وضع داكن
07-07-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس 093 أ : اسم الله المقدم 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

من أسماء الله الحسنى المُقدِّم:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم المُقَدِّم.
 

ورود اسم المُقَدِّم في السنة النبوية فقط:


هذا الاسم أيها الإخوة؛ لم يرد في القرآن الكريم،

(( ولكن ورد في السنة الصحيحة ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيلِ قال: اللهُمَّ رَبَّنا لكَ الحَمدُ، أنتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرضِ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ رَبُّ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولَكَ الحَمدُ أنتَ نورُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، أنتَ الحَقُّ، وقَولُكَ الحَقُّ، ووعدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكَ الحَقُّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليك تَوكَّلتُ، وإليكَ خاصَمتُ، وبكَ حاكَمتُ، فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وأسرَرتُ وأعلَنتُ، وما أنتَ أعلَمُ به مِنِّي، لا إلَهَ إلَّا أنتَ. ))

[ صحيح البخاري ]

كان إذا قام من الليل يتهجد، قال تعالى:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾

[ سورة الإسراء ]

وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ. ))

[ صحيح مسلم ]

((كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيلِ قال: اللهُمَّ رَبَّنا لكَ الحَمدُ، أنتَ قَيِّمُ السَّمَواتِ والأرضِ ولَكَ الحَمدُ، أنتَ رَبُّ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ ولَكَ الحَمدُ، أنتَ نورُ السَّمَواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، أنتَ الحَقُّ، وقَولُكَ الحَقُّ، ووعدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكَ الحَقُّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعةُ حَقٌّ، اللهُمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليك تَوكَّلتُ، وإليكَ خاصَمتُ، وبكَ حاكَمتُ، فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرتُ وما أَعلَنتُ، أنت المقَدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، وما أنتَ أعلَمُ به مِنِّي، لا إلَهَ إلَّا أنتَ، ولا إله غَيرُك )) .
هذه أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد،

(( وعند مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا سجد قال: عن علي بن أبي طالب: اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ. ))

[ صحيح مسلم ]

وإذا سلَّم من الصلاة قال:

(( عن علي بن أبي طالب: اللهمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. ))

[ صحيح مسلم ]

هذا الاسم أيها الإخوة ورد في السنة الصحيحة. 

المُقدِّم في اللغة:


المُقَدِّم اسم فاعل، من فعل رباعي مضعف، قدّم، يُقَدّم، مُقدِّم، الفعل قدّم يُقدّم، تقديماً،

(( وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». ))

[ صحيح البخاري ]

(( عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».))

[ صحيح البخاري ]

الآن القَدَم كل ما قدّمت أيها الإنسان من خير أو شر، وتقدمت لفلان فيه قدم أي تقدّم في خير أو شر، القَدَم إنسان قدّم شيئاً من خير أو من شر، الشاهد القرآني قال تعالى:

﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)﴾

[ سورة يونس ]

العمل الصالح الذي قدمته ابتغاء وجه الله هو قَدَم، معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أي عمل صالح قدمه المؤمن بين يدي ربه يوم القيامة.
سؤال: لو شخص سأل نفسه هذا السؤال المحرج: أنا آكل وأشرب، وأصلي وأصوم، ولكن ماذا قدمت من عمل بين يدي ربي يوم القيامة؟ هناك آلاف النشاطات لمصلحتك، لتحسين معيشتك، للحفاظ على منصبك، آلاف النشاطات تصب في النهاية لصالحك، أما عمل صالح خالص لا تبتغي منه إلا وجه الله عز وجل، أي عمل فعلته لله عز وجل؟
 

الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد وبتربية أولاده يستمر وجوده:


لا تنسوا أيها الإخوة؛ أن الإنسان إذا استقام على أمر الله حقق السلامة فقط، إذا طبق منهج الله افعل ولا تفعل حقق السلامة، لأن طبيعة الاستقامة طبيعة سلبية، يقول لك: أنا ما اغتبت، ما أكلت المال الحرام، ما فعلت الفاحشة، ما أوقعت بين مؤمنين، ما ابتززت أموال الناس، رائع، لكن كل نشاطات الاستقامة نشاطات سلبية وليست إيجابية، لكن العمل الصالح الذي تُقدمه خالصاً لوجه الله ويوافق السنة هذا العمل هو الذي يرقى بك عند الله، قال تعالى: 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[ سورة فاطر ]

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

[ سورة الكهف ]

فأنت بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك، يقال: لفلان قدم صدق أي له عمل صالح.
 

العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين:


قال تعالى: 

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)﴾

[ سورة الحجر ]

أي علمنا المستقدِمين منكم في الطاعة، من بادر إلى هذه الطاعة؟ من بادر إلى إنفاق ماله في سبيل الله؟ من بادر إلى الإصلاح بين اثنين؟ من بادر لرعاية الأيتام؟ العمل الصالح الذي تُبادره يصنفك مع المستقدِمين، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الطاعة، أو من يأتي منكم إلى صلاة الجمعة في الوقت المبكر، بوقت مبكر فكأنما قدّم بَدَنة، بعد هذا الوقت كأنما قدّم بقرة، بعد هذا الوقت كأنما قدّم شاةً، بعد هذا الوقت كأنما قدّم دجاجة، بعد هذا الوقت كأنه قدّم بيضة، ثم تُختم الصحف، وتجلس الملائكة كي تستمع الخطبة، أما عدد كبير من المسلمين يقول لك: أدركت صلاة الجمعة في الركعة الثانية، قبل أن يقوم الخطيب ليخطب خُتمت الدرجات عند الله عز وجل، إذاً: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ هؤلاء الذين يُبَكرون إلى الطاعات.
أو من يتقدم من الناس على صاحبه في الموت، فلان مات في وقت مبكر، هذا مستقدِم، هناك إنسان آخر الله أمدّ في عمره، هذا في شأن اللغة.
 

التقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله:


لكن إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو المُقَدِّم، ما معنى الله هو المُقدِّم؟ قال: هو الذي يُقدِّم ويؤخر وفق مشيئته، وإرادته، وحكمته، يُقدِّم فلاناً ويؤخر فلاناً وفق مشيئته وإرادته وحكمته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله، تدبير الله عز وجل في أن يُقدِّم زيداً، أو أن يُؤخر عبيداً، هذا من تدبير الله عز وجل، بل من سياسته مع خلقه، هذا التقديم والتأخير على نوعين؛ تقديم كوني، وتقديم شرعي، معنى التقديم الكوني أن الله سبحانه وتعالى كما قال:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾

[ سورة الأعراف ]

الذي يموت قبل الآخر يُعَدّ مُقدَّماً للموت، والذي يُؤخر بعد الآخر يُعدّ متأخراً في الموت، والله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)﴾

[ سورة سبأ ]

لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً قطعياً أن حياتك بيد الله، ولها موعد لا يتقدم ولا يتأخر، ترتاح نفسك، وتصبح شجاعاً، وتصبح عزيزاً، ولا تتذلل أمام إنسان، ولا تتضعضع أمام إنسان، الأمر بيد الله، حياتك بيده، والموت بيده.
 

من معاني المُقدِّم:

 

1 ـ الله عز وجل يُقدِّم في أجل إنسان ويُؤخر في أجل إنسان آخر:

أيها الإخوة؛ إذاً المعنى الأول يُقدِّم زيداً فيموت، ويؤخر عبيداً فيمدّ الله في أجله، هذا المعنى، الله مُقدِّم ومُؤخر. 

2 ـ يُقدِّم الله بعض خلقه على بعض في الخصائص أو المقامات أو القدرات:

هناك معنى آخر، يُقدم بعض خلقه على بعض بناء على حكمة في الابتلاء، يُقدم نبياً على نبي، يُقدم صحابياً على صحابي، يُقدم مؤمناً على مؤمن، قال تعالى: 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾

[ سورة آل عمران ]

قدمها، ﴿وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ الكلمة الثانية تعني أنه اصطفاها من بين ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ بأنها أنجبت مولوداً من دون زواج، هذا شيء مستحيل في النظام الإلهي، لكن هذا الشيء يُعَدّ كرامة لها لأنها ليست نبية، هذه كرامة، فخرق النواميس للأنبياء معجزة، وخرق النواميس لأولياء الله كرامة، وقوله جلّ جلاله عن طالوت:

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)﴾

[ سورة البقرة ]

قدّمه، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا اصطفاء، يصطفي نبياً على نبي، ولياً على ولي، قوياً على ضعيف، غنياً على فقير.
 

أنواع التقديم:

 

1 ـ التقديم الكوني: 

الله عز وجل يُقدم ويؤخر، المعنى الأول يُقدم في أجل الإنسان ويؤخر، المعنى الثاني في الخصائص، في القدرات، في المقامات، هذا التقديم الكوني، إنسان مُقدَّم بالوسامة، إنسان مُقدَّم بالذكاء، إنسان مُقدَّم بالنسب، إنسان مُقدَّم بالحكمة، إنسان مُقدَّم بالسكينة، إنسان مُقدَّم بالرضا، إنسان مُقدَّم بالأمن، إنسان مُقدَّم بالهيبة، الله عز وجل يخلع على المؤمن هيبة، يهابه كل الناس، وقد ينزع هذه الهيبة فيتطاول عليه أقرب الناس إليه، هذا التقديم الكوني، التقديم التكويني، التقديم بفعل الله.

2 ـ التقديم الشرعي وهو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل:

أما التقديم الشرعي هذا متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل،

(( عن الحسين بن علي بن أبي طالب: إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ، وأَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها. ))

[ صحيح الجامع: صحيح ]

الله قدّم في محبته معالي الأمور، أي أنت أيها المؤمن هل تحمل هماً كبيراً؟ هل تحمل همّ المسلمين؟ هل أنت في الأفق الأعلى؟ هل تعيش الدعوة إلى الله أم تعيش مصالحك الذاتية؟ أم تعيش خصومات سخيفة بين الناس؟ أم تعيش القيل والقال؟ وابتزاز الأموال؟ وإضاعة الوقت؟
 

الله جلّ جلاله هو المُقدِّم لأنه:

 

1 ـ يقدم الأشياء ويضعها في مواضعها على مقتضى حكمته وعلى مقتضى الاستحقاق:

المُقدِّم هنا والمؤخر الله أحب أعمالاً فقدمها في الثواب، وأبغض أعمالاً فأخّرها في الثواب، مُقَدِّم ومؤخر، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن البراء بن عازب: إنَّ الله وملائِكَتَه يُصَلُّون على الصفِّ المقدَّم -على أول صف-والمؤذِّنُ يُغْفَرُ له بمدِّ صوته ويصدِّقُه مَنْ سمعه مِن رَطْب ويابس، وله مثل أجرُ مَنْ صلَّى معه. ))

[ أخرجه النسائي: إسناده جيد ]

وفي صحيح مسلم:

(( عن أبي هريرة: لو يعْلَمُونَ أو تعلمون ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لكانت قُرْعة. ))

[ صحيح مسلم ]

(( وعند أبي داود من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتِمُّوا الصفَّ المُقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقْص فليَكُن في الصف المؤخَّر. ))

[ أبو داود: صحيح ]

أيها الإخوة؛ الله قدّم تجهيز الميت على أي شيء آخر، قال:

(( عن أبي هريرة: أسْرِعوا بجنائزكم، فإن تكُ صالحة فخير تقدِّمونها، وإن تَكُ سوى ذلك فَشَر تضعونه عن رقابكم. ))

[ صحيح البخاري ]

أمرنا بالإسراع، فالمُقدِّم هو الله جلّ جلاله الذي يُقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها على مقتضى حكمته، وعلى مقتضى الاستحقاق، أي بشكل أو بآخر من استحق التقدم قدّمه الله، ومن استحق التأخر أخّره الله. 

2 ـ قدم أحبابه ورفع ذكرهم وأعلى قدرهم وعصمهم:

الله تعالى هو المُقدِّم، هو الذي يرفع ذكرك، هو الذي يُعلي قدرك، هو الذي يُوفقك، قدّمك بالتوفيق، قدّمك بالنصر، قدّمك بالتأييد، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أي قدمنا بالعطاء، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، كن لنا ولا تكن علينا، أي قدمنا يا رب، المؤمن طموح، الله عز وجل هو المُقدِّم الذي قدم أحبابه، ورفع ذكرهم، وأعلى قدرهم، وعصمهم. 

3 ـ قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء:

قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم ما خُوطب باسمه إطلاقاً، الله عز وجل قال: 

﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)﴾

[ سورة مريم  ]

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)﴾

[ سورة المائدة ]

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)﴾

[ سورة الأعراف ]

لا يوجد آية واحدة في القرآن يا محمد، هناك:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾

[ سورة الفتح ]

بالخطاب ما خاطبه باسمه أبداً، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)﴾

[ سورة الطلاق ]

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)﴾

[  سورة المائدة  ]

رفع قدره، جعله سيد الأنبياء والمرسلين، جعله سيد ولد آدم، جعل له المقام المحمود، مقام الوسيلة. 

4 ـ قدّم الأنبياء على الأولياء:

قدم أنبياءه على أوليائه، هناك شطحات مرفوضة، بعض الأولياء يقول: خضت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء، هذا مرفوض أشدّ الرفض، هناك مقامات عند الله عز وجل، قدّم الأنبياء، قدّم النبي عليه الصلاة والسلام على كل الأنبياء، قدّم أولي العزم على بقية الأنبياء. 

5 ـ قدّم الصحابة الكرام على التابعين والتابعين على تابعي التابعين:

الآن قدّم الصحابة الكرام على التابعين، وقدّم التابعين على تابعي التابعين وقال:

(( خيرُ القرونِ قرْني ثمَّ الَّذين يلونَهم، ثمَّ الَّذين يلونَهم، ثمَّ يأتي قومٌ يشهدونَ ولا يُستشهدونَ, وينذُرونَ ولا يوفونَ, ويظهرُ فيهم السِّمَنُ . ))

[  ابن رجب: جامع العلوم والحكم: صحيح  ]

 

المراتب في الدنيا مؤقتة:


الآن هناك شيء دقيق، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

[ سورة الإسراء ]

أي تاجر كبير، رئيس غرفة تجارة، دخله بالملايين، صفقاته كبيرة جداً، هذا قُدِّم على بائع متجول في بعض الأسواق، في الدنيا أقول الآن، رئيس أركان في غرفة مدفأة شتاء، مكيفة صيفاً، مركبات، هذا مُقدَّم على جندي التحق بالخدمة الإلزامية، عُين في مكان في الجبهة وفي أيام البرد، هذا مُقدَّم، جرّاح قلب على كل عملية مبلغ فلكي مُقدَّم على ممرض ينظف المرضى، أستاذ جامعي كبير يحتل كرسياً أساسياً في كلية كبيرة جداً مُقدَّم على معلم في قرية، دقق الآية: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ هذه المراتب في الدنيا أولاً مؤقتة، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى،

(( عَنْ أبي هريرةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ على الأبوابِ، تنبُو عنه أعينُ الناسِ لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ. ))

[ أخرجه مسلم: السلسلة الصحيحة: حسن  ]

قد تجد مؤمناً خاملاً لا أحد يعرفه، مُعَتّم عليه، قُلامة ظفره تساوي مليون رجل فاسق. 

بطولة الإنسان ألا يوازن بين شخصين إلا إذا ضمّ مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا:


لذلك: 

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾

[ سورة الواقعة ]

أقول لكم: الغنى والفقر بعد العرض على الله، والوسامة والدمامة بعد العرض على الله، قد تكون فتاة مستوى جمالها دون الوسط، أو دون بكثير، ما أُتيح لها أن تتزوج لكنها صالحة، مؤمنة، تقية، نقية، تُحِب الله ورسوله، هذه قد تكون في الآخرة مع الملكات، والوسامة والدمامة بعد العرض على الله، والذكاء والمحدودية بعد العرض على الله، قد تجد إنساناً يحمل أعلى شهادة في الأرض لكنه فاسق فاجر، يأتي إنسان أُمّيّ لكنه أطاع الله عز وجل، مقامه هذا يوم القيامة في أعلى عليين.
البطولة ألا توازن بين شخصين، ولا بين شيئين، ولا بين كيانين، ولا بين تجارتين، إلا إذا ضممت مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا.
 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء وفي الآخرة توزيع جزاء:


أيها الإخوة؛ ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ، المال حظ، الوسامة حظ، القوة حظ، الصحة حظ، شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ على عباده في الدنيا-دققوا-توزيع ابتلاء، ثم تُوَزّع هذه الحظوظ في الآخرة توزيعاً آخر، توزيع جزاء، مراتب الآخرة أبدية، مستمرة، تعني كل شيء، أما في الدنيا قد يُعطي الله المُلك لمن لا يحب، الدليل أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، وقد يعطيه لمن يُحب، أعطاه لسليمان عليه السلام، وقد يعطي المال لمن لا يُحب، أعطاه لقارون، وقد يعطيه لمن يحبه، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن ابن عوف، إذاً حظوظ الدنيا لا تعني شيئاً، وليست مستمرة، مؤقتة، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، الموت ينهي كل شيء، فالبطولة تلك المرتبة التي تحتلها بعد الموت:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

[  سورة القمر ]

هذه البطولة، هذا الذكاء، هذا النجاح، هذا الفلاح، هذا التفوق.
 

الله عز وجل يُقَدِّم استحقاقاً ويُؤَخِّر استحقاقاً:


أيها الإخوة؛ الله عز وجل يُقَدِّم استحقاقاً، ويُؤخِّر استحقاقاً، الذي قدّمك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، والذي أخّرك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، وقد يُقدِّم تفضلاً، تشجيعاً لك، وقد يُؤخر حكمة، ربما أعطاك-أي قدّمك-فمنعك، وربما منعك فأعطاك، لو جاءتك الدنيا كما تتمنى ربما كانت حجاباً بينك وبين الله، وإذا حرمك منها لحكمة بالغةٍ بالغة ربما كان هذا الحرمان باعثاً لك إلى الله، إذاً ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
لكن بشكل أو بآخر مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطُب ودّ الله ثم لا يُقَدِّمك الله، دقق؛ أن تخطُب ودّ الله، أن تُخلِص له، أن تطيعه، أن تحبه، أن تستقيم مع خلقه، أن تحب خلقه، أن تُكرم خلقه، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطُب وده بخدمة خلقه، والإخلاص لهم دون أن تكافأ مكافأة عالية جداً.
 

المقياس الانتمائي أفسد المجتمعات المسلمة:


أيها الإخوة؛ الآن تطبيقات هذا الاسم إنسان خطب ودك ينبغي أن تهتم به، أنت بموقع قيادي، بمؤسسة، بجامعة، بمستشفى، بمعمل، بمدرسة، إن لم تُقدم المجتهد وتؤخر المقصر أفسدت المجتمع في هذه المؤسسة، إن لم تُقدم المتفوق زهدته في التفوق.
طالب يكتب وظيفته كل يوم، لا يوجد شيء لا مكافأة ولا ثناء، طالب لا يكتبها، لا يوجد عقاب، بعد حين لا أحد يكتب الوظائف، أنت إذا كنت في منصب قيادي ينبغي أن تُقدِّم المتفوق، وأن تُؤخره بمقياس موضوعي لا بمقياس انتمائي، الذي أفسد المجتمعات المسلمة المقياس الانتمائي، بمقياس موضوعي يجب أن تُقدِّم المتفوق وأن تُؤخّر المُقصر.
أيها الإخوة الكرام؛ لهذا البحث تتمة إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور