمرأة شكرت لله أنه أعطاها زوجاً، وأولاداً، ينقصهم بالشهر ألف ليرة أجرة هذا البيت، فكتب ألفين، قالت له: لا يكفي ألف، نحن نحتاج إلى ألف، هناك مفارقة حادة.
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً الله عز وجل يُلقي في قلبك الرضا، راضٍ عن الله، راضٍ عن بيتك، راضٍ عن زوجتك، راضٍ عن أولادك، قال ملك لوزيره: من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا، لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، ورزق يكفيه، وزوجة ترضيه، إذاً الله عز وجل عن طريق اسم القابض والباسط يؤدب عباده.
من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:
إخواننا الكرام؛ أحياناً التقصير بالعبادات يأتي معه انقباض، لماذا أنا منقبض؟ هناك تقصير، من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، يقول لك: لست مرتاحاً، وأحياناً يُتقن صلواته، يُتقن عبادته، يُتقن أذكاره، يُتقن تلاوته للقرآن، أحياناً يتقرب إلى الله بعمل صالح، أكاد أقول ولا أبالغ: يكاد يرقص من الفرح، الله يبسط ويقبض، إن بسط تشجيعاً، وإن قبض تأديباً، يبسط ويقبض، فبالتقصير من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، لكن انقباض المؤمن شيء-دققوا-وانقباض العاصي شيء آخر، انقباض العاصي عقاباً، العقاب هو القبض، أما انقباض المؤمن أحياناً بالتعبير المستخدم تعطيشاً، يقبض عنه الأحوال ينطلق انطلاقة أخرى، يُجدد عهده، يُجدد طاعاته، يرفع مستوى أعماله الصالحة، فإذا الله عز وجل قبض الأحوال عن مؤمن هذا قبض حافز، القبض يخلق عنده حافزاً إلى متابعة السير، وإلى تجديد الهمة، وإلى مزيد من العمل الصالح، هذا قبض تشجيع، قبض حفز، أما العاصي يُحسّ بالقبض لكن قبض عقاب.
الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة وهي التربية النفسية للمؤمن:
إخواننا الكرام؛ تجلس مع إنسان لا يوجد عنده مشكلة، لكن عنده أكبر مشكلة، يقول لك: لست مسروراً، لست مرتاحاً، الدنيا مملة، سئمت كل شيء، مللت الطعام، مللت السفر، مللت، كل المتع مللت منها، هذا قبض، هذا قبض إنسان انغمس بالدنيا فأراه الله حقيقتها، هذا القبض أحياناً نعمة، يتوق إلى الله، يتوق إلى أن يقرأ القرآن، يتوق إلى أن يصلي ويبكي، ملّ من الأجهزة التي عنده، والريمونت كنترول، وكله تحكم ذاتي، والأمور كلها بالتعبير المستخدم فل أوبشن، ملّ، يريد رحمة الله، فأحياناً الله عز وجل يقبض عنك الأحوال، وتحتقر الدنيا، وأحياناً يفتح لك باب القرب منه فتسعد بهذا القرب.
لذلك الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة، لخروج الإنسان عن مبادئ فطرته، هذا اسمه: التربية النفسية للمؤمن، الله عز وجل يسوق مرضاً أحياناً، يسوق شدة، يُسلط ظالماً، يلوح للإنسان شبح مصيبة، شبح مرض عضال، هذا تأديب، أما يوجد تأديب أنعم، لا يوجد شيء! لكن يوجد انقباض، مصائب لا يوجد، حادث سير لا يوجد، مرض لا يوجد، البيت منتظم، الزوجة، الأولاد، كله تمام، لكن يقول لك: لست مسروراً، هذا تأديب من نوع آخر، تأديب، طبعاً الله يحجب بهذا القبض عن عبده الأحوال، فإذا حجب عنه الأحوال تضايق.
الله تعالى يُقَلِّب عباده بين القبض والبسط:
إخواننا الكرام؛ أحوال البسط فيها منزلق، الإنسان حينما يُبسط له قد ينزلق إلى التقصير بالعبادات، والتساهل في الطاعات، وأحياناً القبض منزلق لليأس، فالله عز وجل حكيم يبسط فإذا اقتربت من التساهل في العبادات، والطمع برحمة الله بلا مبرر يأتي القبض، تقترب من اليأس يأتي البسط، فالله يُقَلِّب عباده بين القبض والبسط.
لذلك سيدنا علي يقول: إن للنفس إقبالاً وإدباراً، إن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض، بحالات القبض إياك أن تتساهل بالفرائض، أدِّ الفرائض بالتمام والكمال، وإذا جاء البسط أدِّ النوافل.
﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)﴾
في البسط منزلق إلى التساهل في العبادات والطاعات، ومع القبض هناك منزلق أن ينقلك القبض إلى اليأس، لكن الله حكيم، إن اقتربت من اليأس بسط الله لك الأحوال، وإن اقتربت من التساهل جاء القبض ليكون تأديباً، لذلك ورد في بعض الآثار
(( عن أنس بن مالك: لو لم تكونوا تُذْنِبونَ لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلِكَ؛ العُجْبُ العُجْبُ. ))
ما الذي أكبر من الذنب؟ ((العُجْبُ العُجْبُ)) .
الصحابة الثلاثة، قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
صار هناك انقباض، لكن بعد الانقباض صار هناك فرج، أنا سآتيكم بمثل: شاب دخل إلى بيته الساعة الواحدة ليلاً، أمه قالت له: أريد هذا الدواء يا بني، أنا متألمة جداً، إذا قال لها: الآن الصيدليات مغلقة، تسكت الأم، لكنه يعلم أن هناك صيدليات مناوبة، تَملّص من خدمتها بهذه الطريقة، يأتي لينام يشعر بالقبض، خان الأمانة، خان بِرها، الآن حالة ثانية:
يا بني أريد هذا الدواء، الساعة الواحدة ليلاً، فخرج من البيت، ودار على كل الصيدليات المناوبة فلم يجد الدواء، وعاد إلى البيت، واعتذر لأمه، ونام، ارتاح، بالحالتين الدواء لم تأخذه، لكن في المرة الأولى جاء القبض عقاباً، ممكن أن تجده في صيدلية مناوبة، في الحالة الثانية طاف على كل الصيدليات فلم يجده فارتاحت نفسه، فإذا الإنسان عنده إيمان صار عنده حساسية دقيقة جداً، عندما يُقصِّر يُحجب، عندما يؤدي واجبه يحسّ بالانشراح.
أيها الإخوة؛ العُجب بالذات أحد أسباب القبض، منتبه لمكانته، لمنصبه، لحجمه المالي، لذكائه، لأناقته، لثيابه الغالية جداً، لخضوع الناس له، حينما ينتبه لمكانته، ولذكائه، وخبراته، وحجمه المالي، وسلطته يُحجب عن الله عز وجل، الإنسان كلما اقترب من الله يزداد سعادة، العُجب إذاً أحد أسباب القبض.
الآن الشبهات، هناك قضية فيها شبهة، فيها فتوى لكن ضعيفة، هناك علماء منعوا ذلك، أو حرموا ذلك، ومعهم أدلة قوية، وهناك علماء تساهلوا، أخذ بالفتوى الثانية، عنده شبهة، هذه الشبهة أحياناً تؤدي إلى القبض، في بعض الأدعية: اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر، يوجد إنسان بعيد عن الله بعداً شديداً يكرمك، تحبه، هذا الحب سرى منك إليه، هو يوجد عنده بُعد عن الله، فيأتي مع هذا الحب قبض،
(( عن أسماء بنت يزيد أم سلمة الأنصارية ألَا أُنبِّئُكم بخِيارِكم؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: خياركم الذين إذا رءوا ذكر الله عز وجل. ))
[ صحيح ابن ماجه: خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره ]
(( عن أبي سعيد الخدري: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ. ))
أحياناً تحب شخصاً لا يوجد فيه دين أكرمك، قريبك، قريب وخدمك خدمة كبيرة تحبه، تتعلق فيه، تتكلم عنه، تمدحه زيادة، تحسّ بقبض، فلذلك الإنسان الأفضل أن تكون علاقاته مع المؤمنين، لأنه يوجد تبادل أحوال طيبة مع المؤمنين، قصّر في أداء حقّ تجاه والدته يحسّ بالقبض، قصّر بأداء حقّ تجاه أولاده يحسّ بالقبض، تجاه زوجته، فكلما ارتقى إيمانك عندك ميزان حساس، تحسّ بالخطأ الصغير، كلما ارتقيت عند الله يزداد ميزانك حساسية.
لذلك قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
أحد أكبر أسباب القبض الشرك:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
من فهم على الله تأديبه وقبضه وبسطه نجا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
هناك حديث آخر يؤكد هذه الحقائق، أحد الصحابة الكرام سأل النبي العدنان عن البر والإثم فقال:
(( عن النواس بن سمعان: البِرُّ حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ. ))
فالإنسان حينما يرتكب الإثم يحسّ بالانقباض، فإذا عندك حساسية بالغة تعهّد قلبك، متى انقبضت؟ متى انبسطت؟ متى تفاءلت؟ متى تشاءمت؟ متى شعرت أنك أسعد الناس؟ متى شعرت أنك في حال صعب؟ يوجد ملل، يوجد سأم، يوجد ضجر، يوجد ضيق، إذا فهمت على الله تأديبه، وقبضه، وبسطه، نجوت من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق